كيف يموت إنسان بسبب ارتفاع درجات الحرارة؟

توفي 60 ألف شخص في أوروبا وحدها الصيف الماضي

رجل يلجأ إلى نافورة خلال يوم صيفي حارّ في مدريد (أ.ب)
رجل يلجأ إلى نافورة خلال يوم صيفي حارّ في مدريد (أ.ب)
TT

كيف يموت إنسان بسبب ارتفاع درجات الحرارة؟

رجل يلجأ إلى نافورة خلال يوم صيفي حارّ في مدريد (أ.ب)
رجل يلجأ إلى نافورة خلال يوم صيفي حارّ في مدريد (أ.ب)

بلغت درجات الحرارة العالمية مستويات غير مسبوقة، ما أثار حفيظة سكان كوكب الأرض وقلقهم. ويقول خبراء إنّ «مثل هذه الموجات الحارة أصبحت أكثر شيوعاً بسبب تغيُّر المناخ، ويمكن أن تضع أجسامنا تحت ضغط شديد، ما يؤدّي في بعض الأحيان إلى الإصابة بالجفاف وضربات الشمس والموت».

وتضرب موجات الحرّ التي حطّمت أرقاماً قياسية معظم بلدان العالم، ما يطرح تساؤلات عدّة عن مدى تأثير درجات الحرارة الشديدة في صحة الإنسان البدنية والعقلية، والمقدار الذي يتحمّله الجسم؟ وهل يمكن أن تؤدّي تلك التأثيرات إلى الموت؟

فمع ارتفاع الحرارة، يكافح الجسم للحفاظ على درجة حرارته الطبيعية عند معدّل 37 درجة مئوية. إذ يرفع القلب وتيرته ويرسل العرق لتهدئة سطح الجلد. كما تتمدّد الأوعية الدموية في الجلد أيضاً وتُطلق الحرارة. لكن إذا طغت الحرارة على منظِّمات درجة الحرارة في الجسم، فقد تسبّب أعراضاً مثل «التعب والصداع والحمى واضطراب النوم»، وفق الخبراء. وتُعدّ ضربات الشمس من أخطر الأمراض المرتبطة بالحرارة.

مشهد من طوكيو حيث تُحمل الشماسي للوقاية من حرارة الشمس (أ.ف.ب)

في هذا السياق، حذّرت «المنظمة العالمية للأرصاد الجوية»، في 18 يوليو (تموز) الماضي، من أنّ درجات الحرارة المرتفعة «تشكّل خطورة على صحة الإنسان، لأنّ الجسم لا يحصل على فرصة للتعافي». وقدّرت دراسة نشرت في الشهر عينه، بـ«نيتشر ميديسين»، حصيلة أعداد الوفيات جراء الارتفاع الشديد للحرارة الصيف الماضي بأوروبا وحدها بما يزيد على 60 ألف شخص.

وتشيع الآن ظاهرة موجات حرّ متزامنة تشمل أميركا الشمالية وأجزاء من آسيا وشمال أفريقيا وإقليم البحر الأبيض المتوسط، مع درجات حرارة تتخطى 40 درجة مئوية، لأيام طويلة.

من هنا، يقول أستاذ علوم البحار الفيزيائية في جامعة الإسكندرية المصرية، الدكتور محمد شلتوت السيد، إنّ «ارتفاع درجات الحرارة عالمياً يُعدّ نتيجة لزيادة معدّلات غازات الدفيئة في الغلاف الجوي، حيث تمنع الأشعة المرتدّة من الكرة الأرضية من مغادرة هذا الغلاف»، مضيفاً لـ«الشرق الأوسط»: «المشكلة الأكبر هي ما ينتج عن ذلك من ظواهر مناخية مثل الموجات الحرارية (زيادة درجات الحرارة عن المعدّلات الطبيعة لفترة تصل إلى 5 أيام أو أكثر)، ما سيؤثر بشدّة في صحة سكان الكوكب».

الهروب إلى الشاطئ الملاذ الأخير للنجاة من هستيريا الحرّ (أ.ف.ب)

ويمكن أن يكون للتعرّض لدرجات الحرارة الشديدة «تأثير كبير في نظام القلب والأوعية الدموية»، كما يشير أستاذ مساعد أمراض القلب والأوعية الدموية في كلية الطب بجامعة بنها المصرية، الدكتور أحمد محمود بنداري. ويضيف لـ«الشرق الأوسط»: «استجابة الجسم الطبيعية للحرارة تتمثّل في زيادة معدّل ضربات القلب وضغط الدم لتوزيع الدم بشكل أكثر كفاءة وتبديد الحرارة، ما قد يشكل ضغطاً على نظام القلب والأوعية الدموية. إلى ذلك، فإنّ التعرق هو الطريقة الأساسية لتهدئة الجسم، لكنه قد يؤدّي إلى الجفاف».

ويوضح: «يمكن أن يتسبّب الجفاف بانخفاض ضغط الدم، ما قد يزيد من إجهاد القلب. وقد تزيد الحرارة أيضاً من خطر الإصابة بجلطات الدم التي تمنع تدفّق الدم إلى القلب أو الدماغ أو الأعضاء الأخرى، ما قد يؤدّي إلى نوبة قلبية أو سكتة دماغية أو مضاعفات خطيرة تنتهي بالوفاة».

ويمكن للرطوبة أثناء موجات الحرارة أن تطغى على الجسم. ويساعد التعرّق على تبريده عن طريق تبخّر الجلد، لكن إن كان الجوّ شديد الرطوبة، فلا يمكن للعرق أن يتبخّر.

ويقاس مزيج الحرارة والرطوبة بما يُعرف بدرجة حرارة «البُصَيلة الرطبة». عنها قال الباحث في وكالة «ناسا» كولين ريموند: «إذا كانت الرطوبة منخفضة ودرجة الحرارة مرتفعة، أو العكس، فمن المحتمل ألا تقترب درجة حرارة البصيلة الرطبة من نقطة تحمّل جسم الإنسان. لكن عندما تكون الرطوبة ودرجة الحرارة مرتفعتَيْن، فيمكن أن تقترب درجة حرارتها من مستويات خطيرة على حياته».

وأضاف في تصريح سابق لموقع «الوكالة»: «عندما تكون درجة حرارة الهواء 38.9 درجة مئوية والرطوبة النسبية 77 في المائة مثلاً، تصبح درجة حرارة البصيلة الرطبة نحو 35 درجة مئوية، وهي أعلى درجة حرارة للبصيلة الرطبة يمكن أن يتحمّلها جسم الإنسان»، مشدداً على أنّ «درجات حرارة البصيلة الرطبة تشهد الآن ارتفاعاً في جميع أنحاء العالم».

وعن تأثير ارتفاع درجات الحرارة على الصحة النفسية والعقلية والسلوك الإنساني، يعلّق استشاري الطب النفسي وعلاج الإدمان الدكتور إيهاب الخراط: «تشير دراسات كثيرة إلى ارتباط ارتفاع درجة الحرارة بالسلوك العدواني والعنف الصريح، بسبب الشعور بالانزعاج من الحرّ والتأثير غير المباشر جراء ارتفاع إفرازات هرمونات مرتبطة بالعدوانية، منها التستوسترون، أو الاختيار بين العدوانية والهروب، منها الأدرينالين».

يضيف لـ«الشرق الأوسط»: «وجدت البحوث العلمية أيضاً أنّ ارتفاع درجة الحرارة يرتبط بارتفاع معدّلات القلق عند كثيرين، كما يرتبط بزيادة حالات الانتحار وانتكاس مرضى ثنائي القطب (الهوس والاكتئاب) ومرضى الفصام».

يبقى البحر وُجهة الساعين إلى تحدّي الحرارة (أ.ف.ب)

الفئات الأكثر عرضة

أما رئيس «منظمة الصحة العالمية» تيدروس أدهانوم غيبريسوس، فقال إنّ «الحرارة الشديدة تُلحق أكبر الخسائر بأولئك الأقل قدرة على إدارة عواقبها، مثل كبار السن والرضَّع والأطفال والفقراء والمشرّدين». وأضاف خلال مؤتمر صحافي في يوليو (حزيران) الماضي: «التعرّض للحرارة المفرطة له تأثيرات واسعة النطاق على الصحة، وقد يؤدّي إلى الوفاة المبكرة والعجز».

كذلك أبدت مديرة الصحة العامة والبيئة في المنظمة، ماريا نيرا، قلقها بشكل خاص بشأن النساء الحوامل والأشخاص المصابين بداء السكري وأمراض القلب والأوعية الدموية والربو.

ويُعدّ الأطفال الذين تقلّ أعمارهم عن خمس سنوات، أكثر الفئات عرضة للمخاطر خلال موجات الحرّ. ومع تقدُّم العمر، تقلّ الغدد العرقية، ما يجعل كبار السنّ أقل قدرة على التحكّم بدرجة حرارتهم. وتعمل هذه الغدد خلال موجات الحرّ ليلاً ونهاراً. وبعد بضعة أيام، تُنهك وتنتج عرقاً أقل، ما يزيد من درجة حرارة الجسم.

ما يجب القيام به

عن سبل الوقاية، يقول بنداري: «ينبغي الحفاظ على رطوبة الجسم بشرب السوائل، وتجنّب النشاط الشاق وضرورة أخذ فترات راحة، وارتداء ملابس فضفاضة فاتحة اللون وواقية من الشمس»، مؤكداً أهمية «العناية الطبية إن كان الشخص يعاني أعراض الإجهاد الحراري، أو ضربة شمس، أو غيرها من مضاعفات القلب والأوعية الدموية».

أما كبير مستشاري «المنظمة العالمية للأرصاد الجوية» جون نيرن، فيُلخّص: «من الضروري الاستعداد والتكيف». ووفق المنظمة، ثمة حاجة لاستراتيجيات استجابة وخطط اتصال مجرَّبة ومُختَبرة ومحدَّثة لاستهداف عامة السكان والفئات الضعيفة والمهمّشين.


مقالات ذات صلة

مقتل 22 شخصاً على الأقل جراء أمطار غزيرة في البرازيل

العالم طرق مغطاة بالطين في جنوب شرقي البرازيل بعد هطول أمطار غزيرة (د.ب.أ)

مقتل 22 شخصاً على الأقل جراء أمطار غزيرة في البرازيل

كشفت السلطات المحلية اليوم الثلاثاء أن ما لا يقل عن 22 شخصاً لقوا حتفهم بعد هطول أمطار غزيرة على ولاية ميناس جيرايس جنوب شرقي البرازيل.

«الشرق الأوسط» (برازيليا)
يوميات الشرق الشتاء في فنلندا يستمر ما بين مائة ومائتي يوم (رويترز)

حيث لا يذوب الجليد: ما أكثر دول العالم برودة؟

تشهد ولايات عدة في شمال شرقي الولايات المتحدة حالياً عاصفة ثلجية قوية، دفعت السلطات إلى إصدار تحذيرات لأكثر من 40 مليون نسمة، بسبب سوء الأحوال الجوية.

«الشرق الأوسط» (بيروت)
الولايات المتحدة​ باراك أوباما مع ترمب خلال جنازة الرئيس جيمي كارتر (أ.ف.ب)

ترمب ينقض قرارات أوباما المناخية بعدّها «عملية احتيال»

نقض الرئيس الأميركي دونالد ترمب قرارات اتخذها سلفه باراك أوباما عام 2009 كأساس لجهود الولايات المتحدة في تنظيم انبعاثات غازات الاحتباس الحراري.

علي بردى (واشنطن)
الولايات المتحدة​ الرئيس الأميركي دونالد ترمب (رويترز)

إدارة ترمب ستلغي الأساس القانوني للتشريعات الأميركية المتصلة بالمناخ

من المقرر أن يلغي الرئيس الأميركي دونالد ترمب، الخميس، نصاً يُشكّل الأساس القانوني للتشريعات التي تُكافح انبعاث غازات الدفيئة في الولايات المتحدة.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
بيئة سائح يشرب الماء خلال زيارته لمعبد البارثينون في ظل موجة حرّ تضرب أثينا في اليونان يوم 27 يونيو 2025 (رويترز)

2025... ثالث أكثر السنوات حراً على الإطلاق عرفها العالم

أعلن مرصد «كوبرنيكوس» الأوروبي ومعهد «بيركلي إيرث» الأميركي، الأربعاء، أن 2025 كان ثالث أحرّ الأعوام المسجلة على مستوى العالم.

«الشرق الأوسط» (باريس)

دراسة: جواز سفرك قد يحمل بكتيريا أكثر من حذائك

جوازات سفر (أرشيفية - أ.ف.ب)
جوازات سفر (أرشيفية - أ.ف.ب)
TT

دراسة: جواز سفرك قد يحمل بكتيريا أكثر من حذائك

جوازات سفر (أرشيفية - أ.ف.ب)
جوازات سفر (أرشيفية - أ.ف.ب)

كشفت دراسة جديدة أن جواز السفر قد يكون أكثر أغراض السفر التي تحمل البكتيريا مقارنة بالأحذية، والحقائب، وحتى الهواتف الجوالة.

وبحسب صحيفة «نيويورك بوست» الأميركية، ففي الدراسة، التي أجريت بتكليف من شركة «جيه آر باس JRPass»، المزودة لتذاكر السفر اليابانية، قام الباحثون بأخذ مسحات من عدة أغراض سفر شائعة، ثم فحصوا العينات لقياس مستويات البكتيريا بها، باستخدام وحدة تكوين المستعمرة البكتيرية (CFUs)، وهي وحدة قياس تُستخدم لتقدير عدد الخلايا البكتيرية أو الفطرية الحية القابلة للتكاثر.

ووجد فريق الدراسة أن جوازات السفر تحتوي على نحو 436 وحدة تكوين مستعمرة بينما جاءت حقائب السفر في المرتبة الثانية بـ97 وحدة، تليها الأحذية بـ65 وحدة، والحقائب اليدوية بـ56 وحدة، والهواتف بـ45 وحدة، والسترات بـ15 وحدة.

وقالت الدكتورة بريمروز فريستون، الأستاذة المشاركة في علم الأحياء الدقيقة السريري بجامعة ليستر، إنه كلما زاد تداول جواز السفر بين أيدي أشخاص مختلفين، زادت كمية وتنوع البكتيريا والفطريات وحتى الفيروسات التي تتراكم على سطحه.

وأشارت فريستون إلى أن يد الإنسان تحمل بكتيريا طبيعية، ولكن عندما يلمس الناس الأشياء في الأماكن المزدحمة كالمطارات، فإنهم يلتقطون أيضاً ميكروبات تركها العديد من المسافرين الآخرين.

وأضافت أن غسل اليدين جيداً أو استخدام مطهر كحولي بعد التعامل مع جواز السفر والأسطح المشتركة من أبسط الطرق وأكثرها فاعلية لتقليل التعرض للبكتيريا.

كما نصح فريق الدراسة بمسح الأغراض الشخصية التي تتعرض للمس كثيراً، مثل جواز السفر والهواتف ومقابض الحقائب، قبل وبعد الرحلات، وتغيير الملابس فور العودة من السفر وغسلها لمنع انتقال الميكروبات إلى المنزل.


الخدعة انكشفت... دماغكم لا ينجز مَهمَّتين في وقت واحد!

خلف سرعة الدماغ ترتيبٌ دقيق للمَهمَّات (شاترستوك)
خلف سرعة الدماغ ترتيبٌ دقيق للمَهمَّات (شاترستوك)
TT

الخدعة انكشفت... دماغكم لا ينجز مَهمَّتين في وقت واحد!

خلف سرعة الدماغ ترتيبٌ دقيق للمَهمَّات (شاترستوك)
خلف سرعة الدماغ ترتيبٌ دقيق للمَهمَّات (شاترستوك)

لا يستطيع الدماغ البشري إنجاز مَهمّتين في الوقت عينه فعلياً حتى مع قدر كبير من التدريب، بل إنه يعالج هذه المَهمّات بالتتابع كما هو معتاد، وفقاً لدراسة نقلتها «وكالة الأنباء الألمانية» عن الدورية العلمية «كوارترلي جورنال أوف إكسبيريمينتال سايكولوجي»، وأجرتها جامعة مارتن لوثر في هاله فيتنبرغ الألمانية، وجامعة التعليم عن بعد في هاغن، وكلية «ميديكال سكول هامبورغ».

وخلال الدراسة عالج المشاركون مَهمّتين حسّيتين في الوقت عينه، إذ طُلبت منهم الإشارة إلى حجم دائرة تظهر لمدّة وجيزة باستخدام اليد اليمنى، وفي الوقت نفسه تحديد ما إذا كان الصوت الذي يسمعونه حاداً أو متوسطاً أو منخفضاً. وقيست سرعة استجابتهم وعدد الأخطاء التي ارتكبوها، وكُرِّرت الاختبارات على مدار أيام.

ومع زيادة التدريب أصبح المشاركون أسرع وارتكبوا أخطاء أقل. وكان يُنظر إلى مثل هذا التأثير التدريبي لمدّة طويلة على أنه دليل على استطاعة الدماغ معالجة المَهمّات بشكل متوازٍ إذا توفّر التدريب الكافي.

وقال عالم النفس تورستن شوبرت من جامعة هاله: «هذه الظاهرة المعروفة باسم التقاسم المثالي للوقت عُدَّت لمدّة طويلة دليلاً على المعالجة المتوازية الحقيقية في الدماغ، وعلى أنّ دماغنا قادر على تعدُّد المَهمّات بلا حدود»، مضيفاً في المقابل أنّ النتائج الجديدة تشير إلى عكس ذلك.

ووفق الباحثين، فإنّ الدماغ يقوم بتحسين ترتيب خطوات المعالجة بحيث لا تعوق بعضها بعضاً بشكل كبير. وقال شوبرت: «دماغنا بارع جداً في ترتيب العمليات واحدة تلو الأخرى»، مؤكداً أنّ لهذا التقاسم المثالي حدوداً.

كما تمكن فريق البحث من إثبات أنه عند إجراء تغييرات طفيفة جداً في المَهمّات، ارتفعت نسبة الأخطاء واحتاج المشاركون إلى وقت أطول لحلِّها. وشارك 25 شخصاً في 3 تجارب أُجريت ضمن الدراسة.

وأشار عالم النفس تيلو شتروباخ من كلية «ميديكال سكول هامبورغ» إلى أنّ لهذه النتائج أهمية أيضاً في الحياة اليومية، موضحاً أنّ تعدُّد المَهمّات قد يتحوّل إلى خطر، على سبيل المثال خلال قيادة السيارة أو في المهن التي تتطلَّب تنفيذ مَهمّات متوازية كثيرة.


«لا أستطيع أن أشاهد نفسي»... ممثلون ندموا على أدوار قدّموها

«لا أستطيع أن أشاهد نفسي»... ممثلون ندموا على أدوار قدّموها
TT

«لا أستطيع أن أشاهد نفسي»... ممثلون ندموا على أدوار قدّموها

«لا أستطيع أن أشاهد نفسي»... ممثلون ندموا على أدوار قدّموها

لا تطيق كيت وينسلت، بطلة «تيتانيك»، أن تشاهد نفسها في هذا الفيلم الذي حطّم الأرقام القياسية وأطلقها إلى العالميّة. صرّحت مرةً لشبكة «سي إن إن» بأنّ أداءها فيه فاشل، لا سيّما لكنتَها الأميركية المصطنعة التي لا تتحمّل الاستماع إليها، وفق تعبيرها.

ليست الممثلة البريطانية الحائزة على أوسكار، وحدها من بين النجوم السينمائيين الذين ندموا على أدوارٍ قدّموها وذهبوا إلى حدّ التنكّر لها. فلا أحد معصومٌ عن سوء التقدير والاختيار، لكن في عالم التمثيل لا يمرّ الخطأ من دون تسديد ضريبة أمام الجمهور. وفي سجلّات بعض كبار الممثلين، جوائز أوسكار تصطفّ إلى جانبها جوائز «راتزي» أو «التوتة الذهبيّة»، التي تُمنح لأسوأ أداء تمثيلي.

الراتزي لبراندو وبيري

حتى مارلون براندو، أحد عظماء هوليوود، حصل على «راتزي». هو الحائز على جائزتَي أوسكار خلال مسيرته عن فيلمَي «العرّاب» و«على الواجهة البحريّة»، نال جائزة أسوأ أداء عن فيلم «جزيرة الدكتور مورو» عام 1996.

مارلون براندو عام 1996 في فيلم «جزيرة الدكتور مورو» (إكس)

غالباً ما يجري توزيع تلك الجوائز بغياب مستحقّيها، إلّا أن لدى بعض الممثلين ما يكفي من جرأةٍ كي يتسلّموها شخصياً. وهكذا فعلت هالي بيري عام 2004، عندما اعتلت مسرح جوائز الراتزي ورفعت سعفة أسوأ أداء عن دورها في فيلم «المرأة القطّة».

حرصت بيري يومها على أن يرافقها إلى المسرح مخرج الفيلم وبعض زملائها الممثلين، حيث توجّهت إليهم ممازحةً: «لتقديم أداء سيئ فعلاً كأدائي، يجب أن يكون أمامك ممثلون سيّئون حقاً». وكي تزداد اللحظة فكاهةً، حملت بيري الراتزي في اليد اليمنى أما في اليسرى فرفعت الأوسكار الذي كانت قد حصدته قبل 3 سنوات عن فيلم «Monster's Ball».

الممثلة هالي بيري حاملةً جائزتَي أفضل وأسوأ ممثلة عام 2004 (موقع راتزي)

ساندرا بولوك لم تنجُ

في ظاهرة فريدة، نالت ساندرا بولوك جائزتَي أوسكار وراتزي في العام نفسه. حصل ذلك في 2010، عندما كُرّمت الممثلة الأميركية في أهم المحافل الهوليوودية عن أدائها في فيلم «البُعد الآخر». لكن ما هي إلا أسابيع حتى مُنحت جائزة راتزي لأسوأ تمثيل في فيلم «كل شيء عن ستيف».

مثل زميلتها بيري، لم تتردّد بولوك في الحضور، وقد جلبت معها صندوقاً مليئاً بنُسَخ من الفيلم. وهي مازحت الجمهور قائلةً: «أتحدّاكم بأن تقرأوا سطوري في الفيلم أفضل ممّا فعلت».

ساندرا بولوك لدى تسلمها جائزة راتزي عن أسوأ أداء عام 2010 (أ.ب)

براد وليو

قبل أن يثبت نفسه كأحد الأرقام الصعبة في هوليوود، وقبل سنواتٍ من حصوله على أوسكار، نال الممثل براد بيت بدوره جائزة راتزي عن أسوأ أداء في فيلم «مقابلة مع مصّاص الدماء» عام 1994.

وهكذا حصل مع ليوناردو دي كابريو، الذي وصفه المخرج مارتن سكورسيزي كأحد أعظم الممثلين في تاريخ السينما. فقبل سنوات على تلك الشهادة وعلى الأوسكار الذي حصده عام 2016، كان دي كابريو قد نال جائزة أسوأ أداء عن فيلم «الرجل في القناع الحديدي».

نيكول كيدمان وكبار الزملاء

مهما بلغت بهم الخبرة والشهرة وأعداد جوائز الأوسكار، يكاد لا ينجو أيٌ من كبار نجوم هوليوود من صفعة «التوتة الذهبية». ومن بين مَن حملوا الأوسكار بيَد وحُمّلوا الراتزي باليد الأخرى، الممثلون توم هانكس، وميل غيبسون، وآل باتشينو، ولورنس أوليفييه، وليزا مينيللي، وكيفن كوستنر، ونيكول كيدمان.

وعلى قاعدة «جلّ من لا يخطئ»، يقرّ عدد كبير من الممثلين بالهفوات التي ارتكبوها ولا يمانعون في التعبير عن ندمهم على المشاركة في بعض الأفلام.

عن بطولتها فيلم «أستراليا» عام 2008، تقول الممثلة نيكول كيدمان، في حديث مع صحيفة «سيدني مورنينغ هيرالد»: «لا يمكنني أن أشاهد هذا الفيلم وأشعر بالفخر بما فعلت. لكن أظنّ أنّ زميليّ هيو جاكمان وبراندون والترز كانا رائعَين».

نيكول كيدمان في فيلم «أستراليا» الذي تصف أداءها فيه بالفاشل (موقع الفيلم)

«جيمس بوند» و«باتمان»

من قال إنّ جيمس بوند لا يخطئ؟ يكفي سؤال الممثل بيرس بروسنان للحصول على الردّ. ففي حديث مع صحيفة «تلغراف» عام 2014 صرّح الممثل المخضرم بأنه لم يشعر بالأمان عندما أدّى تلك الشخصية، وذهب إلى حدّ القول: «لا رغبة لديّ في مشاهدة نفسي كجيمس بوند، لأنّ الشعور مريع».

نجمٌ آخر من الطراز الأول يعتبر نفسه فاشلاً في أداء شخصية أسطورية. هو جورج كلوني الذي أعلن في مجموعة من الحوارات الصحافية أنه كان سيّئاً جداً في فيلم «باتمان وروبن». ويضيف كلوني: «إذا شاهدت الفيلم أصاب بآلام جسدية. لقد دمّرتُ فكرة باتمان».

جورج كلوني في شخصية باتمان (موقع الفيلم)

«هاري بوتر»

من الصعب التصديق أنّ بطل «هاري بوتر»، الممثل دانييل رادكليف، غير راضٍ إطلاقاً عن تجربته التاريخية تلك. يصعب عليه مشاهدة أدائه في السلسلة لما ارتكب فيها من أخطاء. يقول رادكليف لصحيفة «ديلي ميل» عن جزء «هاري بوتر والأمير الهجين»: «أكرهه. من الصعب أن أشاهده لأنني لست جيّداً فيه وأدائي رتيب».

الممثل دانييل رادكليف بطل سلسلة هاري بوتر (موقع الفيلم)

حتى أنتِ يا مارلين...

عندما سألته صحيفة «غارديان» عن أسوأ ما فعله، أجاب الممثل إيوان ماك غريغور: «مهنياً، شخصية فرانك تشرشل في فيلم إيما. اتخذتُ قرار المشاركة في هذا الفيلم لأني اعتقدتُ أنه يجب أن أظهر بمظهر مختلف عن فيلم Trainspotting، لكن قراري كان خاطئاً». وأضاف أن الفيلم جيّد لكنه لم يبرع فيه.

إيوان ماك غريغور في فيلم إيما عام 1996 (إنستغرام)

رُشِّحت ميريل ستريب لجائزة الأوسكار عن دورها في فيلم «امرأة الملازم الفرنسي» (1981)، لكنها لا تعتقد أنها قدّمت فيه أداءً جيداً. وفي حديثها عن الدور ضمن برنامج تلفزيوني، قالت ستريب: «كانت بنية الفيلم مصطنعة نوعاً ما، كما أنني كنتُ شابة وحديثة العهد في هذا المجال لكني لم أكن سعيدة بما يكفي. لم أشعر بأنني أعيش التجربة».

حتى أميرة الشاشة الفضية ومحبوبة الجماهير مارلين مونرو، أبدت امتعاضها من أدائها في فيلم «المنبوذين». وفي رسالةٍ عُرضت للبيع في مزاد علنيّ عام 2020، كتبت مونرو أنها لم تكن راضية عن الفيلم الذي ألّفه زوجها آرثر ميلر، محوّلاً حياة الشخصية روزلين تابلر إلى ما يشبه حياة مونرو.