مقاطعة المنتجات السويدية... هل تمثل سلاحاً فعالاً ضد «حرق المصحف»؟

عقب دعوة «الأزهر» ومطالبته الدول العربية والإسلامية باستمرارها

الجامع الأزهر في القاهرة (المركز الإعلامي للأزهر)
الجامع الأزهر في القاهرة (المركز الإعلامي للأزهر)
TT

مقاطعة المنتجات السويدية... هل تمثل سلاحاً فعالاً ضد «حرق المصحف»؟

الجامع الأزهر في القاهرة (المركز الإعلامي للأزهر)
الجامع الأزهر في القاهرة (المركز الإعلامي للأزهر)

تتواصل، في عدة دول عربية وإسلامية، مظاهر الاحتجاج على استمرار سماح السلطات السويدية لعدد من المتطرفين بـ«حرق وتدنيس القرآن الكريم»، وتفاوتت تلك المظاهر ما بين التدوين عبر وسائل التواصل الاجتماعي، والدعوة لمقاطعة المنتجات السويدية، في حين اتخذت الاحتجاجات منحى عنيفاً بإقدام متظاهرين عراقيين، الخميس، على اقتحام وإحراق السفارة السويدية في بغداد.

وبدا لافتاً مساندة مؤسسات إسلامية بارزة لخيار مقاطعة المنتجات السويدية في الدول العربية والإسلامية بوصفها أداة للاحتجاج والضغط على السلطات السويدية، فقد حثَّ الأزهر، في بيان أصدره مساء الخميس، الشعوب العربية والإسلامية على الاستمرار بمقاطعة منتجات السويد، معرباً عن إدانته الشديدة لـ«ممارسات ستوكهولم من استفزازات في حق مقدسات الإسلام، تحت شعار حرية التعبير الزائف».

ودعا «الأزهر» جميع الشعوب العربية والإسلامية لـ«الاستمرار في مقاطعة كل المنتجات السويدية نصرةً لله وكتابه الكريم، وأن ينضمّ لهذه الدعوة كل أحرار العالم»، مؤكداً أهمية «استمرار اتخاذ مواقف موحدة وجادّة تجاه سياسات السويد الهمجية والمعادية للإسلام والمسلمين، والتي لا تحترم مقدسات الأديان، ولا تفهم إلا لغة المال والمصالح المادية».

بيان «الأزهر» عزَّز حملات لقيت انتشاراً واسعاً عبر منصات التواصل الاجتماعي لتنظيم حملات مقاطعة للشركات والمنتجات السويدية في الأسواق العربية والإسلامية. ونشر ناشطون على «الإنترنت» قوائم بأسماء تلك المنتجات التي تضم سلعاً غذائية، ومنتجات منزلية، وملابس، وسيارات، وكذلك مواقع وتطبيقات إلكترونية.

وأعادت تلك الحملات التذكير بوقائع مشابهة، عندما نشرت جريدة دنماركية صغيرة في عام 2005، صورة مسيئة للنبي محمد صلى الله عليه وسلم، خرجت بعدها دعوات لمقاطعة المنتجات والبضائع الدنماركية تحولت سريعاً إلى حملة شعبية في كثير من الدول الإسلامية.

ووفق تقديرات اقتصادية آنذاك، أدت حملة مقاطعة البضائع الدنماركية إلى «تكبيد الدنمارك خسائر بلغت 134 مليون يورو؛ أي ما يعادل 170 مليون دولار». وقدَّر مصرف «يسكي بانك» الدنماركي، في تقرير له عام 2006، تكلفة المقاطعة على الاقتصاد الدنماركي بإجمالي 7.5 مليار كورون دانماركي. وتراجعت الصادرات الدنماركية إلى الشرق الأوسط بمقدار النصف، كما تراجعت صادرات الدنمارك إلى المملكة العربية السعودية؛ المستورد الأول في العالم الإسلامي للمنتجات الدنماركية، بنسبة 40 في المائة، في حين انخفضت صادراتها إلى إيران؛ المستورد الثالث في السوق الإسلامية، بنحو 47 في المائة، كما أوقفت ليبيا وسوريا والسودان واليمن استيراد المواد الدنماركية بشكل مفاجئ.

غير أن قيمة الصادرات الدنماركية إلى الدول الإسلامية كانت تبلغ، في ذلك التوقيت، نحو 14 مليار كورون سنوياً، منها 8 مليارات إلى الشرق الأوسط، ما يشكل 3 في المائة فقط من إجمالي الصادرات الدنماركية، ما دفع الحكومة والخبراء الاقتصاديين حينذاك، ومن بينهم كبير الخبراء الاقتصاديين لدى «البنك المركزي الدنماركي» ستين بوسيان، إلى القول إن «الاقتصاد الدنماركي قوي بما فيه الكفاية لمقاومة مقاطعة كاملة من قِبل دول إسلامية».

في المقابل، كانت لدعوات المقاطعة للسلع الفرنسية في الأسواق العربية والإسلامية تأثير أكبر على السياسة الفرنسية، عندما أعلن الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، عام 2020، عدم تراجع بلاده عن نشر رسوم مسيئة للنبي محمد، إذ قال ماكرون، في تغريدة قصيرة، حينها إن بلاده «ستحمل راية العلمانية عالياً، لن نتخلى عن الكاريكاتير». وتعهَّد بمواصلة نشر الكاريكاتير المُسيء، ومحاربة المؤسسات، التي قال إنها «تدعم التطرف في فرنسا».

وفي مواجهة دعوات واسعة لمقاطعة السلع الفرنسية بالأسواق العربية والإسلامية، أصدرت «الخارجية الفرنسية» بياناً دعت فيه، حينها، لـ«التوقف فوراً عن مقاطعة المنتجات الفرنسية»، ووصفت دعوات المقاطعة لهذه المنتجات بأنها «صادرة عن أقلية متطرفة». وطلبت باريس من الدول المعنية «أن تنأى بنفسها عن أية دعوة إلى المقاطعة أو أي هجوم على بلادنا، وأن تحمي شركاتنا وتضمن سلامة مواطنينا في الخارج».

ورفضت السلطات الفرنسية، حينها، الإفصاح عما تكبدته الصادرات الفرنسية إلى الأسواق العربية والإسلامية من خسائر، وأرجعت التراجعات الكبيرة في الاقتصاد الفرنسي، في ذلك العام، إلى تداعيات جائحة فيروس «كورونا»، في حين قدَّرت تقارير اقتصادية صادرات فرنسا إلى دول الشرق الأوسط وشمال أفريقيا بنحو 41 مليار يورو، سنة 2019؛ أي ما يعادل 7.4 في المائة من مجموع صادراتها، وهو ما يبرر الانزعاج الفرنسي من حملات المقاطعة.

ويرى الدكتور إسلام جمال الدين شوقي، الخبير الاقتصادي المصري، عضو «الجمعية المصرية للاقتصاد السياسي»، أن المقاطعة الاقتصادية «باتت (سلاحاً فعالاً) في وقتٍ أصبحت فيه الحروب تُدار بأدوات أخرى غير السلاح التقليدي». ويصف شوقي، لـ«الشرق الأوسط»، دعوات مقاطعة المنتجات السويدية بسبب حرق المصحف الشريف بمثابة «إجراء (حاسم) لوقف هذه الممارسات المسيئة و(غير المقبولة)، والتي لا يمكن تبريرها بأي شكل من الأشكال، أو حتى فكرة السماح بها تحت زعم دعاوى حرية التعبير والرأي».

وحول تقييمه الاقتصادي لدعوات مقاطعة الشركات السويدية، يرى شوقي أنها «سلاح ذو حدَّين»، فمن ناحية، تستخدم المقاطعة بوصفها «أداة ضغط قوية لا يمكن تجاهلها»، لكنها، من جانب آخر، قد تؤدي إلى «الإضرار بوظائف العمال في فروع تلك الشركات بالدول المقاطعة، خصوصاً إذا طال أمد المقاطعة، وقد يتأثر الاقتصاد بشكل غير مباشر عندما يتراجع الطلب على منتجات أو خدمات معينة، ولا سيما إذا لم يكن هناك بديل للمنتجات والخدمات الخاضعة للمقاطعة، كما ستقلُّ الحصيلة الضريبية أيضاً في الدول المقاطعة».

لكن شوقي يعتبر تلك الخسائر المحتملة بمثابة «الدواء المر»، متوقعاً أن تحقق المقاطعة الاقتصادية صداها المطلوب سريعاً، وعندما تعترف السويد، حكومة وشعباً، بالخطأ المرتكب، فعندها سيتم الرجوع للشراء مرة أخرى ولن يفقد العاملون وظائفهم، وستدور العجلة في الشركات مرة أخرى سريعاً. ووفقاً لقاعدة بيانات «الأمم المتحدة» لسنة 2022، فقد بلغ حجم الصادرات السويدية لمعظم الدول العربية نحو 4 مليارات دولار، وتأتي السعودية في المرتبة الأولى للدول المستوردة بقيمة تبلغ نحو 1.3 مليار دولار، تليها مصر بنحو 803 ملايين دولار.

سبب آخر لجدوى المقاطعة الاقتصادية للمنتجات السويدية، يسوقه الدكتور حمادة شعبان، أحد مشرفي «مرصد الأزهر لمكافحة التطرف» في القاهرة، والذي يعتبر حملات المقاطعة الشعبية ومساندة الأزهر لها «أداة احتجاج سلمية ومقبولة لمواجهة الاستفزازات المتواصلة من جانب السلطات السويدية ضد المقدسات الإسلامية».

ويوضح شعبان، لـ«الشرق الأوسط»، أن إظهار حالة الغضب جراء تلك الممارسات «مسألة عفوية وتلقائية»، مشيراً إلى أن المقاطعة يمكن أن تكون «البديل الأكثر فاعلية»، في هذا الصدد باعتبارها «أداة لا تنتهج العنف، لكنها تحقق الضغط المطلوب».

ويستشهد بنجاح دعوات المقاطعة في حالات مشابهة، مثل «الضغط على السلطات الفرنسية في أزمة الرسوم المسيئة للرسول، وكذلك إجبار السلطات الهولندية على منع مسابقة لرسوم مشابهة كان أحد نواب البرلمان الهولندي على وشك تنظيمها»، مضيفاً أنه من الممكن أن تقع بعض الأضرار جراء المقاطعة الاقتصادية؛ لكن تلك الأضرار «تهون بالنظر إلى الهدف الأسمى؛ وهو توصيل صوت الاحتجاج بطريقة حضارية، وبأسلوب تفهمه الدول الغربية التي تضع الاعتبارات الاقتصادية على رأس أولوياتها».

وشدد شعبان على أن الممارسات الاستفزازية بحرق وتدنيس المصحف الشريف تمثل «جريمة مكتملة الأركان، ولا علاقة لها بحرية التعبير»، مشيراً إلى أن الدعم الرسمي السويدي لتلك الممارسات «يمثل خطأ يستوجب رد فعل مناسباً، والمقاطعة من بين تلك الإجراءات».


مقالات ذات صلة

مصر توقع اتفاقاً تاريخياً للترددات مع شركات الاتصالات بقيمة 3.5 مليار دولار

الاقتصاد هواتف محمولة  (رويترز - أرشيفية)

مصر توقع اتفاقاً تاريخياً للترددات مع شركات الاتصالات بقيمة 3.5 مليار دولار

قال مجلس الوزراء المصري، في بيان، السبت، إن القاهرة وقعت صفقة بقيمة 3.5 مليار دولار لتخصيص 410 ميجاهرتز إضافية من الطيف الترددي الجديد لشركات المحمول.

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
شمال افريقيا عبد العاطي خلال مشاركته في حلقة نقاشية بـ«منتدى بليد الاستراتيجي» بالعاصمة السلوفينية ليوبليانا (الخارجية المصرية)

مصر تؤكد أهمية «مفاوضات عُمان» بين إيران وأميركا لاستقرار المنطقة

أعربت مصر عن تقديرها للدور المهم والبنّاء الذي تضطلع به سلطنة عُمان واستضافتها المفاوضات بين الولايات المتحدة وإيران.

«الشرق الأوسط» (القاهرة )
العالم العربي النائبة المصرية أميرة صابر (صفحتها على موقع التواصل الاجتماعي فيسبوك)

مقترح برلماني للتبرع بالجلد يُفجّر جدلاً كبيراً في مصر

نشرت وسائل إعلام مصرية مقترحاً تقدمت به النائبة بمجلس الشيوخ (الغرفة الثانية للبرلمان) أميرة صابر، يهدف تأسيس «بنك وطني للأنسجة البشرية».

أحمد جمال (القاهرة)
شمال افريقيا مطار القاهرة الدولي (وزارة الطيران المدني المصرية)

«طوارئ» في مطار القاهرة بعد حدوث تسريب بمستودع وقود

حالة طوارئ شهدها مطار القاهرة الدولي، بعد تسريب في أحد خطوط تغذية مباني الركاب بالوقود، ما أدى إلى «تأثير جزئي على بعض رحلات الطيران».

«الشرق الأوسط» (القاهرة )
شؤون إقليمية الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي خلال لقاء رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو على هامش اجتماع الجمعية العامة للأمم المتحدة 2017 (رويترز)

انتقادات في القاهرة عقب حديث إسرائيلي عن «تعاظم قدرة الجيش المصري»

نقلت تقارير عبرية تحذيرات لرئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو من قوة الجيش المصري تطرق فيها إلى «ضرورة مراقبته من كثب لضمان عدم تجاوز الحد المعهود».

هشام المياني (القاهرة)

24 قتيلاً بهجوم لـ«الدعم السريع»

الحرب أجبرت الآلاف على الفرار من ولاية الجزيرة إلى ولايات مجاورة (أرشيفية - أ.ف.ب)
الحرب أجبرت الآلاف على الفرار من ولاية الجزيرة إلى ولايات مجاورة (أرشيفية - أ.ف.ب)
TT

24 قتيلاً بهجوم لـ«الدعم السريع»

الحرب أجبرت الآلاف على الفرار من ولاية الجزيرة إلى ولايات مجاورة (أرشيفية - أ.ف.ب)
الحرب أجبرت الآلاف على الفرار من ولاية الجزيرة إلى ولايات مجاورة (أرشيفية - أ.ف.ب)

قُتل 24 شخصاً، بينهم 8 أطفال وعدد من النساء، جراء استهداف «قوات الدعم السريع» عربة نقل كانت تُقلّ نازحين من منطقة دبيكر إلى مدينة الرهد بولاية شمال كردفان، وفق ما أفادت به «شبكة أطباء السودان».

جاء الهجوم على حافلة النازحين في سياق هجمات مختلفة لـ«الدعم السريع» طالت أيضاً مستشفى الكويك العسكري وقافلة إغاثية تابعة لبرنامج الغذاء العالمي في شمال وجنوب إقليم كردفان. وأعربت السعودية عن إدانتها واستنكارها الشديدين لهجمات «قوات الدعم السريع»، وأكدت، في بيان لوزارة خارجيتها، أمس، أن هذه الأعمال لا يمكن تبريرها بأي حال من الأحوال.

وجددت السعودية تأكيد موقفها الداعي إلى وحدة السودان وأمنه واستقراره، ورفضها التدخلات الخارجية واستمرار بعض الأطراف في إدخال السلاح غير الشرعي والمرتزقة والمقاتلين الأجانب، موضحةً أن هذا التدخل يُطيل أمد الحرب.


ليبيا: «الأعلى للقضاء» يرفع تصعيده ضد قرارات «الدستورية»

اختتام مسار الحوكمة في «الحوار المُهيكل» بليبيا الذي ترعاه بعثة الأمم المتحدة (البعثة)
اختتام مسار الحوكمة في «الحوار المُهيكل» بليبيا الذي ترعاه بعثة الأمم المتحدة (البعثة)
TT

ليبيا: «الأعلى للقضاء» يرفع تصعيده ضد قرارات «الدستورية»

اختتام مسار الحوكمة في «الحوار المُهيكل» بليبيا الذي ترعاه بعثة الأمم المتحدة (البعثة)
اختتام مسار الحوكمة في «الحوار المُهيكل» بليبيا الذي ترعاه بعثة الأمم المتحدة (البعثة)

رفع «المجلس الأعلى للقضاء» في ليبيا سقف التصعيد ضد قرارات الدائرة الدستورية في «المحكمة العليا» في طرابلس، بتحذير صارم من «محاولات تسييس الجهاز القضائي»، و«العبث به في هذه المرحلة حساسة»، في بلد يعاني انقساماً سياسياً وعسكرياً مزمناً يكاد يقترب من ساحة القضاء.

جاء موقف «المجلس الأعلى للقضاء» على خلفية قرار الدائرة الدستورية إبطال قانونين أصدرهما مجلس النواب، وتضمنا تعديلات على قانون نظام القضاء، ما يعني سقوط الأساس الدستوري، الذي قام عليه تشكيل المجلس الأعلى للقضاء الحالي، وفقدانه صفته المستمدة من هذا القانون، بما يوجب إعادة تشكيله وفق النصوص السابقة.

ودون حديث مباشر عن «الدائرة الدستورية»، أعرب المجلس، في بيان، مساء الجمعة، عن أسفه لما يحدث على الساحة القضائية، وبخاصة «محاولات البعض للنيل من وحدة واستقلال السلطة القضائية، عبر استخدام أدوات تحسب نفسها على الشأن الدستوري للحلول محل المجلس بمجلس ضرار»، عادّاً أن هدفها «تحقيق غايات لا يمكن القول إلا أنها سياسية وشخصية ضيقة، على نحو يصادر كل ما عداها من سلطات».

وأضاف المجلس موضحاً أنه «حفاظاً على وحدة السلطة القضائية، والتحلي بالمسؤولية ولمصلحة الوطن الكبرى، مارس المجلس أعلى درجات الانضباط فترة من الزمن أمام تعنت مستمر ممن حملوا هذه الغايات لفرض أمر واقع لا نتيجة له»، مشيراً إلى محاولات «العبث بالجهاز في مرحلة حساسة وخطيرة من تاريخ الوطن، في الوقت الذي هو أحوج فيه ما يكون للوحدة دون غيرها».

من جلسة سابقة لمجلس النواب الليبي (المجلس)

وينظر إلى هذا التصعيد على أنه حلقة من صراع قانوني وسياسي بين مجلسي النواب والدولة، انتقل من أروقة السياسة إلى قلب السلطة القضائية، وبينما سعى مجلس النواب عبر حزمة تعديلات قانونية إلى إعادة تشكيل المجلس الأعلى للقضاء، بما يضمن له نفوذاً أكبر على الهيئة القضائية، اعتبر مجلس الدولة أن هذه الخطوة «تسييس» للقضاء.

وأكد «المجلس الأعلى للقضاء» أنه «سيظل الممثل الشرعي الوحيد للهيئات القضائية، ولن يتخلى عن التزامه بوحدة الجهاز وأعضائه تحت أي ضغوط، مع الالتفات عن أي قرارات تصدر عن غيره، وعدم الانصياع لمن عقدوا العزم على التفريط في وحدته بقرارات معدومة».

على صعيد آخر، اختتم مسار الحوكمة في الحوار المُهيكل، الذي ترعاه بعثة الأمم المتحدة، بمناقشة سبل استكمال مجلس المفوضية الوطنية العليا للانتخابات، وتجاوز الجمود المتعلق بالإطار الانتخاب.

وبحث أعضاء المسار في ثاني جولة مداولات مباشرة، على مدى الخمسة أيام، القضايا المتعلقة بتأزم الطريق نحو الانتخابات، بما في ذلك استكمال مجلس المفوضية العليا للانتخابات، والجمود المتعلق بالإطار الانتخابي، مع تقديم توصيات عملية للعمل مع مجلسي النواب والدولة، أو خارجهما لضمان المضي قدماً في العملية السياسية.

وشهدت الجولة تأكيداً من الممثلة الخاصة للأمين العام، هانا تيتيه، على أن هذا الحوار يمثل عملية «ليبية - ليبية»، تهدف لوضع حلول عملية صاغها الليبيون بأنفسهم لمستقبل بلادهم، بعيداً عن كونه هيئة لاختيار حكومة جديدة. كما استندت المداولات بشأن الإطار الانتخابي إلى قوانين لجنة «6+6»، وتوصيات اللجنة الاستشارية، مع التركيز على فهم الضمانات، والمخاوف السياسية الكامنة وراء الخلافات الحالية.

من جانبهم، أشار الأعضاء المشاركون إلى أن الجولة انتقلت من المبادئ العامة إلى التفاصيل الإجرائية، مؤكدين أن حل أزمة الشواغر في مجلس إدارة المفوضية يعد ركيزة أساسية لتعزيز الثقة في أي انتخابات مستقبلية، ومنع تعرضها للطعن أو التعطيل.

من حملة الانتخابات البلدية السابقة (المفوضية)

وفي ختام الجولة، عرض الأعضاء توصياتهم الرئيسية على سفراء وممثلي مجموعة العمل السياسية لعملية برلين، الذين أكدوا دعمهم لخريطة الطريق التي تيسرها البعثة الأممية، على أن يستأنف المسار أعماله في مارس (آذار) المقبل، لمواصلة بناء التوافق حول رؤية وطنية تحقق الاستقرار طويل الأمد.

وجددت البعثة الأممية التأكيد على أن الحوار المُهيكل ليس هيئةً لاتخاذ القرار بشأن اختيار حكومة جديدة، مشيرة إلى أنه يُعنى فقط ببحث توصيات عملية لخلق بيئة مواتية للانتخابات، ومعالجة التحديات الأكثر إلحاحاً في مجالات الحوكمة والاقتصاد والأمن، بهدف تعزيز مؤسسات الدولة. وذلك من خلال دراسة وتطوير مقترحات السياسات والتشريعات لمعالجة محركات الصراع طويلة الأمد، كما أشارت إلى أن عمل الحوار المُهيكل سيهدف إلى بناء توافق في الآراء حول رؤية وطنية، من شأنها أن تعبد الطريق نحو الاستقرار.

وتزامن هذا التطور مع انطلاق عملية الاقتراع، السبت، لانتخابات المجالس البلدية في بلديات تاجوراء، صياد، والحشان، إضافة إلى مركز اقتراع في طبرق، وسط أجواء منظمة وهادئة. وقالت غرفة العمليات الرئيسية بالمفوضية إن عملية الاقتراع تسير وفق الخطة المعتمدة، ودون تسجيل أي عراقيل تُذكر، وفي أجواء تتسم بالانضباط والتنظيم.

وأكدت المفوضية فتح جميع المراكز، وعددها 43 مركزاً تضم 93 مكتب اقتراع، وتميزت هذه الجولة باستخدام تقنية التحقق الإلكتروني (البصمة) في بلدية تاجوراء، في خطوة تستهدف تعزيز الشفافية، ومنع أي محاولات للتزوير.

خوري خلال تفقدها مركزاً للاقتراع في الانتخابات البلدية السبت (البعثة الأممية)

ودعت بعثة الأمم المتحدة جميع الناخبين المسجلين للإدلاء بأصواتهم بهدف المساهمة في بناء حوكمة محلية مسؤولة، فيما زارت نائبة رئيسة البعثة، ستيفاني خوري، مراكز الاقتراع في تاجوراء للاطلاع على عملية التصويت، واستخدام نظام التحقق الإلكتروني من الناخبين.

وتستكمل هذه الانتخابات خطة المفوضية لانتخاب المجالس البلدية على مستوى البلاد، بعد تجاوز بعض العوائق الفنية والقانونية، التي أخرت الاقتراع فيها، كامتداد لنجاح المراحل السابقة، التي نُفذت خلال العامين الماضيين، وأسفرت عن اعتماد نتائج نهائية وتشكيل مجالس منتخبة.


مصر تؤكد أهمية «مفاوضات عُمان» بين إيران وأميركا لاستقرار المنطقة

عبد العاطي خلال مشاركته في حلقة نقاشية بـ«منتدى بليد الاستراتيجي» بالعاصمة السلوفينية ليوبليانا (الخارجية المصرية)
عبد العاطي خلال مشاركته في حلقة نقاشية بـ«منتدى بليد الاستراتيجي» بالعاصمة السلوفينية ليوبليانا (الخارجية المصرية)
TT

مصر تؤكد أهمية «مفاوضات عُمان» بين إيران وأميركا لاستقرار المنطقة

عبد العاطي خلال مشاركته في حلقة نقاشية بـ«منتدى بليد الاستراتيجي» بالعاصمة السلوفينية ليوبليانا (الخارجية المصرية)
عبد العاطي خلال مشاركته في حلقة نقاشية بـ«منتدى بليد الاستراتيجي» بالعاصمة السلوفينية ليوبليانا (الخارجية المصرية)

أعربت مصر عن تقديرها للدور المهم والبنّاء الذي تضطلع به سلطنة عُمان، واستضافتها المفاوضات بين الولايات المتحدة وإيران، مشددة على أنها «سوف تواصل بذل جهودها الحثيثة لخفض التصعيد، ودعم التوصل إلى تسويات تعزّز منظومة الأمن والاستقرار الإقليمي والدولي».

جاءت التأكيدات المصرية خلال اتصالَين هاتفيين لوزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي، السبت، مع كل من وزير خارجية سلطنة عُمان بدر البوسعيدي، والمدير العام للوكالة الدولية للطاقة الذرية رافائيل غروسي.

وانتهت جولة المحادثات النووية غير المباشرة بين الولايات المتحدة وإيران في العاصمة العُمانية مسقط، وقال وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي، إن المحادثات «شهدت أجواء إيجابية للغاية»، مضيفاً أن الجانبين «اتفقا على مواصلة المفاوضات».

وأطلع وزير الخارجية العماني، نظيره المصري، السبت، على مجريات المفاوضات التي تمت في عمان بين الولايات المتحدة وإيران، مثمناً الجهود المصرية الدؤوبة والاتصالات المكثفة التي أجرتها مصر بين الأطراف المعنية على مدار الأسابيع الأخيرة، والتي أسهمت في تقريب وجهات النظر والتمهيد للمفاوضات، مشيداً بـ«التحركات الدبلوماسية المصرية الرامية إلى نزع فتيل الأزمات في المنطقة».

وقال عبد العاطي، خلال الاتصال مع البوسعيدي، إن مصر «ستواصل دعمها الجهود كافّة الرامية إلى خفض التصعيد، والتوصل إلى تسوية توافقية للملف النووي الإيراني تراعي شواغل جميع الأطراف»، مشدداً على «أهمية البناء على ما تحقق في هذه المفاوضات، بغية تحقيق الأمن والاستقرار الإقليميين، وتجنّب المنطقة مخاطر الانزلاق إلى موجات جديدة من عدم الاستقرار».

وزيرا خارجية مصر وإيران خلال لقاء غروسي بالقاهرة في سبتمبر الماضي (الخارجية المصرية)

وأكدت مصر، الجمعة، دعمها الكامل لاستئناف المفاوضات بين الولايات المتحدة الأميركية وإيران، «بوساطة الأشقاء في سلطنة عمان». وشددت على أنه «لا توجد حلول عسكرية لهذا الملف، والسبيل الوحيد للتعامل معه يتمثّل في الحوار والتفاوض، بما يراعي مصالح الأطراف المعنية كافّة».

كما ثمّنت الجهود البنّاءة التي بذلتها كل من المملكة العربية السعودية، وقطر، وتركيا، وسلطنة عمان، وباكستان في هذا الإطار، معربة عن أملها في أن «تُفضي هذه المساعي الصادقة إلى تحقيق اختراق إيجابي، يُسهم في تعزيز فرص الاستقرار والسلام في المنطقة».

كما أشار وزير الخارجية المصري، خلال اتصاله الهاتفي مع غروسي، السبت، إلى استمرار الجهود المصرية الرامية إلى خفض التصعيد في المنطقة، مشدداً على «أهمية مواصلة بذل الجهود الإقليمية والدولية، لخفض حدة التوتر والتصعيد بالمنطقة، والدفع بالحلول الدبلوماسية».

وقادت مصر العام الماضي وساطة بين إيران والوكالة الدولية للطاقة الذرية، انتهت بتوقيع وزير الخارجية الإيراني، ومدير عام الوكالة الدولية، على اتفاق بالقاهرة في التاسع من سبتمبر (أيلول) الماضي، يقضي بـ«استئناف التعاون بين الجانبَين، بما يشمل إعادة إطلاق عمليات التفتيش على المنشآت النووية الإيرانية»، قبل أن تعلن طهران تجميد الاتفاق في نوفمبر (تشرين الثاني) الماضي.

وكان عبد العاطي قد أكد، خلال حلقة نقاشية بـ«منتدى بليد الاستراتيجي» في العاصمة السلوفينية ليوبليانا، مساء الجمعة، «أهمية خفض التصعيد في الإقليم، وتجنّب توسيع دائرة الصراع، وضرورة تغليب الحلول الدبلوماسية والحوار لمعالجة الملفات الخلافية، بما يُسهم في الحفاظ على أمن المنطقة واستقرارها، ومنع انزلاقها إلى مواجهات أوسع».