تي إس إليوت.. أميركي أم بريطاني؟

جمعية أميركية وأخرى بريطانية تختلفان حول انتمائه في ذكرى مولده

تي.إس. إليوت
تي.إس. إليوت
TT

تي إس إليوت.. أميركي أم بريطاني؟

تي.إس. إليوت
تي.إس. إليوت

يوم 26 من هذا الشهر سينعقد في سانت لويس (ولاية ميزوري)، حيث ولد الشاعر الأميركي البريطاني توماس ستيرن إليوت (تي إس إليوت)، المؤتمر السنوي الذي تنظمه جمعية إليوت الأميركية. هذه واحدة من مرات قليلة ينعقد فيها المؤتمر في نفس يوم ولادة إليوت عام 1888. وكان ينعقد كل عام في عطلة نهاية الأسبوع الأقرب إلى يوم ولادته. هذه المرة، صادفت عطلة نهاية الأسبوع يوم ولادته.
كل عام، تختار الجمعية موضوعا معينا عن إليوت، وتناقشه. مثلا: قصيدة من قصائده، أو صراعه بين العقلانية والدين، أو تأرجحه بين التقليد والحداثة، وأخيرا بين التراثين الأميركي والبريطاني.
ويظل هذا الموضوع الأخير هو الموضوع المحبب عند النقاد الأميركيين، وربما من أسباب ذلك «المنافسة» مع جمعية إليوت البريطانية، التي، طبعا، لا تشك في أنه بريطاني.

* من هو إليوت؟
ولد إليوت في سانت لويس. وكان والده قسيسا في طائفة «يونيتيريانزم» (الموحدين). كما كان رجل أعمال ناجحا، وفر لعائلته حياة شبه أرستقراطية. ومنذ أن كان صغيرا، أحب الابن الشعر، ومن بين الشعراء الذين درسهم عمر الخيام.
درس إليوت في مدرسة ثانوية في سانت لويس. ثم في جامعات هارفارد، والسوربون، وكمبردج، ثم عاد إلى هارفارد حيث نال دكتوراه في الأدب. وكان عنوان رسالته: «المعرفة والتجربة في الفلسفة الحديثة.»
نال الدكتواره عام 1916 (كان عمره 26 عاما). وقبل ذلك بعام، كان استقر في لندن، وتزوج بريطانية. وبدأت علاقته مع أميركا تقل تدريجيًا.
بعد ذلك بعشرة أعوام تقريبا، تحول من دين عائلته الأميركية (المسيحيين الموحدين) إلى الكنيسة البريطانية (إنجيليكانزم). ثم تحول إلى أقصى اليمين فيها، وانتمى إلى خليط من الإنجليكية والكاثوليكية. في نفس العام، 1927 (كان عمره 35 عاما)، تنازل عن الجنسية الأميركية، ونال الجنسية البريطانية.

* أميركي أو بريطاني؟
في ندوات جمعية إليوت الأميركية، يناقش الأميركيون (تتكون أغلبيتهم من أساتذة جامعات درسوا إليوت، أو كتبوا كتبا عنه. ويوجد غيرهم معجبون به، أو معجبون بالشعر عامة) هذا التحول من الانتماء الأميركي إلى الانتماء البريطاني. وفي دورة سابقة من الندوة نفسها عقدت قبل عامين، كتب غالجيمي لاندرفارود، أستاذ أدب في جامعة كاليفورنيا: «خلال ثلاثمائة عام، لم يرفض الجنسية الأميركية من أحفاد أندرو إليوت غير تي أس إليوت». وهذه إشارة إلى أن جد إليوت الكبير هاجر في القرن السابع عشر من بريطانيا إلى الدنيا الجديدة (قبل مائة سنة من استقلال الولايات المتحدة). ولفترة من الزمان، فكر في أن يعود إلى بريطانيا. لكنه، لم يواجه مشكلة في هويته، ووطنيته، وولائه. وذلك لأن الولايات الأميركية كانت مستعمرة بريطانية.
وأضاف لاندروفارود: «ليست جنسية إليوت هامة، وليس جواز سفره هاما. فقد كتب إليوت أشهر قصيدتين له عندما كان أميركيا». هذه إشارة إلى قصيدة «بروفروك» (كان عمره 26 عاما)، وقصيدة «الأرض الخراب» (كان عمره 34 عاما).
وقصيدة «بروفروك» اسم القصيدة الأولى بالكامل: «أغنية حب العريف جوزيف الفريد بروفروك». وفيها يقول:
«بعد الكؤوس، والشاي، ومربة المارماليد. بعد غروب الشمس، وإغلاق الأبواب. بعد الموائد، والفساتين التي تلامس الأرض. بعد هذا وأكثر من هذا. يصعب أن أقول ما أقصد.. ليس هذا هو. ليس هذا ما أقصد».
وتوجد فيها أبيات تشاؤمية، مثل: «صرت أقيس حياتي بملعقة القهوة» و«عندما ينتشر الظلام في السماء، مثل مريض مخدر على سرير الجراحة» و«مطاعم مغبرة، وفنادق رخيصة»، و«حورية البحر تمشط شعري الأبيض» و«عصرت الدنيا في يدي». و«أنا مثل حيوان بحر دون أنياب، راقدا في قاع محيط صامت».
اشتهرت القصيدة لأنها سجلت تحولا من الشعر الرومانسي (في القرن التاسع عشر) إلى الشعر الحديث (مع بداية القرن العشرين). ولأنها رمزت للصراع بين العقلانية والعاطفة. وبين التقليد والحداثة.
حسب القصيدة، «بروفرك» كان حضاريا، وعقلانيا. لكنه قاسى من الفردية، والوحدة، وقلة المشاعر والأحاسيس في مجتمع المدينة الحديث. لهذا، رغما عنه، لجأ إلى العاطفة، ليبكي مشكلاته. وتظهر في هذه القصيدة «جينات إليوت البريطانية»، وذلك لأنه تأثر بالشاعر البريطاني راديارد كيبليغ، الذي عكس قرون عظمة الإمبراطورية البريطانية. خاصة في الهند، حيث ولد، وعاش فترة طويلة (نال جائزة نوبل في الأدب عام 1907، ثلاثين سنة قبل إليوت). من المفارقات أن كيبلنغ عاش في الولايات المتحدة عشرة أعوام تقريبا، عندما كان إليوت صبيا. وعكس إليوت، كان يشيد بفضل الولايات المتحدة على بريطانيا. لكنه أخيرا فضل الهند على البلدين.
ويبدو أن إليوت تأثر بتناقض آراء كيبلنغ حول الإمبراطورية البريطانية: عظمتها، وفي نفس الوقت، توقع انهيارها. ويمكن القول إن المشكلات النفسية التي عانى منها كيبلنغ، في وقت لاحق من حياته، هي انعكاس لمشكلات وتناقضات الإمبراطورية البريطانية. (يمكن قول نفس الشيء عن مشكلات إليوت النفسية). لم يكن إليوت عنصريا مثل كيبلنغ (أو مثل اتهام كيبلنغ بأنه كان عنصريا). وعندما توفي كيبلنغ، قال إليوت: «لم أجد أي دليل بأنه كان يعتنق عقيدة استعلاء الجنس الأبيض». (اختلف معه اختلافا كبيرا زميله جورج أورويل، مؤلف روايات، منها: «1984» و«مزرعة الحيوانات»).

* الأرض الخراب
في عام 2012، في المؤتمر السنوي لجمعية إليوت الأميركية، كان الموضوع الرئيسي هو قصيدة «ويست لاند» (الأرض الخراب، اليباب، الجفاف). وحسب كتاب «قصائد تي إس إليوت»، هذه «واحدة من أهم قصائد القرن العشرين. تتكون من أربعمائة سطر. وإذا كانت الأولى «بروفروك» يغلب عليها الإحباط، دون إجابات شافية، يغلب الإحباط، أيضا، على الثانية، لكن، مع عودة إلى الله».
توجد في الثانية أبيات كثيرة عن عيسى المسيح، و«لاست صابار» (العشاء الأخير)، و«هولي غريل» (الصحن المقدس الذي يقال إن فيه دم المسيح).
وتنقسم القصيدة إلى خمسة أقسام: «دفن الموتى» و«الحياة لعبة شطرنج» و«موعظة النار (فلسفات شرقية)» و«الموت بالماء» و«صوت الرعد (يوم القيامة)».
قبل سنوات قليلة، عندما ناقش مؤتمر إليوت في سانت لويس هذه القصيدة، قال جوناثان بالموريو، مؤلف عدة كتب نقدية عن الشعر: «كانت تلك سنوات ما بعد الحرب العالمية الأولى، التي دمرت أوروبا، وقتلت عشرات الملايين. كان هناك خليط من حزن وحيرة في جانب، وبريق أمل في الجانب الآخر. سار المثقفون العلمانيون على طريق أمل يعيد السلام، ويؤسس الاستقرار، ويفتح أبواب الحرية. لكن، شذ إليوت العلماني. مال أكثر نحو الأمل في الله».
وأضاف باموريو: «من الحيرة واليأس، قفز إليوت فوق العلمانية، إلى الروحية».
وقال بيكليز لويس، أستاذ أدب في جامعة ييل (ولاية كونتيكات): «قدر إليوت هو قدرنا، منذ بداية القرن العشرين. من خيبة أمل، إلى زواج فاشل، إلى مصحة عقلية في سويسرا».
وأضاف: «ليست هذه القصيدة إلا رمزًا لكارثة الحياة الغربية. فقد الغرب صورته الطبيعية، وصار أرضا خرابا. وفقد الجنس هدفه الطبيعي، وصار لهوا. وفقدت النساء خصوبتهن، وصرن يابسات».
أما في بريطانيا، فقد ناقشت جمعية إليوت البريطانية قصيدة «الأرض الخراب» من منطلق بريطاني. لم تشك أبدا في بريطانية إليوت، بل حولت النقاش من بريطانية أو أميركية إليوت إلى نقاش عن اللغتين: الإنجليزية البريطانية، والإنجليزية الأميركية.
هنا، تحول النقاش إلى شبه عراك. فقد قال بريطاني يخاطب الأميركيين: «هرب منكم إليوت لأنكم لا تعرفون كيف تتكلمون وتكتبون اللغة الإنجليزية». ورد أميركي: «ليس إليوت بريطانيا. ولا حتى ييتس (ولد في آيرلندا، وحارب ضد الاستعمار البريطاني هناك)».
وكلما يناقش الأميركيون الموضوع، يلجأون إلى إليوت نفسه، خاصة ثلاث جمل صارت مقدسة بالنسبة لهم: «تشترك قصائدي مع زملائي الشعراء الأميركيين أكثر من اشتراكها مع الشعراء البريطانيين الذين عاصرتهم. تعكس قصائدي الأصالة الأميركية، والعواطف الأميركية.. أنا متأكد من ذلك».
وأخيرا، يمكن أن تحسم الجدل «إنسايكلوبيديا بريتانيكا» (دائرة المعارف البريطانية) فهي تعرفه بأنه «شاعر بريطاني - أميركي».



كتّابنا قرأوا ماركيز... لكن هل تأثروا به حقاً؟

كتّابنا قرأوا ماركيز... لكن هل تأثروا به حقاً؟
TT

كتّابنا قرأوا ماركيز... لكن هل تأثروا به حقاً؟

كتّابنا قرأوا ماركيز... لكن هل تأثروا به حقاً؟

حين سُئل ماركيز عن سبب عدم انتشار رواية «مائة عام من العزلة» شعبياً في فرنسا، أجاب: «ربما بسبب الديكارتية. أنا أقرب إلى حماقات رابليه مني إلى صرامة ديكارت. في فرنسا فرض ديكارت نفسه. ربما لهذا السبب لم يصل الكتاب إلى الشعبية التي بلغها في بلدان أخرى».

إجابة ماركيز تبدو صادمة جداً، وغريبة في الوقت نفسه. فما علاقة ديكارت الفيلسوف الفرنسي الشهير برواية تُترجم إلى الفرنسية، وكيف أخضع ديكارت فرنسا وسيطر عليها كلياً حتى لا تتمكن من تقبل رواية من طراز «مائة عام من العزلة»؟

من جانب آخر، أستطيع أن أضع ثقافتنا الآن في مواجهة سؤال يشبه ما قاله ماركيز عن كبرياء الفرنسي العقلاني الذي رفض تذوق رواية من أميركا اللاتينية لأنها صدمت أركان العالم العقلي الذي بناه ديكارت للفرنسيين لـ«حمايتهم من الوهم والتأكيد على عالم التجربة المحدود الذي نعيش فيه».

بالنسبة لنا كقراء في ثقافة أخرى مختلفة عن الثقافة الفرنسية في كل شيء، أُعجبنا بأعمال ماركيز جميعها. لقد اعتبرنا كتاب أميركا اللاتينية صانعي رواية بامتياز. وانتشرت كتب ماركيز وبورخيس وكورتاثار وفوينتس وساباتو وغيرهم من الكتاب بيننا وما زلنا نقرأها. لكن السؤال الأهم الذي يطرح نفسه هو: هل أضافت روايات ماركيز على أقل تقدير إيقاعاً جديداً على أعمال روائية تكتب وتنشر عندنا؟ أو بعبارة أكثر دقة: هل استفدنا من الواقعية السحرية في تغيير وجهة نظر الروائي العربي تجاه الواقع الذي يعيش فيه، ويكتب عنه؟ وإذا كان ماركيز فسر عدم انتشار روايته شعبياً في فرنسا بسبب التفكير العقلاني الذي يتمتع به الفرنسي فكيف نفسر انتشار رواية الواقعية السحرية بين القراء، ومن ضمنهم كتاب روائيون، دون أن نستطيع تحديد ملامح هذا التأثر الفني بهذا الاتجاه الفني الرائد، أعني هل لدينا نماذج روايات استلهمت الواقعية السحرية وقربت لنا الواقع بطريقة مختلفة بحيث جعلتنا نراه من زاوية أخرى؟ من خلال متابعتنا لما يكتب هنا وهناك، وجدنا أن هناك فجوة كبيرة بين الإعجاب بماركيز واستلهام تراث الواقعية السحرية. كما أن هناك اهتماماً قليلاً بمنهج الواقعية السحرية كفن يحاول أن يعلمنا تحطيم الحدود الشكلية للأشياء، والأهم من هذا يسعى الروائي الذي يستلهم الواقعية السحرية إلى التقليل من سيطرة العقل على العالم. وهذا أحد أهداف الواقعية السحرية المهمة.

ولو كان ماركيز متابعاً للأعمال الروائية الصادرة عندنا ربما لتعجب من عدد القراء المعجبين بأدبه مع قلة التأثر بهذا النوع من الأدب. لا أعرف كيف سيفسر ماركيز هذه الظاهرة الغريبة التي تندرج ضمن الإعجاب بأدبه دون أي تأثر بما كتب. فما زلنا نفكر بالعالم وكأنه كتلة تخضع لتفسير واحد وعلينا تصديق هذا التفسير... هذا ما يجعلني أقول إن ماركيز منفي عندنا كما نفته فرنسا قبلنا حين وضعته في سجن عقلها الديكارتي.

لكن كيف فهمنا الواقعية السحرية في نهاية المطاف. هل هناك رواية عربية تعاملت مع الواقع من خلال وجهة نظر خاصة تقودنا إلى الشعور بالعالم وهو يسير بسرعة فائقة أمامه؟ أليست هذه هي رسالة ماركيز أولاً، ورسالة واقعيته السحرية قبل كل شيء؟

بهذا الوعي تنفتح الواقعية السحرية على عالم الأشياء، وهنا في إطار هذا الإحساس الشفاف بالعالم تخضع التقنية لوجهة نظر الروائي فتندمج بها وتذوب بشكل كامل. التقنية مرآة تكشف لنا حقيقة العالم وإظهاره بصورة جديدة مختلفة. لذا سيكون تساؤلي بعد كل ما قلت: هل لدينا عائق ما من حدوث التغير الجمالي الذي يجعلنا نفكر بأسلوب جديد وبعاطفة أكثر تسامحاً؟ هل مرت عاصفة روايات ماركيز دون أن تحدث التغير المطلوب في طريقتنا المتعلقة برؤية العالم من حولنا؟

ليست الواقعية السحرية تكتيكاً سردياً يستخدمه الروائي للتأثير في القراء، كما أنها ليست نقلاً مباشراً للواقع كما نراه. تقترب الواقعية السحرية من الوجودية إلى درجة يختفي الحد الفاصل بينهما. وهنا يتشابه الروائي ذو الخيال الأكثر نقاء مع الوجودي الذي يكره سيطرة الاحتمال الواحد على الواقع. نحن إذن أمام تمرد كبير يحاول تخليصنا من الإحساس المتكرر بالعالم من حولنا وكأننا نقوم بالدور نفسه كل يوم متناسين أفعالنا الإنسانية وقلقنا الوجودي الذي لا يهدأ.

بعد هذه المقدمة لا بد من التوقف عند وجهة نظر محددة طرحها الناقد فاضل ثامر في كتاب «المقموع والمسكوت عنه في السرد العربي». الحقيقة أحسست بأن الواقعية السحرية التي تحدث عنها ثامر في كتابه تختلف جذرياً عن الواقعية السحرية التي أشار ماركيز إليها في بعض أحاديثه ومقالاته وأعماله الروائية.

فعلى مستوى المفهوم استخدم فاضل ثامر ثلاث مفردات هي الغرائبي والفانتازي والواقعي السحري ظناً منه أنها كلمات مترادفة. والحقيقة أن هناك فرقاً بينها لا بد من إيضاحه، فما يستخدم في مجال النقد هو «Magico»؛ أي الواقعية السحرية، وهذا المصطلح هو الأكثر شهرة والأكثر استخداماً في إسبانيا وفي أميركا اللاتينية، والأدق في التعبير عن هذه المدرسة الفنية.

أما الغرائبي فهي مفردة تشير إلى ما هو غريب عن الواقع، وهي ليست أفضل من كلمة «الفانتازي»؛ هذه الكلمة المعربة التي تعني الوهم، ولا علاقة لهاتين الكلمتين بالواقعية السحرية. ولو عدنا إلى ماركيز فقد حاول تببين وجهة نظره التي ترتبط بالخيال كمفهوم نقدي قبل كل شيء.

إذن استخدام هذه الكلمات الثلاث مترادفاتٍ خطأ نقدي لا بد من الانتباه له. ولا يمكن بأي حال من الأحوال الاعتقاد أن الواقعية السحرية هي مجرد أسلوب أدبي يمكن تعلمه بل هي وجهة نظر فكرية تنتقد أي تفكير يحاول السيطرة على الواقع ويفرض عليه طابعاً واحداً. إن قوة الرواية تأتي من هذا الإيمان بأن الحياة تنوع مذهل يصدم الإنسان ويدفعه للتساؤل والحيرة إزاء ما يراه.

لكن إذا عدنا لوجهة نظر فاضل ثامر فسنرى أن الواقعية السحرية شيء آخر يختلف كثيراً عما قدمه ماركيز، وما تحدث عنه. وفاضل ثامر يضرب مثلاً للواقعية السحرية بماركيز نفسه.

أظن أن الخطأ النقدي الثاني الذي وقع فيه فاضل ثامر هو محاولته تفسير ظهور الواقعية السحرية وكأن هذا النمط من السرد خضع لمنطق السبب والنتيجة، إذ لعبت الظروف في دفع الروائي إلى اللجوء لسرد غير تقليدي تماشياً مع تغييرات العصر. يقول فاضل ثامر «إن القاص العربي لم يعد قادراً على تصوير معاناة الإنسان في عالم شديد التعقيد بالأدوات الواقعية أو التقليدية التي كان معتاداً عليها، خاصة بعد أن راح هذا الإنسان يتعرض لسلسلة من الضغوط والإحباطات والعذابات التي لا يمكن قهرها أو مواجهتها» (ص 2).

هذا أحد أسباب تفضيل الروائي العربي للواقعية السحرية. لنتابع كي نتعرف على أسباب أخرى يعرضها الناقد لنا، يقول أيضاً: «كما يسهم هذا المنحى في تحرير السرد العربي من الرتابة والتقليدية والفوتغرافية والآلية ويكسبه المزيد من الشفافية والرهافة والفنية» (ص 3).

إذن هناك سبب فني أيضاً دفع الروائي لاختيار أسلوب الواقعية السحرية، ثم نصل إلى النقطة الأخيرة التي يقول فيها فاضل ثامر: «إضافة إلى ما تقدم فإن هذا المنحى الغرائبي والسحري والفنطازي يعيد سرد ما انقطع بين السرد العربي الحديث والموروث السردي والحكائي العربي القديم» (4).

الواقعية السحرية هي منحى أدبي لجأ إليه الروائي ليتمكن من وصف واقعه بأسلوب لا تستطيع الأدوات التقليدية فعله. وكانت هناك أسباب خارجية دفعت الروائي لممارسة هذا اللون من السرد، أهمها إمكانية تصوير الواقع بشكل أفضل كما بينا. لكن هل هذه الأسباب كل ما جعلت ماركيز هو ماركيز؟ هل هذه هي كل أسرار الواقعية السحرية التي عرضها لنا فاضل ثامر بأمانة كبيرة؟

أين الوعي النقدي بالواقعية السحرية كما تكشف عنها أحاديث ماركيز؟ أين فاعلية الخيال التي ترفض الاحتمال الواحد وتقدم الحياة على أنها أكثر رحابة وأكثر جمالاً؟ أين الصدمة التي تعرض لها ماركيز وهو يلمس في لحظة قصيرة فناء ماكوندو مدينته الأثيرة عنده؟

أسئلة أخرى لن نجد أجوبتها في الصورة التي رسمها فاضل ثامر لهذا المنهج السردي الرائع الذي أجد فيه صرخة ضد عقلانية الاحتمال الواحد.

ثم كيف نفسر إصرار الناقد على ربط الواقعية السحرية بأسلوب قديم سردي قديم يجد الناقد فيه بذوراً لواقعية سحرية قديمة. ولو أن الناقد فاضل ثامر عرف لنا الخيال، ولو أنه حلل ما قاله ماركيز عن عمله لوجد أن هناك مسافة كبيرة بين السرد الحكائي الموروث وسرد الواقعية السحرية. أظن أن مشكلة فهمنا للواقعية السحرية ينشأ من افتقار ثقافتنا للاهتمام بعنصر الخيال قبل كل شيء. إننا نجيد معركة الجدل والاستنتاج والبحث عن حقيقة وحيدة ومطلقة. وكل هذا يطبع وعينا ويجعله لا يهضم عملاً لماركيز أو بورخيس.

لست متفقاً مع الناقد في أن هناك بذوراً للواقعية السحرية في أنماط سردية قديمة يعددها الناقد فاضل ثامر مثل «ألف ليلة وليلة»، والسير والمغازي وسيرة عنترة بن شداد والسيرة الهلالية. وهنا أتساءل كيف لم تترك هذه السرديات المتنوعة فناً خاصاً بنا له ملامح واقعية سحرية قرأناها في أعمال أدبية شهيرة. فكل هذه الأنماط من السرد تضم ملامح واقعية ساذجة مطابقة للواقع أو تستخدم الوهم الذي يكرهه ماركيز أو تصف واقعاً معيناً وكأنه واقع ساكن ثابت لا ينتهي. مثل هذه الملامح السردية تحاربها الواقعية السحرية. وعلى النقد أن يقوم أولاً بتحديد المصطلحات ثم دراسة وجهة النظر النقدية الخلاقة التي تعلمنا إياها رواية حقيقية غير تقليدية وتستحق أن نقول بحق إنها رواية تعكس روح الواقعية السحرية.


هل الذاكرة عقلانية؟

بلند الحيدري
بلند الحيدري
TT

هل الذاكرة عقلانية؟

بلند الحيدري
بلند الحيدري

حين فاتحني الصديق الدكتور عارف الساعدي برغبته في أن أشارك في ذكرى مرور مائة عام على ميلاد الشعراء الثلاثة (السياب والبياتي وبلند الحيدري) أذهلتني الفكرة من حيث قيمة الوفاء لذاكرة الثقافة، ثم من حيث تحريك ذهني لمعنى الحديث عن ميلاد أي أحد بعد مائة عام من الحدث؛ ذاك الحدث الذي كان من حقه الأفول كما هي حال كل مواليد ذاك العام البعيد عنا زمناّ ومكاناّ ومعنى. وهذه لعبة مخاتلةٌ من ألاعيب الذاكرة التي تبتكر احتيالاتها الخاصة فتختار واحداً منا لكي يتذكر وهذا ليس اختياراّ عشوائياّ بدليل أن الذاكرة اختارت هذا الواحد لأمرٍ توسمته فيه وهو أن يحترم هدية الذاكرة، من حيث هي ذاكرةٌ ثقافيةً تحمل برهانها الخاص وعلامة ذلك هي الدهشة التي تختالنا مع مثل هذه الحالة العجائبية، وكيف اختارني عارف ليطلب مني طلباّ كهذا، وماذا لو اعتذرت منه بحجة ما، مثل أن أبتكر أي كذبةٍ يسمونها عادة بالبيضاء كي أتخلص.

بدر شاكر السياب

ولكني لم أبحث عن عذر، وكل ما قلته له هو «أبشر»، ولم أزد عليها، ولم أتردد عن استخدام كلمةٍ هي من موروثي الخاص فأنا أعيش في بيئة إذا قال أحدنا كلمة «أبشر» فهو يعلن الاحتفال بالوعد وهو وعدٌ محملٌ ببهجة البذل دون منةٍ ولا تسويف. وليس من عادتي أن أطلق «أبشر» بسهولةٍ لأنها كلمةٌ ذات حمولةٍ قيميةٍ عالية المعنى، والتراخي معها يحدث وحشةّ روحية لا تدع لحظاتك تمر دون أن تشعر بخجلٍ يحاصر معانيك وهذا ميثاق وفاء للذاكرة، تلك الذاكرة التي حركت الساعدي ومن ثم حركت الغذامي، وقد لا تكون الذاكرة هنا غريبةّ على الساعدي لأنه عراقي ولأنه شاعرٌ ولأنه معروف بالوفاء لذاكرة الثقافة العراقية ولشعراء العراق.

أما أنا فمحبٌّ للعراق وللذاكرة العراقية وهذا أكيدٌ عندي ولا شك، ولكن أن تتحرك ذاكرة مائة عام فهذه مسألة لها دواعيها الأخرى، وهي دواعٍ لن أحاول تحديدها لأني أرى أن الذاكرة تختارنا ولسنا من يختارها، وإذا هي اختارتنا دفعتنا للقبول دون تفكر، وهل تفكر الذاكرة...؟!، لن أقول نعم لأن الذاكرة تشتغل بشروطها الخاصة وشرطها غير عقلاني، إنه يحدث فقط. وإذا حدث تحقق، وستعتري الدهشة كل واحدٍ يتلقى خبراً عن ميلاد ثلاثةٍ سيكونون شعراء وسيمرون بحياة صاخبة، فيها نورٌ ونارٌ، وفيها بهجةٌ وانتصار بمثل ما فيها من وجعٍ، ولكنها ستصنع خريطةّ ثقافيةّ تلونها بألوانها الخاصة وهي ألوانٌ لا يمكن محوها وكلما غفلنا عنها أو نسيناها عادت لنا عبر سفراء لها مثل الساعدي.

وهنا نفتح صفحات الزمن ونقف نتبصر بحال مواليدَ دخلوا الدنيا غرباء وعاديين كغيرهم من أبناء جغرافيتهم، ولكنهم خرجوا من الدنيا بأصوات مدويةٍ تكتب أثرهم وتروي قصصهم، وتكتب لهم شهادات ميلاد غير تلك التي كانت لهم، وإنما هي شهاداتٌ كتبوها بدمهم وأرقهم وقلقهم وبمعانيهم التي احترقوا بها فأنضجتهم بمقدار ما أوجعتهم، وكل وجعٍ هو قصيدةٌ انتزعتها الروح من سكون النفس المكلومة لكي تتحول لقصيدةٍ ينشغل بها النقاد كما ستكون ميراثاّ إبداعياّ يوقع أجيالاّ بحبائل حيله عليهم لكي يوقعهم بصحبةٍ مع أشقياء الحياة ونسميهم صناع الحياة، أولئك الذين يموتون قبل غيرهم لأنهم كالسيف في غمده يأكل بعضه بعضاّ، كما وصف الفيلسوف الكندي أبا تمام وتوقع له موتاّ مبكراّ.

عبد الوهاب البياتي

وبعض الثلاثة عاش أطول من بعض، والسياب أسرعهم للموت وكأنه كان مستعجلاّ أكثر من رفيقيه، ولكنهم كلهم ماتوا مكفنين بالقصائد ووجع القصائد منذ صرختهم الأولى حتى صرختهم الأخيرة، أو بالأحرى صرخة الثقافة عليهم حين رحلوا وصار الكل يحبهم، وفي حياتهم كان الكل يلعنهم. هؤلاء الجنس البشري العجيب الذي لا يعيش إلا بالشقاء ولا يموت إلا تحت الشقاء، وكلهم تعرضوا للتشرد وكان لا بد لهم أن يتشردوا كي يبرهنوا على استحقاقهم الشعري، واستحقاقهم لمكانٍ أثيرٍ في الذاكرة ولكي نتحرك نحن لنتذكر أنهم ولدوا قبل مائة عام من هذه الوقفة التي نقفها عليهم وعلى صورهم في أذهاننا وأبيات قصيدهم في رؤوس أقلامنا نحن النقاد، وفي أشعار أجيالٍ من شعراء العرب ورثوا الشعر عنهم واستداموا شعلته بعد غيابهم.


رواية أردنية عن «التنمية الذاتية» لليافعين

رواية أردنية عن «التنمية الذاتية» لليافعين
TT

رواية أردنية عن «التنمية الذاتية» لليافعين

رواية أردنية عن «التنمية الذاتية» لليافعين

تلعب رواية «صيف مختلف... مذكرات سالم» للكاتبة الأردنية روند الكفارنة على وتر التنمية الذاتية لليافعين، وتخاطب فيهم الوجدان والعقل معاً.

اختارت الكاتبة أن تجعل روايتها الصادرة حديثاً عن «الآن ناشرون وموزعون» في الأردن، على صورة يوميات على لسان سالم؛ بطل القصة، إذ يبدأ حديثه باليوم الأخير في المدرسة فيقول: «هذا هو آخر يوم لنا في المدرسة، كنت أراقب السَّاعة على حائط الصفِّ وهي تقترب من آخر اختبار، رنَّ الجرس، قفزتُ من دَرجي، وناولت الأستاذ ورقة الاختبار، وانطلقتُ مُسرعاً تجاه الباب؛ مُعلناً أنَّ العطلة بدأت».

ولمجرد أن العطلة قد بدأت فلا يشغل بال سالم سوى اللعب والحلوى واللهو والنوم، معلناً أنه سيمارس هواية النَّوم حتَّى الظُّهر: «أسهَرُ حتَّى الصَّباح، فلا مدرسة، ولا مزيد من الطَّوابير الصباحيَّة. لا وجود للمدير الذي يصرُّ على انضباط الصفِّ، ورياضة الصَّباح، دون الاهتمام إن كان الطَّقس بارداً وماطراً، أو كانت حرارة شهر آب الذي يشبه خليَّة نحل، أو مُحرِّك درَّاجة ناريَّة، ودون أصوات الطَّلبة العالية، وحتَّى أستاذ الأحياء (فرج الله) بنظَّارته السَّميكة، وإشاراته الحمراء الكثيرة على دفتري، ثُمَّ من أخبره أنَّني أحبُّ مادَّتي الأحياء والجغرافيا؟».

وككثيرين من أبناء هذا الجيل فكل ما يشغل سالم هو اللعب واللهو والركض مع الرفاق، ولكن ليس كل شيء يتمناه الفرد يجده، فحين راودت سالم فكرة الراحة في الإجازة تذكر أن أمه ستدعو عمته وأبناءها لقضاء أسبوع في بيتهم، وبدأ يشكو من أبناء عمته وما يسببونه من إزعاج، كما أنه يشعر أن أمه لن تتركه دون أن تكلفه بمهام كثيرة، فيقول سالم: «عندما تكون الولد الأكبر، وتبدأ العطلة سيكون هنالك مهام كثيرة، ستستغلُّني أمِّي بعمل أشياء كثيرة لاعتقادها بأنَّ هذا يصنَعُ منِّي ولداً صالحاً، وهكذا أخبرتني أنَّه يترتَّبُ عليَّ تنظيف العِليَّة، فالعِليَّةُ تُشكِّل المخزن الرَّسميّ للعائلة، بها كلّ ما لا ترغب أمِّي في رؤيته، كانت جدَّتي ترفضُ رفضاً قاطعاً أن نقترب منها، لم تخبرني أبداً... ما المانع من عدم السَّماح لي أتجوَّل فيها ومُعاينة ما فيها؟».

وعندما بدأ سالم في تنظيف العِلّيّة لفت نظره مظروف مغلق يمكن القول إنه قد تسبب في تغيير أشياء كثيرة في شخصية سالم، وفي أحداث أيامه خلال فترة الإجازة الصيفية.

وعندما شاهد سالم رسائل كثيرة وحكى له أبوه عن الوقت الذي كانت تستغرقه المخاطبات والرسائل بين الناس، وأنهم كانوا ينتظرون أحياناً لشهر أو أكثر حتى تصلهم أخبار الغائبين أو المسافرين أخذ يفكر: «تأكَّدتُ أنَّنا نملك كثيراً من النّعَم بين أيدينا، إذا أحسنَّا ورشَّدنا استخدام التكنولوجيا، بما ينفعنا في حياتنا ومُستقبلنا. حقيقة هي نعمة كبيرة جدّاً يجب أن نشكر الله عليها».

وتختتم الكفارنة روايتها على لسان سالم الذي توصَّل إلى حكمة بعد كل ما رآه وعاشه، تُعدُّ خلاصة تجربته: «أظنُّ أنَّ الكُنوز تتعلّق بكيف تجعلنا سعداء وأنا اليوم سعيد، سعيد جدّاً، ولكنَّني توقَّفتُ عن العبث بمُكوِّنات أيّ عِليَّة في أيِّ مكان، يكفيني كلُّ ذلك، والغريب أنَّ ذلك لم يُعفِني من لعب الكاراتيه أبداً، وعندما عُدنا أخبرتني أمِّي أنَّ الدروس التي سآخذها ستكون مضاعفة لألحق بالطلَّاب الآخرين».

وللمؤلفة مجموعتان قصصيتان: «للأشياء أسماء أخرى»، و«ذاكرة متكسرة»، ورواية بعنوان «فستان أحمر».