مهاجرون أفارقة يتوهون منهكين في الصحراء بين تونس وليبيا

مهاجرون من أفريقيا جنوب الصحراء يغتسلون عند وصولهم إلى منطقة غير مأهولة على الحدود الليبية التونسية بالقرب من العسة (160 كيلومتراً غرب طرابلس بليبيا) في 30 يوليو 2023 (إ.ب.أ)
مهاجرون من أفريقيا جنوب الصحراء يغتسلون عند وصولهم إلى منطقة غير مأهولة على الحدود الليبية التونسية بالقرب من العسة (160 كيلومتراً غرب طرابلس بليبيا) في 30 يوليو 2023 (إ.ب.أ)
TT

مهاجرون أفارقة يتوهون منهكين في الصحراء بين تونس وليبيا

مهاجرون من أفريقيا جنوب الصحراء يغتسلون عند وصولهم إلى منطقة غير مأهولة على الحدود الليبية التونسية بالقرب من العسة (160 كيلومتراً غرب طرابلس بليبيا) في 30 يوليو 2023 (إ.ب.أ)
مهاجرون من أفريقيا جنوب الصحراء يغتسلون عند وصولهم إلى منطقة غير مأهولة على الحدود الليبية التونسية بالقرب من العسة (160 كيلومتراً غرب طرابلس بليبيا) في 30 يوليو 2023 (إ.ب.أ)

​يواصل مهاجرون من أفريقيا جنوب الصحراء الوصول بالمئات يومياً إلى ليبيا سيراً حتى الإنهاك الشديد، بعدما نقلتهم السلطات التونسية إلى الحدود في وسط الصحراء، وفق شهاداتهم وشهادات حرس حدود ليبيين جمعتها وكالة «الصحافة الفرنسية».

أُنقذ الأحد في منطقة قاحلة وغير مأهولة، رجال ونساء وهم تائهون بالقرب من بحيرة سبخة المقطع المالحة، على امتداد الحدود بين ليبيا وتونس.

عند الظهيرة، وبينما الحرارة تفوق الأربعين درجة مئوية، عثرت دورية ليبية على رجل مغمى عليه، وحاول أفرادها إنعاشه بسكب بضع قطرات من الماء على شفتيه؛ إلا أنه بالكاد يتنفس.

في البعيد، يمكن تمييز 6 نقاط سوداء، تبين بعد دقائق أنهم ناجون شرحوا باللغة العربية للحراس أنهم أتوا من تونس.

في الأسبوعين الأخيرين، يقول حرس الحدود الليبيون إنهم أنقذوا مئات المهاجرين الذين نقلتهم السلطات التونسية -على ما يؤكدون- إلى الحدود، عند مستوى بلدة العسة، على بعد 150 كيلومتراً جنوب غربي طرابلس.

ففي أعقاب اشتباكات أودت بحياة مواطن تونسي في الثالث من يوليو (تموز)، طُرد مئات المهاجرين الأفارقة من صفاقس في وسط تونس الشرقي، التي تشكل نقطة الانطلاق الرئيسية للهجرة غير النظامية إلى أوروبا.

عنصر من حرس الحدود الليبي يوفر المياه لمهاجر من أفريقيا جنوب الصحراء الكبرى عند وصوله إلى منطقة غير مأهولة على الحدود الليبية التونسية بالقرب من العسة (160 كيلومتراً غرب طرابلس بليبيا) في 30 يوليو 2023 (إ.ب.أ)

ينهارون منهكين

وتفيد منظمة «هيومن رايتس ووتش» غير الحكومية بأن الشرطة التونسية «طردت» ما لا يقل عن 1200 مهاجر أفريقي، وتركتهم عند الحدود مع ليبيا من الشرق، والجزائر من الغرب.

وقد تولى «الهلال الأحمر التونسي» بعد ذلك رعاية أكثر من 600 من هؤلاء، في منطقة رأس جدير العازلة بين تونس وليبيا، ونحو 200 من الجانب الجزائري.

لكن قرب العسة على بعد نحو 40 كيلومتراً من رأس جدير، يستمر المهاجرون في الوصول ضمن مجموعات صغيرة من شخصين أو 3 أشخاص أو بالعشرات، يتقدمون مذهولين منهكين جراء الحر والعطش، وتخور قواهم عند أقدام الحراس؛ فيعطيهم الحراس بضع قطرات من الماء، ويرشونها على رؤوسهم ووجوههم، قبل نقلهم إلى نبع مياه مالحة ليبردوا حرارة جسمهم.

في الآونة الأخيرة، يجري حرس الحدود الليبيون وجهاز مكافحة الهجرة غير النظامية، وعناصر «الكتيبة 19» دوريات يومية في الصحراء.

يقول المتحدث باسم «اللواء 19» الليبي علي والي: «نحن على الخط الفاصل بين ليبيا وتونس، ونشهد وصول مزيد من المهاجرين كل يوم. الوضع مقلق».

ويوضح أنه سمح لوكالة «الصحافة الفرنسية» بمرافقة الدورية «لتكذيب من يدعي (في تونس) أننا قمنا باختلاق كل هذا، وأننا قمنا باقتياد المهاجرين إلى هنا» عند الحدود.

ويؤكد أن الحراس يرصدون يومياً في نطاق عملهم حول العسة: «وصول 150 إلى 350، وأحياناً ما يصل إلى 400 أو 500 مهاجر غير شرعي».

وصل في ذلك اليوم 110 أشخاص، بينهم امرأتان، بينما لم يعثر على شخصين آخرين بلغ عنهما مهاجر.

يقوم جندي من حرس الحدود بمسح الأفق بمنظاره على أمل تحديد مكان المهاجرين.

وعبر الناجون الحدود من دون علمهم، وساروا في الاتجاه الذي أشار إليه الجنود التونسيون، أي ليبيا.

مهاجرون من أفريقيا جنوب الصحراء يستريحون عند وصولهم إلى منطقة غير مأهولة على الحدود الليبية التونسية بالقرب من العسة (غرب طرابلس بليبيا) في 30 يوليو 2023 (إ.ب.أ)

سير ليومين

هيثم يحيى، مواطن سوداني عمل في قطاع البناء لمدة عام في تونس؛ حيث وصل سراً عبر النيجر، ثم الجزائر.

يروي يحيى قائلاً: «كنت في العمل عندما أمسكوا بي واقتادوني إلى هنا، أولاً في سيارة شرطة، ثم في شاحنة عسكرية (تونسية) ثم تركوني وطلبوا مني الذهاب إلى ليبيا».

تحت شمس حارقة: «سار البعض لمدة يومين» من دون ماء أو طعام في الصحراء.

هذا ما حصل للنيجيري ألكسندر أونشي أوكولو. يقول الرجل البالغ 41 عاماً: «دخلت تونس عبر الدبداب (منفذ بري حدودي) عابراً الجزائر إلى تونس... أمضيت بعض الوقت في تونس قبل أن تقبض عليَّ الشرطة التونسية».

ويتابع قائلاً: «ألقوا القبض عليَّ في الشارع، ونقلت إلى الصحراء الكبرى». ويظهر شاشة هاتفه المحطمة، موضحاً: «كسروه وضربوني».

حرس الحدود الليبي يوفر المياه لمهاجرين من أصل أفريقي بعد وصولهم إلى منطقة غير مأهولة بالقرب من العسة بليبيا على الحدود الليبية التونسية في 30 يوليو 2023 (إ.ب.أ)

17 قتيلاً

ويقول المتحدث الليبي: «السبت تم العثور على جثتين، وقبل يومين 5 بينهم امرأة مع طفلها... بالإضافة إلى الخمس التي تم العثور عليها قبل أسبوع... وضع مأساوي وغير مقبول».

ويتساءل: «كيف تتوقعون منهم النجاة من هذا؟ وسط الحر ومن دون ماء مع سيرهم ليومين أو ثلاثة».

وتفيد منظمات إنسانية في ليبيا اتصلت بها وكالة «الصحافة الفرنسية»، بأن الحصيلة تصل إلى ما لا يقل عن 17 قتيلاً قضوا في الصحراء بين ليبيا وتونس، في الأسابيع الثلاثة الماضية.

في رأس جدير، لا يزال 350 مهاجراً يقيمون في مخيم، بينهم 65 طفلاً و12 امرأة حاملاً.

وقال مسؤول في المجال الإنساني في ليبيا لوكالة «الصحافة الفرنسية»: «ظروف حياتهم صعبة جداً». وأوضح أن 180 مهاجراً آخر من بينهم 20 طفلاً يقيمون موقتاً في العسة.

وفي رأس جدير بدأوا منذ 10 أيام تقريباً يحصلون على المياه والطعام والرعاية الطبية من «الهلال الأحمر الليبي».

وشدد المصدر الإنساني على أن الوضع يتحسن «لكن لا يمكن أن يستمر على المدى الطويل، فلا وجود للصرف الصحي ولا لخزانات المياه ولا مراكز إيواء فعلية».

وقالت الحكومة في طرابلس في الأيام الأخيرة، إنها ترفض إقامة المهاجرين الوافدين من تونس على أراضيها. وقد انتقدت تقارير عدة للأمم المتحدة، ليبيا، بسبب العنف الممارس في حق 600 ألف مهاجر موجودين على أراضيها، وغالبيتهم في مخيمات.

مهاجرون من أفريقيا جنوب الصحراء عند وصولهم إلى منطقة غير مأهولة على الحدود الليبية التونسية بالقرب من العسة (غرب طرابلس بليبيا) في 30 يوليو 2023 (إ.ب.أ)


مقالات ذات صلة

محكمة أميركية تؤيد سياسة ترمب بشأن احتجاز المهاجرين

الولايات المتحدة​ احتجاز فنزويلي من قبل عملاء فيدراليين ملثمين بعد جلسة استماع في محكمة الهجرة بمدينة نيويورك (أ.ف.ب)

محكمة أميركية تؤيد سياسة ترمب بشأن احتجاز المهاجرين

أيدت محكمة استئناف اتحادية سياسة إدارة ترمب المتمثلة في وضع مَن قُبض عليهم في حملة مكافحة الهجرة غير الشرعية في الحبس دون فرصة للإفراج عنهم بكفالة.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
أوروبا خفر السواحل اليوناني في ميناء بجزيرة خيوس بعد اصطدام قارب سريع لنقل المهاجرين بدورية تابعة لخفر السواحل (ا.ب)

مقتل 14 مهاجراً في اصطدام قاربهم بزورق لخفر السواحل اليوناني

قضى 14 مهاجراً مساء الثلاثاء إثر اصطدام بين زورق لخفر السواحل اليوناني وقارب كان يقلّهم قبالة جزيرة خيوس في بحر إيجه.

«الشرق الأوسط» (أثينا)
شمال افريقيا  مهاجرون بعد توقيفهم في سبها الليبية 3 فبراير (مديرية أمن سبها)

«تطهير» وهدم مساكن... حملة أمنية استهدفت «مهاجرين مخالفين» بسبها الليبية

أوقفت أجهزة أمنية في الجنوب الليبي قرابة ألفي مهاجر غير نظامي بحوزتهم «أوراق مزورة»، وأقدمت على هدم مساكن كانوا يقيمون فيها، وسط انتقادات حقوقية واسعة.

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
يوميات الشرق أبرز المغنّين الفائزين بجوائز حفل غرامي الـ68 (إ.ب.أ/ أ.ب)

مغنّية شوارع نجمة العام وخطابات مناهضة لـ«آيس»... حفل «غرامي» يستفزّ ترمب

جاءت النسخة الـ68 من جوائز «غرامي» محمّلة بالمفاجآت، والحكايات، والأرقام القياسية، والمواقف المناهضة لسياسة الهجرة الأميركية.

كريستين حبيب (بيروت)
أميركا اللاتينية عناصر فيدرالية يعتقلون متظاهراً خلال احتجاج ضد سياسات إدارة الهجرة في مدينة مينيابوليس الأميركية (أ.ف.ب)

قاض أميركي يأمر بالإفراج عن طفل عمره 5 سنوات احتجزته إدارة الهجرة

أظهرت وثائق قضائية يوم السبت أنه سيجري إطلاق سراح طفل يبلغ من العمر 5 سنوات كانت قد احتجزته عناصر اتحادية من من إدارة الهجرة والجمارك الأميركية إلى جانب والده.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)

«طوارئ» في مطار القاهرة بعد حدوث تسريب بمستودع وقود

مطار القاهرة الدولي (وزارة الطيران المدني المصرية)
مطار القاهرة الدولي (وزارة الطيران المدني المصرية)
TT

«طوارئ» في مطار القاهرة بعد حدوث تسريب بمستودع وقود

مطار القاهرة الدولي (وزارة الطيران المدني المصرية)
مطار القاهرة الدولي (وزارة الطيران المدني المصرية)

شهد مطار القاهرة الدولي حالة طوارئ، بعد حدوث تسريب في أحد خطوط تغذية مباني الركاب بالوقود، ما أدى إلى «تأثير جزئي على بعض رحلات الطيران».

وقدَّمت شركة «مصر للطيران» (الناقل الوطني بمصر)، صباح السبت، اعتذاراً لعملائها على التأخيرات التي طرأت على عدد من رحلاتها الجوية، وأكدت في الوقت نفسه أن «حادث التسريب لم يؤدِّ إلى توقف حركة التشغيل».

وأعلنت شركة «ميناء القاهرة الجوي»، وهي شركة حكومية تابعة لوزارة الطيران المدني المصرية، عن «رصد تسريب وقود بالخط الفرعي، الخاص بتغذية مبنيَي الركاب رقمَي (2) و(3)، من خلال أجهزة المراقبة الموجودة بالغرفة المركزية للتحكم الخاصة بشركة (مصر للبترول)، في مستودع الوقود داخل مطار القاهرة»، وقالت في إفادة لها، مساء الجمعة، إنها «قامت بإيقاف الخط، مع تفعيل خطة الطوارئ البديلة».

وتضمن التدابير البديلة قيام شركة «ميناء القاهرة الجوي» بـ«استدعاء 6 وحدات تستوعب أكثر من ربع مليون لتر، إلى جانب 3 وحدات ترشيح لتأمين أعمال التشغيل بمبنى الركاب، بالتزامن مع أعمال الإصلاح للخط».

وقالت الشركة في بيانها إنه «جرى تحديد موقع التسريب بدقة، وذلك باستخدام أحدث الأجهزة التكنولوجية، وتنفيذ أعمال الإصلاح اللازمة، وعودة الخط الفرعي للتشغيل الطبيعي».

ولم تتوقف حركة التشغيل في مطار القاهرة الدولي، وفق شركة «مصر للطيران» التي أشارت إلى أن «حركة الرحلات تأثرت تأثراً جزئياً»، موضحة أن التأخيرات التي طرأت على عدد من الرحلات: «تعد ظروفاً استثنائية» خارجة عن إرادتها، وأنه «في مثل هذه الظروف، يتم إيقاف خط الوقود، مع تفعيل خطة الطوارئ البديلة، وهو ما تم بالفعل، وصولاً لإصلاح الخط الفرعي وعودته للتشغيل الطبيعي».

وتقدم عضو مجلس النواب المصري (الغرفة الأولى للبرلمان)، ضياء داود، بطلب إحاطة بشأن تسرب وقود تموين الطائرات بمطار القاهرة، وقال إن «الحادث يثير تساؤلات عن الخطط البديلة للتعامل مع مثل هذه الأزمات من قبل وزارة الطيران المدني»، إلى جانب «الآثار السلبية لذلك على قطاع النقل الجوي والسياحة».

واعتبر داود أن «مثل هذه الوقائع يترتب عليها تأخير في تقديم الخدمات، وفي مواعيد الرحلات، وهو ما يتناقض مع خطط الحكومة المصرية للوصول إلى 25 مليون سائح سنوياً».

من جهته، أوضح كبير طياري «مصر للطيران» سابقاً، المحقق الدولي في حوادث الطائرات، هاني جلال، أن «تسرب الوقود من الحوادث الواردة في المطارات، ومن الأخطار المنصوص عليها في صناعة النقل الجوي، ولها بروتوكول أمني معتمد للتعامل بشكل طارئ معها»؛ مشيراً إلى أن «الإجراءات التي تمت مع الأزمة كانت سريعة، وبالتالي لم تحدث خسائر كبيرة».

وشدد جلال على «ضرورة مراجعة كافة الإجراءات الخاصة بإصلاح خط الوقود، لضمان عدم عودة التسريب مرة أخرى، ومراقبته بشكل مستمر، إلى جانب إجراء الصيانات الدورية»، موضحاً لـ«الشرق الأوسط» أن «هذه هي المرة الأولى التي يحدث فيها تسريب بمطار القاهرة بهذا الشكل، وكان من الأفضل تجنب حدوثه بالمراجعة الدورية لكل خطوط تغذية الوقود».

وأكدت شركة «ميناء القاهرة الجوي» في بيانها على «التزامها الكامل بأعلى معايير السلامة والأمان لعملائها»، وقالت إن «التأخيرات التي طرأت نتيجة التسريب كانت لظروف استثنائية خارجة عن إرادتها».

ويرى جلال أن «تأخير بعض رحلات الطيران بسبب حوادث تسرب الوقود يكون للصالح العام، ويهدف لضمان السلامة والأمان، ولا داعي للاستعجال في حركة الرحلات الجوية في مثل هذه الحوادث».

أما مستشار وزير السياحة المصري الأسبق، وليد البطوطي، فقد أوضح من جانبه أن تأخير الرحلات «يحدث في جميع دول العالم، والتريث في واقعة التسريب ضروري من أجل السلامة العامة»؛ مشيراً إلى أن «هناك مطارات في الخارج يتم إغلاقها عدة أيام بسبب عواصف أو طوارئ الطقس، وبالتالي فالحوادث الطارئة واردة».

ويضيف البطوطي لـ«الشرق الأوسط» أن «الحكومة المصرية تعاملت بشفافية مع الحادث»، موضحاً أن «ما حدث لن تكون له تأثيرات سياحية، أو على معدلات نمو رحلات الطيران إلى مطار القاهرة، باعتبار أن ما حدث أمر طارئ، وجرى التعامل معه وفقاً للتدابير المنصوص عليها في تأمين المطارات وصناعة النقل الجوي».

وأعلنت الحكومة المصرية في يناير (كانون الثاني) الماضي تحقيق قطاع السياحة نمواً بلغ 21 في المائة، بواقع 19 مليون سائح خلال عام 2025.


ليبيون يتوقعون زيادة الملاحقات الأميركية لمشتبهين بتفجير «مجمع بنغازي»

واجهة مبنى القنصلية الأميركية خلال تعرضها للهجوم في 14 سبتمبر 2012 في بنغازي (أ.ب)
واجهة مبنى القنصلية الأميركية خلال تعرضها للهجوم في 14 سبتمبر 2012 في بنغازي (أ.ب)
TT

ليبيون يتوقعون زيادة الملاحقات الأميركية لمشتبهين بتفجير «مجمع بنغازي»

واجهة مبنى القنصلية الأميركية خلال تعرضها للهجوم في 14 سبتمبر 2012 في بنغازي (أ.ب)
واجهة مبنى القنصلية الأميركية خلال تعرضها للهجوم في 14 سبتمبر 2012 في بنغازي (أ.ب)

تتصاعد التوقعات والتكهنات في ليبيا بشأن احتمال قيام الولايات المتحدة بملاحقة مزيد من المشتبهين الليبيين في الهجوم الذي استهدف المجمع الأميركي في بنغازي عام 2012، بعد اعتقال الليبي الزبير البكوش، الذي تتهمه أميركا بالضلوع في الهجوم، الذي أسفر عن مقتل السفير كريستوفر ستيفنز و3 أميركيين آخرين.

وحتى الآن، لم يصدر أي تعليق رسمي من حكومة «الوحدة الوطنية» في غرب ليبيا بشأن تسليم البكوش، لكن وسائل إعلام محلية أشارت إلى أن الحكومة سلّمته للولايات المتحدة، دون الكشف عن مزيد من التفاصيل.

وزيرة العدل الأميركية بام بوندي خلال إعلانها عن اعتقال البكوش (رويترز)

وتوقع عضو مجلس النواب الليبي، فهمي التواتي، «ملاحقات أميركية لمشتبهين آخرين»، مشيراً إلى أن قائمة المشتبه بهم تشمل العديد من الأسماء، وذهب إلى الاعتقاد في تصريح لـ«الشرق الأوسط» إلى أن «حكومة (الوحدة) ربما أسهمت في توقيف البكوش، نتيجة تسلسل الأحداث من الاستدعاء، والتحقيق أمام جهاز الأمن الداخلي في نوفمبر (تشرين الثاني) الماضي، ثم الإعلان المفاجئ عن وصوله إلى أميركا في سيناريو مشابه لما حدث مع أبو عجيلة مسعود المريمي».

والمريمي، هو ضابط استخبارات ليبي سابق، لا يزال موقوفاً في الولايات المتحدة بعد أن سلمته حكومة «الوحدة الوطنية» في ديسمبر (كانون الأول) 2022، للاشتباه بتورطه في تفجير طائرة «بان أميركان 103» فوق لوكربي في 1988.

أبو عجيلة مسعود المريمي (متداولة)

ويرى خبراء أمنيون ليبيون، من بينهم محمد السنوسي، أن تسليم مطلوبين آخرين للولايات المتحدة «ليس مستبعداً»، مبرزاً أن هذا المسار بدأ منذ عام 2014 مع اعتقال كل من أبو أنس الليبي، وأحمد أبو ختالة، وأبو عجيلة المريمي، وأنه من المتوقع أن يستمر في المرحلة المقبلة.

واعتُقل أحمد أبو ختالة على يد القوات الخاصة الأميركية عام 2014، ونقل إلى واشنطن لمحاكمته وإدانته في تفجير «مجمع بنغازي»، وهو يقضي حالياً عقوبة السجن. كما سبق أن اعتُقل أبو أنس الليبي، القيادي في تنظيم «القاعدة»، في طرابلس عام 2013 بتهمة التورط في تفجيرات سفارتي واشنطن في كينيا وتنزانيا عام 1998، وتوفي في السجن عام 2015.

ويشير السنوسي في تصريح لـ«الشرق الأوسط» إلى أن «الوضع السيادي الليبي لا يسمح بالاعتراض على تسليم مطلوبين للولايات المتحدة»، مذكراً بدخول حكومة «الوحدة» في «تفاهمات وصفقات اقتصادية ضخمة مع واشنطن، فيما تلعب الأخيرة دوراً محورياً في المسار السياسي الليبي، ضمن ترتيبات تهدف إلى توحيد الحكومتين».

رئيس حكومة «الوحدة الوطنية» في غرب ليبيا عبد الحميد الدبيبة (مكتب الدبيبة)

ووجهت المدعية العامة الأميركية، جانين بيرو، الجمعة، 8 تهم ضد البكوش، منها قتل السفير ستيفنز، وموظف وزارة الخارجية شون سميث، في حين لم تتضح على الفور تفاصيل الدفاع القانوني للبكوش، وما إذا كان قد وكل محامياً.

ويعتقد الإعلامي الليبي، خليل الحاسي، أن نقل البكوش إلى الولايات المتحدة يعكس سعي إدارة الرئيس السابق دونالد ترمب إلى تحقيق اختراق في قضية الهجوم على بنغازي، التي ظلت معقدة ومعلقة لسنوات.

وقال لـ«الشرق الأوسط» إن «مكتب التحقيقات الفيدرالي صنّف البكوش ضمن نحو 20 شخصاً نفذوا الهجوم، لكن بيانه لم يتطرق إلى بقية الشبكات الداعمة للعملية»، ما يؤشر حسبه، إلى أن «القضية لم تُغلق بعد، بل هي في بدايتها الفعلية».

وفي 11 سبتمبر (أيلول) 2012 شهد «المجمع الدبلوماسي» الأميركي في بنغازي اقتحام نحو 20 مسلحاً مزودين ببنادق «كلاشينكوف»، وقاذفات قنابل يدوية لبوابته، وإضرام النار في المباني، ما أدى إلى مقتل السفير ستيفنز وموظف وزارة الخارجية شون سميث، في حين فرّ موظفون آخرون إلى منشأة أميركية مجاورة تعرف باسم الملحق؛ حيث تعرّضوا لهجوم آخر من قبل مجموعة مسلحة كبيرة.

ويبدو أن الملاحقات الأميركية للمشتبهين في تفجير 2012 ستكون عملية طويلة ومعقدة، وفق مراقبين محليين.

وحسب الحاسي، قد تشمل توجيه اتهامات جديدة، واستدعاء أسماء أخرى داخل ليبيا وخارجها، في إطار ما وصفه بـ«تصفية حسابات أميركية مؤجلة»، لافتاً إلى «انتشار قيادات (مجلس شورى بنغازي) و(مجلس شورى مجاهدي درنة) في مناطق مختلفة من ليبيا بعد هروبهم، مع تحولات في خطابهم السياسي، بما في ذلك الدعوة إلى الدولة المدنية، بدلاً من إمارة إسلامية».

سيارة تعرّضت للاحتراق أمام مبنى القنصلية الأميركية أثناء الهجوم (أ.ب)

أما الدبلوماسي الليبي، محمد المرداس فيعتقد أن الأميركيين يمتلكون قائمة طويلة من الأسماء، التي قد تطولها التحقيقات، خصوصاً من تيارات الإسلام السياسي، لافتاً إلى أن «البكوش يمتلك شركة لتوظيف الأموال في طرابلس، تعمل في الإقراض بفوائد وتحويلات مالية كبيرة، وهو ما قد يشير إلى شبكة مالية معقدة متورطة بأطراف متعددة».


مقتل سيف القذافي يفتح الباب لخلافته داخل «تيار سبتمبر»

سيف الإسلام القذافي (أرشيفية - رويترز)
سيف الإسلام القذافي (أرشيفية - رويترز)
TT

مقتل سيف القذافي يفتح الباب لخلافته داخل «تيار سبتمبر»

سيف الإسلام القذافي (أرشيفية - رويترز)
سيف الإسلام القذافي (أرشيفية - رويترز)

منذ اغتيال سيف الإسلام، نجل الرئيس الليبي الراحل معمر القذافي، في مدينة الزنتان الواقعة غرب ليبيا، الثلاثاء الماضي، طفت على السطح بشكل واسع تساؤلات ملحة حول الشخصية التي ستخلفه في قيادة التيار الذي كان يمثله.

وجاءت هذه التساؤلات في ظلِّ ما كان يتمتع به سيف الإسلام من «رمزية تاريخية» داخل أوساط أنصار النظام السابق، المعروفين بـ«تيار سبتمبر (أيلول)»، وهم المناصرون لـ«ثورة الفاتح من سبتمبر»، التي قادها الرئيس الراحل معمر القذافي عام 1969.

نحو قيادة جديدة

أوضح عثمان بركة، القيادي في «التيار الوطني» الداعم لسيف الإسلام القذافي، أن تيار أنصار النظام السابق، ورغم عدم استقراره حتى الآن على قيادة جديدة، «فإنه يمتلك قدرةً تنظيميةً وسياسيةً تخوّله تجاوز هذه المرحلة، والانتقال لاحقاً إلى صيغة قيادية بديلة».

وقال بركة لـ«الشرق الأوسط» إن «العلاقة مع القذافي وأبنائه كانت ذات بعد عاطفي، إلى جانب بعدها السياسي، غير أن العمل الوطني سيستمر»، مؤكداً أن «جهداً منظماً سيُبذَل للوصول إلى قيادة جديدة، عقب تجاوز تداعيات حادثة الاغتيال».

منذ اغتيال سيف الإسلام طفت على السطح بشكل واسع تساؤلات ملحة حول الشخصية التي ستخلفه (أ.ف.ب)

ولم يتضح بعد موقف أحمد قذاف الدم، المسؤول السياسي في «جبهة النضال الوطني الليبية»، وأحد أبرز رموز النظام السابق، من مستقبل قيادة «تيار سبتمبر»، بعد اغتيال سيف الإسلام، لكن مصادر مقربة منه قالت لـ«الشرق الأوسط» إنه من السابق لأوانه الحديث عن قيادة جديدة في ظل استمرار مراسم العزاء القائم في بني وليد.

واكتفى قذاف الدم، عبر صفحته على موقع التواصل الاجتماعي «فيسبوك»، بإعادة نشر بيان لمَن يصفون أنفسهم بـ«أنصار النظام الجماهيري». وشدَّد على وحدة الصف، مؤكداً أن الاغتيال «لن يؤدي إلى تفكك التيار»، وأن أنصار سبتمبر «كتلة واحدة صلبة».

وفي بني وليد (غرب)، حيث وُوري جثمان سيف الإسلام الثرى، الجمعة، بدت الصدمة واضحة في نبرة الناشط الليبي حميد القذافي، أحد أبناء قبيلة الرئيس الراحل، الذي قال لـ«الشرق الأوسط»: «دعنا ننتظر نحو 10 أيام، وحينها ستكون الصورة أوضح بشأن مآلات القيادة الجديدة».

شخصيات مرشحة

تداولت صفحات ليبية أسماء بعض الشخصيات المحتملة لخلافة سيف الإسلام، مثل شقيقته عائشة، وشقيقه الساعدي، غير أن المحلل السياسي الليبي، إبراهيم بلقاسم، عارض هذا الرأي، مبرزاً لـ«الشرق الأوسط» أن «الرافعة الوحيدة لمشروع أنصار النظام السابق هي ظهور شخصية غير متوقعة وغير سياسية»، مشيراً إلى أنها «ستكون مجرد محاولة لإنقاذ هذا التيار».

تداولت صفحات ليبية أسماء بعض الشخصيات المحتملة لخلافة سيف الإسلام بينهم شقيقته عائشة (رويترز)

بعد سقوط نظام القذافي عام 2011، عقب 42 عاماً في الحكم منذ «ثورة الفاتح من سبتمبر» عام 1969، برز أنصاره تحت مسمى «تيار سبتمبر»، والذين يُعرَفون شعبياً بـ«الخضر»، في رمزية «الكتاب الأخضر».

ويتسم «تيار سبتمبر» بتعدد مكوناته وغياب قيادة موحدة، بينما كان يُنظَر إلى سيف الإسلام بوصفه «رمزاً مركزياً» لدى قطاع واسع من أنصاره، إلى جانب سياسيين ومجموعات تطالب بإعادة إدماج أنصار النظام السابق في الحياة السياسية، والاعتراف بحقوقهم.

وتوقَّع ناصر سعيد، الناطق باسم «الحركة الوطنية الشعبية الليبية»، إحدى الأذرع السياسية لأنصار النظام السابق، أن تتشكَّل قيادة سياسية وطنية خلال المرحلة المقبلة لمواصلة ما وصفه بـ«العمل الوطني»، إلى حين استقرار البلاد، وتمكين الليبيين من تقرير مصيرهم. وبينما عدّ أن مسألة بروز قائد أو رمز جديد «متروكة للمرحلة المقبلة»، أكد أن المشروع «فكري وعقائدي وليس مرتبطاً بأشخاص».

وأوضح سعيد لـ«الشرق الأوسط» أن إرث سيف الإسلام القذافي يتمثل في «مشروع وطني جامع»، يرفض التدخل الأجنبي، ويسعى لاستعادة السيادة والاستقرار، عادّاً أن سيف الإسلام كان رمزاً وأملاً للخروج من الأزمة، وأن مشروعه امتداد لمسار «ثورة الفاتح» بوصفه خياراً تحررياً ما زال يحظى بأنصار.

صعوبات بنيوية

تنظيمياً، لا يمكن حصر «تيار النظام السابق» في إطار سياسي واحد، إذ تتعدَّد أطره وقياداته بين تنظيمات وشخصيات مستقلة، أبرزها حزب «الحركة الوطنية الشعبية الليبية»، الذي تأسَّس عام 2012، ثم «الجبهة الشعبية لتحرير ليبيا»، التي تَشكَّلت من سياسيين وقيادات قبلية تأييداً لسيف الإسلام القذافي عام 2016.

كما ازداد حضور ممثليه منذ عام 2020، سواء في «ملتقى جنيف»، الذي أفضى إلى تشكيل حكومة «الوحدة الوطنية»، أو ضمن مسارات «الحوار المهيكل»، الذي ترعاه الأمم المتحدة، قبل أن يعلّقوا مشاركتهم عقب اغتيال سيف الإسلام.

ترى أصوات من داخل «تيار سبتمبر» أن اغتيال سيف الإسلام ألقى بظلال ثقيلة على قدرة أنصار النظام السابق على بلورة قيادة موحدة (أ.ب)

وتذهب أصوات من داخل «تيار سبتمبر» إلى الاعتقاد بأن اغتيال سيف الإسلام شكَّل نقطة تحول حاسمة، وألقى بظلال ثقيلة على قدرة أنصار النظام السابق على بلورة قيادة موحدة، في ظل صعوبات بنيوية تعود إلى «خلافات تاريخية»، بين ما يُعرف بـ«الحرس القديم» و«أنصار التغيير»، الذين كان يقودهم سيف الإسلام.

ويتفق خالد الحجازي، أحد النشطاء السياسيين البارزين في «تيار سبتمبر»، مع هذه الرؤية، مؤكداً أن رمزية سيف الإسلام القذافي كانت عامل توازن يدير الخلافات داخل التيار، بفضل مشروعه الإصلاحي قبل «17 فبراير».

ويرى الحجازي في تصريحات لـ«الشرق الأوسط» أن غياب هذه الرمزية قد «يعيد الانقسامات القديمة، ويصعّب إعادة إنتاج قيادة جامعة»، في ظل تداخل عوامل داخلية وخارجية، تجعل توحيد التيار مهمة «شديدة التعقيد» في المدى المنظور.

غير أن عثمان بركة قال: «إن الاختلاف أمر طبيعي، فنحن لسنا حزباً مغلقاً»، متحدثاً عن «الإيمان بالديمقراطية وتعدد الرؤى». وأوضح أن «تدافع الأجيال لا يعني صراعاً»، مشدداً على أنه «لم يُسجل أي صدام دموي بين أنصار مسارَي تيار سبتمبر».

وختم بركة بالقول: «إن تعدد المسارات داخل التيار يصب في هدف واحد، يتمثل في حرية ورفاهية المواطن الليبي، وبناء دولة ذات سيادة قادرة على تجاوز أزمتها المستمرة منذ عام 2011».