مع بداية العام الدراسي الجديد، نشرت صحيفة «واشنطن بوست» ملحقا عنه، ونشرت فيه معلومات كثيرة عن حاجات الطلبة والطالبات من ملابس، وكتب، ومعدات مدرسية. ونشرت أن «شيئا واحدا لا يمكن أن يشترى، وهو تحمل المسؤولية». وقالت الصحيفة إن «أهم خطوات تحمل المسؤولية هي السيطرة على النفس»، وأشارت إلى كتاب يستعمل في المقررات المدرسية في هذا المجال: «تعليم السيطرة على النفس».
مع بداية كل عام، صار مؤلف الكتاب، مارتن هنلي، وهو شخصية شعبية، يتجول من مدرسة إلى مدرسة، ويقدم محاضرات عن السيطرة على النفس («سيلف كنترول»).
عادة، يبدأ بسؤال نفسه: «ماذا يفعل المدرس عندما يرى تلميذا يفتقد أبسط قواعد السيطرة على النفس والتعايش مع الآخرين؟». ويجيب: «يوجد حل سهل وبسيط: مثلما يحرص المدرس على تعليم التلاميذ الرياضيات، والعلوم، والقراءة، والكتابة، يجب أن يحرص على تعليمهم السيطرة على النفس».
وبينما يستعمل أغلبية خبراء التعليم عبارة «سيلف كنترول» (السيطرة على النفس)، يستعمل آخرون عبارة «سيلف ريغيوليشن» (تنظيم النفس، أو تقنين النفس). لكن، لأن الثانية تبدو أكثر تشددا، يقول الأوائل إنها «ميكانيكية»، وتجعل عقول الأولاد والبنات مثل وزارة، أو مؤسسة.. لكن يقول أصحابها العبارة إنها تجمع «السيطرة الواعية» على النفس بـ«السيطرة غير الواعية»، وذلك بالتعود على التنظيم أو التقنين، حتى يصير تلقائيا (مثل أن يوقف الشخص سيارته عند ضوء المرور الأحمر، حتى إذا لم يكن واعيا بما يفعل).
* منذ الطفولة
حسب الكتاب، يجب أن يبدأ الوالدان تعليم الطفل (أو الطفلة) السيطرة على النفس في سن مبكرة، وقبل دخول رياض الأطفال، أو المدرسة الابتدائية.
كيف ذلك؟ يقول الكتاب: «لأن سيطرتك على نفسك هي نقيض سيطرة الآخرين على نفسك»، لكن طبعا في المراحل الأولية يعتمد الطفل على والديه اعتمادا ليس عقلانيا (لأنه لا يقدر على أن يفسر الأشياء في تلك المرحلة الأولية من عمره)، ولكنه عاطفي (لأنه يخاطب والدته بعواطف مثل البكاء أو الفرح). ويصير أول تواصل هو عن طريق حاسة اللمس التي تجعل الطفل يستجيب لها، ثم يستعملها هو نفسه لتستجيب له والدته.
لهذا، صار اللمس، حسب الأبحاث العلمية، يؤثر على خلايا المخ، مما يمهد لتعمل هذه الخلايا مستقلة عن الإحساس باللمس. أي تتدرب خلايا المخ، في تلك السن المبكرة، على الانتقال من الإحساس (البدائي) إلى التفكير (التطوري).
في تلك المرحلة المبكرة، يبدأ الصراع داخل مخ الطفل بين العاطفة والمنطق، في جانب، عاطفة الالتصاق بالأم (ولمسها، والاعتماد عليها). وفي الجانب الآخر، رغبة الاستقلالية.
وبينما لا يمكن تقليل أهمية العاطفة في تلك المرحلة المبكرة، ينصح الكتاب بتعليم الطفل على الانتقال، تدريجيا، نحو التصرفات المنطقية الواعية.
ويقول الكتاب إن «العواطف البدائية هي الوسيلة التي يفرق بها الطفل بين (الطيب) و(السيئ). مثلا: الإحساس بأن حفاضته قد ابتلت، وأن والدته ستغيرها إذا بكى. في وقت لاحق، يتحول الإحساس إلى تصرفات عقلانية، وكأن الطفل يريد أن يخاطب والدته بأن حفاضته قد ابتلت».
* المدرسة الابتدائية
في رياض الأطفال، حسب الكتاب، تتحول المسؤولية من الوالدين فقط إلى طرف ثانٍ هو المدرسون والمدرسات. لهذا، يصير الكتاب مثل كتاب إرشادات لغرس «الاعتماد على النفس» في الطفل.
ويضيف الكتاب: «ربما لا يصرح بها طفل، أو ربما لا يفكر فيها طفل.. لكن التعود على حياة خارج المنزل، وعلى أشخاص غير الوالدين، يجعل الطفل يفهم ويقدر معنى الاستقلالية، معنى عدم الاعتماد فقط على الوالدين».
في هذه المرحلة، لا تكون الاستقلالية هدفا في حد ذاتها، بل يتعلمها الطفل يوما بعد يوم في روضة الأطفال. يحس بـ«سعادة الاستقلالية»، ويريد أن «يستمتع بها أكثر وأكثر»، كل صباح يذهب فيه إلى روضة الأطفال. غير أن أكثر تحول نحو الاستقلالية يأتي في المرحلة التالية، وهي: المدرسة الابتدائية. لهذا، ينصح الكتاب بالتركيز على «السيطرة على النفس» في هذه المرحلة، خصوصا لأن دور الوالدين يصير أقل مما كان عليه في المراحل السابقة.
* كيف تتم السيطرة على النفس؟
أولا: التحاشي («أفويدانس»): ليس فقط تحاشي وضع يؤذي، ولكن أيضًا تحاشي مجرد الإحساس بتوقع الأذى، أو عدم الارتياح النفسي.
ثانيا: الوعي بالنفس («سيلف كونشاص»): يجب أن يكون كل تصرف واعيا. لا أن يكون صدفة، أو عشوائيا.
ثالثا: التفكير المنطقي («راشوناليزم»): يحدث هذا بالابتعاد أكثر وأكثر عن مراحل التصرفات العاطفية (مرحلة البكاء عندما ابتلت الحفاضة).
رابعا: الفردية («انديفيديواليزم»): يفكر الطفل ويتصرف في فردية. لا كراهية في غيره، ولكن لسهولة سيطرته على نفسه، بالمقارنة مع سيطرته على غيره.
خامسا: نظرية الهدوء («كواياتزم»): ليس فقط بطلبات أن يكون هادئا، ولكن بتعليمه أن الهدوء «عقيدة»، ولا بد من «الإيمان» بها.
* الشريحة الجبهية الدماغية
يعتمد الكتاب على تحليلات نفسية في نفس الوقت الذي يعتمد فيه على نتائج أبحاث علمية. يعتمد مثلا على اكتشافات عن الشريحة الجبهية الدماغية («فرنتال لوب»)، بأنها هي التي «تسيطر على السيطرة على النفس».. هنا توجد الخلايا التي تربط، وتنسق، وتطور، عملية التفكير العقلاني (لا العاطفي).
في مرحلة أولية، تسيطر على اختيارات مثل: هل ألبس القميص الأبيض أو الأخضر؟ هل آكل تفاحة أو برتقالة؟ وفي مرحلة تالية، تسيطر على اختيارات مثل: متى أنام؟ متى آكل؟ كيف أربط بين وقت النوم ووقت الأكل؟
تصير هذه مرحلة «الاستراتيجيات»، لا مرحلة «الخيارات»، وتحتاج إلى:
أولا: الرقابة الذاتية («سيلف مونيتورنغ»): تحتاج هذه إلى مزيد من التفكير العقلاني. مثل شخص يقود سيارة، ويجب أن يراقب اتجاهاتها.
ثانيا: المسؤولية الذاتية («سيلف ريسبونسبليتي»): يعنى هذا تحمل المسؤولية، وتحديد الخطأ، وسببه، وطريقة إصلاحه.
يقول الكتاب إن هذه «الاستراتيجيات» تصير هامة لأن الطفل يكون على أبواب مرحلة المراهقة، ويصير أكثر تعرضا لآراء الآخرين. وبعد أن تخلص من تأثير الوالدين، صار يواجه ضغوط الزملاء («بير برشار»). وطبعا، لا بد من الرقابة الذاتية والمسؤولية الذاتية لمواجهة هذه الضغوط.
ويضيف الكتاب: «تصور هذه مرحلة تحديد الهوية. من أنا؟ ماذا أريد؟».
* بعد السيطرة
من بين اكتشافات ونظريات التحليل النفسي للأطفال التي يعتمد عليها الكتاب، «نظرية كافتر» (1971) التي تجمع أربعة عناصر:
أولا: السيطرة على النفس («سيلف كنترول»).
ثانيا: مراقبة النفس («سيلف مونيتورينغ»).
ثالثا: تقييم النفس («سيلف افاليويشن»).
رابعا: تحسين النفس («سيلف رينفورس»).
هذه هي أسس التحليلات النفسية (للكبار والصغار). لهذا، يحذر الكتاب بأن عدم تعلم الطفل السيطرة على نفسه سينعكس بصورة سلبية عندما يكبر (طبعا، في هذه الحالة، يجب أن يتعلم الشخص الكبير هذه الأسس، لكن قد يأتي ذلك متأخرا، مما يزيد المشكلات النفسية مثل: الإحباط، والتوتر، والقلق).
وحسب «جورنال أوف شايلد سيكولوجي» (علم نفس الأطفال)، «يظل الشرط الأول ليلعب كل شخص دورا إيجابيا في المجتمع هو السيطرة على نفسه ضد العواطف الجياشة، وضد الرغبات المثيرة».
وتضيف الدورية أنه «لا يوجد عامل بشري أقوى من عامل الرغبة في التخلص من المسؤوليات والواجبات، وفي المتعة حبا في المتعة. لهذا، إذا تفوقت العاطفة ينجرف الشخص معها، لكن إذا سيطر الشخص على عواطفه يقدر على أن يفيد نفسه ويفيد المجتمع الذي يحيط به».
