«مطرح مطروح» كوميديا تفتقد الخيال وتطرح تساؤلات مُستَغربة

المؤلِّف لبيب عزت لـ«الشرق الأوسط»: السيناريو حُرِّف!

لقطة تُظهِر بعض فناني فيلم «مطرح مطروح» (الشركة المنتجة)
لقطة تُظهِر بعض فناني فيلم «مطرح مطروح» (الشركة المنتجة)
TT

«مطرح مطروح» كوميديا تفتقد الخيال وتطرح تساؤلات مُستَغربة

لقطة تُظهِر بعض فناني فيلم «مطرح مطروح» (الشركة المنتجة)
لقطة تُظهِر بعض فناني فيلم «مطرح مطروح» (الشركة المنتجة)

لم يكن «بديع أمين السلاموني»، الموظّف البسيط في إحدى الدوائر الحكومية (محمود حميدة) يحلم وأسرته بأكثر من السفر لقضاء إجازة الصيف على شاطئ في مدينة مرسي مطروح. أفراد هذه العائلة عاشوا جميعاً يطاردون هذا الحلم طوال سنوات.

ولم تكن ابنته «نوال» (ليلى زاهر)، تحلم بأكثر من أن تعود لتُخبر صديقاتها عن مغامراتها الصيفية. ولا كان «فريد» شقيق «بديع» (كريم عفيفي)، يتمنّى أكثر من السباحة في مياه البحر متحصّناً بطوق نجاة، أما «حسنية»، زوجة الأب (شيماء سيف)، فكانت تتطلّع لانتظارهم على الشاطئ وقد أعدّت لهم بعض الطعام. هذا الحلم تحوّل كابوساً مع اندلاع الحرب العالمية الثانية.

في مزيج من الكوميديا والأكشن، تدور أحداث فيلم «مطرح مطروح»، متخذاً إطاراً تاريخياً خلال فترة أربعينات القرن الماضي. يقود سوء الحظ الأسرة للسفر، بينما تدور معارك طاحنة على الأراضي المصرية في العلمين ومرسي مطروح، فيتعرّض الجميع للخطر.

يخوض الفنان الكبير محمود حميدة مجال الكوميديا بقوّة من خلال الفيلم، وينافس كلاً من كريم عفيفي وشيماء سيف في مواقف تثير الضحك، بينما يتولّى الممثل البريطاني سكوت أدكنز (بويكا)، مهمة تقديم مشاهد الأكشن ضمن معارك الإنجليز والألمان.

وبينما نتعرّف في النصف الأول من الفيلم إلى الأسرة وأحلام السفر ورحلة الصيف وصوت ليلى مراد وهي تغنّي بعذوبة «يا ساكني مطروح جنية في بحركم، الناس تيجي وتروح وأنا عاشقة حيكم»؛ يُظهر النصف الثاني شواطئ مرسي مطروح ومعارك القتال ومشاهد التفجيرات والقنابل والذخيرة الحيّة والدبابات.

لقطة جماعية لأبطال العمل (الشركة المنتجة)

الفيلم الذي يخوض سباق أفلام الصيف، هو من إنتاج محمد السبكي، كتب فكرته لبيب عزت الذي شارك في كتابة السيناريو أيضاً مع ثلاثة آخرين (محمد عز الدين، أحمد محارب، خليفة سمير)، أما الإخراج فبكاميرا وائل إحسان، صاحب عشرات الأفلام الكوميدية الناجحة (اللمبي، الباشا تلميذ، وبوبوس...).

شاهد الناقد طارق الشناوي الفيلم تزامناً مع مشاهدته الملحمة الأميركية «أوبنهايمر» لكرستوفر نولان، وتبيّن، يا للمصادفة، أنّ مسرحهما مشترك، وهو الفترة الزمنية خلال الحرب العالمية الثانية. لكن «أوبنهايمر»، وفق الشناوي، «يعالج التفاصيل بجدّية، بينما الفيلم المصري يقدّم الفترة بلا تفاصيل أو جدّية».

ورغم استعانته بنجوم كوميديين وتقديم نجم كبير مثل محمود حميدة بإطار كوميدي، يرى الشناوي أنّ «الجميع لم يكونوا في أفضل حالاتهم، وكان لدى حميدة قدر من الافتعال في أدائه».

يضيف لـ«الشرق الأوسط»: «لم يُجد المخرج وائل إحسان استثمارَ فكرة العمل بخيال جامح، وتعثّر في تقديم كوميديا متغيّرة ومتطوّرة، وذلك قد يعود إلى الكتّاب الأربعة الذين لم يكونوا على قدر طموح الفكرة ولا التقنيات السينمائية الحديثة».

ويذكُر أنّ «صنّاع الفيلم رأوا في الفنان البريطاني بويكا ورقة رابحة لكونه ممثلاً عالمياً له جمهور في مصر بعد تجربته في (حرب كرموز). والفيلم ألقى عليه عبء تقديم مشاهد الأكشن التي لم تكن موفّقة، وشابها التنفيذ الضعيف مع المؤثرات العالية التي لم تكن مناسبة، وأفقدت لقطات الحركة رونقها».

يُنهي الناقد المصري حديثه، قائلاً: «أعتقد أنّ التجربة، رغم المستوى التجاري المباشر، ليست في مصلحة العمل، كما لا أعتقد أنّ شريط الفيلم قادر على الصمود وسط سباق الصيف، رغم طموحاته».

الفنان البريطاني بويكا في مشهد من الفيلم (الشركة المنتجة)

أما المؤلّف لبيب عزت، فيكشف لـ«الشرق الأوسط» أنّ «السيناريو تعرّض للتحريف خلال التصوير، وأُضيفت له مواقف ساذجة وخاطئة، كما حُذفت مشاهد مهمّة، جعلت مشاهد أخرى غير مفهومة»، متسائلاً: «هل من المعقول أن يكون هناك أربعة مؤلّفين وتجرَى تعديلات على العمل من دون العودة لأي منهم؟».

يستدل عزت على ذلك، بالقول: «مشهد النهاية الذي يتّفق فيه الزعيم النازي هتلر ورئيس الوزراء البريطاني ونستون تشرشل على وقف المعارك ليوم، فتتمكن الأسرة من ارتياد البحر، لم يكن ضمن السيناريو. والممثل البريطاني بويكا لم يكن موجوداً ضمن الأحداث منذ البداية. أخبرونا لاحقاً باستعانتهم به، فوجدنا له خطاً درامياً مختلفاً متضمّناً مشاهد أكشن. جرى تجاهل ما كتبناه، وأُلّفت مشاهد أخرى ساذجة، كما أنّ شخصية الصحافي التي أدّاها طارق الإبياري جاءت مبتورة، رغم أهميتها».

وأوضح أنهم لم يتقدّموا بشكوى ضدّ صنّاع الفيلم لأنه يُعرض حالياً ولا مجال لتصحيح ما حدث، مشيراً إلى أنه كان يطمح لتقديم عمل كوميدي اجتماعي يُشبه الفيلم الإيطالي «الحياة حلوة» لروبرتو بنيني، ليشارك في مهرجانات عالمية ويحصد جوائز.


مقالات ذات صلة

مصر توقع اتفاقاً تاريخياً للترددات مع شركات الاتصالات بقيمة 3.5 مليار دولار

الاقتصاد هواتف محمولة  (رويترز - أرشيفية)

مصر توقع اتفاقاً تاريخياً للترددات مع شركات الاتصالات بقيمة 3.5 مليار دولار

قال مجلس الوزراء المصري، في بيان، السبت، إن القاهرة وقعت صفقة بقيمة 3.5 مليار دولار لتخصيص 410 ميجاهرتز إضافية من الطيف الترددي الجديد لشركات المحمول.

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
شمال افريقيا عبد العاطي خلال مشاركته في حلقة نقاشية بـ«منتدى بليد الاستراتيجي» بالعاصمة السلوفينية ليوبليانا (الخارجية المصرية)

مصر تؤكد أهمية «مفاوضات عُمان» بين إيران وأميركا لاستقرار المنطقة

أعربت مصر عن تقديرها للدور المهم والبنّاء الذي تضطلع به سلطنة عُمان واستضافتها المفاوضات بين الولايات المتحدة وإيران.

«الشرق الأوسط» (القاهرة )
العالم العربي النائبة المصرية أميرة صابر (صفحتها على موقع التواصل الاجتماعي فيسبوك)

مقترح برلماني للتبرع بالجلد يُفجّر جدلاً كبيراً في مصر

نشرت وسائل إعلام مصرية مقترحاً تقدمت به النائبة بمجلس الشيوخ (الغرفة الثانية للبرلمان) أميرة صابر، يهدف تأسيس «بنك وطني للأنسجة البشرية».

أحمد جمال (القاهرة)
شمال افريقيا مطار القاهرة الدولي (وزارة الطيران المدني المصرية)

«طوارئ» في مطار القاهرة بعد حدوث تسريب بمستودع وقود

حالة طوارئ شهدها مطار القاهرة الدولي، بعد تسريب في أحد خطوط تغذية مباني الركاب بالوقود، ما أدى إلى «تأثير جزئي على بعض رحلات الطيران».

«الشرق الأوسط» (القاهرة )
شؤون إقليمية الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي خلال لقاء رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو على هامش اجتماع الجمعية العامة للأمم المتحدة 2017 (رويترز)

انتقادات في القاهرة عقب حديث إسرائيلي عن «تعاظم قدرة الجيش المصري»

نقلت تقارير عبرية تحذيرات لرئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو من قوة الجيش المصري تطرق فيها إلى «ضرورة مراقبته من كثب لضمان عدم تجاوز الحد المعهود».

هشام المياني (القاهرة)

«موسم الرياض» يتصدر العلامات التجارية في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا

يُعد «موسم الرياض» أبرز المواسم الترفيهية في المنطقة ومن أهم المشاريع الوطنية التي أسهمت في إعادة تعريف صناعة الترفيه محلياً وإقليمياً (هيئة الترفيه)
يُعد «موسم الرياض» أبرز المواسم الترفيهية في المنطقة ومن أهم المشاريع الوطنية التي أسهمت في إعادة تعريف صناعة الترفيه محلياً وإقليمياً (هيئة الترفيه)
TT

«موسم الرياض» يتصدر العلامات التجارية في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا

يُعد «موسم الرياض» أبرز المواسم الترفيهية في المنطقة ومن أهم المشاريع الوطنية التي أسهمت في إعادة تعريف صناعة الترفيه محلياً وإقليمياً (هيئة الترفيه)
يُعد «موسم الرياض» أبرز المواسم الترفيهية في المنطقة ومن أهم المشاريع الوطنية التي أسهمت في إعادة تعريف صناعة الترفيه محلياً وإقليمياً (هيئة الترفيه)

كشف المستشار تركي آل الشيخ رئيس «الهيئة العامة للترفيه» السعودية عن إنجاز جديد حققه «موسم الرياض»، بعد تصدّره قائمة العلامات التجارية في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، وحصوله على المركز الأول ضمن جوائز Loeries العالمية المتخصصة في الإبداع الإعلاني، فيما تصدّر الشريك الإبداعي للموسم BigTime Creative Shop قائمة الوكالات الإبداعية في المنطقة.

وجاء ذلك في منشور للمستشار تركي آل الشيخ عبر حسابه الرسمي على منصة «إكس» قال فيه: «(موسم الرياض) يتصدر العلامات التجارية في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا ويحصد المركز الأول ضمن جوائز LOERIES، فيما يتصدر شريكه الإبداعي BigTime Creative Shop قائمة الوكالات الإبداعية في المنطقة. إنجاز يعكس قوة الإبداع السعودي، ويؤكد حضوره المؤثر عالمياً».

تصدر «موسم الرياض» العلامات التجارية في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا (هيئة الترفيه)

ويُعد «موسم الرياض» أبرز المواسم الترفيهية في المنطقة، ومن أهم المشاريع الوطنية التي أسهمت في إعادة تعريف صناعة الترفيه محلياً وإقليمياً، من خلال محتوى متنوع وتجارب عالمية المستوى، وشراكات إبداعية وتسويقية أسهمت في بناء علامة تجارية سعودية ذات حضور دولي، وقدرة تنافسية عالية في كبرى المحافل العالمية.

من جانبها، رسّخت BigTime Creative Shop مكانتها كإحدى أبرز الوكالات الإبداعية في المنطقة، من خلال تطوير وتنفيذ حملات نوعية لموسم الرياض، جمعت بين الطابع الإبداعي والتأثير الواسع، وأسهمت في إيصال رسالة الموسم إلى جمهور عالمي بلغات وأساليب معاصرة.

وتُعد جوائز Loeries من أعرق وأهم الجوائز المتخصصة في مجالات الإعلان، والاتصال التسويقي، والإبداع المؤسسي في أفريقيا والشرق الأوسط، حيث تأسست عام 1978، وتُمنح وفق معايير دقيقة تعتمد على جودة الفكرة، والابتكار، والتنفيذ، والأثر الإبداعي. ويُنظر إلى الفوز بها بوصفه اعترافاً دولياً رفيع المستوى بالتميّز والريادة في الصناعات الإبداعية.


كيف تؤثر نصائح «تيك توك» على الخيارات الغذائية للمستخدمين؟

شعار منصة «تيك توك» (د.ب.أ)
شعار منصة «تيك توك» (د.ب.أ)
TT

كيف تؤثر نصائح «تيك توك» على الخيارات الغذائية للمستخدمين؟

شعار منصة «تيك توك» (د.ب.أ)
شعار منصة «تيك توك» (د.ب.أ)

أصبح الشباب مؤخراً يستقون نصائحهم الغذائية من وسائل التواصل الاجتماعي. فقد أظهر استطلاع نُشر حديثاً أن مستخدمي تطبيق «تيك توك» يختارون ما يأكلونه وأين يأكلونه بناء على الوجبات والوصفات التي يعرضها التطبيق على المستخدمين أثناء تصفحهم لمحتوى المنصة، وفق ما ذكرته «وكالة الأنباء الألمانية».

ويقول الباحث أرتور سترتسيليكي، من جامعة كاتوفيتشي للاقتصاد في بولندا: «يمكن للاتجاهات الغذائية المعروضة في فيديوهات (تيك توك) أن تحدد ما سيأكله الشباب، والمطاعم التي يرتادونها، وكيف يقيمون الوصفات المعروضة».

وكان سترتسيليكي ضمن فريق أجرى استطلاعاً لمستخدمي «تيك توك» في العام الماضي، وخلص إلى أن التطبيق «أداة فعالة في تشكيل تفضيلات المستهلكين الغذائية وسلوكياتهم».

ويؤكد سترتسيليكي أنه «في الوقت الحاضر، يميل الشباب إلى جعل معظم عاداتهم الغذائية متوافقة مع المحتوى الذي قد يشاهدونه على وسائل التواصل الاجتماعي».

وأشارت دراسة نُشرت في المجلة الدولية لدراسات المستهلك، إلى أن «الآليات الخوارزمية» لمنصة «تيك توك» تعد عاملاً رئيسياً في تحديد ما يراه المستخدمون، والذي غالباً ما يقدمه المؤثرون الذين يتقاضون أجراً مقابل الترويج للعلامات التجارية والأماكن.

ووفقاً لبرونو لوريو، مؤلف كتاب «تاريخ علم التغذية - من أبقراط إلى مؤشر التغذية» المنتظر صدوره قريباً، فإن النصائح الغذائية المُعاصرة تعاني من «جو من القلق» وتتأثر بـ«انتشار قادة الرأي».

وكان لوريو يتحدث إلى المركز الوطني الفرنسي للبحث العلمي، ناشر الكتاب، حيث أشار إلى أن مجموعة من «الخبراء، وأشباه الأطباء، ومنظمات المستهلكين، والمؤثرين» يقدمون نصائح حول الطعام والنظام الغذائي على وسائل التواصل الاجتماعي.

كما كشفت دراسة أن «تيك توك» هي أكثر منصات التواصل الاجتماعي استهلاكاً لوقت المستخدمين، حيث يقضي المستخدمون عليها ما معدله 97 دقيقة يومياً، وفقا لمنصة «بلايرزتايم» للتوعية بمخاطر القمار، بينما تأتي «يوتيوب» في المرتبة الثانية بـ85 دقيقة يومياً.


عادتان «مزعجتان» تدلان في الواقع على الذكاء

بعض السلوكيات قد تكون علامة على عقل نشط (رويترز)
بعض السلوكيات قد تكون علامة على عقل نشط (رويترز)
TT

عادتان «مزعجتان» تدلان في الواقع على الذكاء

بعض السلوكيات قد تكون علامة على عقل نشط (رويترز)
بعض السلوكيات قد تكون علامة على عقل نشط (رويترز)

كثيراً ما نعدّ عادات مثل شرود الذهن أو لحظات «الذهول التلقائي» عيوباً. ويرى معظم الناس أنها علامات على ضعف التركيز، أو قلة الانضباط، أو حتى تراجع القدرات الإدراكية، لكن ما نغفل عنه غالباً هو أن تصوراتنا تتأثر بثقافة الإنتاج المتواصل والمكافآت المادية التي تحيط بنا.

ومن هذا المنظور، تبدو هذه العادات الذهنية وكأنها عوامل تشتيت تحتاج إلى تصحيح، بدلاً من كونها عمليات إدراكية تحتاج فقط إلى فهم، وفق ما ذكره موقع «سيكولوجي توداي» المعني بالصحة النفسية والعقلية.

وتُشير الأبحاث النفسية إلى أنه في ظل الظروف المناسبة قد تعكس هذه السلوكيات التي تبدو غير مُنتجة، مرونة معرفية وقدرة على حل المشكلات بطرق إبداعية ومهارة دماغية في التكيف مع أنماط التفكير المختلفة.

بعبارة أخرى، بدلاً من كونها خللاً ذهنياً، قد تكون هذه السلوكيات علامات على الذكاء وعلى عقل نشط يقوم بمهام أساسية مهمة. وفيما يلي سلوكان شائعان يتجاهلهما الكثيرون أو يحاولون كبتهما، رغم أنهما قد يكونان مفيدين، وكيفية التعامل معهما بفهم أعمق للفروق النفسية الدقيقة.

عادة شرود الذهن

لطالما عُدّ شرود الذهن، أو انصراف الانتباه عن المهمة الحالية نحو أفكار ذاتية، علامة واضحة على قلة التركيز، إلا أن الدراسات الحديثة تُظهر أنه قد يُسهم أيضاً في تعزيز التفكير الإبداعي والمرونة المعرفية.

فعلى سبيل المثال، وجدت دراسة، أُجريت عام 2025 وشملت أكثر من 1300 بالغ، أن شرود الذهن المتعمد (أي سماح الشخص لنفسه عمداً بالتفكير في أحلام اليقظة) يُنبئ بأداء إبداعي أعلى. وأشارت بيانات التصوير العصبي إلى أن هذا التأثير مدعوم بزيادة الترابط بين شبكات الدماغ واسعة النطاق المسؤولة عن التحكم التنفيذي وشبكة الوضع الافتراضي، وهي نظام مرتبط بالتفكير الذاتي والخيال.

كما يُظهر الأشخاص الذين لديهم ميل أكبر لشرود الذهن التلقائي أداءً أفضل في نماذج تبديل المهام، مما يعني قدرتهم على تغيير أنماط تفكيرهم بسرعة أكبر، وهو دليل واضح على مرونة التفكير. أيضاً يرتبط الأشخاص الذين لديهم ميل أكبر لشرود الذهن بقدرة أكبر على التفكير التلقائي.

مع ذلك، من المهم ملاحظة أن شرود الذهن ليس حلاً سحرياً، ولن تظهر فوائده إلا عند موازنته مع التحكم في الانتباه. وإذا وجدت ذهنك شارداً في كثير من الأحيان، وكنت تتمتع أيضاً بتركيز جيد ووعي ذاتي، فقد تكون بذلك تستخدم نمطاً ذهنياً يدعم الإبداع والتفكير المرن وحل المشكلات.

عادة التحدث مع النفس

قد يبدو التحدث مع النفس، سواءً كان صامتاً أو بصوت خافت، غريباً من وجهة نظر الآخرين. مع ذلك تشير الأبحاث النفسية الحديثة إلى أن الحديث الداخلي مع الذات يُمكن استخدامه لدعم التنظيم الذاتي والتخطيط والتفكير التأملي (أي التفكير في أفكارك).

ووفقاً لدراسة أُجريت عام 2023 على طلاب جامعيين، توجد علاقة وثيقة بين استخدام الحديث الداخلي ومقاييس التنظيم الذاتي ووضوح مفهوم الذات. بعبارة أخرى، يُظهر الأفراد الذين يتحدثون مع أنفسهم أكثر من غيرهم وضوحاً أكبر في هويتهم الذاتية، فضلاً عن تنظيم ذاتي أفضل.

وهذا لا يعني بالضرورة أن الحديث مع النفس يدل على ذكاء أعلى، بل يُشير إلى أن الحديث الداخلي قد يعمل بوصفه دعامة معرفية، أو وسيلة لتنظيم الأفكار المعقدة، وتسلسل الأفعال، ومتابعة الأهداف.

هذا يعني أنه من خلال التعبير عن الأفكار داخلياً أو بصوتٍ خافت، قد يجد الدماغ سهولةً أكبر في تقليل التشويش الذهني، ونتيجةً لذلك قد يُرتب أيضاً المشكلات بكفاءة وفاعلية أكبر.

مع ذلك، وكما هو الحال مع شرود الذهن، فإن الحديث مع الذات لا يُفيد إلا باعتدال، فالحديث المفرط أو السلبي مع الذات، خصوصاً في صورة اجترار الأفكار أو النقد الذاتي القاسي، يُمكن أن يُضعف التركيز والصحة النفسية. أما عند استخدامه بشكل بنّاء فإن هذا الحوار الداخلي نفسه يُمكن أن يُحوّل الأفكار غير المكتملة إلى خطط قابلة للتنفيذ.