مقاطعة المنتجات السويدية... هل تمثل سلاحاً فعالاً ضد «حرق المصحف»؟

عقب دعوة «الأزهر» ومطالبته الدول العربية والإسلامية باستمرارها

الجامع الأزهر في القاهرة (المركز الإعلامي للأزهر)
الجامع الأزهر في القاهرة (المركز الإعلامي للأزهر)
TT

مقاطعة المنتجات السويدية... هل تمثل سلاحاً فعالاً ضد «حرق المصحف»؟

الجامع الأزهر في القاهرة (المركز الإعلامي للأزهر)
الجامع الأزهر في القاهرة (المركز الإعلامي للأزهر)

تتواصل، في عدة دول عربية وإسلامية، مظاهر الاحتجاج على استمرار سماح السلطات السويدية لعدد من المتطرفين بـ«حرق وتدنيس القرآن الكريم»، وتفاوتت تلك المظاهر ما بين التدوين عبر وسائل التواصل الاجتماعي، والدعوة لمقاطعة المنتجات السويدية، في حين اتخذت الاحتجاجات منحى عنيفاً بإقدام متظاهرين عراقيين، الخميس، على اقتحام وإحراق السفارة السويدية في بغداد.

وبدا لافتاً مساندة مؤسسات إسلامية بارزة لخيار مقاطعة المنتجات السويدية في الدول العربية والإسلامية بوصفها أداة للاحتجاج والضغط على السلطات السويدية، فقد حثَّ الأزهر، في بيان أصدره مساء الخميس، الشعوب العربية والإسلامية على الاستمرار بمقاطعة منتجات السويد، معرباً عن إدانته الشديدة لـ«ممارسات ستوكهولم من استفزازات في حق مقدسات الإسلام، تحت شعار حرية التعبير الزائف».

ودعا «الأزهر» جميع الشعوب العربية والإسلامية لـ«الاستمرار في مقاطعة كل المنتجات السويدية نصرةً لله وكتابه الكريم، وأن ينضمّ لهذه الدعوة كل أحرار العالم»، مؤكداً أهمية «استمرار اتخاذ مواقف موحدة وجادّة تجاه سياسات السويد الهمجية والمعادية للإسلام والمسلمين، والتي لا تحترم مقدسات الأديان، ولا تفهم إلا لغة المال والمصالح المادية».

بيان «الأزهر» عزَّز حملات لقيت انتشاراً واسعاً عبر منصات التواصل الاجتماعي لتنظيم حملات مقاطعة للشركات والمنتجات السويدية في الأسواق العربية والإسلامية. ونشر ناشطون على «الإنترنت» قوائم بأسماء تلك المنتجات التي تضم سلعاً غذائية، ومنتجات منزلية، وملابس، وسيارات، وكذلك مواقع وتطبيقات إلكترونية.

وأعادت تلك الحملات التذكير بوقائع مشابهة، عندما نشرت جريدة دنماركية صغيرة في عام 2005، صورة مسيئة للنبي محمد صلى الله عليه وسلم، خرجت بعدها دعوات لمقاطعة المنتجات والبضائع الدنماركية تحولت سريعاً إلى حملة شعبية في كثير من الدول الإسلامية.

ووفق تقديرات اقتصادية آنذاك، أدت حملة مقاطعة البضائع الدنماركية إلى «تكبيد الدنمارك خسائر بلغت 134 مليون يورو؛ أي ما يعادل 170 مليون دولار». وقدَّر مصرف «يسكي بانك» الدنماركي، في تقرير له عام 2006، تكلفة المقاطعة على الاقتصاد الدنماركي بإجمالي 7.5 مليار كورون دانماركي. وتراجعت الصادرات الدنماركية إلى الشرق الأوسط بمقدار النصف، كما تراجعت صادرات الدنمارك إلى المملكة العربية السعودية؛ المستورد الأول في العالم الإسلامي للمنتجات الدنماركية، بنسبة 40 في المائة، في حين انخفضت صادراتها إلى إيران؛ المستورد الثالث في السوق الإسلامية، بنحو 47 في المائة، كما أوقفت ليبيا وسوريا والسودان واليمن استيراد المواد الدنماركية بشكل مفاجئ.

غير أن قيمة الصادرات الدنماركية إلى الدول الإسلامية كانت تبلغ، في ذلك التوقيت، نحو 14 مليار كورون سنوياً، منها 8 مليارات إلى الشرق الأوسط، ما يشكل 3 في المائة فقط من إجمالي الصادرات الدنماركية، ما دفع الحكومة والخبراء الاقتصاديين حينذاك، ومن بينهم كبير الخبراء الاقتصاديين لدى «البنك المركزي الدنماركي» ستين بوسيان، إلى القول إن «الاقتصاد الدنماركي قوي بما فيه الكفاية لمقاومة مقاطعة كاملة من قِبل دول إسلامية».

في المقابل، كانت لدعوات المقاطعة للسلع الفرنسية في الأسواق العربية والإسلامية تأثير أكبر على السياسة الفرنسية، عندما أعلن الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، عام 2020، عدم تراجع بلاده عن نشر رسوم مسيئة للنبي محمد، إذ قال ماكرون، في تغريدة قصيرة، حينها إن بلاده «ستحمل راية العلمانية عالياً، لن نتخلى عن الكاريكاتير». وتعهَّد بمواصلة نشر الكاريكاتير المُسيء، ومحاربة المؤسسات، التي قال إنها «تدعم التطرف في فرنسا».

وفي مواجهة دعوات واسعة لمقاطعة السلع الفرنسية بالأسواق العربية والإسلامية، أصدرت «الخارجية الفرنسية» بياناً دعت فيه، حينها، لـ«التوقف فوراً عن مقاطعة المنتجات الفرنسية»، ووصفت دعوات المقاطعة لهذه المنتجات بأنها «صادرة عن أقلية متطرفة». وطلبت باريس من الدول المعنية «أن تنأى بنفسها عن أية دعوة إلى المقاطعة أو أي هجوم على بلادنا، وأن تحمي شركاتنا وتضمن سلامة مواطنينا في الخارج».

ورفضت السلطات الفرنسية، حينها، الإفصاح عما تكبدته الصادرات الفرنسية إلى الأسواق العربية والإسلامية من خسائر، وأرجعت التراجعات الكبيرة في الاقتصاد الفرنسي، في ذلك العام، إلى تداعيات جائحة فيروس «كورونا»، في حين قدَّرت تقارير اقتصادية صادرات فرنسا إلى دول الشرق الأوسط وشمال أفريقيا بنحو 41 مليار يورو، سنة 2019؛ أي ما يعادل 7.4 في المائة من مجموع صادراتها، وهو ما يبرر الانزعاج الفرنسي من حملات المقاطعة.

ويرى الدكتور إسلام جمال الدين شوقي، الخبير الاقتصادي المصري، عضو «الجمعية المصرية للاقتصاد السياسي»، أن المقاطعة الاقتصادية «باتت (سلاحاً فعالاً) في وقتٍ أصبحت فيه الحروب تُدار بأدوات أخرى غير السلاح التقليدي». ويصف شوقي، لـ«الشرق الأوسط»، دعوات مقاطعة المنتجات السويدية بسبب حرق المصحف الشريف بمثابة «إجراء (حاسم) لوقف هذه الممارسات المسيئة و(غير المقبولة)، والتي لا يمكن تبريرها بأي شكل من الأشكال، أو حتى فكرة السماح بها تحت زعم دعاوى حرية التعبير والرأي».

وحول تقييمه الاقتصادي لدعوات مقاطعة الشركات السويدية، يرى شوقي أنها «سلاح ذو حدَّين»، فمن ناحية، تستخدم المقاطعة بوصفها «أداة ضغط قوية لا يمكن تجاهلها»، لكنها، من جانب آخر، قد تؤدي إلى «الإضرار بوظائف العمال في فروع تلك الشركات بالدول المقاطعة، خصوصاً إذا طال أمد المقاطعة، وقد يتأثر الاقتصاد بشكل غير مباشر عندما يتراجع الطلب على منتجات أو خدمات معينة، ولا سيما إذا لم يكن هناك بديل للمنتجات والخدمات الخاضعة للمقاطعة، كما ستقلُّ الحصيلة الضريبية أيضاً في الدول المقاطعة».

لكن شوقي يعتبر تلك الخسائر المحتملة بمثابة «الدواء المر»، متوقعاً أن تحقق المقاطعة الاقتصادية صداها المطلوب سريعاً، وعندما تعترف السويد، حكومة وشعباً، بالخطأ المرتكب، فعندها سيتم الرجوع للشراء مرة أخرى ولن يفقد العاملون وظائفهم، وستدور العجلة في الشركات مرة أخرى سريعاً. ووفقاً لقاعدة بيانات «الأمم المتحدة» لسنة 2022، فقد بلغ حجم الصادرات السويدية لمعظم الدول العربية نحو 4 مليارات دولار، وتأتي السعودية في المرتبة الأولى للدول المستوردة بقيمة تبلغ نحو 1.3 مليار دولار، تليها مصر بنحو 803 ملايين دولار.

سبب آخر لجدوى المقاطعة الاقتصادية للمنتجات السويدية، يسوقه الدكتور حمادة شعبان، أحد مشرفي «مرصد الأزهر لمكافحة التطرف» في القاهرة، والذي يعتبر حملات المقاطعة الشعبية ومساندة الأزهر لها «أداة احتجاج سلمية ومقبولة لمواجهة الاستفزازات المتواصلة من جانب السلطات السويدية ضد المقدسات الإسلامية».

ويوضح شعبان، لـ«الشرق الأوسط»، أن إظهار حالة الغضب جراء تلك الممارسات «مسألة عفوية وتلقائية»، مشيراً إلى أن المقاطعة يمكن أن تكون «البديل الأكثر فاعلية»، في هذا الصدد باعتبارها «أداة لا تنتهج العنف، لكنها تحقق الضغط المطلوب».

ويستشهد بنجاح دعوات المقاطعة في حالات مشابهة، مثل «الضغط على السلطات الفرنسية في أزمة الرسوم المسيئة للرسول، وكذلك إجبار السلطات الهولندية على منع مسابقة لرسوم مشابهة كان أحد نواب البرلمان الهولندي على وشك تنظيمها»، مضيفاً أنه من الممكن أن تقع بعض الأضرار جراء المقاطعة الاقتصادية؛ لكن تلك الأضرار «تهون بالنظر إلى الهدف الأسمى؛ وهو توصيل صوت الاحتجاج بطريقة حضارية، وبأسلوب تفهمه الدول الغربية التي تضع الاعتبارات الاقتصادية على رأس أولوياتها».

وشدد شعبان على أن الممارسات الاستفزازية بحرق وتدنيس المصحف الشريف تمثل «جريمة مكتملة الأركان، ولا علاقة لها بحرية التعبير»، مشيراً إلى أن الدعم الرسمي السويدي لتلك الممارسات «يمثل خطأ يستوجب رد فعل مناسباً، والمقاطعة من بين تلك الإجراءات».


مقالات ذات صلة

مصر: مدبولي يلوّح بإجراءات استثنائية «تدريجية» حال استمرار حرب إيران

شمال افريقيا مدبولي خلال مؤتمر صحافي السبت لاستعرض مستجدات الحرب الإيرانية (مجلس الوزراء المصري)

مصر: مدبولي يلوّح بإجراءات استثنائية «تدريجية» حال استمرار حرب إيران

أكدت الحكومة المصرية أنها «تتبع (سياسة التدرج) في اتخاذ القرارات؛ لضمان عدم تحميل المواطن أعباء إضافية، أو تغيير نمط الحياة المعتاد قدر الإمكان».

«الشرق الأوسط» (القاهرة )
شمال افريقيا رئيس الوزراء المصري في لقاء سابق مع مديرة صندوق النقد الدولي (مجلس الوزراء المصري)

هل تضطر مصر لتمديد اتفاقها مع «صندوق النقد»؟

تثير التداعيات الاقتصادية للحرب الإيرانية على مصر، تساؤلات بشأن مدى لجوء القاهرة لتمديد اتفاقها مع صندوق النقد الدولي، بعد انتهاء «الاتفاق» بنهاية العام الحالي.

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
شمال افريقيا الحكومة المصرية قررت إغلاق المقاهي والكافيهات مبكراً ابتداء من السبت (وزارة التنمية المحلية)

قرارات «الإغلاق المبكّر» بمصر تُدخل عُمال المساء في «دائرة الخطر»

قرر رئيس الوزراء المصري، مصطفى مدبولي، السبت، تفعيل منظومة العمل عن بُعد يوم الأحد أسبوعياً اعتباراً من الأسبوع المقبل.

أحمد عدلي (القاهرة )
شمال افريقيا مقر البرلمان المصري في العاصمة الإدارية الجديدة (وزارة الشؤون النيابية والقانونية)

اعتذار برلمانيين مصريين عن لقاء مدبولي في مكتبه يثير تباينات

أثار اعتذار برلمانيين مصريين عن لقاء رئيس الوزراء، مصطفى مدبولي، في مكتبه، تباينات بين أعضاء بمجلس النواب (الغرفة الأولى للبرلمان).

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
شمال افريقيا رئيس الوزراء المصري مصطفى مدبولي (مجلس الوزراء المصري)

الحكومة المصرية توسّع استثناءات قرار «الإغلاق المبكر»

وسَّعت الحكومة المصرية من استثناءات قرار «الإغلاق المبكر» للمحال العامة والمراكز التجارية والمطاعم.

«الشرق الأوسط» (القاهرة)

الجزائر تودع اليامين زروال... جنرال المرحلة الانتقالية و«رجل المواجهة مع الإنقاذ»

الرئيس الجزائري الأسبق اليامين زروال يدلي بصوته في انتخابات البرلمان عام 1997 (أرشيفية - أ.ف.ب)
الرئيس الجزائري الأسبق اليامين زروال يدلي بصوته في انتخابات البرلمان عام 1997 (أرشيفية - أ.ف.ب)
TT

الجزائر تودع اليامين زروال... جنرال المرحلة الانتقالية و«رجل المواجهة مع الإنقاذ»

الرئيس الجزائري الأسبق اليامين زروال يدلي بصوته في انتخابات البرلمان عام 1997 (أرشيفية - أ.ف.ب)
الرئيس الجزائري الأسبق اليامين زروال يدلي بصوته في انتخابات البرلمان عام 1997 (أرشيفية - أ.ف.ب)

يجسّد الرئيس الجزائري الأسبق اليامين زروال، الذي توفي ليل السبت-الأحد عن عمر ناهز 84 سنة، لدى غالبية الجزائريين سيرة رجل زاهد في السلطة، سيّر البلاد في أحلك ظرف مرّت به في تاريخها.

أما بالنسبة لخصومه الإسلاميين، فقد ارتبط اسمه بالمشاركة في تكريس «الانقلاب على الشرعية»، عندما حرم الجيش «الجبهة الإسلامية للإنقاذ» من الوصول إلى السلطة مطلع تسعينات القرن الماضي.

توفي اليامين زروال بالمستشفى العسكري بالعاصمة، حيث نُقل على جناح السرعة قبل يومين من منزله بمدينة باتنة (400 كلم شرق العاصمة)، إثر تدهور حالته الصحية.

الرئيس تبون عند وصوله إلى المستشفى العسكري حيث توفي الرئيس الراحل زروال (الرئاسة)

ووفقاً لمصادر صحافية من باتنة، فإن تشييع جنازته سيكون ظهر الاثنين بمسقط رأسه، وذلك خلافاً لما جرى مع الرؤساء السابقين الذين دُفنوا في «مقبرة العالية» بالعاصمة. وأكدت المصادر ذاتها أن اختيار مكان دفنه بناءً على رغبته الشخصية، كما أنه عندما غادر السلطة في 1998 رفض الإقامة في السكن الرسمي الذي تخصصه الدولة للرؤساء السابقين.

ونعت الرئاسة الجزائرية زروال، بينما أقرّ رئيس البلاد عبد المجيد تبون حداداً وطنياً لثلاثة أيام على كامل التراب الوطني، وفي الممثليات الدبلوماسية بالخارج، مع تنكيس العلم الوطني.

وتم إلقاء النظرة الأخيرة على جثمان الرئيس الراحل، الأحد، في الإقامة الرسمية (قصر الشعب) بالعاصمة، بحضور الرئيس تبون ورئيس أركان الجيش الفريق أول سعيد شنقريحة، والوزير الأول سيفي غريب وأعضاء الحكومة، وكبار المسؤولين المدنيين والعسكريين، والسفراء والقناصل الأجانب المعتمدين في الجزائر.

عبد المجيد تبون وقائد الجيش أسعيد شنقريحة أمام جثمان الرئيس الراحل اليامين زروال (الرئاسة)

واحتفظ الراحل زروال بصداقة قوية مع الرئيس تبون، الذي كان يتواصل معه ويزوره للاطمئنان على صحته، وفق ما نقلت «وكالة الأنباء الألمانية».

وتولَّى الراحل زروال، بعد الاستقلال، مسؤوليات عدة في الجيش الجزائري، قبل أن يتم اختياره قائداً للمدرسة العسكرية في باتنة، ثم للأكاديمية العسكرية في شرشال غربي العاصمة، وتولَّى قيادة النواحي العسكرية السادسة والثالثة والخامسة. بعد ذلك تم تعيينه قائداً للقوات البرية في قيادة الأركان.

واستقال من الجيش عام 1989 إثر خلاف مع رئيس الجمهورية الراحل الشاذلي بن جديد (1979-1992)، حول مخطط لتحديث الجيش، ورغم ذلك عُيِّن سفيراً في رومانيا عام 1990، قبل أن يستقيل من منصبه بعد عام واحد فقط. ليُعيَّن في 10 يوليو (تموز) 1993 وزيراً للدفاع الوطني. ثم أصبح رئيساً للدولة لتسيير شؤون البلاد طوال المرحلة الانتقالية، في 30 يناير (كانون الثاني) 1994.

ويعد زروال أول رئيس للجمهورية في الجزائر انتخب في استحقاق تعددي، وذلك في 16 نوفمبر (تشرين الثاني) 1995، رغم شكوك المعارضة في نزاهة العملية الانتخابية. وأعلن في 11 سبتمبر (أيلول) 1998 إجراء انتخابات رئاسية مبكرة، ليغادر رئاسة الجمهورية في 27 أبريل (نيسان) 1999، تاركاً المنصب لخلفه الراحل عبد العزيز بوتفليقة.

وتهاطلت بيانات التعازي والتعبير عن المواساة من الطبقة السياسية في الساعات الأولى من الأحد. وأكد «التجمع الوطني الديمقراطي»، وهو الحزب الذي كان زروال أحد مؤسسيه عام 1997، في بيان، أن الجزائر «فقدت برحيله أحد أبنائها البررة، ورجلاً من رجال الدولة الذين خدموا الوطن بإخلاص وتفانٍ، وتركوا بصمات راسخة في مسار بناء الدولة الجزائرية».

وأفادت «جبهة التحرير الوطني» (الحزب الواحد سابقاً)، في بيان، أن زروال «كان رمزاً من رموز الوطنية الصادقة، ورجل دولة حكيماً، أسهم بحنكة ومسؤولية في قيادة البلاد خلال مرحلة دقيقة من تاريخها، وساهم في إرساء مسار الوئام الوطني حفاظاً على وحدة الجزائر واستقرارها». مبرزاً أن «رحيل هذا الرجل العظيم يُعد خسارة جسيمة للجزائر، التي فقدت أحد أبنائها البررة الذين أحبّوها بصدق وأخلصوا لها العطاء».

من جهتها، أشارت «حركة البناء الوطني» إلى «الظروف التي دفعت الرئيس الراحل لحمل همّ الدولة بكل صدق مسهماً في صون مؤسساتها وتعزيز استقرارها، مستنداً إلى حس وطني عالٍ وروح مسؤولية راسخة، عرفه الجزائريون بوصفه رجل دولة متزناً متسامحاً، زاهداً، وفياً لمبادئه، بإرادة ثابتة تجعل مصلحة الوطن فوق كل اعتبار»، في إشارة إلى قبوله عرض قيادة الجيش، رئاسة الدولة عام 1994 في وقت كانت المعركة ضارية مع الجماعات الإسلامية المتشددة.

الرئيسان الراحلان اليامين زروال وعبد العزيز بوتفليقة (حسابات ناشطين سياسيين)

ووفق البيان، «ترك الراحل إرثاً من المواقف التي ستبقى شاهدة على إخلاصه وتفانيه في خدمة الجزائر، وسيظل حضوره في الذاكرة الوطنية مرتبطاً بقيم التضحية والحوار والدفاع عن السيادة من أجل المصلحة العليا للبلاد».

ويجمع السياسيون والمثقفون، ومعهم عامة الشعب، على نظافة الذمة المالية للرئيس زروال، وعلى كونه حالة نادرة في الترفع عن صراعات مراكز القوى التي شهدتها البلاد في التسعينات.

وبهذا الخصوص كتب صحافي الإذاعة العمومية زين شرفاوي: «قد نختلف على نقاط عديدة طبعت فترة حكمه، بجوانبها الإيجابية والسلبية، لكن لا يمكننا الاختلاف على أن الرجل كان شجاعاً ووطنياً مخلصاً؛ فقد قَبِلَ تحمل المسؤولية في وقت كان الجميع يرفضها. لقد كانت البلاد تمر حينها بأخطر وأحلك مرحلة منذ الاستقلال: إرهاب في غاية العنف، مشهد سياسي فوضوي، وانهيار اقتصادي شامل، إلى درجة أن الدولة كانت تجد صعوبة في دفع أجور العمال والموظفين، لا سيما بعد سقوط أسعار النفط إلى ما دون 11 دولاراً للبرميل. كما يجب أن نُقر للرئيس زروال بفضله في العمل على تحديد الولايات الرئاسية بعهدتين فقط في دستور 1996، وهو ما يعد دليلاً بلا شك على أنه لم يكن يرغب في البقاء طويلاً في السلطة، وهي صفة نادرة في دول الجنوب».


«مسيّرات» طرفي النزاع تحصد عشرات السودانيين

لقطة من فيديو متداول لآثار المعارك في الدلنج السبت
لقطة من فيديو متداول لآثار المعارك في الدلنج السبت
TT

«مسيّرات» طرفي النزاع تحصد عشرات السودانيين

لقطة من فيديو متداول لآثار المعارك في الدلنج السبت
لقطة من فيديو متداول لآثار المعارك في الدلنج السبت

قتلت «مسيّرات» تابعة لطرفَي النزال في السودان؛ الجيش و«قوات الدعم السريع»، عشرات المواطنين وجرحت آخرين، خلال عمليات عسكرية استهدفت مناطق سيطرة كل منهما، فيما قال الجيش السوداني إنه تصدى لهجوم كبير شنته قوات «تأسيس»، المكونة من «الدعم السريع» و«الحركة الشعبية»، على مدينة الدلنج في ولاية جنوب كردفان.

وقال شاهد عيان لـ«الشرق الأوسط» إن 18 شخصاً قتلوا، و54 أصيبوا؛ 10 منهم إصاباتهم «خطيرة»، في قصف من سرب «مسيّرات» تابع للجيش السوداني قرب مدينة الدبيبات، حاضرة محلية القوز في ولاية جنوب كردفان السبت.

وأوضح الشاهد أن الحادث وقع بالقرب من بلدة السعاتة الجزائر، واستهدف مواطنين يستقلون سيارات ودراجات نارية كانوا في طريقهم إلى مدينة الأبيض، فأطلقت عليهم «المسيّرات» قذائفها؛ ما أدى إلى مقتل بعضهم وجرح آخرين، نقلوا إلى «مستشفى الأبيض» لتلقي العلاج.

ورجّح الشاهد أن مشغلي «المسيّرات» ظنوا سيارات المواطنين ودراجاتهم رتلاً تابعاً لـ«قوات الدعم السريع»، فأطلقوا عليهم نيرانها، وقال: «بسبب الأوضاع الأمنية المتوترة في المنطقة، فإن المواطنين درجوا على السفر في أفواج تتجنب الطرق الرئيسية، وتختار طرقاً فرعية للوصول إلى وجهاتهم».

سودانيون يدعون لأرواح ضحايا هجوم بطائرة مسيّرة في ولاية جنوب كردفان (أرشيفية - رويترز)

وسيطرت «قوات الدعم السريع» على مدينة الدبيبات أول مرة في مايو (أيار) 2025، لكن الجيش استعاد السيطرة عليها في الشهر نفسه، ثم تبادل الطرفان مزاعم السيطرة على المدينة، قبل أن تستعيدها «قوات الدعم السريع» في نهاية يناير (كانون الثاني) الماضي، وظلت تسيطر عليها حتى الآن.

النيل الأبيض

وفي ولاية النيل الأبيض، جنوب وسط البلاد، استهدفت «قوات الدعم السريع» مدينتَي كوستي والدويم بـ«المسيّرات». وقال شاهد إن إحدى «المسيّرات» حاولت استهداف مقر قيادة «الفرقة 18 مشاة» التابعة للجيش في مدينة الدويم، لكنها سقطت في أحد أحياء المدينة القريبة، فأصابت امرأة واحدة نُقلت للمستشفى لتلقي العلاج، بينما سقطت أخرى قرب «جسر الدويم» وأصابت سيارة نقل مياه، من دون تفاصيل عن حالة سائقها.

واستهدفت «مسيّرة» أخرى مدينة كوستي؛ ثانية مدن النيل الأبيض. وقال مواطنون، لـ«الشرق الأوسط»، إنهم سمعوا دوي انفجارين هائلين في الساعات الأولى من صباح الأحد، أصاب الناس بحالة من الهلع والخوف، من دون وقوع إصابات بين المدنيين.

ومنذ أشهر، تشهد ولاية النيل الأبيض هجمات متكررة من «مسيّرات» تابعة لـ«قوات الدعم السريع»، تستهدف مقار عسكرية في عدد من مدن الولاية، خصوصاً كوستى والدويم وربك والقطينة، بيد أن بعض القذائف و«المسيّرات» الانقضاضية كانت أحياناً تسقط قريباً من الأحياء السكنية.

الجيش السوداني

من جهته، قال الجيش السوداني، في بيان رسمي، إن قواته خلال 24 ساعة، سطرت ما سماها «ملحمة بطولية»، تصدت قواته خلالها لهجوم شنته «قوات الدعم السريع» على مدينة الدلنج؛ ثانية مدن ولاية جنوب كردفان.

وفق البيان، فإن قوات الجيش خاضت معركة شرسة ألحقت خلالها بـ«قوات الدعم السريع» خسائر فادحة في الأرواح والعتاد، ودمرت فيها 36 عربة قتالية، واستولت على 4 عربات بكامل عتادها، وقتلت العشرات من القوات المهاجمة.

وقال الجيش إن «قوات الدعم السريع» أصيبت بانهيار كامل بسبب «الضربات المركزة»، وإن من تبقى منهم لاذ بالفرار. وأضاف: «ما تحقق في الدلنج يؤكد وحدة الإرادة بين القوات المسلحة والمواطنين».

هجوم «تأسيس»

وكانت قوات تحالف «تأسيس»؛ المكونة من «قوات الدعم السريع» و«الحركة الشعبية لتحرير السودان - الشمال»، قد هاجمت مدينة الدلنج السبت، من 3 محاور قتالية. ووقتها ذكرت منصات «الدعم السريع» أنها توغلت في مناطق تبعد كيلومترات قليلة عن «اللواء 54 مشاة» التابع للجيش السوداني.

عناصر تابعون لـ"الدعم السريع" (فيسبوك)

اشتداد الهجمات

ومنذ أكثر من عام ظلت مدينة الدلنج، التي تبعد نحو 110 كيلومترات عن مدينة كادوقلي عاصمة ولاية جنوب كردفان، تخضع لحصار «قوات الدعم السريع»، قبل أن تكسر قوات من الجيش حصار المدينة في 26 يناير الماضي.

ومنذ كسر الحصار عن المدينة، دأبت «قوات الدعم السريع» على قصفها بالمدفعية والطائرات المسيّرة، مستهدفة مواقع الجيش، و«اللواء 54» بالمدينة، و«الفرقة 14 مشاة» في العاصمة كادوقلي، ومواقع عسكرية بمدن وبلدات أخرى في الولاية.

واشتدت وتيرة الهجمات المتبادلة بـ«المسيَّرات» بين الجيش السوداني و«الدعم السريع» خلال الأيام الماضية، في إقليمَي دارفور وكردفان؛ مما أدى إلى سقوط مئات القتلى والجرحى؛ غالبيتهم من المدنيين، وكان حادث قصف مستشفى «الضعين» بولاية شرق دارفور، الذي راح ضحيته عشرات المواطنين، أحد أكبر الأحداث مأساوية في الآونة الأخيرة.


وفاة الرئيس الجزائري الأسبق اليامين زروال

الرئيس الجزائري الأسبق اليامين زروال يدلي بصوته في انتخابات البرلمان عام 1997 (أرشيفية - أ.ف.ب)
الرئيس الجزائري الأسبق اليامين زروال يدلي بصوته في انتخابات البرلمان عام 1997 (أرشيفية - أ.ف.ب)
TT

وفاة الرئيس الجزائري الأسبق اليامين زروال

الرئيس الجزائري الأسبق اليامين زروال يدلي بصوته في انتخابات البرلمان عام 1997 (أرشيفية - أ.ف.ب)
الرئيس الجزائري الأسبق اليامين زروال يدلي بصوته في انتخابات البرلمان عام 1997 (أرشيفية - أ.ف.ب)

نعت الرئاسة الجزائرية رئيس الجمهورية الأسبق، اليامين زروال، الذي توفي مساء أمس (السبت) عن 84 عاماً، بينما أقرَّ رئيس البلاد عبد المجيد تبون، حداداً وطنياً لثلاثة أيام على كامل التراب الوطني وفي الممثليات الدبلوماسية بالخارج، مع تنكيس العلم الوطني.

وكشف بيان مقتضب للرئاسة الجزائرية عن أن زروال توفي بالمستشفى العسكري «محمد الصغير نقاش» بالعاصمة الجزائرية مساء أمس (السبت) بعد صراع مع مرض عضال.

واحتفظ الراحل زروال، بصداقة قوية مع الرئيس الحالي عبد المجيد تبون، الذي كان يتواصل معه ويزوره للاطمئنان على صحته، وفق ما نقلت «وكالة الأنباء الألمانية».

وتولَّى الراحل زروال، بعد الاستقلال، مسؤوليات عدة في الجيش الجزائري، قبل أن يتم اختياره قائداً للمدرسة العسكرية في باتنة شرق الجزائر، ثم للأكاديمية العسكرية في شرشال، وتولَّى قيادة النواحي العسكرية السادسة والثالثة والخامسة. بعد ذلك، تم تعيينه قائداً للقوات البرية في قيادة الأركان.

واستقال من الجيش عام 1989 إثر خلاف مع رئيس الجمهورية الراحل الشاذلي بن جديد، حول مخطط لتحديث الجيش، ورغم ذلك عُيِّن سفيراً في رومانيا عام 1990، قبل أن يستقيل من منصبه بعد عام واحد فقط. ليُعيَّن في 10 يوليو (تموز) 1993 وزيراً للدفاع الوطني. ثم أصبح رئيساً للدولة لتسيير شؤون البلاد طوال المرحلة الانتقالية في 30 يناير (كانون الثاني) 1994.

ويعد زروال، أول رئيس للجمهورية في الجزائر انتخب بطريقة ديمقراطية في 16 نوفمبر (تشرين الثاني) 1995، رغم شكوك المعارضة في نزاهة العملية الانتخابية. وأعلن زروال، في 11 سبتمبر (أيلول) 1998، إجراء انتخابات رئاسية مبكرة، ليغادر رئاسة الجمهورية في 27 أبريل (نيسان) 1999، تاركاً المنصب لخلفه الراحل عبد العزيز بوتفليقة.