شاشة الناقد: أنا يوسف يا أبي ****

محمد ملص (اليسار) من فيلم «أنا يوسف يا أبي» (دنيا فيلم).
محمد ملص (اليسار) من فيلم «أنا يوسف يا أبي» (دنيا فيلم).
TT

شاشة الناقد: أنا يوسف يا أبي ****

محمد ملص (اليسار) من فيلم «أنا يوسف يا أبي» (دنيا فيلم).
محمد ملص (اليسار) من فيلم «أنا يوسف يا أبي» (دنيا فيلم).

أنا يوسف يا أبي ****

إخراج: محمد ملص | سوريا | 2023

* من يستمع لصوت فيروز وهي تغني «بلادي وحبك يا موجعي»، يستمع كذلك إلى صوت حفيف خافت للقلم فوق لوحة يتم رسمها. نرى لوحات مرسومة تمتزج بالأصوات وبلقطة لبعض الورود التي تهتز كما لو كانت فرحة بأغنية فيروز وصوتها الآتي من أيام أجمل.

بعد هذه المقدّمة تطرق يد باباً موصداً يفتحه الرسام يوسف عبدالكي. الطارق هو المخرج محمد ملص وفريق عمله الصغير. يسأل يوسف المخرج: «شو؟ بدكن تصوّروا؟». يجيبه المخرج «بدنا نرسم بورتريه إلك». وحين يقول ملص: «نرسم»، يلوح بيده كما لو كان يرسم شيئاً في الهواء.

قرب النهاية، تشارك الكاميرا (لوائل عز الدين ويحيى عز الدين) الفنان عبداللكي في الرسم. نرى يد الرسام وهي تؤسس للوحة بطبشور من الفحم الأسود. يده تتحرك في كل الاتجاهات فوق رقعة صغيرة محددة، وها هي الكاميرا تتحرك مع حركة اليد. فيلم محمد ملص التسجيلي «أنا يوسف، يا أبي» هو فيلم عن رسام ورسم أمام كاميرا تخلق لوحات بدورها.

هذا هو الفيلم الأول للمخرج ملص بعد غياب طويل. هناك فارق عشر سنوات ما بين «سلم إلى دمشق»، الذي شهد عروضاً في مهرجانات دبي وتورنتو ومونبلييه، وبين هذا الفيلم. هناك ظهور للمخرج في فيلم حميد بن عمرة «تايم لايف» (2019) والعديد من أصوات الصمت قبل ذلك وبعده.

حين يدخل ملص منزل الفنان عبدالكي ومرسمه، يضع المخرج الكاميرا في أماكن مناسبة لتوظيف البيت القديم وأبوابه وفنائه وغرفه. في الواجهة الفنان السوري، الذي ترك دمشق إلى باريس سنة 1973 وعاد إلى مدينته سنة 2007 وقبع فيها يرسم اللوحات التي تعني له التاريخ والحاضر والبشر.

يتحدّث عبدالكي عن أبيه الذي سجن عدة مرات وعن نشأته ثم غربته الفرنسية. هذا بعض التاريخ الشخصي، الذي لا بد منه، الذي يأتي مسترسلاً ومثيراً. لكن على النحو ذاته من الاسترسال وبكثير من الإدراك عن الفن والرسم والعلاقة بينه وبين الأشكال. عن اللوحات وما تحتويه وكيف تحتويه. وبعض أفضل ما يتحدث فيه هو الفارق بين المنظورين الشرقي (عربي وسواه) والغربي للفن. الأول جمالي والثاني علمي وكيف وجد هويّته في الجمع بين الاثنين.

إذ يُلقي الفيلم الضوء على ذلك الفنان ومفهومه للفن وذكرياته عن بعض حياته وعن أبيه. يعالج المخرج كل ذلك في اقتصاد مريح. لا استعراضاً للذات ولا الكاميرا تتجاوز حدودها ولا يتدخل التوليف للتأثير على الإيقاع المختار للفيلم. على ذلك، تبرع كل تلك العناصر في تشييد عمل إبداعي متآلف: الموضوع هو الفن والهدف هو الفن أيضاً.

ِعرض خاص

Oppenheimer***

إخراج: ‪كريستوفر نولان‬ | الولايات المتحدة | 2023

بينما كان المحيطون بروبرت ج. أوبنهايمر يتساءلون، حسب فيلم كريستوفر نولان الجديد «أوبنهايمر»، عن احتمالات الاكتشاف النووي الذي قام أوبنهايمر به، نطق هذا بالكلمة المرعبة The Bomb. وحين يتم إجراء التجربة الأولى يصف أوبنهايمر المشهد بقوله: «الآن أصبحت الموت» (Now I have become death). أمر مخيف بحد ذاته أن يدرك أحد أنه نجح في صنع أداة موت غير مسبوقة. أكثر إثارة للخوف أن تكون هذه الأداة بحجم القنبلة النووية.

في كل الحالات، فيلم نولان مدروس بغاية تقديم سيرة حياة عالم الفيزياء الشهير الذي لُقّب بـ«أبو القنبلة الذريّة»، الذي نراه في مطلع الفيلم وهو دائم التأمل بالكون المحيط رابطاً معطياته بعلم الفيزياء. هو الأسبق بين الطلاب في مجال استيعاب ما يتعلّمه، وهو الأكثر علماً ومعرفة عندما بدأ يعلّم. لا يهمه كثيراً أن تلامذته ينظرون إليه كما لو أنهم لا يفقهون الكثير من قوله، فهو يفهم ما يقول ونراه يرسم الخطوط ويكتب الشيفرات الفيزيائية بسرعة تنم عن تلك المعرفة كما لو كان وُلد بها.

فيلم نولان يتمتع بخاصّتين: دراسة شاملة عن الموضوع وشخصه مستلهمة من كتاب وضعه مارتن شاروين وكاي بعنوانAmerican Prometheus‪)‬) سنة 2005 اللذان سجّلا فيه معظم ما قام نولان بتحويله إلى فيلم مفصلي ومهم. الخاصّة الثانية هي أن المخرج اهتدى للممثل الذي سيقوم بدور شخصية العالِم وهو سيليان (وليس كيليان كما أورد البعض) مورفي. في هذه النقطة، لم يكن ينفع أن يقوم روبرت داوني جونيور أو مات دامون (وكلاهما يمثلان في هذا الفيلم) بتشخيص أوبنهايمر، فكما كان أوبنهايمر في الثلاثينات جديداً على بيئته ومحيطه كان على الممثل الذي سيقوم به أن يكون بدوره جديداً في بيئته ومحيطه، رغم أن مورفي لعب أدواراً عديدة من قبل. مما جعله مناسباً ليس حنكته كممثل فحسب ولا كيفية إدارته فقط، بل حقيقة أنه ليس بعد النجم الذي تستطيع أن تدرك حدوده في الأداء أو تتعوّد على نمط معهود.

أوبنهايمر، كما يؤديه مورفي بإرشاد واضح من المخرج، رجل خافت الصوت حين يتكلم. مخلص في نظرته للأمور. شغوف. ومختلف عن الصورة التقليدية للعلماء. قريب كشخص من معظم الناس. لكنه بعيد عنهم بعلمه. على هذه الحسنات، قد يكون كذلك إنساناً مخادعاً لا يمكن الركون إليه. علاقاته العاطفية فاشلة، إذ تزوّج وطلّق مرتين ونتعرف على هذا الجانب منه وهو يخون زوجته كيتي (إميلي بْلنت) مع الدكتورة جين تاتلوك (فلورنس بو). هناك شيء من الصبيانية المرتسمة على وجهه في حالاته العاطفية. إنه كما لو أن نولان لا يود من مشاهديه كره هذا الرجل الذي دفع باتجاه ولادة القنبلة النووية. لا يريد إدانته ولو أنه لا يعمد - بالطبع - إلى رسم صورة تجميلية لامعة له.

يندرج تحت هذا الوضع حقيقة أن الفيلم يوفر لأوبنهايمر صورتين على شيء من التناقض غير المقصود: هو معادٍ للفاشية وشيوعي الميول. ليس هناك ما يوضح هذا الموقف لكننا سنرى أوبنهايمر يدافع عن نفسه أمام المحكمة التي نظرت في أمر ميوله السياسية في الخمسينات (معبّر عنها بالتصوير الأبيض والأسود) مؤكداً أنه لم ينضم للحزب الشيوعي. الامتداد الآخر لهذا التناقض لا يتعلّق بإذا ما كان شيوعي الهوى أم لا، بل بحقيقة أن الشاب المعادي للفاشية اندفع قُدماً لصنع قنبلة لا يمكن لأحد استخدامها إلا تبعاً لموقف فاشي حاد. ليس من واجب الفيلم الإجابة عن هذا التناقض، لكنه كان سيحقق نقطة إيجابية كبيرة لو فعل.

موقف العالِم في الخمسينات إزاء إلقاء القنبلة النووية فوق هيروشيما وناكازاغي معبّر عنه بقدر من التبرير بأنه كان يرغب في تأسيس رابطة دولية لمنع تكرار الحل النووي. على أن هذا التبرير يأتي بالحوار في حين يكتفي الفيلم بوجه مورفي لكي يعبّر عن صدمته إزاء الدمار الهائل الذي سببته القنبلتان النوويتان فوق المدينتين اليابانيّتين. هل كان ماهراً في كل شيء علمي باستثناء توقعاته بحجم الكارثة؟ في الوقت ذاته، كان يدرك أن إلقاء القنبلة فوق اليابان كان لإخافة الروس.

اتضح الجزء الخاص بالرغبة في استخدام «النووي» لإخافة الروس في فيلم ستيف جيمس التسجيلي A Compassionate Spy حول الجاسوس الذي كان يعمل في المختبر النووي الذي كان أوبنهايمر يشرف عليه، الذي صرّح في الفيلم (من إنتاج 2022) بأن البيت الأبيض كان يعلم بأن اليابان طلبت مفاوضات سلام قبل إلقاء القنبلة عليها لكن البيت الأبيض أراد إرسال تحذير للعدو السوفياتي على صورة استعراض لما تملكه من قوّة.

يرد بعض ذلك بالسرعة ذاتها التي يمر فيها الفيلم منتقلاً بين شخصياته وأحداثه. أسلوب نولان هنا ربما استند إلى إدراكه بأنه يريد أن يعرض الأكثر في الفترة الزمنية المحددة. كذلك بالرغبة في عدم إثارة الملل بين مشاهديه كون المادة المطروحة بالغة الجدية وأي معالجة أخرى قد تميد بحساباته المادية. هذان الاحتمالان يمكن تخمينهما حسب دلالات موزعة لكن التأكيد عليهما أمر آخر علماً بأنه في أفلام نولان السابقة، كل من جدية الموضوع والجاذبية الترفيهية في طرحه يتلازمان بنجاح كما في هذا الفيلم.

دقة الجوانب التاريخية ليست هي الموضوع هنا. العنوان العريض لتاريخ أوبنهايمر ومواقفه ولتاريخ النازية والحرب العالمية الثانية واضطهاد اليهود ثم الحرب الباردة والمكارثية كلها أمور حقيقية. لكن بعض التفاصيل تأتي مثيرة للتعجب مثل إذا ما كان أوبنهايمر من النبوغ بحيث تعلّم فعلاً اللغة الهولندية في ستّة أسابيع ليس كمبادئ ومفردات فقط، بل لدرجة التعبير وإلقاء المحاضرات العلمية بها، كما يدّعي الكتاب وبعده الفيلم.

لا غبار على أن «أوبنهايمر» كفيلم مُنفّذ بمهارة في غالبية تفاصيله وعناصره. ولا غبار كذلك على أن موقف الفيلم من المكارثية معاد لها (وهناك مشهد الكارثة النووية مجسّداً بنظام Imax المذهل تأكيداً للصدمة)، لكن فيما عدا ذلك ليس هناك رغبة في اتخاذ موقف ضد أوبنهايمر نفسه.

على ذلك، لا يمكن النظر إلى الفيلم فنياً إلا بالتقدير الكبير الذي يستحقه نولان. العمل متمكن في معظم عناصره الفنية والإدارية، وخارق في منحاه كبيوغرافي لشخصية معقّدة في زمن ماضٍ معقد، تماماً كالزمن الحاضر.

عروض عالمية.

ضعيف* | وسط**| جيد ***| ممتاز**** | تحفة*****


مقالات ذات صلة

أسباب «باراماونت» الفعلية لاحتواء «وورنر»

سينما «مهمّة مستحيلة: الحساب الأخير» نجاح محدود (باراماونت)

أسباب «باراماونت» الفعلية لاحتواء «وورنر»

اشتهر أحد رؤساء شركة «مترو - غولدوين - ماير» المعروفة بـ«M.G.M» في الثمانينات بأنه كان يملك دُرجَين في مكتبه؛ أحدهما لعقود البيع، والآخر لعقود الشراء.

محمد رُضا (لندن)
سينما شاشة الناقد: أبناء الذاكرة الثقيلة... وجوه إنسانية في عالمين متباعدين

شاشة الناقد: أبناء الذاكرة الثقيلة... وجوه إنسانية في عالمين متباعدين

قرب مطلع الفيلم، تنتفض «نورا» (رينايت راينسڤ) خائفة. تُصاب، وهي على بُعد دقائق من الظهور أمام الجمهور، بما يُعرف بـ«الخوف من الخشبة».

محمد رُضا (لندن)
يوميات الشرق مشهد من الفيلم (الشركة المنتجة)

«قطار النهر»... رحلة طفولية لاختبار المجهول في بوينس آيرس

الرحلة ليست مغامرة طفولية، بل عبورٌ من البراءة إلى الوعي.

أحمد عدلي (برلين)
يوميات الشرق عرض الفيلم للمرة الأولى في مهرجان «روتردام» (الشركة المنتجة)

«كَبِرتُ بوصة عندما مات أبي»... فيلم فلبيني عن الصداقة المستحيلة

بدأ الفيلم ينمو من السؤال عن كيف يمكن للصداقة أن تصمد وسط هذا الإرث من العنف

أحمد عدلي (القاهرة )
يوميات الشرق تم تصوير الفيلم بين الجزائر والأردن (إدارة المهرجان)

عبد الله الخطيب: كواليس إنتاج «وقائع زمن الحصار» كانت استثنائية

حصد فيلم «وقائع زمن الحصار» للمخرج الفلسطيني عبد الله الخطيب جائزة «أفضل عمل أول» في مهرجان «برلين السينمائي».

أحمد عدلي (برلين)

أسباب «باراماونت» الفعلية لاحتواء «وورنر»

«مهمّة مستحيلة: الحساب الأخير» نجاح محدود (باراماونت)
«مهمّة مستحيلة: الحساب الأخير» نجاح محدود (باراماونت)
TT

أسباب «باراماونت» الفعلية لاحتواء «وورنر»

«مهمّة مستحيلة: الحساب الأخير» نجاح محدود (باراماونت)
«مهمّة مستحيلة: الحساب الأخير» نجاح محدود (باراماونت)

اشتهر أحد رؤساء شركة «مترو - غولدوين - ماير» المعروفة بـ«M.G.M» في الثمانينات بأنه كان يملك دُرجَين في مكتبه؛ أحدهما لعقود البيع، والآخر لعقود الشراء. وكان يفتح الدُّرج الأول لبيع أقسام من الشركة وأملاكها في يوم، ويستردها في يوم آخر، ويقبض نسبته من العقود في كلتا الحالتين.

هذا الوضع يبدو اليوم أقل أهمية مما كان عليه آنذاك، وما انكشف عنه يومها من فضيحة لم يؤذِ أحداً، وغلَّفه التاريخ بالنسيان. وبالمقارنة مع ما يحدث في «هوليوود» اليوم من عمليات شراء بين المؤسسات وعمليات دمج يصعب تتبّعها، تبدو عمليات الأمس طبيعية؛ لأنها لم تقع في فخاخ الأوضاع الاقتصادية المتعثرة التي سادت خلال السنوات العشر الأخيرة.

رؤوس متعددة

قبل 3 أيام، رفعت شركة «باراماونت» السعر الذي عرضته للاستحواذ على شركة «وورنر»، التي كانت على وشك الموافقة النهائية على عرض قدَّمته «نتفليكس» في الشهر الأخير من العام الماضي. وما إن علمت «باراماونت» أن «وورنر برذرز» تدرس جدياً عرض «نتفليكس»، حتى عرضت شراءها بمبلغ تجاوز 100 مليار دولار، مقابل مبلغ 87.2 مليار دولار عرضته منصة «نتفليكس».

السعر الجديد الذي تُواجِهُ به «باراماونت» تردّدَ «وورنر» في القبول هو الآن 108 مليارات و500 مليون دولار.

«معركة بعد أخرى» أحد أهم نجاحات «وورنر» الأخيرة (وورنر)

الأهداف هنا متعددة؛ فمن ناحية، يحتوي أرشيف «وورنر» آلاف الأفلام التي أنتجتها الشركة، أو أنتجتها شركة «نيولاين سينما» التابعة لها. ومن ناحية أخرى، ستؤدي عملية الشراء إلى تعزيز حجم شركة «باراماونت»، التي تمتلك بدورها أرشيفاً ضخماً من الأفلام. كذلك تسعى «باراماونت» إلى تحسين وضعها بعدما سجَّلت في نهاية العام الماضي أضعف دخل لها، وحلَّت خامسة بين الاستوديوهات السينمائية الخمسة الكبرى («ديزني»، و«وورنر»، و«يونيڤرسال»، و«سوني»، و«باراماونت»)، إذ بلغت عائدات أفلامها ملياراً و419 مليون دولار، بفارق 5 مليارات و161 مليون دولار عن الشركة التي حلّت في المرتبة الأولى؛ «ديزني».

ما تبحث عنه «باراماونت» أيضاً هو ضم إدارة أعلى فاعلية حققت نجاحات تجارية ملحوظة في الأشهر الأخيرة من خلال إنتاج فيلمي «معركة بعد أخرى» و«خاطئون». يضاف إلى ذلك امتلاك «وورنر» حقوق إنتاج أفلام مؤسسة «دي سي (DC)» للكوميكس، التي تضم شخصيتي «سوبرمان» و«باتمان»، وتستعد لإطلاق نسخة جديدة من «سوبرغيرل».

وكان أنجح أفلام «باراماونت» في العام الماضي «مهمة: مستحيلة: الحساب الأخير (Mission: Impossible - The Final Reckoning)»؛ إذ سجّل 598 مليون دولار عالمياً، لكن ذلك لا يعني بالضرورة تحقيق ربح؛ لأن تكلفة إنتاجه بلغت 400 مليون دولار.

من يد إلى يد

تاريخ «هوليوود»، خصوصاً استوديوهاتها الكبرى، مليء بعمليات الاستحواذ مقابل مبالغ خيالية. فشركة «مترو» نفسها بيعت لـ«أمازون» العام الماضي بـ8 مليارات و500 مليون دولار، وأصبح اسمها الآن «أمازون م.ج.م».

وعبر هذا التاريخ شهدنا عقوداً عدَّة، منها شراء شركة «سوني» اليابانية العملاقة في عام 1990 «كولومبيا» وشريكتيها «تراي - ستار» و«سكرين غمز (Gems)». ولم تكن «كولومبيا» الأولى ولا الأخيرة؛ فمنذ الثلاثينات تم شراء ودمج وبيع كثير من الشركات، توقف كثير منها لاحقاً (مثل «آر كي أو» و«ريبابلك»)، لتبقى المؤسسات السبع الكبرى المعروفة: «كولومبيا»، و«م.ج.م»، و«يونيڤرسال»، و«باراماونت»، و«وورنر»، و«ولت ديزني»، و«فوكس».

لكن هذا التاريخ لم يشهد عقداً بحجم العرض الذي قدَّمته «باراماونت» مؤخراً لشراء «وورنر». فمبلغ 108 مليارات و500 مليون دولار هو سعر مرتفع، ويتضمّن 7 مليارات دولار لتغطية أي تأخير في تنفيذ الصفقة، إضافة إلى رفع قيمة السهم الواحد إلى 31 دولاراً، مع ضمان عدم انخفاض هذا المبلغ تحت أي ظرف.

الأكبر إغراءً أن المبلغ سيُدفع نقداً، وليس عبر ودائع أو تحويلات مصرفية. وفي المقابل، تحصل «باراماونت» على الشركة وقنواتها التلفزيونية (بما فيها «سي إن إن - CNN») ومنصاتها الخاصة. وكانت «وورنر» تميل إلى قبول عرض «نتفليكس» عندما رفعت الأخيرة عرضها إلى 72.2 مليار دولار، لكنها تنظر الآن بعين التقدير إلى العرض الجديد، في حين لا يبدو أن «نتفليكس» ترغب في تجاوز هذا الرقم الخيالي بعرض منافس.

عين «باراماونت» على «سوبرمان» (وورنر)

أفلام ناجحة ولكن...

السؤال الأبرز هو: لماذا تعرض «وورنر» نفسها للبيع على الرغم مما حققته في العامين الماضيين من نتائج تجارية جيدة عبر أفلام مثل «سوبرمان»، و«معركة بعد أخرى»، و«خاطئون»؟

سؤال وجيه لأكثر من سبب؛ منها احتلال الشركة المركز الثاني تجارياً بين شركات «هوليوود»، إذ بلغت عائداتها مع نهاية العام الماضي 4 مليارات و379 مليون دولار، مقابل 6 مليارات و580 مليون دولار لـ«ديزني».

وتكشف صحيفة «لوس أنجليس تايمز» عن أن أحد أهم الأسباب يعود إلى بضع عمليات اندماج نفذتها الشركة خلال السنوات الماضية؛ مما حمَّلها أعباءً مالية كبيرة، بعدما جاءت النتائج دون التوقعات. ومن بين هذه العمليات شراء مؤسسة «تايم» الإعلامية عام 1990، والأسوأ منها شراء شركة «إيه أو إل (AOL)» عام 2001، وهي صفقة وُصفت بأنها من أسوأ عمليات الدمج في تاريخ «هوليوود».

كما استحوذت «وورنر» على محطات غير ربحية مثل «تي إن تي (TNT)»، و«تي بي إس (TBS)»، و«تي سي إم (TCM)». وفي عام 2016 اشترت الشركة العملاقة «إيه تي آند تي (AT&T)» شركة «وورنر»، لكن ذلك لم يحل الأزمة، إذ لا تزال الشركة تعاني من ديون تبلغ 53 مليار دولار منذ عام 2022.

وعند إضافة هذه العمليات الخاسرة والديون المتراكمة إلى حقيقة أن «هوليوود» بأسرها تمرُّ بأزمة سببها منافسة المنصات الكبرى («أمازون»، و«نتفليكس»، و«أبل»)، التي تمارس ضغوطاً متصاعدة على استوديوهات «هوليوود» التقليدية، (كما حدث عندما اشترت «أمازون» «م.ج.م»)، ومع غياب خطة فعلية لمواجهة هذه المنصات التي استحوذت على نحو 50 في المائة من جمهور السينما، يصبح السبب النهائي واضحاً: تخلُّص «وورنر» من أعبائها عبر بيع أصولها لمن يرغب.


شاشة الناقد: أبناء الذاكرة الثقيلة... وجوه إنسانية في عالمين متباعدين

«قيمة عاطفية» (rk2‪‬)
«قيمة عاطفية» (rk2‪‬)
TT

شاشة الناقد: أبناء الذاكرة الثقيلة... وجوه إنسانية في عالمين متباعدين

«قيمة عاطفية» (rk2‪‬)
«قيمة عاطفية» (rk2‪‬)

SENTIMENTAL VALUE

★★★

إخراج:‫ يواكيم تراير‬

النرويج - ألمانيا - الدنمارك (2025)

دراما عائلية مرشّحة لأكثر من جائزة «أوسكار»

قرب مطلع الفيلم، تنتفض «نورا» (رينايت راينسڤ) خائفة. تُصاب، وهي على بُعد دقائق من الظهور أمام الجمهور، بما يُعرف بـ«الخوف من الخشبة». تحاول تمزيق ردائها الذي ستظهر به قبل أن يردعها المحيطون بها. تبدو كأنها استسلمت وبدأت تستعد لصعود المسرح، لكنها فجأة تركض بشكل هستيري نحو باب الخروج هاربة. يلحق بها الجميع ويدفعونها إلى المسرح قسراً. تترصَّدها الكاميرا لتسجِّل حالتها وقد أدركت أن عليها مواجهة الجمهور المنتظر. وما إن تفعل ذلك، حتى تستعيد ثباتها وتقدّم عرضاً ناجحاً، يكتفي المخرج يواكيم تراير بعرض نموذج قصير منه، يعقبه تصفيق حادٌّ من الجمهور.

إنها بداية موفّقة للتعريف بالممثلة داخل الفيلم، وكذلك بأسلوب المخرج تراير المتمكِّن في سرد الحكاية بالحيوية المطلوبة. لكن العلاقة بين هذه المقدِّمة وما يليها تبقى في حدود التعريف؛ إذ يتحوَّل المشهد إلى تمهيد للدخول في عالم فني متكامل تتطور حكايته مباشرة بعد ذلك.

«نورا» ممثلة ناجحة، لكن حياتها الخاصة مضطربة. لديها شقيقة أصغر (إنغا إبسدوتر) متزوجة، وعلاقة الشقيقتين بوالدهما «غوستاف» (ستيلان سكارسغارد) تبدو كوترٍ مشدود يكاد ينقطع. يتضح ذلك حين يصارح الأب «نورا» برغبته في أن تؤدي الدور الرئيسي في فيلمه المقبل: «كتبت السيناريو وأنت في البال». لكنها ترفض، مذكِّرة إياه بأنه لم يتابع مسيرتها المهنية، وأنه غاب طويلاً قبل أن يعود الآن بدافع حاجته إليها فقط. يؤكد لها أن الأمر ليس كذلك، لكنها تُصرُّ على الرفض، فيلجأ إلى ممثلة أخرى؛ مما يجعل علاقته بابنته أعلى حدَّة وتوتراً.

هذه هي عتبة الفيلم نحو وضع أعلى سخونة. فالفيلم الذي يود «غوستاف» العودة به إلى السينما بعد انقطاع طويل مبني على قصة حياته منذ شبابه، لا سيما حادثة انتحار والدته. وهذا ما يزيد التوتر؛ لأن الشقيقتين تريان عودتَه بعد غياب طويل عنهما نابعةً من مصلحة شخصية.

الحكاية ليست العنصر الجاذب الأول؛ فهي حبكة جيدة لكنها محدودة التأثير في حد ذاتها. يمنح الفيلم مشاهديه موقع المتابعة وليس المشاركة؛ لأن المسائل العاطفية المطروحة ليست جديدة ولا حاسمة تماماً. ما يمنح الفيلم قيمته الفعلية هو الأداء التمثيلي الجماعي، إضافة إلى قدرة المخرج على توظيف الكاميرا والصوت لالتقاط تفاصيل المشاهد بقوة.

WOLFRAM

★★★

إخراج:‫ وورويك ثورنتون‬

أستراليا (2026)

من أفلام «مسابقة برلين» وأحد الأعمال الجديرة بالاهتمام

هو نوع من أفلام الويسترن الأسترالي؛ نظراً إلى طبيعة المكان والأجواء، لكن مع رسالة واضحة وتنفيذ جيد إلى حدٍّ مقبول. تدور أحداثه في ثلاثينات القرن الماضي فوق أرض صحراوية قاحلة، مع ما يلزم من شخصيات طيبة وأخرى شريرة. خلال تلك الفترة شهدت المناطق الأسترالية البعيدة تنافساً على استخراج حجر التنغستن (الاسم الآخر: وولفرام)، الذي يُقال إنه نافس الذهب في قيمته. شريران يسعيان إلى اكتشافه طمعاً في ثروة كبيرة، لكن أسلوبهما يبدأ خشناً وينتهي عنيفاً، فيما يكون الضحايا غالباً من السكان الأصليين لأستراليا.

«وولفرام» (دارك ماتر دستربيوشن»)

في الوقت نفسه، تبحث أمٌّ من السكان الأصليين (ديبرا مايلمن) عن ولديها اللذين اختفيا، كما اختفى غيرهما من أطفال السكان الأصليين. فقد خُطِف هؤلاء لتشغيلهم في المناجم دون أجر، حيث تصبح حياتهم رهينة الاستغلال، ويمكن التخلّص منهم بالقتل في أي وقت. نتعرَّف إلى الولدين وهما يعملان في منجم يديره رجل قاسٍ. ومع وصول الشريرين إلى المكان، ينقلب حال صاحب المنجم بعدما يدرك أنه أمام منافسة شرسة.

غاية الفيلم نبيلة؛ إذ يسلِّط الضوء على معاناة السكان الأصليين في أستراليا واستغلالهم على يد البيض بوصفهم عبيداً قبل التخلّص منهم. وكان وورويك ثورنتون قد قدَّم قبل 8 سنوات فيلماً آخر عن هذا الشعب المقهور بعنوان «سويت كنتري (Sweet Country)»، في ما يبدو أنه الجزء الأول من ثلاثية قد تكتمل مستقبلاً بالانتقال إلى أربعينات أو خمسينات القرن الماضي.

جماليات الفيلم لافتة، وملتقطة بعناية، ويلعب المكان وألوان الطبيعة دوراً مهماً في ترسيخ القسوة التي يتحدث عنها العمل.

★ ضعيف | ★★: وسط| ★★★: جيد | ★★★★ جيد جداً | ★★★★★: ممتاز


فيلم «رسائل صفراء» يفوز بـ«الدب الذهبي» في مهرجان برلين السينمائي

المخرج الألماني إيلكر كاتاك يرفع جائزة الدب الذهبي لأفضل فيلم في مهرجان برلين السينمائي (رويترز)
المخرج الألماني إيلكر كاتاك يرفع جائزة الدب الذهبي لأفضل فيلم في مهرجان برلين السينمائي (رويترز)
TT

فيلم «رسائل صفراء» يفوز بـ«الدب الذهبي» في مهرجان برلين السينمائي

المخرج الألماني إيلكر كاتاك يرفع جائزة الدب الذهبي لأفضل فيلم في مهرجان برلين السينمائي (رويترز)
المخرج الألماني إيلكر كاتاك يرفع جائزة الدب الذهبي لأفضل فيلم في مهرجان برلين السينمائي (رويترز)

حصل فيلم «رسائل صفراء» (Yellow Letters) السياسي للمخرج الألماني إيلكر كاتاك، مساء السبت، على جائزة الدب الذهبي لأفضل فيلم في مهرجان برلين السينمائي الذي خيّم الجدل بشأن النزاع الفلسطيني - الإسرائيلي على دورته السادسة والسبعين.

ويروي فيلم كاتاكا، الذي صُوِّر في ألمانيا (وعنوانه بالألمانية «Gelbe Briefe»)، قصة مُخرِج مسرحي تركي تتصدع علاقته بزوجته الممثلة نتيجة منعهما من العمل في تركيا بسبب آرائهما السياسية. ويؤدي دور البطولة في الفيلم أوزكو نامال وتانسو بيتشار.

المخرج الألماني إيلكر كاتاك فاز بجائزة الدب الذهبي لأفضل فيلم في مهرجان برلين السينمائي عن فيلم «رسائل صفراء» (رويترز)

وقال المخرج التركي ‌الألماني إلكر كاتاك أثناء تسلمه الجائزة: «التهديد الحقيقي ليس بيننا. إنه هناك في الخارج. إنهم المستبدون... والأحزاب اليمينية... ومؤيدو النزعة الهدمية في عصرنا الذين يحاولون الوصول إلى السلطة وتدمير أسلوب ​حياتنا»، وفقاً لوكالة «رويترز».

وفازت الألمانية ساندرا هولر بلقب أفضل أداء تمثيلي للرجال والنساء عن دورها في «روز» للمخرج النمساوي ماركوس شلاينتسر.

الممثلة الألمانية ساندرا هولر فازت بلقب أفضل أداء تمثيلي في مهرجان برلين السينمائي عن دورها في فيلم «روز» (رويترز)

وتجسّد هولر في هذا الفيلم بالأبيض والأسود شخصية امرأة تعيش في الريف الألماني بالقرن السابع عشر تحاول الإفلات من قيود النظام الأبوي، من خلال التظاهر بأنها رجل.

وهذه المرة الثانية تفوز ساندرا هولر بهذه الجائزة، بعد 20 عاماً من دورها في فيلم «ريكوييم» عام 2006.