ما حدود الواقع والخيال في حياة روبرت أوبنهايمر؟

بعد رواج فيلم يقدم معالجة لسيرة أبو القنبلة الذرية

روبرت أوبنهايمر في معهد الدراسات المتقدمة في برينستون بنيوجيرسي الأميركية (أ.ب)
روبرت أوبنهايمر في معهد الدراسات المتقدمة في برينستون بنيوجيرسي الأميركية (أ.ب)
TT

ما حدود الواقع والخيال في حياة روبرت أوبنهايمر؟

روبرت أوبنهايمر في معهد الدراسات المتقدمة في برينستون بنيوجيرسي الأميركية (أ.ب)
روبرت أوبنهايمر في معهد الدراسات المتقدمة في برينستون بنيوجيرسي الأميركية (أ.ب)

مع انطلاق وميض الكرة النارية التي أضاءت السماء فوق موقع الاختبار في لوس ألاموس بصحراء نيومكسيكو الأميركية، في يوليو (تموز) 1945، أصبح جوليوس روبرت أوبنهايمر، مدير مشروع مانهاتن لتطوير أول قنبلة ذرية بالعالم، أحد أشهر علماء جيله.

وأدى إنشاء القنابل الذرية وتدميرها مدينتَي هيروشيما وناغازاكي اليابانيتين، في عام 1945 إلى قتل أكثر من 200 ألف إنسان، وبدء حقبة جديدة حولت أوبنهايمر أيقونةً تاريخية ينشغل العالم الآن، وبشغف كبير بها التعرف على كواليس حياتها، بفضل فيلم سينمائي أميركي يتناول سيرته، وسط تساؤلات عن حدود الواقع والخيال في حياة العالم الراحل.

احتاج مشروع مانهاتن إلى مجهود هائل، وإلى الآلاف من العلماء الذين عملوا بلا كلل أو ملل طوال فترة الحرب. لكن مع حلول الوقت وحين اكتمل صُنع القنبلة واختبروها بنجاح، انتابت أوبنهايمر حالة من الاضطراب وربما الندم، مستعيراً بالعبارة الهندوسية: «الآن أصبح الموت، مدمر العوالم». ومع ذلك، هو نفسه وفي الأسبوع نفسه، كان يعطي الجيش الأميركي المعلومات التي تمكّنه من تفجير القنبلة فوق اليابان بأكبر دقة ممكنة.

يقول كاي بيرد، المؤلف المشارك للكتاب الحائز جائزة «بوليتزر»، الذي تناول سيرة أوبنهايمر الذاتية، وكان مصدر إلهام صانعي الفيلم، في حوار مع موقع «لايف ساينس» في 15 يوليو: «إنها حكاية تمنحك إحساساً بالرجل وتعقيده وتناقضه فيما كان يفعل».

حقق أوبنهايمر ما كان يصبوا إليه، وشهد بعض من عملوا معه أنه لم يكن هذا ليحدث لو لم يكن هو من يدير المشروع، وفق بيرد، الذي قال: «لقد ألهمهم للعمل وبذل كل الجهد لحلّ المشكلات الهندسية المرتبطة بصناعة القنبلة بالوقت المناسب».

في حين يطلعنا ستيفن شابين، أستاذ أبحاث فرانكلين فورد لتاريخ العلوم، على جانب آخر من الصورة، عبر حواره مع صحيفة «ذا هارفارد غازيت» المنشور في 19 يوليو الحالي، قائلاً: «أوبنهايمر في الواقع كان خياراً غير مرجح تماماً للإدارة العلمية في لوس ألاموس، فقد كان يعتقد الكثيرون أنه يفتقر لأي قدرات تنظيمية وإدارية، قال أحد زملائه ذات مرة، إنه لا يستطيع إدارة كشك لبيع الهامبرغر».

وبينما اعتقد علماء لوس ألاموس أن نحافة أوبنهايمر بمنزلة «نموذج لزاهد ديني، لم يكن لديه لحم تقريباً، وأنه أصبح كله عقلاً، وكله روحاً، جراء حالة الزهد التي تسيطر عليه»، فسّر شابين ذلك «بأنه يعود لانشغاله الدائم بالعمل، وجزئياً بسبب المرض الذي ألمّ به، وبسبب حالة القلق الشديدة نتيجة إحساسه بالمسؤولية».

أما بالنسبة لدوافع أوبنهايمر، فقد كانت واضحةً تماماً. عندما كان شاباً درس فيزياء الكم بألمانيا، وكان يعلم أن العلماء الألمان كانوا قادرين على فهم فيزياء القنبلة الذرية وامتلاك سلاح دمار شامل. ومن المنظور السياسي، كان رجلاً يسارياً يخشى أن يسلّم العلماء الألمان هذا السلاح إلى هتلر الذي ما كان ليتردد في استخدامه، وكما يصف بيرد الأمر بأنه: «كان هذا أسوأ كابوس له».

ملاحظات مكتوبة بخط يد أوبنهايمر عُرضت في متحف برادبري للعلوم (أ.ب)

بعد الحرب، أصبح أوبنهايمر أكثر منتقدي الأسلحة النووية صراحةً - قاوم الجهود المبذولة لصنع قنبلة هيدروجينية، وأشار إلى خطط سلاح الجو الأميركي لقصف استراتيجي مكثف بأسلحة نووية على أنها إبادة جماعية. يقول بيرد: «علمنا من رسائل كتبتها زوجته (كيتي) إلى أصدقائها أن أوبنهايمر أصابه الاكتئاب بعد فترة وجيزة من حادثة هيروشيما».

عاد أوبنهايمر إلى واشنطن، وكان قد عرف باقتراب اليابانيين من الاستسلام في سبتمبر (أيلول)، كما عرف عن موقف إدارة ترومان من السلاح الجديد، وأنهم يريدون جعل الأمن القومي الأميركي يعتمد كلياً على ترسانة ضخمة من تلك الأسلحة.

في وقت مبكر من أكتوبر (تشرين الأول) 1945، ألقى أوبنهايمر خطاباً عاماً في فيلادلفيا قال فيه: إن هذه الأسلحة كانت أسلحة للمعتدين. إنها أسلحة إرهاب وليست أسلحة للدفاع وتحتاج الولايات المتحدة إلى إيجاد طريقة لبناء آلية مراقبة دولية لمنع انتشارها. كان ذلك تهديداً مباشراً لوزارة الحرب والجيش والبحرية والقوات الجوية الأميركية، الذين طالبوا جميعاً بميزانيات أكبر للحصول على المزيد من هذه الأسلحة.

وفي أواخر عام 1953 أصبح أوبنهايمر مصدر تهديد مباشراً للحكومة الأميركية؛ ما أدى إلى تجريده من تصريحه الأمني، وتقديمه للمحاكمة وإهانته علانية. وعن ذلك يقول بيرد: «لقد أرادوا إذلاله على الملأ، حتى يكون عِبرة لمن خلفه، لقد بعثوا من خلاله برسالة إلى العلماء في كل مكان: (لا تخرج عن مسارك الضيق، وغير مسموح لك أن تصبح مثقفاً عاماً، كما أنه ليس لك الحق أن تتحدث في السياسة)».

مجد شخصي

من جانبه، قال العالم الفيزيائي، محمد ثروت حسن، أستاذ الفيزياء والضوء في جامعة أريزونا بالولايات المتحدة: «أعتقد أن أوبنهايمر لم يُجبر على الأمر، ولكن كان ذلك اختياره، وعلى العَالِم أن يركّز في البحث العلمي الذي يكون له دور في زيادة المعرفة البشرية وإنتاج تطبيقات مفيدة».

وكان حسن قد نشر على صفحته على «فيسبوك»، بأنه «لا يحب روبرت أوبنهايمر ولا يحترمه، وأنه يمثل له كل ما لا يحبه في شخصية العَالِم»، قائلاً في حديث لـ«الشرق الأوسط»: «كان يعلم ماذا يفعل جيداً ويعي خطورته، وعلى الرغم من ذلك أقدَم عليه؛ بحثاً عن مجد شخصي ولو على حساب آلاف الأرواح من البشر».

وعن تراجع أوبنهايمر ومعارضته السلاح النووي بعد ذلك، أضاف: «أعتقد أنه لم يتوقع أن تكون النتائج بهذا السوء، بعدما رأى صنيع ما قام به على أرض الواقع»، مشدداً على أن «هناك بعض العلماء الذين تركوا المشروع بعد تأكدهم من عدم قدرة ألمانيا - هتلر - على صنع القنبلة النووية».

ويرى الروائي المصري أحمد سمير سعد، ومدرس في قسم التخدير بكلية الطب، جامعة القاهرة، أن الفيلم قد يكون حاول تبرئة أوبنهايمر، لكنه لم يبرئ أبداً ساحة الحكومة الأميركية.

وربط الفيلم بين أوبنهايمر ونوبل، الاثنان هرعا وراء السبق العلمي، حيث عاد الأول وحارب تصنيع القنبلة الهيدروجينية والتسليح النووي، كما صنع الثاني جائزة للسلام، لقد حاول الفيلم الفصل بين الإنجاز العلمي والاستخدام السياسي له.

وأضاف سعد: «لا أجد فارقاً كبيراً فيما قرأت عن أوبنهايمر وبين ما عرضه الفيلم من أحداث، إلا أن الفيلم كان متعاطفاً معه بالطبع، لقد سلط الضوء على تأثره النفسي الشديد ومعارضته اللاحقة للتسليح النووي حتى اتهموه بالخيانة».

ولكن هل كان العلماء المشاركون بالمشروع على دراية بكيفية الاستخدام المميت والمدمر للقنبلة كما حدث بالفعل، يرى شابين أن علماء لوس ألاموس: «لم يكونوا يفكرون فيما يجب فعله بهذا السلاح، سواء كان سيُستخدم ضد ألمانيا أو ما إذا كان التهديد باستخدامه سيكون كافياً».

وأضاف: لقد كانت مشكلة علمية وتكنولوجية صعبة للغاية، وكانوا منخرطين تماماً في إنجاح المشروع. لذا؛ فإن الألم الأخلاقي والسياسي بشأن القنبلة وما يجب فعله بها بدأ يطفو على السطح خلال فترة وجيزة في نهاية المشروع، وهي الفترة التي شارك فيها عدد قليل نسبياً من الأشخاص.

منظر جوي بعد أول انفجار ذري بموقع اختبار ترينيتي في نيو مكسيكو بالولايات المتحدة في 16 يوليو 1945 (أ.ب)

وبعد هزيمة ألمانيا النازية، اعتقد بعض علماء المشروع أنه ليست هناك حاجة إلى إسقاط القنبلة على اليابان، وأنه قد يتم إخبار اليابان بوضوح أن القنبلة موجودة وما يمكن أن تفعله، لكن أوبنهايمر، وفق شابين، لم يفعل سوى القليل أو ربما لا شيء لمساعدتهم. كما أنه ليس من الواضح أيضاً أن أوبنهايمر كان بإمكانه فعل الكثير للتأثير على استخدام القنبلة. كانت لديه سلطة علمية ولكن ليس لديه قوة سياسية كبيرة. كانت قرارات هيروشيما وناغازاكي قرارات عسكرية وسياسية.

سياسي ساذج

يحاول بيرد رسم صورة بانورامية لأوبنهايمر قائلاً: «كان متعدد المواهب وكان منجذباً إلى التصوف الهندوسي». مضيفاً: «نعم، كان سياسياً غبياً وساذجاً. لم يكن لديه أي فكرة عمّا كان على وشك الدخول فيه». وعلى الرغم من ذلك، علّق بيرد على موقف أوبنهايمر من انتشار السلاح النووي بقوله: «هذا بالضبط ما نحتاج إليه الآن. نحن في حاجة إلى المزيد من العلماء المستعدين للتحدث عن الحقائق الصعبة في كيفية دمج العلم بالحياة وجعله غير مدمر».

وجاوب بيرد عن السؤال الأهم، وهو كيف سيتذكر الناس إرث أوبنهايمر، وقد ارتبط بسلاح مروع وقاتل؟: يعتمد هذا على ما سيحدث في المستقبل، فإذا وقعت حرب نووية أخرى، بالطبع سيُنظر إليه على أنه العالِم المسؤول عن ذلك أيضاً.

ولد أوبنهايمر عام 1904 لعائلة ثرية في مدينة نيويورك الأميركية، وتخرج في جامعة هارفارد عام 1925، حيث تخصص في الكيمياء. وبعد ذلك بعامين، أكمل شهادة الدكتوراه في الفيزياء في جامعة غوتنغن، بألمانيا، إحدى المؤسسات الرائدة في العالم للفيزياء النظرية. وعلى الرغم من اعترافه بعدم اهتمامه بالسياسة عقب نجاحه في اختراع القنبلة الذرية؛ فقد أيّد أوبنهايمر علانية الأفكار التقدمية اجتماعياً. وكانت شريكته، كيتي بوينينغ، متطرفة ذات ميول يسارية وتضمنت دائرتهما الاجتماعية أعضاء ونشطاء الحزب الشيوعي. وربما هذا كان أحد أسباب اتهامه في وقت لاحق بأنه متعاطف مع الشيوعية، قبل أن يتوفى عن عمر ناهز 62 عاماً في 18 فبراير (شباط) عام 1967.


مقالات ذات صلة

«حلفاء في المنفى»... صداقة وسينما في مواجهة الحرب السورية واللجوء

يوميات الشرق يوثق الفيلم رحلة صديقين من الوطن إلى المنفى (الشركة المنتجة)

«حلفاء في المنفى»... صداقة وسينما في مواجهة الحرب السورية واللجوء

المنفى ليس مكاناً فحسب، بل حالة نفسية مستمرة تتطلّب أدوات جديدة للتكيّف، وكانت السينما إحدى هذه الأدوات.

أحمد عدلي (القاهرة )
سينما مواجهة في «مجرد حادثة» (MK2 بيكتشرز)

جعفر بناهي في «مجرد حادثة»... الحال بلا حل

منذ عروضه في الدورة الـ78 لمهرجان «كان» في العام الماضي، لفّ فيلم جعفر بناهي «مجرد حادثة» مهرجانات عديدة، حصد فيها، ما يزيد على 35 جائزة.

محمد رُضا (بالم سبرينغز - كاليفورنيا)
سينما شاشة الناقد: فيلمان عن النزوح الواقعي والخيالي

شاشة الناقد: فيلمان عن النزوح الواقعي والخيالي

خلال زيارة للقاهرة في مطلع سنة 2025، وجد المخرج السويسري نيكولاس واديموف نفسه في واجهة المأساة الفلسطينية.

محمد رُضا (بالم سبرينغز - كاليفورنيا)
يوميات الشرق ناقش الفيلم علاقة بين أختين تجتمعان بعد وفاة الأم (الشركة المنتجة)

«الفراشة»... رحلة لتتبع ميراث الأم تعيد اكتشاف معنى الحياة

في فيلمها الروائي الطويل الثاني «الفراشة» تواصل المخرجة النرويجية إيتونجي سويمر غوتورمسن تفكيك العلاقات الإنسانية من الداخل، بوصفها مساحات مشوشة من المشاعر.

أحمد عدلي (القاهرة )
يوميات الشرق أجرى الأطباء تدخلات طارئة للمصابين (الشركة المنتجة)

«أميركان دكتور» يوثق معاناة الأطباء خلال حرب غزة

يرصد الفيلم الوثائقي «أميركان دكتور» American Doctor الحرب على غزة من داخل واحدة من أكثر مساحاتها هشاشة وخطورة، وهي المستشفيات.

أحمد عدلي (القاهرة)

علماء آثار يكشفون دليلاً على أقدم عملية جراحية بالمخ في العالم

عُثر على جمجمة مثقوبة في حصن تل يعود للعصر الحديدي في واندلبوري
عُثر على جمجمة مثقوبة في حصن تل يعود للعصر الحديدي في واندلبوري
TT

علماء آثار يكشفون دليلاً على أقدم عملية جراحية بالمخ في العالم

عُثر على جمجمة مثقوبة في حصن تل يعود للعصر الحديدي في واندلبوري
عُثر على جمجمة مثقوبة في حصن تل يعود للعصر الحديدي في واندلبوري

كشف علماء آثار عن دليل لما قد يكون أول عملية جراحية في المخ في العالم، إذ تم العثور على جمجمة بشرية من عصر الفايكنج وقد أُزيل جزء منها.

وتتميز البقايا، التي تعود لرجل يتراوح عمره بين 17 و24 عاماً، بوجود ثقب بيضاوي الشكل يبلغ قطره نحو 3 سنتيمترات. ويعتقد الخبراء أن الرجل عاش خلال القرن التاسع الميلادي، وفقاً لتقرير «وكالة الأنباء السويدية».

من المرجح أن الرجل خضع لعملية تثقيب الجمجمة، وهي إجراء جراحي قديم يتم فيه حفر ثقب في جمجمة شخص حي لعلاج حالات مثل الصداع النصفي، أو النوبات. وامتد عصر الفايكنج من نحو عام 750 إلى عام 1050 ميلادي.

واكتشف طلاب جامعة كامبريدج البقايا العام الماضي خلال حفريات تدريبية في حصن واندلبوري الذي يعود للعصر الحديدي.

لا تكمن أهمية هذا الاكتشاف في العملية الجراحية فحسب، بل في بنية الرجل الجسدية أيضاً. وكان طوله 6 أقدام و5 بوصات، مما جعله أطول بكثير من متوسط ​​طول الرجل في ذلك العصر، والذي كان يبلغ طوله عادةً 5 أقدام و6 بوصات، وفقاً لتقرير «وكالة الأنباء السويدية».

قالت الدكتورة تريش بيرز، أمينة مختبر داكوورث بجامعة كامبريدج، في التقرير: «ربما كان لدى الشخص ورمٌ أثّر على غدته النخامية، مما تسبب في زيادة إفراز هرمونات النمو، إذ يمكننا ملاحظة ذلك في الخصائص الفريدة لعظام أطرافه الطويلة، وفي أجزاء أخرى من هيكله العظمي».

أشارت بيرز إلى أن مثل هذه الحالة كانت ستؤدي إلى زيادة الضغط داخل الجمجمة، والتسبب في صداع شديد. ويبدو أن عملية ثقب الجمجمة كانت محاولة لتخفيف هذا الألم، وهو هدف «ليس نادراً في حالات إصابات الرأس اليوم».

وشكّل موقع الدفن نفسه لغزاً محيراً، إذ احتوت المقبرة الجماعية على مزيج من الجثث الكاملة، والمقطّعة، بما في ذلك مجموعة من الجماجم، وما وصفه الباحثون بـ«كومة من الأرجل». وتمّ استخراج أربعة هياكل عظمية كاملة، بعضها في وضعيات توحي بأنها كانت مقيّدة.

وبدا أن معظم الجثث كانت لشبان أُلقي بهم في الحفرة دون اكتراث، مما دفع علماء الآثار إلى الاشتباه في أن الموقع يُشير إلى آثار مناوشة، أو معركة، أو إعدام جماعي.

وقال أوسكار ألدريد، من وحدة كامبريدج الأثرية: «ربما كان المدفونون ضحايا عقاب بدني، وقد يكون ذلك مرتبطاً بواندلبري باعتبار أنه مكان مقدس، أو معروف للاجتماعات». وأضاف: «ربما تكون بعض أجزاء الجثث الممزقة قد عُرضت سابقاً بوصفها جوائز، ثم جُمعت ودُفنت مع الأفراد الذين أُعدموا، أو ذُبحوا بطريقة أخرى».


ترمب ونيكي ميناج... موسم الحبّ والغزل بعد سنوات من العداء

TT

ترمب ونيكي ميناج... موسم الحبّ والغزل بعد سنوات من العداء

دونالد ترمب يريد أظفاراً كأظفارها ونيكي ميناج «المعجبة رقم واحد» بالرئيس (رويترز)
دونالد ترمب يريد أظفاراً كأظفارها ونيكي ميناج «المعجبة رقم واحد» بالرئيس (رويترز)

بعد سنوات من العداء تخللتها تصريحات إعلامية ناريّة، ها هي مغنية الراب نيكي ميناج، تشبكُ يدَيها بيدَي الرئيس الأميركي دونالد ترمب، وتعلن أنها «المعجبة رقم واحد» به.

كيف انتقلت النجمة المثيرة للجدل من صفوف الكارهين، إلى مقاعد العاشقين؟ وهل هي خطوة بريئة دافعُها الإعجاب بشخصيته القوية وأناقته كما تقول؟ أم أنّ سيّد البيت الأبيض فتح ذراعَيه وأبوابه لـ«ملكة الراب» بسبب مصالح مشتركة؟

فتحت «ملكة الراب» صفحة جديدة مع سيّد البيت الأبيض (أ.ب)

بطاقة ذهبية ممهورة بوَجه ترمب

اختتمت نيكي ميناج الشهر الأول من السنة بهدية ثمينة. شَهرَت على منصة «إكس» بطاقة ترمب الذهبية التي تسهّل على المهاجرين إلى الولايات المتحدة، الحصول على الإقامة الطويلة هناك.

وجرى إطلاق تلك البطاقة التي طُبع عليها وجه ترمب نهاية 2025، وهي مخصصة للمهاجرين الأثرياء الراغبين في الحصول على الجنسية الأميركية. وتبلغُ قيمتها مليون دولار، إضافةً إلى 15 ألفاً مقابل رسوم الإجراءات القانونية والمعاملات الإدارية للحيازة على الجنسية.

إلا أن نيكي، ووفق ما كتبت على «إكس»، نالت البطاقة مجاناً. وأضافت المغنية المتحدّرة من جزيرة ترينيداد وتوباغو، أنها بصدَد «إنهاء إجراءات الحصول على الجنسية، وذلك بناءً على طلب رئيسي الرائع والكريم والفاتن».

ترمب معجب بأظفار نيكي

حطّت ميناج رحالها في الولايات المتحدة عام 1987. كانت حينَها في الخامسة من عمرها وقد أمضت سنواتها الأولى في مسقط رأسها؛ جزيرة ترينيداد وتوباغو، قبل أن تنتقل إلى نيويورك؛ تحديداً إلى منطقة كوينز التي شهدت على طفولة ترمب وشبابه.

ورغم صعودها سلالم الراب بسرعة صاروخية وتربّعها على عرش تلك الموسيقى، فإنّ ميناج بقيت محرومة من الجنسية الأميركية. ولطالما اشتكَت من أنها تسدّد ضرائبها بالملايين، ومع ذلك، فهي لا تُعدّ مواطنة شرعيّة، وغالباً ما صوّبت سهام اللوم باتّجاه ترمب.

نيكي ميناج في مسقط رأسها جزيرة ترينيداد وتوباغو عام 2023 (إنستغرام)

ثم أتت اللحظة التي كان من الصعب تخيّلها قبل سنة من الآن. في 28 يناير (كانون الثاني) 2026، ومن قلب واشنطن، حلّت نيكي ميناج ضيفة شرف على حفل مؤسسة «Trump Accounts» المخصصة لدعم الأطفال. كانت تلك المرة الأولى التي تطلّ فيها علناً إلى جانب الرئيس الأميركي.

بمُزاحِه المعهود، حاول ترمب التخفيف من ارتباك اللحظة، فأعرب عن إعجابه بأظفار نيكي ميناج الطويلة جداً؛ «سوف أربّي أظفاري لأني أحب أظفارها تلك»، قال الرئيس قبل أن تعتلي ضيفته المنصة. وبدا الودّ واضحاً بينهما بدليل تشابُك الأيدي والقبلات، ليبلغ التعبير ذروته في خطاب ميناج: «أنا على الأرجح المعجبة رقم واحد بالرئيس، وهذا لن يتغيّر رغم كُره الناس لذلك».

كان لافتاً تشابُك الأيدي بين ترمب وميناج (رويترز)

ترمب «كاره النساء»

أين نيكي ميناج الغاضبة من ترمب والتي لم تفوّت فرصة لانتقاده، من تلك النسخة الجديدة المذهولة به؟

لا في أغانيها ولا في حواراتها الصحافية ولا في منشوراتها على «السوشيال ميديا»، وفّرت المغنية ترمب من لسانها السليط. عام 2010، ظهرت في وثائقي تلفزيوني تحدّثت فيه عن دونالد ترمب بوصفه نموذجاً في كراهية النساء. وادّعت حينها أنه «متزوج من 50 امرأة ويواعد نساءً شابات».

ومع انطلاق الولاية الرئاسية الأولى لترمب عام 2016، رحّبت ميناج به على طريقتها. هي التي كانت قد بدأت تحقق شهرة في عالم الراب، سمّته بالاسم في إحدى أغانيها: «أنا فتاة الجزيرة... دونالد ترمب يريدني أن أعود إلى المنزل»، في إشارةٍ إلى سياسات الهجرة التي فرضها ترمب على غير الأميركيين.

بين 2010 و2020 لم توفّر نيكي ميناج ترمب من نَقدها اللاذع غناءً وتصريحات (أ.ب)

«عرَبة ترمب للسيرك»

في ذروة حملة احتجاز المهاجرين عام 2018 بأوامر من إدارة ترمب، استذكرت نيكي ميناج وصولها إلى نيويورك في الخامسة من العمر من دون أوراق ثبوتية. «جئت إلى هذا البلد مهاجرةً غير شرعية. لا أستطيع أن أتخيل رعب الوجود في مكان غريب، وأن يتم انتزاع والديّ مني في سن الخامسة»، كتبت في تعليق على صورة تُظهر أطفالاً مفصولين عن آبائهم على الحدود أثناء احتجازهم.

تَواصل هجومها المُستعِر على الرئيس دائماً في إطار اعتراضها على تعاطيه مع قضية المهاجرين. وبلغَ غضبُها الذروة عام 2020 خلال مؤتمر «بولستار» لتكريم الموسيقيين في كاليفورنيا. وأعلنت حينها أنها لن تقفز «على عربة السيرك الخاصة بترمب».

نيكي ميناج على منبر الأمم المتحدة!

لم تكد تمرّ سنة على ذاك التصريح العنيف، حتى بدأت ملامح الودّ تجاه ترمب تظهر على نيكي ميناج؛ وإن بشكلٍ غير مباشر. في البداية، جمعتهما الجائحة بما أنّ الاثنَين استخفّا بخطورة كورونا. وقد أثارت ميناج حينها ضجّةً بإصرارها على رفض تلقّي اللقاح.

إلا أن 2025 كانت سنة التحوّل الكبير؛ فمع عودة ترمب إلى البيت الأبيض، شهدت مواقف ميناج السابقة انقلاباً جذرياً. كانت البداية بإعادة نشر مقاطع فيديو من حساب البيت الأبيض على «تيك توك»، بما في ذلك فيديو استخدم إحدى أغانيها ترويجاً لسياسات ترمب المعادية للهجرة.

ووسطَ غضب معجبيها المستغربين انقلابها، أثنت ميناج على موقف ترمب من محنة المسيحيين في نيجيريا. فما كان من السفير الأميركي لدى الأمم المتحدة مايك والتز، سوى أن يدعوها للتحدّث على المنبر العالمي. وفي مشهدٍ أقرب إلى السريالية، استغربَ العالمُ وقوف مغنية تستعين بكمية هائلة من الكلام النابي في أغانيها، على أحد أكثر المنابر وقاراً في العالم.

جنسيّة أميركية أو أكثر؟

منذ ذلك اليوم الذي شهد دخول نيكي ميناج إلى مقر الأمم المتحدة، وهي تُراكِم الحوارات المخصصة لدعم الرئيس؛ من إطلالتها بضيافة إريكا كيرك، أرملة تشارلي كيرك، حيث وصفت ترمب بالوسيم والأنيق، مروراً بحضورها العرض الأول لفيلم «ميلانيا»، وليس انتهاءً بـ«بودكاست كيتي ميلر». ففي أحدث ظهورٍ لها بعد لقائها وترمب على المنبر في واشنطن، برّرت ميناج مواقفها المستجدّة بالقول: «ما عدت أحتمل الطريقة التي يجري التعامل بها مع الرئيس ترمب؛ من التنمّر إلى الأكاذيب وافتراءات أخرى». وأضافت أن حملة ترمب الرئاسية الأخيرة ألهمَتها، ملمّحةً إلى انخراطها في عالم السياسة: «طيلة حياتي انتابني إحساس بأنّ لديّ وظيفة ثانية أقوم بها».

ورغم الانتقادات المتصاعدة حيال انقلابها هذا وخسارتها عدداً لا بأس به من معجبيها، فإنّ نيكي ميناج تنغمس أكثر في دعم ترمب، سعياً وراء الجنسية الأميركية وربّما أكثر.


تقرير: «سبيس إكس» تؤجل خططها للمريخ وتركز على القمر

إطلاق صاروخ «فالكون 9» من شركة «سبيس إكس» من  مجمع الإطلاق في كاليفورنيا (رويترز)
إطلاق صاروخ «فالكون 9» من شركة «سبيس إكس» من مجمع الإطلاق في كاليفورنيا (رويترز)
TT

تقرير: «سبيس إكس» تؤجل خططها للمريخ وتركز على القمر

إطلاق صاروخ «فالكون 9» من شركة «سبيس إكس» من  مجمع الإطلاق في كاليفورنيا (رويترز)
إطلاق صاروخ «فالكون 9» من شركة «سبيس إكس» من مجمع الإطلاق في كاليفورنيا (رويترز)

ذكرت صحيفة «وول ستريت جورنال» أمس (الجمعة)، نقلاً عن مصادر، أن ​شركة «سبيس إكس» التابعة للملياردير إيلون ماسك، أبلغت المستثمرين بأنها ستعطي الأولوية للوصول إلى القمر أولاً، وستحاول القيام برحلة إلى المريخ لاحقاً، وفقاً لوكالة «رويترز».

وأضاف التقرير أن الشركة ستستهدف شهر مارس (آذار) 2027، للهبوط على سطح القمر ‌من دون إرسال ‌رواد فضاء على ‌متن ⁠المركبة.

يأتي ​ذلك ‌بعد أن وافقت «سبيس إكس» على الاستحواذ على شركة «إكس إيه آي»، في صفقة قياسية تدمج شركة الصواريخ والأقمار الاصطناعية مع شركة الذكاء الاصطناعي المصنعة لروبوت الدردشة «غروك». وتقدر قيمة شركة ⁠الصواريخ والأقمار الاصطناعية بتريليون دولار وقيمة ‌شركة الذكاء الاصطناعي بـ250 مليار دولار.

صورة مركبة تظهر الملياردير إيلون ماسك وشعار شركة «سبيس إكس» (رويترز)

وقال ماسك العام الماضي، إنه يهدف إلى إرسال مهمة غير مأهولة إلى المريخ بحلول نهاية عام 2026.

وتعمل «سبيس ​إكس» على تطوير صاروخ «ستارشيب» من الجيل التالي، وهو صاروخ ضخم ⁠مصنوع من الفولاذ المقاوم للصدأ، ومصمم ليكون قابلاً لإعادة الاستخدام بالكامل، وليخدم مجموعة من المهام بما في ذلك الرحلات إلى القمر والمريخ.

وتواجه الولايات المتحدة منافسة شديدة هذا العقد، من الصين، في سعيها لإعادة رواد الفضاء إلى القمر، حيث لم يصل إليه أي إنسان منذ آخر مهمة ‌مأهولة ضمن برنامج «أبولّو» الأميركي في عام 1972.