زيارة مودي إلى باريس وما تعنيه للعلاقات الثنائية

في خضمّ الأزمات العالمية وتشابك المصالح والأولويات

 مودي "ضيف شرف" في احتفالات "اليوم الوطني الفرنسي" وتبدو معه نظيرته الفرنسية إليزابيث بورن. (آ ب)
مودي "ضيف شرف" في احتفالات "اليوم الوطني الفرنسي" وتبدو معه نظيرته الفرنسية إليزابيث بورن. (آ ب)
TT

زيارة مودي إلى باريس وما تعنيه للعلاقات الثنائية

 مودي "ضيف شرف" في احتفالات "اليوم الوطني الفرنسي" وتبدو معه نظيرته الفرنسية إليزابيث بورن. (آ ب)
مودي "ضيف شرف" في احتفالات "اليوم الوطني الفرنسي" وتبدو معه نظيرته الفرنسية إليزابيث بورن. (آ ب)

زيارة رئيس وزراء الهند ناريندرا مودي الأخيرة لفرنسا، كانت السادسة منذ عام 2015، ثم إنه سبق أن استضافه الرئيس إيمانويل ماكرون نفسه أربع مرات منذ وصوله إلى السلطة عام 2017. ولقد استغل الزعيمان مودي وماكرون، في الواقع، هذه المناسبة للاحتفال بـ«اليوبيل الفضي» للشراكة الاستراتيجية بين باريس ونيودلهي، فضلاً عن تحديد رؤية جريئة لربع القرن المقبل. كذلك سعى الجانبان إلى تعميق تعاونهما في مجالات الدفاع والأمن والتكنولوجيا في منطقة المحيطين الهندي والهادئ.

الزعيم الهندي مع الرئيس ماكرون (أ.ب)

يجري كل هذا في خضم تطوير العلاقات بين أوروبا والهند على نطاق أوسع؛ إذ أصدرت الهند وفرنسا «خارطة طريق» بعنوان «أفق 2047» لتعزيز التعاون الثنائي على مدى السنوات الـ25 المقبلة، التي تُؤرخ 100 سنة من استقلال الهند، و50 سنة من الشراكة الاستراتيجية بين البلدين. ولقد عمل أربعة رؤساء فرنسيين وثلاثة رؤساء وزراء هنود، خلال السنوات الـ25 الماضية، على تطوير هذه العلاقة.

الاستقلال الاستراتيجي وتحويل المصالح

في الصورة الأوسع، ترتكز العلاقة الاستراتيجية بين فرنسا والهند على الاحترام المتبادل للاستقلالية الاستراتيجية لكلا الجانبين، وظلت باريس ثابتة على رفضها التعليق على الشؤون الداخلية للهند، أو خيارات نيودلهي في مجال السياسة الخارجية. وفي حين لعبت فرنسا دوراً قيادياً في رد الغرب على حرب روسيا في أوكرانيا، فإنها لم تنضم إلى الدول الغربية الأخرى في حثّ القيادة الهندية علناً على تغيير موقفها.

في الحقيقة، يشهد التاريخ على أن فرنسا حليف وثيق للهند، وبدأت الشراكة الاستراتيجية بين البلدين مباشرة بعد التجارب النووية الهندية. ففي عام 1974، ثم عام 1998، لم تنضم فرنسا إلى الضغوط الغربية لمعاقبة الهند على تجاربها النووية، بل تدخلت بإمدادات اليورانيوم لتشغيل مفاعلات تارابور النووية الهندية بالطاقة، وامتنعت عن إدانة التجارب النووية الهندية. كذلك، انتهزت باريس الفرصة لتعزيز العلاقات الدفاعية والأمنية مع نيودلهي، في بادرة لها صداها لدى مؤسسة السياسة الخارجية الهندية حتى الآن. وبعد فترة وجيزة من منح مجموعة المورّدين النوويين (NSG) إعفاءً خاصاً بالهند في سبتمبر (أيلول) 2008 للمشاركة في التجارة النووية المدنية، كانت فرنسا أول دولة توقع اتفاقية نووية مدنية مع الهند لمشروع جايتابور للطاقة النووية.

وفي حين، كان مثيراً للاهتمام أن البرلمان الأوروبي تبنى - بينما كان مودي يزور فرنسا - قراراً ينتقد الحكومة الهندية بسبب العنف في ولاية مانيبور الهندية، ذات الغالبية المسيحية، والانتهاكات المزعومة لحقوق الإنسان وقضايا حرية الدين، لم تُناقش أي من هذه القضايا أو تُثار بين الزعيمين الفرنسي والهندي. كما لم تُشر الهند أيضاً إلى أعمال العنف في فرنسا بعد مقتل فتى مراهق من أبناء الجالية الجزائرية.

تطورات العقد الماضي

اكتسبت الشراكة الفرنسية - الهندية ثقلاً واضحاً خلال العقد الماضي، مع بدء التعاون الوثيق، ثم تعزيزه، في مجموعة واسعة من القضايا، تشمل مجالات حساسة وسيادية، مدعوماً بالتعاون التجاري الدفاعي المزدهر الذي جعل فرنسا ثاني أكبر مورِّد للأسلحة إلى الهند بعد روسيا. وعلّق الصحافي والبروفسور الهندي راجا موهان بأن «عند البلدين ما يمكن وصفه بالتطابق في سعيهما المشترك إلى الاستقلال الاستراتيجي وسط ديناميكيات القوة العالمية». وأردف شارحاً أن شعار الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون «متحالفون غير منحازين» يعكس إصرار وزير الخارجية الهندي الدكتور س. جايشانكار على أن الهند «مؤهلة لأن يكون لها موقفها الخاص». ويتجسّد هذا الموقف بصورة أفضل في مفهومٍ كانت العاصمتان تستخدمانه بانتظام، ألا وهو «الاستقلال الاستراتيجي»، الذي يُعرّفُ بأنه القدرة على اتخاذ قرارات مستقلة عن الضغوط الخارجية، لا سيما من القوى العظمى، في مجالات السياسة الرئيسية.

ويتابع موهان: «سواءً كان رفض معاقبة نيودلهي في أعقاب التجارب النووية عام 1998، أو منع الصين من إدراج مسألة كشمير على جدول أعمال مجلس الأمن الدولي بعدما غيّرت الهند الوضع الإقليمي الراهن في الإقليم في أغسطس (آب) 2019، أثبتت باريس أنها الحليف الأكثر قيمة وثباتاً للهند»، ويستطرد: «يفيد تحليل حديث أن مودي وماكرون، مثل أسلافهما، عزّزا صلات قوية مع القوى الكبرى من دون أن يصبحا معتمدين بشكل مفرط على أي منها، وبالتالي، فهما محافظان على مسافة من المنافسة بين مختلف الكتل على غرار الحرب الباردة». وبينما تشير التطورات إلى أن «الهند بزعامة مودي لا تزال تعارض رسمياً الانضمام إلى تحالف عسكري، فإن ماكرون ينتقد بانتظام حلف شمال الأطلسي (ناتو) بطريقة ديغولية للغاية».

النظام العالمي

من جهة أخرى، اعتبر خبراء هنود أن زيارة مودي لفرنسا مهمة من حيث تغيير النظام العالمي وكذلك العلاقات الثنائية بين البلدين؛ إذ اعتبر الدكتور شيتال شارما، عضو هيئة التدريس بمركز الدراسات الأوروبية بجامعة جواهر لال نهرو في نيودلهي، أن الزيارة كانت حاسمة فيما يتعلق بثلاثة مجالات رئيسة، وأوضح: «لقد جاءت في وقتها، وهي مهمة في العديد من الجوانب، وعلينا أن نفهم أهميتها من زاوية ثلاثة مجالات بالذات هي: تغيير النظام العالمي، والعلاقات الثنائية بين الهند وفرنسا، والحرب الأوكرانية». ثم تابع أن انتقاد الهند في فرنسا أمر نادر الحدوث. وقبل أقل من سنة، انتقد الرئيس ماكرون الدول التي تقف على الحياد بشأن حرب أوكرانيا في خطابه في الأمم المتحدة، معتبراً «أن الذين يصمتون اليوم يخدمون، سواءً ضد إرادتهم أو سراً بتواطؤ معيّن، حالة إمبريالية جديدة».

وأضاف شارما: «لقد جاء ذكر مودي في خطاب ماكرون. ولكن لم يكن الهدف معاقبة الزعيم الهندي على حياد نيودلهي في حرب أوكرانيا، ولا زيادة وارداتها من النفط الروسي الرخيص في ظل سقف للأسعار فرضته العقوبات العالمية، بل بدلاً من ذلك، أشاد الزعيم الفرنسي بنظيره الهندي لإبلاغه الرئيس الروسي فلاديمير بوتين بأن «عصر اليوم ليس وقتاً للحرب» خلال «القمة» المنعقدة في أوزبكستان. ثم إن فرنسا أيضاً عضو دائم في مجلس الأمن الدولي. وتأكيداً لتناغم القوى المتوسطة، يتوجب على نيودلهي الشروع في استكشاف إمكانيات الدعم الفرنسي الثابت للهند في مجلس الأمن الدولي.

ومن جهته، يقول البروفسور غولشان ساتشديفا، من مركز الدراسات الأوروبية بجامعة جواهر لال نهرو، معلقاً: «بعيداً عن عروض الصداقة الاحتفالية، تتشارك الهند وفرنسا في نظرة مماثلة إلى الشؤون الدولية... فالدولتان تفضلان نظاماً متعدد الأقطاب يمكِّنهما من لعب دور فعال في الساحة العالمية. والدولتان تتمتعان بهويات وطنية قوية، وتسعيان إلى الحصول على الاستقلال الاستراتيجي، وإعطاء الأولوية لحرية اتخاذ القرار في مجال السياسة الخارجية، والنظر إلى العالم من خلال عدسة من الاعتزاز العميق».

المواقف من أوكرانيا وروسيا والصين

في جانب موازٍ، في حين تحافظ فرنسا والهند على التزامهما بالتعددية القطبية، فإن حرب أوكرانيا تشكل تحدياً لبعض الضرورات غير المعلنة، لكنها تشكل ضرورة أساسية لشراكتهما الاستراتيجية.

إذ ما زالت الفوارق قائمة بين فرنسا والهند فيما يتصل بوجهات نظرهما حيال الحرب في أوكرانيا، وراهناً تحافظ نيودلهي على توازن دبلوماسي بين موسكو والدول الغربية، بعدما أحجمت عن إدانة التدخل العسكري لفلاديمير بوتين في أوكرانيا، فضلاً عن ذلك، برزت الهند باعتبارها مستورداً بارزاً للنفط الروسي بأسعار مخفّضة أثناء أضخم صراع أوروبي منذ الحرب العالمية الثانية. ولقد خضع حياد الهند لتدقيق متكرّر، مع امتناعها مراراً وتكراراً عن التصويت في الأمم المتحدة على إدانة العدوان الروسي في أوكرانيا.

وهنا يقول ساتشديفا: «يكمن الاختبار الحقيقي للتماسك الاستراتيجي بين فرنسا والهند في تقييم كل منهما لكيفية إشراك قوى كبرى أخرى مثيرة للمشاكل، مثل الصين وروسيا، فلطالما تطلعت نيودلهي تاريخياً إلى موسكو لاحتواء النزعة التوسعية لبكين في فنائها الخلفي الآسيوي. لكن أزمة أوكرانيا تسببت في إطلاق شرارة تحولات جيوسياسية هائلة، وهذا يشمل تغيراً في ميزان القوى بين موسكو وبكين، ما يجعل روسيا التي تُفرض عليها عقوبات وتُهمش بشكل متزايد تعتمد على الصين الناشئة... الأمر الذي يضرّ بالهند».

ثم يضيف: «لدى فرنسا تقدير أفضل من البلدان الأوروبية الأخرى لموقف نيودلهي من تلك الحرب». وأيضاً، كانت باريس من المؤيدين الدائمين للحصول على مقعد دائم للهند في مجلس الأمن، ولقد دعمت بقوة مواقف الهند بشأن كشمير والإرهاب في الأمم المتحدة، وكذا لدى هيئات مثل فرقة العمل المعنية بالإجراءات المالية».

ماكرون والصين

وهنا تجدر الإشارة، إلى أن الهند، التي دخلت في مواجهات عسكرية مع بكين في جبال الهيمالايا منذ أبريل (نيسان) 2020، تقرّ بأن علاقاتها مع الصين «غير طبيعية». وفي أبريل أثار الرئيس ماكرون جدلاً كبيراً في العواصم الغربية، لكنه حاز على الثناء من بكين عندما أعاد طرح فكرة الاستقلال الاستراتيجي بعد زيارة الدولة الرسمية لبكين.

كذلك أظهر ماكرون انفتاحاً على توسيع العلاقات التجارية مع الصين، وسعى إلى دور الصين بوصفها وسيطاً في الصراع الأوكراني. وصُورت هذه الزيارة على أنها شكل من أشكال التساهل الفرنسي تجاه بكين. ولكن بخلاف الولايات المتحدة، فإن فرنسا لا تستهدف الصين في علاقاتها بالهند، ولا تعلّق على التوترات الحدودية علناً.

ثم إن نيودلهي أحجمت عن انتقاد ماكرون لزيارته بكين هذا العام. وبدلاً من ذلك، كانت ردود الفعل الهندية معتدلة، عبر عمل نيودلهي وباريس معاً بشكل وثيق في الممارسة العملية على تحقيق التوازن بين منافستهم المشتركة، الصين، في المنطقة. ويشير تحليل نشرته شبكة «فرانس 24» الإخبارية، بقلم ليلى جانكتو، إلى أنه «نظراً لوجود العديد من المصالح المشتركة على المحك، يستطيع مودي الاعتماد على صديقه ماكرون لتفهم موقف نيودلهي من أوكرانيا... وسيطلب مودي من باريس تجنب ضغط على الهند للانضمام إلى الكتلة الغربية، وأن تكون بدلاً من ذلك أكثر حضوراً في منطقة المحيطين الهندي والهادئ في مجموعة «كواد» (التجمع الذي يضم أستراليا والهند واليابان والولايات المتحدة). ويمضي التحليل: «إن موقف الهند التقليدي هو أن الولايات المتحدة ليست شريكاً موثوقاً به، وتتيح مساحة كبيرة لصديقٍ (أي فرنسا) تحتاج إليه. وتدرك الهند أنه إذا كان ثمة تقارب بين أوروبا وروسيا، فإن فرنسا هي التي ستقوده».

التعاون في مجالات الدفاع والطاقة والفضاء

من جانب آخر، لئن كان العامل الصيني سبباً رئيساً لتوثيق العلاقات بين الهند والدول الغربية ومغازلتها للهند، فقد جاءت الحرب الأوكرانية بمثابة جرس إنذار للدول الأوروبية لجهة اعتمادها الاقتصادي الشديد على الصين. وفي المقابل، برزت الهند بوصفها سوقاً حاسمة لتجارة الأسلحة بالنسبة لفرنسا أيضاً. وفي هذه الشراكة المتعددة الأوجه، يمتد التعاون عبر مجموعة واسعة من القطاعات، بما فيها الدفاع، والمناخ، وانتقال الطاقة، والتعاون في مجال الفضاء، والاقتصاد الأزرق، والتعددية، بل حتى مكافحة الإرهاب. وعليه ليس من المستغرب أن تحتل صفقات الدفاع مركز الصدارة؛ نظراً لأن الدفاع كان تقليدياً، والركيزة الأقوى للشراكة بين الهند وفرنسا، وأن فرنسا - كما سبق - هي ثاني أكبر مورد للأسلحة إلى الهند بعد روسيا بنصيب كبير يبلغ 30 في المائة.

مع هذا، فإن الخطط التوسعية للتعاون الدفاعي التي أعلنها مودي وماكرون، تؤكد بُعداً جديداً مهماً لعلاقتهما الثنائية. وهو أن فرنسا تحل محل روسيا باعتبارها ركيزة «الاستقلال الاستراتيجي» للهند. وخلال زيارة مودي الأخيرة، توصل الطرفان بنجاح إلى اتفاقات تتعلق بشراء الهند 26 طائرة مقاتلة من طراز «رافال - مارين» لقواتها البحرية، فضلاً عن البناء المحلي لثلاث غواصات إضافية من طراز «سكوربين» تبلغ قيمتها نحو 10 مليارات دولار. بيد أنه من المهم ملاحظة أن هذه الشراكات لا تنطوي على إدماج القوات أو وضع خطط حربية مشتركة. كذلك يشهد التعاون في مجال انتقال الطاقة تقدماً كاملاً؛ إذ أطلق البلدان عام 2015 التحالف الدولي للطاقة الشمسية الذي تطور ليشمل 100 دولة مختلفة.

العلاقة مع واشنطن

في الوقت نفسه، تربط كل من باريس ونيودلهي علاقات معقدة كثيراً ما يُساء فهمها مع الولايات المتحدة. فالعاصمتان تطمحان إلى درجة من الاستقلال عن سياسات واشنطن، مع إدراكهما أهمية اعتمادهما على القوة الأميركية في دفاعهما وأمنهما. ووفقاً للرئيس الفرنسي، على أوروبا ألا تتورّط في مواجهة أميركا مع الصين بل تحافظ على «استقلالها الاستراتيجي»، بينما هو يحذّر من أن اعتماد أوروبا الأمني على الولايات المتحدة قد يحوّل الدول الأوروبية إلى «تابعين» لواشنطن إذا ما تصاعدت المواجهة بين أميركا والصين. ولذا عمل ويعمل على دفع فكرة أن تكون أوروبا «قوة عظمى ثالثة» مع فرنسا في الصدارة.

الحسابات المشتركة في حوضي المحيطين الهندي والهادئ

> تملك كل من الهند وفرنسا مصالح استراتيجية كبيرة في المحيط الهندي، وتتشاركان المخاوف المتعلقة بتزايد عدوانية الصين في المنطقة. ولقد تفاقم التنافس بين الصين والهند نتيجة للنزاعات الدائرة على طول الحدود في جبال الهيمالايا، الأمر الذي يدفع نيودلهي إلى تحديث قواتها المسلحة بسرعة.

من منظور جغرافي استراتيجي، أثبت مفهوم منطقة المحيطين الهندي والهادئ أنه إطار قيّم للعلاقات المزدهرة بين فرنسا والهند. وتضم هذه المنطقة أيضا 1.5 مليون مواطن فرنسي، إضافة إلى 8000 جندي متمركزين في المنطقة، بحسب وزارة الخارجية الفرنسية.

وحسب الكاتبة الصحافية أيشواريا سانجوكتا روي بروما: «تعد فرنسا، باعتبارها الدولة الوحيدة في الاتحاد الأوروبي التي لديها أراض في منطقة المحيطين الهندي والهادئ، شريكاً مثالياً لتعزيز الوعي بالمجال البحري الهندي في المنطقة. وإلى جانب تعزيز مشاركة الهند في «كواد»، من شأن الشراكة الهندية الفرنسية المساعدة على مراقبة الأنشطة الصينية في المنطقة عن كثب. ومع أن فرنسا قد لا تتمكن من إزالة المخاطر أو الانفصال عن الصين بسبب المصالح التجارية، فإنها ساعدت الهند في تعزيز دفاعها البحري على أساس المعاملات. تماماً كما حدث عام 2021، حين تحوّل الخلاف بين فرنسا والولايات المتحدة والمملكة المتحدة وأستراليا حول الغواصات إلى أزمة دبلوماسية شاملة، ويومها اتصل الرئيس إيمانويل ماكرون برئيس الوزراء ناريندرا مودي هاتفياً.

قوات هندية تشارك في العرض العسكري بجادة الشانزيليزيه (آ ف.ب)

إقرار فرنسي بالمصالح الاقتصادية والجيو ــ ستراتيجية

عدَّ كيه. سي. سينغ، السكرتير السابق في الخارجية الهندية، الاستقبال الفائق لرئيس الوزراء الهندي خلال احتفالات اليوم الوطني الفرنسي، أخيراً، إقراراً بالمصالح الاقتصادية والجيو-ستراتيجية العميقة التي تربط باريس ونيودلهي.

سينغ ذكر أن العلاقة تعود إلى ستينات القرن الماضي، عندما تدخلت فرنسا لمساعدة الهند في مجال الفضاء، وعرضت اليورانيوم المخصّب على مفاعل نووي، ولم يسبق لها أن أملت نصائحها بشأن البرنامج النووي الهندي على عكس الولايات المتحدة والدول الغربية الأخرى.

كانت باريس ونيودلهي على مسار تعاوني هادئ لسنوات، استناداً إلى حس تجاري سليم وتقدير لرفض الآخرين اللعب بسياسات المعسكر. ولذا، على غرار زيارة مودي إلى الولايات المتحدة، كانت رحلته إلى فرنسا أيضاً بشأن توسيع طموح للتعاون الاستراتيجي، والبعث بإشارات مهمة في أوقات دولية عصيبة.


مقالات ذات صلة

سوريا: «مذكرة التفاهم» تنظّم وجود روسيا العسكري... وتفتح الباب على تفاهمات أوسع

حصاد الأسبوع صورة من الجو لقاعدة حميميم الجوية في شمال غربي سوريا، قرب مدينة جبلة (رويترز)

سوريا: «مذكرة التفاهم» تنظّم وجود روسيا العسكري... وتفتح الباب على تفاهمات أوسع

دشّن الإعلان عن التوصل إلى «مذكرة تفاهم» بين دمشق وموسكو تعيد تنظيم وهيكلة الوجود العسكري الروسي على الأراضي السورية، مرحلةً جديدة في علاقات البلدين، تفتح على

رائد جبر (موسكو)
حصاد الأسبوع ردود الفعل على انتخاب جامع رئيساً لمجلس الشعب الصومالي

تكشف عن طبيعة المرحلة المقبلة التي ينتظرها وتنتظره

عبد القادر جامع... «رجل الملفات الشائكة» على رأس مجلس الشعب الصومالي

صعود استثنائي كتبه الصومالي «الأربعيني» عبد القادر محمد نور جامع، في وقت مبكر من شبابه، بين أروقة الدبلوماسية والأمن والسلطة في الصومال، وصولاً للتربع على كرسي

حصاد الأسبوع عناصر من «حركة الشباب» الصومالية الإرهابية (أ.ب)

مجلس الشعب الصومالي... ركيزة حاسمة في فترة عصيبة

مع تصاعد الخلافات بين الحكومة والمعارضة في الصومال، بات «مجلس الشعب» ركيزة أساسية في المشهد السياسي وصنع القرار بالبلاد، بالتزامن مع انتخاب عبد القادر محمد نور

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
حصاد الأسبوع الملك عبدالله الثاني، وبجواره إلى الشمال رئيس الوزراء جعفر حسان ومهند شحادة، وإلى اليمين وليد المصري وعزمي محافظة (الديوان الملكي الأردني)

الأردن: توتر العلاقة بين الحكومة والنواب وصيف ساخن

حالة من الارتباك تعيشها السلطتان الأكثر اشتباكاً (التنفيذية والتشريعية) في الأردن؛ إذ دخلت البلاد في حالة من الترقب وسط مخاوف من تنامي حالة «انعدام الثقة»

محمد خير الرواشدة (عمّان)
حصاد الأسبوع صورة ارشيفية لمركبات تابعة لقوات الـ"يونيفيل" قرب موقع للاحتلال الإسرائيلي بمنطقة كفرشوبا في أقصى جنوب شرقي لبنان (آ ف ب)

كيف تبدّلت قواعد الاشتباك بين إسرائيل و«حزب الله»؟

شهدت الحدود اللبنانية - الإسرائيلية خلال العقدين الماضيين تحوّلاً جذرياً في طبيعة المواجهة بين إسرائيل و«حزب الله». فما أفرزته حرب يوليو (تموز) 2006

«الشرق الأوسط» (بيروت)

سوريا: «مذكرة التفاهم» تنظّم وجود روسيا العسكري... وتفتح الباب على تفاهمات أوسع

صورة من الجو لقاعدة حميميم الجوية في شمال غربي سوريا، قرب مدينة جبلة (رويترز)
صورة من الجو لقاعدة حميميم الجوية في شمال غربي سوريا، قرب مدينة جبلة (رويترز)
TT

سوريا: «مذكرة التفاهم» تنظّم وجود روسيا العسكري... وتفتح الباب على تفاهمات أوسع

صورة من الجو لقاعدة حميميم الجوية في شمال غربي سوريا، قرب مدينة جبلة (رويترز)
صورة من الجو لقاعدة حميميم الجوية في شمال غربي سوريا، قرب مدينة جبلة (رويترز)

دشّن الإعلان عن التوصل إلى «مذكرة تفاهم» بين دمشق وموسكو تعيد تنظيم وهيكلة الوجود العسكري الروسي على الأراضي السورية، مرحلةً جديدة في علاقات البلدين، تفتح على توسيع التعاون في مجالات مختلفة، وإزالة واحدة من العقبات الرئيسية الموروثة من حقبة الرئيس المخلوع بشار الأسد. وفي وقت تعوّل فيه موسكو على استكمال وتسريع مسار تطبيع واسع للعلاقات، يمنح الطرفين الروسي والسوري القدرة على إعادة بنائها، ويضع آليات تتجاوز صعوبات الماضي القريب وتلبي مصالح الطرفين، فإن التحدي الأبرز الذي يواجهه الطرفان، يتمثل في الضغوط الغربية المتواصلة على دمشق لتقليص العلاقات مع روسيا إلى أدنى حد ممكن.

حملت تعليقات الطرفين الروسي والسوري، بعد الإعلان عن توقيع «مذكرة التفاهم» بينهما، تطابقاً في تقييم الوضع على صعيد العلاقات الثنائية، وقناعة بأن من شأن هذه الخطوة الحاسمة إطلاق مرحلة جديدة في علاقات البلدين.

ولكن بينما وصفت وزارة الخارجية السورية التوصل إلى «مذكرة التفاهم» بأنه خطوة «تحسم مصير القاعدتين الروسيتين في حميميم وطرطوس، وترسم ‏ملامح المرحلة المقبلة للعلاقات بين البلدين». قالت موسكو في تعليقها إن التطوّر يمنح العلاقات آفاقاً واسعة تلبي مصالح البلدين.

عملية إعادة تنظيم

بموجب التفاهم، ستبدأ فوراً عملية إعادة تنظيم الوجود الروسي في الساحل السوري، ‏على أن تتولى الدولة السورية إدارة المنشآت ذات الطابع المدني، وفي مقدمها مطار حميميم والرصيف التجاري الرابع في ‏ميناء طرطوس، بما يتيح إدخالهما تدريجياً ضمن منظومة الإدارة المدنية.

أما بالنسبة للقواعد والمنشآت ذات الطابع العسكري، فأفادت المذكرة بأن «الطرفين اتفقا على إعادة ‏صياغة وظيفتها، بحيث تتحوّل من قواعد عسكرية إلى مراكز تدريب وتأهيل مشتركة، ضمن ترتيبات جديدة تحفظ ‏المصالح المتبادلة»‏.

وحدّدت «مذكرة التفاهم» سقفاً زمنياً لا يتجاوز ثلاثة أشهر لاستكمال عملية ‌‏التحويل، لتدخل بعدها الترتيبات الجديدة حيز التنفيذ. ويعد التطور، الخطوة الأبرز منذ بدء المفاوضات قبل نحو عام ونصف عام، ويفتح، كما قال خبراء من الجانبين، «الباب ‏أمام مرحلة مختلفة نوعياً في العلاقات السورية - الروسية».‏

أسئلة حول المستقبل

ووفقاً لخبراء، فإن الإعلان عن توقيع «مذكرة التفاهم» يعكس رغبة متبادلة في «تجاوز الملفات الصعبة في العلاقات، وإيجاد آليات براغماتية لتنظيم العلاقة بشكل يلبي مصالح الطرفين».

لكن كان لافتاً أن المذكرة في بنودها المعلنة لم تحدّد تفاصيل عن طبيعة الوجود الروسي على الأراضي السورية مستقبلاً، سواءً لجهة عديد القوات الروسية المتفق عليه وطبيعة مهامهم وعتادهم والأسلحة التي يمكن أن تبقى في «حميميم» و«طرطوس» مستقبلاً، كما لم تحدد سقفاً زمنياً للتفاهم الجديد. وهذا أمر أثار الكثير من النقاش والتباين في التحليلات بين طرفين رأى أحدهما أن المذكرة تقلّص إلى أدنى درجة النفوذ الروسي في سوريا، وتنهي عملياً حقبة كاملة من «المكاسب» التي حصلت عليها موسكو بسبب تدخلها العسكري في هذا البلد في 2015. في حين يصرّ الموقف الرسمي في البلدين - ومعه فريق واسع من المحللين - على أن التطور «يعيد تنظيم هذا الوجود على أسس جديدة» تأخذ في الاعتبار توافقات موسكو ودمشق على إعادة هيكلة العلاقات بشكل يحفظ مبدأ الاحترام المتبادل للسيادة ويلبي أهداف ومصالح البلدين.

إلغاء الاتفاقيات السابقة

ولكن الثابت، وفقاً لأكثر من خبير، أن توقيع المذكرة «يلغي عملياً الاتفاقات السابقة» التي كانت تنظم وجوداً طويل الأمد، وصفه مسؤولون روس بأنه «إلى الأبد». وهو أيضاً يشطب كل الصلاحيات الواسعة المجحفة التي كان الأسد منحها لموسكو، كالإفادة من المناطق والمنشآت المدنية في محيط القاعدتين، والحصانة الواسعة التي كان يتمتع بها الجنود والضباط الروس على الأرض السورية. بما يعني أن المذكرة لا تعيد فقط تنظيم الوجود الروسي، بل تضع أيضاً هيكلية جديدة له تقوم على إنهاء فكرة «القواعد الروسية»، وتحوّلها إلى مراكز عمل مشتركة تخدم أهداف وتطلعات الطرفين.

توقيع «مذكرة التفاهم» يعكس رغبة متبادلة في «تجاوز الملفات الصعبة في العلاقات

وإيجاد آليات براغماتية لتنظيم العلاقة بشكل يلبي مصالح الطرفين»

ماذا تبقى لموسكو؟

في الواقع، لقاعدة حميميم وميناء طرطوس أهمية استراتيجية خاصة في الساحل السوري؛ إذ يمثل مطار حميميم منشأة جوية رئيسة، بينما يرتبط ميناء طرطوس بالموقع البحري الذي شكّل أحد أبرز أوجه الحضور الروسي في سوريا طوال السنوات الماضية.

وفي حين أن الوجود الروسي الجوي في قاعدة «حميميم» لم تكن له أهمية استراتيجية بالنسبة إلى موسكو إلا في إطار الأهداف العملياتية إبان الحرب السورية، فإن الإطلالة الروسية على البحر المتوسط في قاعدة طرطوس البحرية اكتسبت أهمية استراتيجية كبرى كون الوجود الروسي فيها شكل «حلقة لوجستية» مهمة للغاية لخدمة السفن والأساطيل الروسية التي تتحرّك في المياه الدافئة، ولضمان سلاسل الإمداد والصيانة للسفن التي تنقل المعدات والموارد إلى القارة الأفريقية.

وحقاً، كان الرئيس الروسي فلاديمير بوتين قد قال غير مرة في السابق إن بلاده مستعدة لسحب فوري لقواتها في سوريا «عندما تدعو الضرورة لذلك». وبالفعل، بدأت موسكو سحباً تدريجياً لقواتها منذ خريف عام 2016 عندما أعلنت «انتهاء الجزء النشط من العمليات العسكرية في سوريا». لكن الانسحاب الأوسع جاء مع اندلاع الحرب الأوكرانية؛ إذ نقلت موسكو معدات ثقيلة ووحدات قتالية إلى مناطق أخرى، وعاد جزء كبير منها إلى ساحة المواجهة مع أوكرانيا.

وفي وقت لاحق، عندما أدت التطورات إلى إطاحة نظام الأسد، عمدت موسكو إلى نقل الجزء الأكبر المتبقي في حميميم إلى مطار القامشلي، الذي حوّلته موسكو بالتفاهم مع تركيا والولايات المتحدة إلى قاعدة جوية ضخمة، قبل أن تنسحب منه في مطلع العام استجابة لطلب من القيادة السورية الجديدة.

والحال أن القوات الروسية، التي كانت تنتشر في 114 قاعدة ونقطة ارتكاز على الأرض السورية عشية إطاحة نظام الأسد، قلّصت هذا الوجود إلى أدنى درجة ممكنة، ولم تعد تحتفظ بقوات إلا في القاعدتين الأكبر في حميميم وطرطوس.

وبعد المذكرة الحالية، يرى خبراء أن موسكو ستواصل تقليص حضورها في القاعدة الجوية، التي ستتحول فعلاً إلى مركز تدريب مشترك لم يتضح بعد ما إذا كان الطرفان سيتقاسمان الإدارة والسيطرة فيه.

قاعدة طرطوس

في المقابل، فإن الحاجة للمحافظة على الوجود الروسي في طرطوس، كونها نقطة ارتكاز لوجستية حيوية لحركة السفن الروسية، لم تتراجع. بل ستزداد أهمية بسبب اتساع نطاق الضغوط الغربية على موسكو وعلى تحرّكات الأساطيل الروسية. وتنطلق موسكو، في حال فتح الطرفان جولات مفاوضات جديدة لتحديد الوضع النهائي للوجود العسكري الروسي على الأراضي السورية، من إمكانية العودة إلى اتفاقية مبرمة في عام 1972 تنظم وجوداً محدوداً لروسيا في إطار مركز فني لخدمة وصيانة السفن وإمدادها بالوقود والمستلزمات الأخرى.

انفتاح على تعاون أوسع

في كل الأحوال، رأى خبراء أن من شأن إبرام المذكرة حالياً إزالة عائق رئيس أمام تطوير التعاون في مجالات عدة. وبحسب المستشار المقرّب من الخارجية الروسي، رامي الشاعر، فإن توقيع المذكرة شكّل استجابة عملية لإعلانات الرئيسين فلاديمير بوتين وأحمد الشرع حول وضع «آلية براغماتية» لإعادة رسم ملامح العلاقات على أرضية جديدة، وبما يتفق مع احترام متبادل للسيادة وتعزيز آليات المنفعة المتبادلة.

ورأى الشاعر أن أهمية المذكرة تكمن في كونها تطلق مرحلة جديدة للتفاهم في مجالات عدة. وأشار إلى أن روسيا ساهمت في الماضي في بناء أهم مرافق البنية التحتية، وبخاصة في مجالي الطاقة والزراعة، بالإضافة إلى تجهيز الكوادر في جميع المجالات، فضلاً عن المساهمة في بناء الجيش السوري وتزويده بكل ما يلزم. وزاد أن المذكرة الجديدة تضع أساساً لتطوير التعاون في كل هذه المجالات على أرضية جديدة.

بدوره، رأى رئيس مجلس الأعمال الروسي - السوري لؤي يوسف في توقيع هذه المذكرة «طيّاً لصفحة الماضي، وتحويلاً للعلاقة الثنائية إلى إطار قائم على المصالح المشتركة، وإعادة هيكلة براغماتية للعلاقات الروسية - السورية».

وأردف: «لا كما يروّج البعض من أنَّها انسحاب روسي من سوريا. فكل طرف يسعى للحفاظ على مكاسبه الأساسية ضمن مظلة جديدة».

وتابع أن العلاقة بين موسكو ودمشق تشهد تطوراً مستمراً بعد سقوط نظام الأسد، و«تتعدد المؤشرات على ذلك، ومنها تركيز الرئيسين الشرع وبوتين على تفعيل وتوسيع الدور الاستراتيجي للشركات الروسية وقطاع الأعمال في إعادة الإعمار. وهذا ما نعمل عليه في مجلس الأعمال الروسي - السوري، حيث نخطط لتنظيم منتدى الأعمال الروسي - السوري في نوفمبر (تشرين الثاني) المقبل، بمشاركة الطرف السوري، وبحضور نحو 50 شركة روسية من مختلف المجالات لبحث آفاق التعاون».

تعيين سفير مخضرم

وأشاد الشاعر بتعيين سفير جديد لروسيا في دمشق له خبرة واسعة في الشأن السوري وشؤون المنطقة، وعدَّها خطوة لتنظيم آفاق أوسع للعلاقة والتعاون. وكان بوتين أصدر قبل أيام، مرسوماً يقضي بتعيين الدبلوماسي دميتري دوغادكين سفيراً فوق العادة ومفوضاً للاتحاد الروسي لدى الجمهورية العربية السورية خلفاً للسفير السابق ألكسندر يفيموف.

ويُعدّ دوغادكين دبلوماسياً مخضرماً عمل لسنوات طويلة في المنطقة، وتنقل خلال العقدين الماضيين في مناصب عدة بين مصر وسوريا وسلطنة عمان وقطر، كما تسلم بين عامي 2013 و2017 منصب مدير دائرة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا في الخارجية الروسية، ما منحه خبرة واسعة في شؤون المنطقة واطلاعاً وثيقاً على ملفات العلاقة الروسية العربية عموماً، والعلاقات الروسية السورية على وجه الخصوص.

ويعود دوغاكين، الذي يتقن العربية، إلى سوريا سفيراً، بعدما كان قد عمل في هذا البلد مستشاراً أول ونائباً للسفير الروسي بين عامي 2009 و2013، ما يعني أنه عاصر التطورات العاصفة التي شهدتها البلاد، وتحوّل الحراك الشعبي الذي اندلع في 2011 ضد نظام بشار الأسد إلى مواجهة عسكرية طاحنة، دفعت لاحقاً إلى تدخل روسيا عسكرياً بشكل مباشر في 2015.

ضغوط غربية

في المقابل، يواجه السفير الروسي الجديد لدى سوريا ملفات معقدة وتحديات كبرى. وكان أحدث تطور على هذا الصعيد، الإشارة الأميركية التي تلقتها دمشق بضرورة وقف مشتريات النفط الروسي أو تقليصها إلى أدنى درجة ممكنة. وعمدت موسكو خلال السنة الأخيرة إلى تنشيط صادراتها من النفط والوقود إلى سوريا في إطار تفاهمات مع الحكومة السورية لمساعدتها على تجاوز الصعوبات الاقتصادية والمعيشية. وخلال الأشهر الست الأولى من هذه السنة نشطت موسكو صادراتها بشكل قوي.

وقفزت شحنات النفط الروسي إلى سوريا 75 في المائة لتصل إلى نحو 60 ألف برميل يومياً هذه السنة، وهي نسبة ضئيلة من إجمالي صادرات روسيا النفطية اليومية للعالم، لكنها جعلت موسكو المورّد الرئيس للنفط الخام إلى سوريا. ووفقاً لمصادر محلية فإن هذه الشحنات غطت ما يزيد على ثلث حاجة سوريا من النفط.

كذلك، كان مصدر سوري قد أعلن أن «سوريا تعتمد حالياً على النفط الروسي بدافع الضرورة لا التفضيل». ورد مسؤولون سوريون على الضغوط المتواصلة من جانب واشنطن بالإشارة إلى أنه على الولايات المتحدة رفع تصنيف الدول الراعية للإرهاب، لتتمكن سوريا من تنويع مصادرها في مشتريات النفط. وأبلغ مسؤول سوري في قطاع الطاقة «رويترز» أن دمشق تسعى بالفعل إلى إيجاد مورّدين جدد، وأنه من المتوقع حدوث «تغيير جذري» خلال الفترة القريبة المقبلة.

ولكن، قبل بروز هذا الملف، كانت دمشق تعرضت لضغوط مباشرة لدفعها إلى إبطاء مسار تطبيع العلاقات مع موسكو. ومع أن اللهجة الغربية تراجعت جزئياً في السنة الأخيرة، ظل هذا المطلب مطروحاً على طاولة المباحثات السورية - الأوروبية، والسورية - الغربية عموماً.

رؤية روسية

في مواجهة الضغوط الغربية، تنطلق موسكو من حاجة الطرفين إلى وضع ترتيبات جديدة للعلاقة تلبي مصالحهما. وكانت روسيا أعلنت استعدادها للمساعدة في إعادة تأهيل جزء مهم من البنى التحتية، وخصوصاً تلك التي أسهمت موسكو في السابق بشكل نشط في تشييدها، ويدور الكلام عن شبكة إمدادات الكهرباء وقطاعات عديدة أخرى ما زالت الشركات الروسية تنشط فيها. أيضاً عمدت موسكو إلى دعم دمشق بالمحروقات ومواد أخرى حيوية، وأبدت استعدادها للعمل بشكل غير مباشر على تعويض دمشق من خلال تلميح إلى احتمال إعفائها من الديون الروسية وتنشيط تعاون اقتصادي واستثماري في قطاعات عدة.

وناقش الطرفان الروسي والسوري تطوير التعاون العسكري في سياق حاجة دمشق إلى إعادة تأهيل جيشها.

بدورها، أكدت دمشق رغبتها بإعادة بناء العلاقة مع موسكو على أسس جديدة. ووضعت دمشق العلاقة مع موسكو في إطار الحاجة إلى تنويع العلاقات والإفادة من الانفتاح على كل الأطراف الدولية والإقليمية، لكنها طالبت مراراً بتحرك روسي يدعم مبدأ «العدالة الانتقالية». وبالتالي رغم الانفتاح على العلاقة المتجددة مع موسكو يبقى ملف وجود الرئيس المخلوع ورموز قيادته تحت الحماية الروسية عنصر توتر يعرقل بناء الثقة الكاملة بين الطرفين.

وفي هذا الإطار، فإن الضغوط الغربية المتواصلة على دمشق، تسعى - بين أهداف عدة - إلى عرقلة بناء علاقات متجددة بين موسكو ودمشق. وسارت واشنطن أخيراً خطوات عملية في هذا المجال، ويوم 8 يوليو (تموز)، أبلغ الرئيس الأميركي دونالد ترمب الكونغرس بنيّته شطب سوريا من «قائمة الدول الراعية للإرهاب»، وهو بحاجة لتبرير هذا القرار خلال 45 يوماً. ومع أن هذا القرار لا يرتبط مباشرةً بروسيا، أوضحت واشنطن أخيراً رغبتها في إضعاف علاقات روسيا مع سوريا. وكلف الكونغرس وزارة الحرب (البنتاغون) بدراسة الخيارات المتاحة لتقليص النفوذ الروسي، وضمان انسحاب قواتها من القاعدة البحرية في طرطوس والقاعدة الجوية في حميميم.


عبد القادر جامع... «رجل الملفات الشائكة» على رأس مجلس الشعب الصومالي

ردود الفعل على انتخاب جامع رئيساً لمجلس الشعب الصومالي

تكشف عن طبيعة المرحلة المقبلة التي ينتظرها وتنتظره
ردود الفعل على انتخاب جامع رئيساً لمجلس الشعب الصومالي تكشف عن طبيعة المرحلة المقبلة التي ينتظرها وتنتظره
TT

عبد القادر جامع... «رجل الملفات الشائكة» على رأس مجلس الشعب الصومالي

ردود الفعل على انتخاب جامع رئيساً لمجلس الشعب الصومالي

تكشف عن طبيعة المرحلة المقبلة التي ينتظرها وتنتظره
ردود الفعل على انتخاب جامع رئيساً لمجلس الشعب الصومالي تكشف عن طبيعة المرحلة المقبلة التي ينتظرها وتنتظره

صعود استثنائي كتبه الصومالي «الأربعيني» عبد القادر محمد نور جامع، في وقت مبكر من شبابه، بين أروقة الدبلوماسية والأمن والسلطة في الصومال، وصولاً للتربع على كرسي المنصب الثاني من حيث القوة والنفوذ في هيكل الدولة رئيساً لمجلس الشعب (البرلمان). وهو اليوم يتولّى المنصب في مرحلة مفصلية وسط خلافات سياسية حادة، وترقُّب انتخابات رئاسية وتشريعية في منتصف عام 2027.

يوم 10 أغسطس (آب) 2026، كتب عبد القادر محمد نور جامع، المولود يوم 21 أكتوبر (تشرين الأول) 1985 في مدينة بيدوا الصومالية، مرحلة جديدة في حياته السياسية مع فوزه برئاسة مجلس الشعب، لتنضم هذه المرحلة لسجل حافل بالمناصب والعلاقات المتينة مع القصر الرئاسي ورئيس البلاد حسن شيخ محمود.

في ذلك اليوم، كان جامع وزيراً للموانئ والنقل البحري، واستطاع حصد 142 صوتاً خلال جلسة انتخابية عقدت في مقر البرلمان بالعاصمة مقديشو، عقب شهرين من شغور مقعد رئاسة البرلمان إثر انتخاب رئيسه السابق، الشيخ عدن محمد نور مدوبي، رئيساً لولاية جنوب غربي الصومال في شهر يونيو (حزيران) من عام 2026.

وفي حينه حصد منافسه النائب عبد القادر عمر معلم، أحد أبرز وجوه الموالاة بالبلاد 30 صوتاً فقط، وسط غياب نواب مؤيدين للمعارضة التي ما عادت تعترف بشرعية البرلمان بعد إقرار الدستور في مارس (آذار) الماضي، ومن ثم تمديد فترتي البرلمان والرئاسة سنة حتى منتصف 2027.

اللغة التي قدم بها جامع نفسه بعد الانتخاب توحي بأنه «رجل دولة» يقدّم نفسه لمرحلة تبدو -بحسب مراقبين- مفصلية، مع ارتفاع «لاءات» المعارضة في وجه رئيس البلاد والحكومة الفيدرالية، وتمسّكها برفض الاعتراف به وبالمؤسسة التشريعية. ووفق المراقبين حاول الرجل الابتعاد عن الضغوط السياسية التي قد تستغل «قربه» من الرئيس حسن شيخ محمود.

إنها تقديرات يلخّصها خطاب فوزه، إذ وعد جامع بالتخلي عن مناصبه الحكومية والسياسية، حفاظاً على الحياد الذي يقتضيه منصب رئيس المجلس، وكذلك تعهّد بالتواصل مع النواب المعارضين الذين تغيبوا عن جلسة الانتخابات بسبب الخلافات السياسية.

أيضاً أكد رئيس البرلمان الجديد استعداده للعمل مع نائبي رئيس المجلس واللجان البرلمانية «لأداء عمل البرلمان بشكل كامل». ودعا، بعد أن غدا «الرجل الثاني» في هرم السلطة، إلى الوحدة، والمساواة، مؤكداً أن قيادته «ستسعى إلى تمثيل جميع الصوماليين، ودعم حقوقهم الاجتماعية والسياسية»، وأنه سيعمل على تعزيز التعاون مع مجلس الشيوخ، والمجالس التشريعية للولايات الفيدرالية الصومالية.

سجلّ حافل مع أروقة السلطة

خلف حضور جامع وفوزه الكبير سجل حافل، يشمل دراسته العلوم السياسية في جامعة أنقرة بتركيا بفضل منحة دراسية، وتخرجه عام 2016. وخلال هذه الفترة شغل جامع منصب السكرتير الأول في السفارة الصومالية بأنقرة بين عامي 2012 و2016، وقبل ذلك تولى منصب السكرتير الثاني في السفارة بين 2009 و2012، قبل انضمامه إلى وزارة الخارجية.

أكثر من هذا، شغل جامع منصب نائب مدير وكالة المخابرات والأمن الوطني، والقائم بأعمال المدير بعد استقالة المدير السابق حسن عثمان حسين يوم 13 أكتوبر 2018 وحتى 22 أغسطس 2018. وشغل منصب وزير العدل في الحكومة الفيدرالية الصومالية ما بين 24 أكتوبر 2020 و26 ديسمبر (كانون الأول) 2021. ثم تولّى حقيبة وزارة الدفاع في الفترة ما بين ديسمبر 2021، وحتى مارس من عام 2025، قبل أن يصبح وزيراً للموانئ والنقل البحري، حتى انتخابه الرجل الثاني بالدولة الصومالية.

رئيس مجلس الشعب

من جهة ثانية، تشير تقارير إعلامية محلية تنسب لسيرة جامع الذاتية أنه كان رئيساً للأمن في القصر الرئاسي الصومالي، وإدارة الملفات الشائكة بالدولة. وإبان توليه حقيبة وزارة الدفاع، شارك جامع في توقيع إطار للتعاون الدفاعي والاقتصادي بين الصومال وتركيا عام 2024، بهدف تعزيز التعاون الأمني والدفاعي بين البلدين.

مرحلة مفصلية

ردود الفعل التي لاحقت انتخاب عبد القادر محمد نور جامع رئيساً لمجلس الشعب الصومالي تكشف عن طبيعة المرحلة المقبلة التي ينتظرها وتنتظره، في ظل خلافات سياسية في الصومال جاوزت العامين بشأن الدستور، والعملية الانتخابية، والعلاقات بين الحكومة الفيدرالية وقوى المعارضة.

الرئيس الصومالي حسن شيخ محمود، بطبيعة الحال، هنأ جامع على انتخابه رئيساً جديداً لمجلس الشعب الفيدرالي الصومالي. وأعرب محمود عن تمنياته لرئيس المجلس الجديد بالتوفيق في أداء مسؤولياته الدستورية، مؤكداً أهمية اضطلاع مجلس الشعب بدوره في سنّ القوانين، وتمثيل الشعب، وتعزيز المساءلة داخل مؤسسات الدولة. ومن ثم دعاه إلى قيادة المجلس وفقاً للدستور، وإعطاء الأولوية للوحدة، والتشاور، والمصلحة العامة، مشدداً على أهمية الدور الذي يضطلع به البرلمان في عملية بناء الدولة الصومالية.

ومن جانبه، أعرب رئيس الوزراء حمزة عبدي بري، أيضاً، عن تمنياته لرئيس البرلمان الجديد بالتوفيق في أداء مهامه، «بما يعزز دور البرلمان، ويطور عمله التشريعي والرقابي»، مثمناً أهمية التعاون والتنسيق بين مؤسسات الدولة، ولا سيما الحكومة والبرلمان، بما يساهم في تسريع تنفيذ الخطط والبرامج الوطنية، وخدمة الشعب الصومالي. والخميس، تلقى جامع برقية تهنئة من رئيس البرلمان الأفريقي، فاتح بوطبيق، بمناسبة انتخابه رئيساً للمجلس، متمنياً له التوفيق في مهامه القيادية، وتعزيز دور المؤسسة التشريعية، بحسب «وكالة الأنباء الصومالية الرسمية».

في المقابل، أعلن «مجلس المستقبل الصومالي» المعارض، في بيان، بعد إعلان نتائج انتخابات رئيس البرلمان الفيدرالي، رفضه وإدانته ما وصفه بـ«الانتخاب المزعوم» لرئيس مجلس الشعب الصومالي المنتهية ولايته. واعتبر المجلس، في بيان، أن الولاية الدستورية للبرلمان الفيدرالي الصومالي انتهت يوم 14 أبريل (نيسان) 2026، وبالتالي، ما عاد البرلمان يتمتع بالشرعية الدستورية والسياسية التي تخوله انتخاب رئيس جديد للمجلس، كما أنه لا يملك صلاحية تمديد ولايته.

تحذير من المستقبل

أيضاً اعتبر «المجلس» أن «الطريقة التي استغل بها الرئيس المنتهية ولايته الانتخاب المزعوم، تجسّد مثالاً واضحاً على الخطة التي يسعى -بحسب البيان- إلى اتباعها لإدارة الانتخابات المقبلة للبرلمان الفيدرالي، ورئاسة الجمهورية، من خلال السيطرة على العملية الانتخابية، وإقصاء المنافسين الأقوياء، وتحديد نتائج الانتخابات مسبقاً». هذا، ويتمسك النواب الرافضون المشاركة في جلسات البرلمان بموقفهم حول «انتهاء الولاية الدستورية لمجلس الشعب في أبريل الماضي». ويؤكدون أن مدة ولاية البرلمان محددة بأربع سنوات بموجب الدستور المؤقت المعتمد عام 2012، ولذا فهم غير معترفين بالدستور الجديد الذي سمح بتمديد فترة الرئاسة والبرلمان لمدة عام وذلك لمنتصف 2027.وسط هذا الجدل، تتّجه الأنظار إلى جامع ليس باعتباره ممثلاً لصعود استثنائي في عالم السلطة فقط... بل لمتابعة إدارته للأزمة السياسية باعتباره الرجل الثاني بالدولة، والذي تضعه المعارضة بجوار الرجل الأول رئيس البلاد في خانة «رفض الاعتراف».


مجلس الشعب الصومالي... ركيزة حاسمة في فترة عصيبة

عناصر من «حركة الشباب» الصومالية الإرهابية (أ.ب)
عناصر من «حركة الشباب» الصومالية الإرهابية (أ.ب)
TT

مجلس الشعب الصومالي... ركيزة حاسمة في فترة عصيبة

عناصر من «حركة الشباب» الصومالية الإرهابية (أ.ب)
عناصر من «حركة الشباب» الصومالية الإرهابية (أ.ب)

مع تصاعد الخلافات بين الحكومة والمعارضة في الصومال، بات «مجلس الشعب» ركيزة أساسية في المشهد السياسي وصنع القرار بالبلاد، بالتزامن مع انتخاب عبد القادر محمد نور جامع رئيساً جديداً له يوم 10 أغسطس (آب).

محمود علي كلني، الباحث في الشؤون الأفريقية، قال لـ«الشرق الأوسط» إن تاريخ البرلمان الصومالي مرّ بعدة فترات عصيبة؛ إذ تعود جذوره إلى مرحلة الاستقلال عام 1960، عندما قامت الجمهورية الصومالية على نظام برلماني ومجلس تشريعي عُرف باسم «الجمعية الوطنية». واستمر هذا الوضع خلال عقد الستينات إلى أن أطاح انقلاب عسكري عام 1969 بالنظام المدني، وعندها دخلت البلاد مرحلة مختلفة أصبحت فيها المؤسسة التشريعية خاضعة بصورة أكبر للنظام السياسي القائم.

ثم بعد انهيار الدولة المركزية عام 1991، دخل الصومال مرحلة طويلة من الفراغ المؤسسي والحرب الأهلية، قبل أن تبدأ عملية إعادة بناء الدولة عبر مؤتمرات المصالحة الوطنية. وفي عام 2004، أُنشئ النظام الفيدرالي الانتقالي، ثم جاءت نقطة التحوّل الأساسية، وفق كلني، عام 2012 مع اعتماد الدستور الفيدرالي المؤقت، الذي أعاد تأسيس البرلمان ضمن نظام اتحادي «ثنائي الغرف» يضم «مجلس الشعب» و«مجلس الشيوخ».

اليوم، يتكوّن «مجلس الشعب» الصومالي من 275 نائباً منتخبين بشكل غير مباشر، ويتولّى إلى جانب سنّ التشريعات، مهام الرقابة على الحكومة والمشاركة في عمليات صنع القرار السياسي في البلاد، في حين يتألف «مجلس الشيوخ» الصومالي من 54 عضواً ينتخبون بشكل غير مباشر من قبل مجالس الولايات لمدة 4 سنوات.

بين أبرز مهام البرلمان إقرار الدستور الكامل للبلاد في مارس (آذار) الماضي دون توافق شامل؛ إذ ترفضه المعارضة لعدة أسباب بينها «الحد من صلاحيات الولايات وتعظيم سلطة رئيس البلاد وتمديد فترة البرلمان والرئاسة عاما لتنتهي في منتصف 2027».

وبسبب هذا الموقف فقد البرلمان عملياً اعتراف المعارضة التي يطالب ممثلوها بإجراء انتخابات فورية، في حين تتمسك السلطة بإجراء انتخابات مباشرة من دون الالتزام بالنظام القبلي، الذي تميل إليه المعارضة باعتباره غير ممثل لإرادة جميع المواطنين.

أربعة قتلى من أفراد تنظيم "حركة الشباب" إثر هجوم شنته الحركة في العاصمة الصومالية مقديشو (آ ف ب)

أيضاً واجه البرلمان تحديات أمنية جسيمة في عام 2014، حين شهد هجومين بسيارتين مفخختين في مايو (أيار) ويوليو (تموز)، من جانب انتحاريين في «حركة الشباب» الإرهابية التابعة لتنظيم «القاعدة». وتسبّب الهجوم الأول بمقتل وإصابة 10 على الأقل بينهم نواب وعناصر أمن، وأسفر الحادث لاحقاً عن استقالة وزير الأمن القومي عبد الكريم حسين جوليد.

وعلى الرغم من تراجع الهجمات الإرهابية من «حركة الشباب» ضد مؤسسات الدولة في الآونة الأخيرة، تبقى الخلافات السياسية الهمّ الأكبر عند البرلمان في ظل رفض المعارضة الاعتراف به.

وباعتقاد الباحث محمود علي كلني، فإن البرلمان «نجح في السنوات الأخيرة في أن يصبح لاعباً يستحيل تجاوزه، وركيزة حاسمة في صناعة القرار السياسي، وامتلك أدوات دستورية وتشريعية ورقابية مهمة». غير أنه يستدرك فيقول: «مع هذا، فإنه لم ينجح بعد في ترسيخ نفسه بصورة كاملة كمؤسسة مستقلة عن منطق التوازنات السياسية الضيقة».

ويضيف كلني: «بناءً عليه، مع دخول الصومال مرحلة جديدة من إعادة تعريف النظام الدستوري والانتخابي، ستتحدد أهمية البرلمان؛ ليس بعدد القوانين التي يصدرها، بل بمدى قدرته على بناء توافق سياسي قابل للحياة حيال قواعد تداول السلطة في مرحلة عصيبة بتاريخ البلاد». وبالتالي، إذا ما نجح البرلمان في ذلك، فإنه قد يتحول من ساحة للصراع على الدولة إلى مؤسسة لصناعة الدولة. أما إذا أخفق، فقد يجد الصوماليون أنفسهم أمام دورة جديدة من الأزمات السياسية، يكون البرلمان فيها ليس جزءاً من الحل، بل أحد أهم ميادين الصراع على مستقبل البلاد، كما يرى كلني.

وأخيراً يخلص الباحث والخبير إلى أن القول إن «مستقبل البرلمان الصومالي لن يُحسم داخل قاعة البرلمان وحدها، بل في قدرته على تحقيق المعادلة الأصعب عبر الانتقال من منطق تقاسم السلطة إلى منطق التمثيل السياسي، ومن شرعية التوافق بين النخب إلى شرعية الإرادة الشعبية، من دون أن يؤدي هذا الانتقال إلى تفكيك التوازن الهشّ الذي أبقى الدولة الصومالية موحّدة طوال مرحلة ما بعد الحرب».