وزير التجارة السعودي: لا متاجرة في الأراضي الصناعية.. ووزير العمل: هاجسنا بطالة النساء

انطلاق المنتدى الوطني الثاني لسيدات الأعمال في الرياض مساء أمس

الأميرة لولوة الفيصل والدكتور مفرج الحقباني وزير العمل ورئيس لجنة الاقتصاد والطاقة صالح الحصيني ووزير التجارة والصناعة فوزان الربيعة ورئيس الجلسة طلعت حافظ خلال جلسة من المنتدى أمس («الشرق الأوسط»)
الأميرة لولوة الفيصل والدكتور مفرج الحقباني وزير العمل ورئيس لجنة الاقتصاد والطاقة صالح الحصيني ووزير التجارة والصناعة فوزان الربيعة ورئيس الجلسة طلعت حافظ خلال جلسة من المنتدى أمس («الشرق الأوسط»)
TT

وزير التجارة السعودي: لا متاجرة في الأراضي الصناعية.. ووزير العمل: هاجسنا بطالة النساء

الأميرة لولوة الفيصل والدكتور مفرج الحقباني وزير العمل ورئيس لجنة الاقتصاد والطاقة صالح الحصيني ووزير التجارة والصناعة فوزان الربيعة ورئيس الجلسة طلعت حافظ خلال جلسة من المنتدى أمس («الشرق الأوسط»)
الأميرة لولوة الفيصل والدكتور مفرج الحقباني وزير العمل ورئيس لجنة الاقتصاد والطاقة صالح الحصيني ووزير التجارة والصناعة فوزان الربيعة ورئيس الجلسة طلعت حافظ خلال جلسة من المنتدى أمس («الشرق الأوسط»)

أكد وزير التجارة والصناعة السعودي أن بلاده تمنع بشكل كامل المتاجرة في الأراضي الصناعية التي تقدمها هيئة المدن الصناعية في البلاد، وذلك في وقت دعا فيه متحدثون، عبر المنتدى الوطني الثاني لسيدات الأعمال السعوديات، إلى إنشاء مظلة جديدة تعنى بسيدات الأعمال في البلاد. فيما أكد وزير العمل السعودي، خلال المنتدى، أن بطالة النساء باتت من أهم المشكلات التي تحتاج إلى تضافر الجهود.
وتأتي هذه التأكيدات في الوقت الذي انطلقت فيه مساء أمس الثلاثاء فعاليات المنتدى الوطني الثاني لسيدات الأعمال في العاصمة السعودية الرياض، وهو المنتدى الذي ينظمه مجلس الغرف السعودية تحت رعاية خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبد العزيز، وذلك لمناقشة الاستثمارات النسائية في المملكة وسبل تنميتها، بمشاركة واسعة من سيدات الأعمال من داخل المملكة وخارجها.
وفي الجلسة الأولى من المنتدى، دعت الأميرة لولوة الفيصل، نائبة رئيسة الجامعة والمشرفة العامة على جامعة «عفت» السعودية، إلى إنشاء مظلة جديدة تعنى بسيدات الأعمال السعوديات، مقترحةً في الوقت ذاته تدريس مادة جديدة في التعليم العام تعنى بريادة الأعمال، مؤكدة أن المملكة بدأت تحقق خطوات ملموسة نحو تنويع الاقتصاد، وتقليل الاعتماد على النفط.
من جهته، أكد الدكتور توفيق الربيعة، وزير التجارة والصناعة في السعودية، أن نحو 11.4 في المائة من إجمالي السجلات التجارية في السعودية تقع تحت ملكية سيدات الأعمال. وقال: «نجحنا من خلال الأنظمة الإلكترونية في تسهيل إجراءات استخراج السجلات التجارية إلى 180 ثانية، ولا يتبقى للحضور الشخصي في تأسيس الشركات على سبيل المثال سوى إجراءات وزارة العدل، وأعتقد أننا ماضون نحو أن تكون جميع الإجراءات إلكترونية خلال السنوات المقبلة».
ولفت الدكتور الربيعة، خلال حديثه في الجلسة الأولى من منتدى سيدات الأعمال، أمس، إلى أن تسهيل إجراءات اعتماد العلامة التجارية في السعودية قاد إلى نمو نسبة اعتماد العلامات التجارية بنحو 42 في المائة، وقال: «أطلقنا رقم اتصال موحدا لقطاع الأعمال، بهدف استقبال المشكلات التي يواجهها قطاع الأعمال والمساهمة في إيجاد حلول لها».
وبيّن وزير التجارة والصناعة السعودي أن إجراءات الإعفاء الجمركي باتت ضمن دائرة الخدمات الإلكترونية، مضيفا: «لدينا اليوم نحو 6900 مصنع في السعودية، باستثمارات يبلغ حجمها نحو تريليون ريال (266.6 مليار دولار)، ويعمل في هذه المصانع نحو 935 ألف شخص، كما أن نسبة نمو المصانع في السعودية تبلغ حاليًا نحو 6.2 في المائة».
وأشار الربيعة إلى أن 40 في المائة من العمالة في المصانع السعودية يعملون في منشآت منطقة الرياض، فيما تستحوذ المنطقة الشرقية على 60 في المائة من استثمارات المصانع السعودية، في وقت تشكل فيها نسبة القوى العاملة نحو 25 في المائة من إجمالي العاملين في المصانع المحلية في البلاد.
وشدد الدكتور الربيعة على أن الأنظمة الحالية تحد بشكل كبير جدًا من المتاجرة في الأراضي الممنوحة من هيئة المدن الصناعية لمستثمري القطاع، وقال «لدينا اليوم نحو 34 مدينة صناعية، والأراضي متوافرة، وتقدمها هيئة المدن الصناعية للمستثمرين وفق إجراءات معينة، ولا نسمح بالمتاجرة بها».
وبيّن الدكتور الربيعة أن هيئة المدن الصناعية نجحت في بناء نحو 604 مصانع في السعودية، مبينًا أنه بحسب الخطط الحالية من المتوقع أن يبلغ عدد المصانع بحلول عام 2020 نحو ألفي مصنع، مضيفًا في الوقت ذاته: «هناك نحو 150 مصنعا في السعودية يعمل فيها نساء، بواقع 5.3 ألف عاملة».
وكان الدكتور توفيق الربيعة، وزير التجارة والصناعة السعودي، قال في مستهل كلمته الافتتاحية إن المنتدى يهدف إلى التعريف بالواقع الفعلي للاستثمارات النسائية في المملكة والفرص المتاحة لها للقيام بدورها المأمول منها في التنمية، مشيرا إلى أن المنتدى يسلط الضوء على التحديات والعقبات التي تواجهها سيدة الأعمال وكيفية التغلب عليها، بالإضافة إلى توعية سيدات الأعمال بالقرارات والأنظمة التي من شأنها تسهيل كل الإجراءات اللازمة والقرارات الخاصة بالمرأة لمساعدتها على الاستثمار.
وأضاف الربيعة: «المنتدى يهدف إلى الاطلاع على التجارب النسائية الناجحة محليا ودوليا في مجال الاستثمارات، وتوعية سيدات الأعمال بأهمية التكامل والاندماج بين المشاريع الاستثمارية النسائية، بالإضافة إلى اقتراح حزمة من الآليات التي يمكن أن تسهم في تحفيز وتشجيع المرأة السعودية للدخول إلى عالم الاستثمار بكل اقتدار».
وأعرب الربيعة عن أمله في أن تكون ريادة الأعمال فكرا وسلوكا يتبناهما القطاعان العام والخاص، وذلك بما ينسجم مع جهود الدولة نحو دعم أصحاب الشركات الناشئة، وتوفير البيئة الاستثمارية المناسبة لشباب وشابات الوطن، حتى يصبحوا رواد أعمال يوفرون الفرص الوظيفية لهم ولغيرهم من أبناء وبنات الوطن، باعتبارهم شريحة مهمة لمستقبل الاقتصاد الوطني والتنمية الاجتماعية.
من جهة أخرى، دعا الدكتور مفرج الحقباني، وزير العمل في السعودية، سيدات الأعمال في البلاد إلى توظيف المرأة السعودية. وقال: «معدل البطالة الحالي بين السعوديات يبلغ نحو 32.8 في المائة، وهي نسبة مرتفعة للغاية بلا شك، وعليه فإن دور سيدات الأعمال في توظيف المرأة السعودية يلتقي كثيرًا مع جهود وزارة العمل في هذا الشأن».
ولفت الدكتور الحقباني إلى أن وزارة العمل السعودية تعمل حاليًا على توسيع دائرة توظيف المرأة السعودية عن بُعد. وقال «نعمل مع شركائنا في القطاع الخاص على زيادة حجم الفرص الوظيفية المتاحة أمام المرأة السعودية، خصوصًا ما يتعلق بالوظائف التي يمكن إشغالها عن بُعد».
إلى ذلك، قال الدكتور عبد الرحمن الزامل، رئيس مجلس الغرف السعودية: «على الرغم من تطور بيئة الأعمال المحلية فإنها لا تزال بحاجة إلى المزيد من التطوير والتحسين، وهو ما نلمسه من جهود دؤوبة وقرارات إيجابية لخادم الحرمين الشريفين ومتخذي القرار، خاصة بعد الخطوة الرائعة بإنشاء المجلس الاقتصادي للتنمية برئاسة سمو ولي ولي العهد».
وأضاف الزامل في الوقت ذاته: «قطاع الاستثمارات لديه قواسم مشتركة في الاستفادة من الدعم والحوافز التي تقدمها الدولة، ومواجهة الصعوبات، لذا فإننا نواجه تحديات مشتركة تتطلب التعاون المعرفي على المستوى المؤسسي»، معربًا عن أمله في أن يسهم المنتدى في تبادل الخبرات والتعاون المعرفي والفني بين أصحاب وصاحبات الأعمال بهدف الارتقاء بقطاع الاستثمارات النسائية الذي يمكن أن يسهم بشكل أكبر في التنمية الاقتصادية وزيادة فرص العمل للمرأة.



إصلاحات تنظيمية وتمويلية تقفز بتملُّك المنازل في السعودية إلى 66 % خلال عقد

أحد مشاريع الشركة الوطنية للإسكان في السعودية (واس)
أحد مشاريع الشركة الوطنية للإسكان في السعودية (واس)
TT

إصلاحات تنظيمية وتمويلية تقفز بتملُّك المنازل في السعودية إلى 66 % خلال عقد

أحد مشاريع الشركة الوطنية للإسكان في السعودية (واس)
أحد مشاريع الشركة الوطنية للإسكان في السعودية (واس)

أسهمت جهود الحكومة السعودية مستندةً إلى برنامج الإسكان، أحد برامج «رؤية 2030»، في تسريع وتيرة التملك، بعدما اختُصرت فترات الانتظار الطويلة إلى إجراءات ميسّرة مدعومة بحلول تمويلية مبتكرة، ومنصات رقمية متكاملة. ونتيجة لذلك، ارتفعت نسبة تملّك الأسر بشكل ملحوظ لتصل إلى نحو 66 في المائة خلال عقد واحد، في مؤشر واضح على فاعلية السياسات المتبعة، وقدرتها على تحقيق الاستقرار، وتعزيز جودة الحياة.

وشهد القطاع العقاري والإسكاني في المملكة تحولاً نوعياً خلال السنوات الماضية، مدفوعاً بمستهدفات «رؤية 2030»، وتدخلات الحكومة الأخيرة التي وضعت تملّك المواطنين للمساكن في صدارة أولوياتها التنموية، مع حزمة واسعة من الإصلاحات التنظيمية، والتشريعية، إلى جانب تطوير منظومة التمويل العقاري، وتوسيع الخيارات السكنية، وتمكنت الدولة خلالها من إعادة تشكيل السوق العقارية لتصبح أكثر توازناً وكفاءة في تلبية الطلب المتزايد.

ومهدت «رؤية 2030» الطريق لإصلاح البيئة التنظيمية والتشريعية للقطاع العقاري والإسكان، بهدف إيجاد حلول للتحديات التي مرَت على هذه المنظومة، في إدراك للقيمة الاجتماعية والاقتصادية للعقار.

ووضعت مستهدفاً طموحاً، وهو رفع نسبة تملك الأسر السعودية لمنازلهم، لتنتج خلال 5 أعوام فقط من رفع النسبة من 47 في المائة إلى 60 في المائة بنهاية 2020.

ضبط العلاقة الإيجارية

نجحت «رؤية 2030» في إعادة صياغة المشهد العقاري والإسكاني بالمملكة، محولة القطاع من مرحلة التحديات الهيكلية المتمثلة في فجوة العرض والطلب وطول فترات الانتظار، إلى منظومة متينة ومبتكرة تواكب المتغيرات المتسارعة. وبحلول عام 2025، أثبتت السياسات الإسكانية كفاءتها عبر اختصار رحلة المستفيد من انتظار دام لسنوات إلى دعم فوري مكن أكثر من 851 ألف أسرة من امتلاك منازلها.

كما أن محدودية الحلول والخيارات العقارية بطأت نمو المعروض، الأمر الذي استدعى تدخلاً تشريعياً وتنظيمياً يستفيد من التحول الرقمي، ورغبة الناس في بذل الخير، والمساهمة الاجتماعية.

مشروع «نساج تاون» في ضاحية الواجهة بالدمام وهو أحد مشاريع برنامج سكني بالشراكة مع القطاع الخاص (واس)

وبرز الاهتمام بمعالجة التشوهات في السوق العقارية عبر مجموعة من التوجيهات، بهدف تحقيق التوازن بين الطلب والعرض، ومن ذلك التوجيهات الصادرة للمنظومة في الرياض، والتي شملت توجيهاً بمضاعفة مشروعات الإسكان شمال العاصمة للضعفين، ورفع الإيقاف عن تطوير أكثر من 81 كيلومتراً مربعاً من الأراضي في شمال المدينة، والعمل على توفير أراضٍ سكنية مخططة ومطورة للمواطنين بعدد ما بين 10 إلى 40 ألف قطعة سنوياً خلال الـ5 سنوات بأسعار لا تتجاوز 1500 ريال للمتر المربع.

وأصدرت الموافقة على الأحكام النظامية الخاصة بضبط العلاقة بين المؤجر والمستأجر بالرياض، بالإضافة إلى التعديلات على نظام رسوم الأراضي البيضاء، والتوجيه برصد ومراقبة أسعار العقار في العاصمة، والمدن الأخرى، والرفع بتقارير دورية.

واستمر تنفيذ القطاع العقاري خلال العام الماضي، بما يسهم في إيجاد سوق حيوية وجاذبة، عبر التوسع في العمل على ضمان شمولية وتكامل بيانات الأراضي، والممتلكات، ليتخطى مؤشر «نسبة تغطية الأراضي والممتلكات في المملكة» مستهدفه البالغ 45 في المائة، محققاً ما نسبته 53 في المائة.

القروض العقارية

ونتيجةً لهذه الإجراءات المتتالية وجهود الـ10 أعوام الماضية منذ إطلاق «رؤية 2030»، تمكنت السعودية من تحقيق 66.24 في المائة نسبة تملّك المواطنين للمساكن خلال العام السابق، ووصول إجمالي قيمة القروض العقارية القائمة للأفراد أكثر من 907 مليارات ريال (241 مليار دولار) في الربع الثالث من 2025، وبلوغ عقود المنتجات السكنية لأكثر من مليون عقد، ومنتج الأراضي بما يزيد عن 74 ألف عقد.

وبالنسبة لعقود منتج البناء الذاتي فقد تجاوزت 286 ألفاً في العام المنصرم، ومنتج الوحدات الجاهزة بما يزيد عن 534 ألف عقد، أما نصيب عقود منتج البيع على الخريطة فقد تجاوز 114 ألف عقد.

البيئة التنظيمية والتشريعية

وازدادت قدرة المنظومة الإسكانية والعقارية على توفير الحلول المتنوعة، مستفيدة من البيئة التنظيمية والتشريعية، لتصبح هناك منتجات متنوعة شملت الأراضي، والبيع على الخريطة، والوحدات الجاهزة، والبناء الذاتي، ويحفز ذلك منصات رقمية تسهل تجربة الوصول إليها، إلى جانب منظومة تمويلية تعمل وفق ضوابط متوازنة، لتقليل الأعباء المالية على الأسر.

وأصبح أثر السياسات في الإسكان والعقار واضحاً، بتمكين الأسر السعودية من تسهيلات غير مسبوقة، إذ اختصرت رحلة المؤهلين للاستفادة من الدعم السكني المتمثل في التمويل العقاري، من انتظار يستغرق عدة سنوات إلى دعم يحصل عليه المواطن في غضون وقت قصير، ليشهد عدد الأسر التي امتلكت منازلها زيادة ملحوظة وصلت إلى أكثر من 851 ألف أسرة بنهاية العام الفائت لترتفع بدورها نسبة امتلاك المنازل.


«الفيدرالي» في «اجتماع الوداع»: بين نيران «هرمز» وصراع الاستقلالية

باول في مؤتمر صحافي عقب اجتماع لجنة السياسة النقدية في مارس الماضي (رويترز)
باول في مؤتمر صحافي عقب اجتماع لجنة السياسة النقدية في مارس الماضي (رويترز)
TT

«الفيدرالي» في «اجتماع الوداع»: بين نيران «هرمز» وصراع الاستقلالية

باول في مؤتمر صحافي عقب اجتماع لجنة السياسة النقدية في مارس الماضي (رويترز)
باول في مؤتمر صحافي عقب اجتماع لجنة السياسة النقدية في مارس الماضي (رويترز)

يتجه مجلس «الاحتياطي الفيدرالي» نحو عقد اجتماع تاريخي يوم الأربعاء المقبل، في لحظة توصف بأنها «منعطف السيادة والرحيل»؛ إذ يُفترض أن يكون هذا الاجتماع هو الأخير الذي يترأسه جيروم باول قبل انتهاء ولايته في منتصف مايو (أيار) المقبل.

ويأتي هذا الوداع المرتقب يومي 28 و29 أبريل (نيسان) وسط أجواء مشحونة تضع المؤسسة النقدية الأقوى في العالم في عين عاصفة مزدوجة؛ حيث تتقاطع نيران الحرب المشتعلة في الشرق الأوسط مع صراعات النفوذ السياسي داخل واشنطن، مما يجعل قرار تثبيت أسعار الفائدة المتوقع في نطاق 3.50 في المائة إلى 3.75 في المائة مجرد قشرة خارجية لتعقيدات أعمق بكثير.

لقد بات المشهد الاقتصادي الذي يغادر فيه باول منصبه محكوماً بجغرافيا سياسية متفجرة، بعدما تسببت المواجهات العسكرية في مضيق هرمز في إرباك سلاسل الإمداد العالمية ورفع تكاليف الطاقة إلى مستويات حرجة. هذا الواقع الجيوسياسي الجديد أعاد إحياء شبح التضخم الذي قفز في مارس (آذار) الماضي إلى 3.3 في المائة، مما أجبر «الاحتياطي الفيدرالي» على التخلي عن خطط التيسير النقدي والتمسك بسياسة «الانتظار والترقب». وبدلاً من أن ينهي باول حقبته بانتصار ناجز على الغلاء، يجد نفسه مضطراً لترك الدفة وسط «صدمة طاقية» تعصف بميزانيات المستهلكين والشركات على حد سواء، مما يجعل أي حديث عن خفض قريب للفائدة أمراً سابقاً لأوانه.

مبنى «الاحتياطي الفيدرالي» (رويترز)

أما على الصعيد القانوني والسياسي في واشنطن، فلم تكن رحلة الخروج لباول أقل تعقيداً، إذ عاشت أروقة «الفيدرالي» حالة من «الحصار السياسي» نتيجة الضغوط المستمرة من البيت الأبيض، والتي بلغت ذروتها في التحقيقات التي طالت تكاليف تجديد المقر الرئيسي للبنك. ورغم أن الأيام القليلة الماضية شهدت انفراجة مشوبة بالحذر بقرار وزارة العدل الأميركية إسقاط التحقيق الجنائي وإحالته إلى المفتش الداخلي، إلا أن هذه «المناورة» تركت أثراً عميقاً في علاقة البنك بالسلطة التنفيذية، خصوصاً بعدما وصفها باول سابقاً بأنها وسيلة ضغط سياسي واضحة.

إن هذا التحول في الموقف القانوني قد يمهد الطريق لانتقال أكثر سلاسة للسلطة النقدية، ويزيل حجر العثرة أمام تأكيد خليفته المرتقب كيفين وارش في مجلس الشيوخ، خاصة بعدما رهن مشرعون بارزون موافقتهم بإنهاء هذا الملف القضائي المثير للجدل. وتترقب الأسواق الآن المؤتمر الصحافي لباول، ليس فقط لسماع قراءته للأرقام، بل لاستنباط موقفه النهائي وحسم التكهنات حول ما إذا كان سيغادر مجلس المحافظين بالكامل، أم سيبقى عضواً حتى عام 2028 لضمان انتقال آمن وصون استقلالية القرار النقدي في وجه الهجوم العنيف الذي تتعرض له المؤسسة.

وارش يؤدي اليمين الدستورية خلال جلسة استماع أمام لجنة الشؤون المصرفية في مجلس الشيوخ (أ.ب)

في المقابل، يبرز اسم كيفين وارش كخليفة يتأهب لقيادة «ثورة تصحيحية» داخل «الفيدرالي»، واعداً بتغيير جذري في طريقة تواصل البنك مع الأسواق وتقليص ميزانيته العمومية المتضخمة. هذا الانتقال من «عهد باول» إلى «عهد وارش» يمثل نقطة تحول جوهرية في الفكر النقدي الأميركي؛ حيث يسعى وارش إلى تقليل الاعتماد على «التوجيهات المستقبلية» المفصلة والعودة إلى نهج أكثر حزماً تجاه التضخم.

وبينما يطوي باول أوراقه في هذا الاجتماع الأخير، يظل السؤال المعلق في فضاء الاقتصاد العالمي: هل سيتمكن «الفيدرالي» من الحفاظ على بوصلته المستقلة وسط هذه الرياح العاتية، أم أن «نظاماً جديداً» قد بدأ يتشكل بالفعل تحت ضغط الأزمات الدولية والتقلبات السياسية؟


«رؤية 2030» تُعيد تعريف ثروات السعودية من مورِّد للنفط إلى مركز عالمي للطاقة

إحدى محطات الطاقة الشمسية في السعودية (واس)
إحدى محطات الطاقة الشمسية في السعودية (واس)
TT

«رؤية 2030» تُعيد تعريف ثروات السعودية من مورِّد للنفط إلى مركز عالمي للطاقة

إحدى محطات الطاقة الشمسية في السعودية (واس)
إحدى محطات الطاقة الشمسية في السعودية (واس)

لم تكتفِ السعودية بما حققته على مدى عقود من مكانة راسخة بوصفها المورِّد الأكثر موثوقية للطاقة في العالم، بل آثرت أن تُعيد النظر في علاقتها بثرواتها، وأن تسأل سؤالاً مختلفاً: كيف نجعل ما لدينا يعمل بأقصى طاقته؟ في عالم يتغيّر بسرعة.

كان ذلك جوهر ما جاءت به «رؤية 2030»، حين رأت في تنويع مصادر الطاقة وتعظيم قيمة النفط والغاز فرصاً ثمينة لتحقيق مزيد من الازدهار، مواكبةً للمتغيرات البيئية التي يشهدها العالم. وكانت أولى العلامات الدالة على هذا التحول إعادةُ تسمية وزارة البترول والثروة المعدنية لتصبح وزارة الطاقة، في إشارة واضحة إلى توسيع الأفق من النفط والغاز وحدهما إلى منظومة طاقة شاملة تضم المتجددة في صميمها.

أرض مؤهلة بطبيعتها

لم يكن الاختيار بلا دراسة. فالمملكة تمتلك من الممكِّنات الجغرافية ما يجعلها في مكانة تنافسية استثنائية؛ مناخ يُساعد على نجاح مشروعات الطاقة الشمسية، ومساحات شاسعة ملائمة لمشروعات طاقة الرياح، وتنوع جغرافي يُسهم في تنمية طاقة الهيدروجين، كل ذلك مدعوماً بقدرات استثمارية وخبرات بحثية متراكمة.

على هذه الأرض الخصبة، انطلقت سلسلة من المبادرات والمشروعات؛ إذ أُطلق البرنامج الوطني للطاقة المتجددة، ومبادرة خادم الحرمين الشريفين للطاقة المتجددة، وأُسس المركز الوطني لبيانات الطاقة المتجددة، لتتبعها مشروعات الطاقة الشمسية وطاقة الرياح بهدف تعزيز كفاءة توليد الكهرباء.

والنتيجة أرقام تتحدث بوضوح: ارتفعت الطاقة الإنتاجية لتوليد الكهرباء من المصادر المتجددة من 3 غيغاواط عام 2020 إلى 46 غيغاواط عام 2025. وبلغ إجمالي المشروعات المرتبطة بهذا القطاع 64 مشروعاً تتوزع بين 40 مشروعاً للطاقة الشمسية، و9 مشروعات لطاقة الرياح، و15 مشروعاً لتخزين الطاقة.

الهيدروجين: الرهان الكبير

في قلب مدينة نيوم، يُولد مشروعٌ لا مثيل له على وجه الأرض؛ إنه مشروع الهيدروجين الأخضر، الأكبر والأول من نوعه عالمياً، بطاقة إنتاجية تبلغ 600 طن من الهيدروجين الأخضر يومياً.

ولدعم هذا التوجُّه، انطلقت المرحلة الأولى من مركز ينبع للهيدروجين الأخضر، مزوَّداً بمنشآت لتوليد الكهرباء من مصادر متجددة، ومحطات لتحلية المياه، ووحدات للتحليل الكهربائي، ومنشآت لتحويل الهيدروجين إلى أمونيا خضراء، فضلاً عن محطة تصدير مخصصة.

مدينة «أوكساجون» في السعودية (نيوم)

سباق البطاريات... والمملكة تقترب من الصدارة

الأرقام في قطاع تخزين الطاقة لا تقل إثارة؛ إذ تقترب المملكة من الصين في سباق تكلفة مشروعات تخزين البطاريات على المستوى العالمي، بتكلفة تبلغ 409 دولارات للكيلوواط للمشاريع ذات السعة التخزينية لأربع ساعات، مقارنة مع 404 دولارات للصين.

وقد بلغت إجمالي سعات مشروعات تخزين الطاقة المطروحة 30 غيغاواط/الساعة، بينما وصل ما ربط منها بالشبكة الكهربائية إلى 8 غيغاواط/الساعة.

وفي إنجاز لافت، نجحت «أرامكو» في تشغيل أول نظام تخزين طاقة متجددة من نوعه عالمياً لدعم عمليات إنتاج آبار الغاز، بقدرة 1 ميغاواط/ساعة، يدعم تشغيل 5 آبار لمدة 25 عاماً. ويعتمد هذا النظام على براءة اختراع سعودية، ويُمثل بديلاً موثوقاً لحلول الطاقة الشمسية التقليدية، بكفاءة عالية في الظروف المناخية القاسية واستجابة ذكية لاحتياجات الطاقة المتغيرة.

«سبارك»... حين تُصبح الصناعة هي القيمة

أدركت «رؤية 2030» أن الإنتاج وحده لم يعد كافياً، وأن القيمة الحقيقية تكمن في بناء صناعات وتوطين سلاسل الإمداد وتعزيز المحتوى المحلي. من هنا وُلدت فكرة مدينة الملك سلمان للطاقة «سبارك»، باستثمارات تفوق 12 مليار ريال 3.2 مليار دولار، وأكثر من 60 مستثمراً محلياً وعالمياً.

تقع «سبارك» في موقع استراتيجي قريب من مصادر الطاقة وشبكات الشحن والتصدير، وتضم ميناءً جافاً يتيح وصولاً أسرع. وقد افتُتح حتى الآن 7 مصانع، بينما يجري حالياً إنشاء 14 مصنعاً آخر.

توازن لا تفريط

في حين يتجه العالم نحو التحول لبدائل النفط والغاز، تتبنى المملكة رؤية مغايرة ترى أن التحول المتسرع قد يُضر بأمن العالم ونموه، في ظل عدم قدرة الطاقة المتجددة وحدها على تلبية الاحتياجات التنموية بشكل كامل.

لذا تواصل المملكة الاستثمار في استكشاف الحقول النفطية وتطويرها، ومن أبرز ذلك تطوير حقل الجافورة غير التقليدي، الأكبر من نوعه في الشرق الأوسط، الذي سيُسهم في تعظيم سلاسل قيمة الغاز والصناعات البتروكيميائية.

وهكذا تسير المملكة على خط دقيق يجمع بين صون إمدادات الطاقة للعالم، والدفع بالاستثمار في التقنيات التي تُزيل الانبعاثات الكربونية؛ لتكون اليوم مركزاً شاملاً للطاقة، ونموذجاً في الإدارة الرشيدة.