سوريا.. هدم للتاريخ أخطر مما حدث في العراق

اليونيسكو تعد خطة إنقاذ مؤجلة في انتظار الأمن

سوريا.. هدم للتاريخ أخطر مما حدث في العراق
TT

سوريا.. هدم للتاريخ أخطر مما حدث في العراق

سوريا.. هدم للتاريخ أخطر مما حدث في العراق

«قد يبدو من غير اللائق الحديث عن دمار المعالم الأثرية، بينما آلاف الأرواح البريئة تزهق كل يوم، لكننا لا نستطيع البقاء مكتوفي الأيدي أمام ما يتعرض له التراث السوري من دمار فادح، إنها كارثة كبيرة، ما يحدث اليوم في سوريا من هدم للتاريخ أخطر مما رأيناه في العراق بكثير.. تاريخ سوريا مهدد بنفس الدرجة التي يهدد بها حاضرها ومستقبلها». هذه التصريحات المروعة هي لفرانشيسكو بندران، المدير العام المكلف لدى اليونيسكو بحماية التراث العالمي للشرق الأوسط، والرجل يزن كلماته، فهو وفريقه من الخبراء قدموا في الندوة التي عقدوها في الثلاثين من أغسطس (آب) الماضي بمقر المنظمة العالمية تقارير توفي كلها بخطورة الوضع معتمدين على معاينات ميدانية لموظفين بمصلحة الآثار والمتاحف وشهود عيان. والواقع أن النزاع المسلح الذي خلف أكثر من 100 ألف قتيل وأكثر من مليونين نازح قد حصد ضحية أخرى هي الإرث السوري بمدنه التاريخية ومواقعه الأثرية ومحتويات متاحفه التي تدمر وتنهب منذ سنتين على مسمع ومرأى من العالم أجمع.

* خطة إنقاذ

* الندوة التي عقدت أواخر أغسطس تدخل ضمن استراتيجية شاملة تتبعها اليونيسكو منذ سنتين من أجل إنقاذ التراث السوري من الدمار وقد سبق وأدرجت ستة مواقع تاريخية ضمن قائمة التراث العالمي المعرض للخطر وهي مدينة حلب القديمة ودمشق وبصرى وقلعة الحصن وقلعة صلاح الدين، إضافة لمدينة تدمر والقرى الأثرية القديمة شمال سوريا.

وكان مكتب اليونيسكو في عمان قد نظم في فبراير (شباط) 2013 ندوة تدريبية إقليمية لتقييم وضع التراث الثقافي السوري وكيفية التصدي لخطر النهب والاتجار بالتحف الأثرية. لكن عروض المساعدة التي تقدمت بها منظمة اليونيسكو، ولا سيما تلك التي تخص تدريب الخبرات على حماية الآثار وتقنيات الحفظ لم تدخل بعد حيز التنفيذ بسبب انعدام شروط الأمن. وهو ما تحسر له السيد فرانشيسكو بندران، حيث صرح لـ«الشرق الأوسط»: «للأسف نحن لا نستطيع التدخل الآن، الوضعية الأمنية لا تسمح بذلك رغم كل التقارير التحذيرية، ولا سيما الخاصة منها بالحفريات السرية والتي تظهر مدى فداحة المشكلة والحاجة لخطة طوارئ سريعة».

إيرينا يوكوفا، المديرة العامة لليونيسكو، لم تخف هي الأخرى قلقها في الكلمة التي ألقتها وهي ترأس هذه الندوة: «الوضع في سوريا اليوم يتعدى كل الكلمات، حماية التراث جزء من حماية الرجال والنساء لأن المعالم والآثار الثقافية تحمل قيم الشعوب وهي جزء من هويتها، نحن نتحدث عن تراث من أثمن ما خلفته لنا الحضارة الإسلامية ولكن أيضا المسيحية».

يضيف فرانشيسكو بندران: «المجموعة الأوروبية وعدتنا ب 400 مليون يورو لإعادة ترميم بعض الآثار التي دمرت خلال الحرب، لكن كل هذا يبقى مشروطا بعودة الأمن للبلاد».

* نهب المتاحف

* جمعية حماية الآثار التي تنشط من مدينة ستراسبورغ بشمال فرنسا رصدت في تقرير واف نشرته في صفحتها على موقع «فيس بوك» بعنوان «واقع المتاحف السورية لعامي 2011 و2012» قائمة بكل أحداث النهب والسرقة التي تعرضت لها المتاحف. التقرير يفيد بأن اثني عشر متحفا من بين الثمانية والثلاثين التي تضمها سوريا قد تعرضت للنهب والسرقات: متحف حمص الأثري تعرض لخراب كبير لأنه يشكل خط تماس بين قوات الجيش الحر وقوات الجيش النظامي وكانت قناة الـ«بي بي سي» قد بثت تقريرا لمراسلها وهو يتجول بين أروقة المتحف بين القطع المحطمة والملقية على الأرض، ويشرح كيف أنه دخل عبر ثقب كبير أحدثته القذائف على الجدران ليخرج للشارع الأخر. وفي حمص أيضا سجل تهدم جزء من واجهة الطابق الأول لمتحف «قصر الزهراوي» وفي متحف حماه الأثري تمت سرقة تمثال لإله أرامي مصنوع من البرونز يعود للقرن الثامن قبل الميلاد. عمليات نهب وسرقة أخرى حدثت في متحف أفاميا ومتحف معرة النعمان الذي يضم أكبر مجموعة للموزاييك في الشرق الأوسط والذي تعرض للقصف عدة مرات وتحطم عدة قطع أثرية لا تقدر بثمن، نفس المصير عرفه متحف دورا أروبوس الذي تعرضت خزائن العرض فيه للتكسير وسرقة عدة نماذج منها وخلع الأبواب والنوافذ وتم العبث بمحتويات بيت البعثة الأثرية الفرنسية وسرقة محتوياته.

* المواقع الأثرية ساحات للقتال

* يشرح الدكتور علي شخموس من جمعية حماية الآثار السورية، أن هناك عدة أنواع من الأخطار التي تهدد الآثار والتراث الحضاري السوري، أهمها قصف المواقع والأبنية الأثرية وتحولها لساحات حرب حقيقية. وهو ما حدث في مدينة حلب القديمة التي تكبدت أضرارا فادحة تمثلت في تدمير قبة المسجد الأموي الأثري تدميرا كليا في شهر أبريل (نيسان) نتيجة المعارك التي دارت على مدى أشهر في محيطها واحتراق أسواقها القديمة (أسواق السبعة) والأذى الذي لحق بموقع تدمر بسبب وجود آليات عسكرية ثقيلة في الموقع، من دبابات وراجمات صواريخ. القلاع القديمة تحديدا تحولت لثكنات عسكرية يتمركز فيها المقاتلون وتصنع فيها متاريس للقناصة. مواقعها الاستراتيجية جعلتها موضع نزاع كما حدث في قلعة حماه وقلعة شميميش في السلمية وقلعة حمص وقلعة الرحبة على الفرات، وقلعة فخر الدين المعني في تدمر وقلعة حلب مما أحدث بها أضرارا فادحة.

* مافيا الآثار

* في إحدى مداخلاته عبر الدكتور مأمون عبد الكريم، مدير المتاحف والآثار في وزارة الثقافة، عن قلقه الشديد إزاء انتشار عمليات الحفر العشوائي في المواقع الأثرية، لا سيما أنها تؤدي لتخريب الطبقات الأثرية وضياع معلومات هامة تفيد بدراسة تاريخ الموقع وفهمه: «ما شاهدناه في بعض المواقع إجرام حقيقي في دير الزور وفي موقع ماري (50 حفرة سرية) وفي موقع دورا أوروبوس (300 حفرة سرية) وفي تل حمو كار في الحسكة وتل الأشعري في محافظة درعا وفي الرقة وموقع مدينة أفاميا». يضيف الدكتور مأمون: «هذه السرقات تتم في وضح النهار من طرف عصابات مدججة بالسلاح والأخطر هو أنهم لا يترددون في تدمير معلم بكامله من أجل الحصول على جرة أو تمثال صغير». يتم تهريب القطع إلى لبنان وتركيا وبشكل أقل إلى الأردن ومن هذه الدول تتولى عصابات التهريب الدولية نقل القطع المسروقة إلى أوروبا وأميركا وكانت مراسلة صحيفة الـ«صنداي تايمز» في لبنان هالة جابر قد كشفت في تحقيق تم بالتعاون مع مصالح الإنتربول وخبراء بريطانيين عن وجود شبكة كبيرة من مافيا الآثار.

المراسلة اخترقت هذه العصابات على أساس أنها مندوبة مجمع كبير تبحث عن قطع أثرية ثمينة، وقد سجلت توفر عدة قطع ثمينة لدى هذه العصابات التي عرضت عليها شراء عدد منها أهمها أحد عشر تمثال نصفي من القرن الثامن ميلادي سرقوا من موقع في تدمر لا يقدرون بثمن حسب خبراء الآثار.

إضافة إلى أن التراث عنصري أساسي للهوية والتماسك الاجتماعي، فهو أيضا إحدى الركائز المهمة للتنمية الاقتصادية. سوريا الغنية بأكثر من عشرة آلاف موقع أثري استقبلت بين عامي 2009 و2010 أكثر من ثمانية ملايين ونصف المليون سائح بعائدات سياحية وصلت لمليارين ونصف المليون يورو. منذ بداية النزاع المسلح انخفضت العائدات السياحية في سوريا بنسبة 94 في المائة، في فرنسا مثلا أحصت وكالة «سيتو» المتخصصة أقل من 4700 رحلة بين فرنسا وسوريا معظمها لسوريين مقيمين في الخارج أو صحافيين وأعضاء للمنظمات الإنسانية بعد أن سحبت الوكالات السياحية سوريا من كتالوغاتها لانعدام الشروط الأمنية. اليوم الوضعية أخطر، آثار سوريا وتاريخها في خطر وقد يستيقظ العالم بعد فوات الأوان وقد خسر جزءا مهما من تراث الإنسانية.



اقرأ كي تعيش


لوسي مانغان
لوسي مانغان
TT

اقرأ كي تعيش


لوسي مانغان
لوسي مانغان

نحن جميعاً نقرأ وإن تفاوتت درجات إقبالنا على القراءة ونوعية قراءاتنا. نقرأ إن لم يكن لمتعة القراءة في ذاتها فلأنها ضرورية في حياتنا اليومية من أجل قضاء مصالحنا الحيوية والاضطلاع بوظائفنا والضرب في مسالك العيش. لكن ما الأثر الذي تخلفه الكتب في حياتنا ووعينا وسلوكنا؟

سؤال يطرحه كتاب صادر في عام 2025 عن دار «سكوير بيج» للنشر في بريطانيا عنوانه: «عاشقة للكتب: كيف تشكّل القراءة حياتنا» Bookish: How Reading Shapes our Lives من تأليف لوسي مانغان Lucy Mangan، وهي ناقدة وصحافية بريطانية عشقت القراءة منذ الصغر حتى إن مكتبتها الخاصة تضم عشرة آلاف كتاب. والكتاب مهدَّى إلى أبيها الذي شجعها على القراءة. وقد سبق لها أن أصدرت كتاباً عنوانه «دودة كتب: مذكرات طفولة»، وفيه تسجل سنوات شرائها واستعاراتها واقتنائها للكتب. كما أنها تكتب نقداً تلفزيونياً لصحيفة «ذا غارديان» وتعيش حالياً مع زوجها وولدها وقطتين ما بين مدينة لندن ومقاطعة نورفولك في شرق إنجلترا.

وجوهر الكتاب هو رسالة حب إلى الكتب: «محبة للكتب ولدت، ومحبة للكتب سأموت» فهي لا تشعر بالسعادة قدر ما تشعر بها في مكتبة عامة أو متجر لبيع الكتب. ومنذ مرحلة المراهقة حتى اليوم (تبلغ الآن خمسين عاماً) وهي تراوح في مطالعاتها بين روايات تصور الحياة اليومية (كروايات الشقيقات برونتي «مرتفعات وذرنج» و«جين آير»)، ويوتوبيات كابوسية (مثل رواية ألدوس هكسلي «عالم جديد جميل»)، وأصوات نسوية (مثل كتاب فرجينيا وولف «غرفة خاصة»)، وسير وتراجم، وقصص بوليسية، وكلاسيات دخلت التراث العالمي. وعندها أن هذه الكتب – على اختلاف أنواعها - تبتعث لحظات محورية في الحياة، وتجلب لنا المتعة والعزاء في مختلف أطوار عمرنا. إنها من الثوابت في حياتنا الملأى بالمتغيرات. وأكبر فضيلة تتحلى بها الكتب هي الصبر: فهي تظل ساكنة قريرة على أرفف المكتبات مهما طال الزمن تنتظر أن تمتد أيدينا إليها وتنتظر إلى أن نعيد قراءتها، أي عدد من المرات.

أكبر فضيلة تتحلى بها الكتب هي الصبر فهي تظل ساكنة على أرفف المكتبات تنتظر أن تمتد أيدينا إليها

التحقت لوسي مانغان بجامعة كمبردج، حيث درست روائع الأدب الإنجليزي عبر القرون. وكانت المقررات ضخمة: قصيدة «الملكة الحورية» للشاعر الإليزابيثي إدموند سبنسر وهي مؤلفة من 36 ألف بيت، «أركاديا أو كونتيسة بمبروك» للسير فيليب سيدني وهي رومانسية رعوية في 422 صفحة، قصائد من الشعر الرومانسي والميتافيزيقي (أحبت بوجه خاص قصائد الشاعر الميتافيزيقي جورج هربرت من القرن السابع عشر)، ورواية «كلاريسا» لصمويل رتشاردسن، وهى أطول رواية في اللغة الإنجليزية تتألف من قرابة مليون كلمة. ومن الروايات والقصائد والمسرحيات انتقلت إلى قراءة كتب النقد الأدبي: «أصول النقد الأدبي» (أ. أ. رتشاردز) «سبعة أنماط من الإبهام» لوليم إمبسون، «نظرية الأدب» لتيري إيغلتون.

وفى عامها الدراسي الأول حين بدأت تدرس شكسبير ذهبت إلى مسقط رأسه، قرية ستراتفورد على نهر إيفون، حيث شاهدت عرضاً لمسرحيته «كوريو لانوس» المستوحاة من التاريخ الروماني. وتعرفت على أساطير الملك آرثر وفرسان المائدة المستديرة من خلال كتاب توماس مالوري «موت آرثر»، وعلى أدب العصور الوسطى من قصيدة «سير جاوين والفارس الأخضر» مجهولة المؤلف. وتقول: «لقد ظللت دائماً أقرأ من أجل المتعة وليس لكي أنال إعجاب الآخرين أو أتابع أحدث الصيحات».

وحين بلغت لوسي مانغان سن الثلاثين التقت مَن غدا زوجها – كرستوفر مانجان- وكان يشاركها حب القراءة. وحين أصبحت أماً صارت تقرأ لطفلها بصوت عالٍ قبل النوم، وتشتري له كتب الأطفال المحلاة بالصور الملونة والرسوم.

وقد كانت فترة جائحة «كوفيد» بركة على الأدب؛ إذ اضطر الناس إلى الاحتباس في بيوتهم فارتفعت مبيعات الروايات والقصص بنسبة 16 في المائة في عام 2020، وكذلك الكتب الصوتية بنسبة الثلث أو أكثر رغم أن المحال التي كانت تبيعها اضطرت إلى إغلاق أبوابها. وزادت مبيعات رواية ألبير كامي «الطاعون». تقول المؤلفة: «إن القراءة قد تبدو وكأنها أكثر الأنشطة التي يمكنك القيام بها عزلة»، ولكنك في الواقع تستطيع أن تكون على تواصل مع حشد من الناس: مع الأدباء والمفكرين والفنانين. وساعدتها قصص الإثارة والتشويق والروايات البوليسية على تجاوز فترة «كوفيد»، وكذلك أفلام «شفرة دافنشي» و«صمت الحملان». على أنها لم تقرأ أجاثا كريستي قط، ونفرت من أعمالها حين شاهدتها على شاشة التلفزيون.

وخلاصة ما تقوله لوسي مانغان، إن القراءة ضرورية من أجل نمونا الداخلي وتوسيع رقعة خبراتنا وذلك بمشاركة الآخرين تجاربهم سارَّة كانت أو أليمة، أو على حد قولها: «لو أننا توقفنا عن تخيل أنفسنا في وضع الآخرين، ولو توقفنا عن النظر إلى مواقفهم وعلاقاتهم وردود أفعالهم واختياراتهم وأخلاقهم، ولو توقفنا عن أن نسأل أنفسنا: (ماذا لو؟) لقطعنا بذلك نمونا الداخلي». وتلخص موقفها في عبارة توردها من الروائي الفرنسي جوستاف فلوبير القائل: «اقرأ كي تعيش».


الحرب بين كانط وهيغل

كانط
كانط
TT

الحرب بين كانط وهيغل

كانط
كانط

في زمن الحرب نحتاج إلى أن نستعيد ما قاله أولئك الطفرات من عظماء المفكرين عنها. هي ليست مجرد حدث سياسي، بل اختبار لطبيعة العقل نفسه. هل يستطيع وضع حداً للعنف، أم أنه لا يكتشف نفسه إلا في العنف؟ هنا يتقابل كانط وهيغل، لا بوصفهما موقفين أخلاقيين فحسب، بل بوصفهما تصورين مختلفين لمعنى التاريخ والدولة والإنسان، تصور يراهن على تجاوز الحرب، وآخر يرى فيها لحظة لا يمكن حذفها من بنية العالم.

كانط ينطلق من قاعدة تبدو بسيطة لكنها تقلب الموقف كله، الإنسان غاية لا وسيلة. هذه العبارة ليست أخلاقية مجردة، بل لها نتائج سياسية مباشرة. لأن الحرب، في جوهرها، تجعل الإنسان وسيلة ضمن صراع بين دول. ولهذا لا يتعامل كانط مع الحرب بوصفها واقعاً ينبغي تفسيره، بل بوصفها مشكلة ينبغي حلّها. في مشروعه «السلام الدائم»، يحاول أن ينقل السياسة من منطق القوة إلى منطق القانون. في هذا الأفق، تصبح الحرب علامة نقص في العقل السياسي.

الدولة التي تدخل الحرب لم تبلغ بعد مستوى النضج الذي يجعلها تخضع لقانون كوني. ولهذا يربط كانط السلام بشروط محددة، قيام أنظمة جمهورية تجعل قرار الحرب خاضعاً لإرادة المواطنين، خضوع العلاقات الدولية لقانون، وقيام اتحاد بين الدول يمنع الانزلاق إلى الصراع. ليست هذه ترتيبات إجرائية فقط، بل إعادة تعريف للسيادة نفسها، بحيث لا تعود مطلقة بل مقيدة بقانون أوسع.

الأهم أن كانط لا يرى السلام حالةً طبيعيةً، بل مشروع يجب بناؤه. الطبيعة، في نظره، لا تقود إلى السلام تلقائياً، بل تدفع البشر إلى الصراع. لذلك يحتاج الإنسان إلى العقل ليضع حداً لهذه الطبيعة. بهذا المعنى، السلام ليس معطى، بل إنجاز تاريخي، لكنه إنجاز ممكن، لا مجرد أمنية.

هيغل

هيغل، من جهته، ينطلق من نقطة مختلفة جذرياً. الدولة عنده ليست أداة لحماية الأفراد، بل هي التجلي الأعلى للحياة الأخلاقية. ومن داخل هذا الفهم، لا يمكن النظر إلى الحرب كخلل فقط. إنها لحظة تظهر فيها حقيقة الدولة، لا بوصفها جهازاً إدارياً، بل بوصفها كلاً يتجاوز الأفراد.

يرى هيغل أن المجتمع، إذا طال عليه السلم، قد ينغلق داخل مصالحه الخاصة، ويتحول إلى شبكة من العلاقات النفعية. في هذه الحالة، يفقد الأفراد إحساسهم بالانتماء إلى الكل. الحرب، هنا، تعمل نوعًا من الصدمة التي تكسر هذا الانغلاق، وتعيد ربط الأفراد بالدولة. ليست قيمة أخلاقية، لكنها لحظة تكشف ما هو أعمق من الأخلاق الفردية.

من هنا أيضاً يرفض هيغل فكرة السلام الدائم. ليس لأنه يفضّل الحرب، بل لأنه يرى أن التاريخ نفسه قائم على الصراع. العلاقات بين الدول ليست علاقات قانونية خالصة، بل علاقات قوة، لأن كل دولة تمثل كلاً مستقلاً لا يعترف بسلطة أعلى منه. لذلك، حين يتعارض هذا الكل مع غيره، لا يكون هناك حكم أعلى يفصل بينهما، بل يُحسم الأمر بالصراع.

الفارق بين الفيلسوفين لا يقتصر على تقييم الحرب، بل يمتد إلى تصور العقل. عند كانط، العقل يضع حدوداً، ويؤسس قانوناً يتجاوز الدول. عند هيغل، العقل لا يقف خارج التاريخ ولا يحاكمه، بل يتحقق داخله، حتى في الصراع نفسه. ولهذا لا يمكن عنده فصل العقل عن العنف كما يفعل كانط.

ومع ذلك، لا يمكن اختزال كانط في المثالية ولا هيغل في الواقعية الصلبة. كانط يدرك أن الحرب جزء من الواقع، لكنه يرفض أن يمنحها معنى يبررها. وهيغل يدرك قسوة الحرب، لكنه يرى أن تجاهل موقعها في التاريخ لا يلغيها. الفرق أن كانط يريد أن يقيس الواقع بمعيار، بينما هيغل يريد أن يفهم هذا الواقع من داخله.

إذا تأملنا العالم الحديث، نجد أن هذا التوتر لم يُحسم. المؤسسات الدولية، والقانون الدولي، وفكرة حقوق الإنسان، كلها استمرار للأفق الكانطي. لكنها، في كثير من الأحيان، تقف عاجزة أمام منطق القوة. في المقابل، تستمر الدول في التصرف وفق حسابات الصراع، وكأن العالم لم يغادر بعد أفق هيغل.

وهنا تظهر مفارقة، كلما حاولنا بناء نظام عالمي قائم على القانون، عاد الواقع ليذكّرنا بأن القانون نفسه يحتاج إلى قوة تحميه. وكلما سلّمنا بمنطق القوة، برزت الحاجة إلى معيار يقيّدها. بين هذين الحدين، يتحرك العالم دون أن يستقر.

في هذا المعنى، لا يقدم كانط وهيغل إجابتين متناقضتين فقط، بل يكشفان حدود كل إجابة. كانط يمنحنا أفقاً ضرورياً، فمن دون فكرة السلام يتحول العالم إلى صراع مفتوح بلا معنى. وهيغل يمنحنا فهماً ضرورياً، لأن من دون إدراك موقع الصراع نظل نتعامل مع الواقع بأوهام أخلاقية.

ويمكن إضافة بُعد آخر للفارق بينهما، يتعلق بتصور الإنسان نفسه. عند كانط، الإنسان كائن عاقل قبل أن يكون سياسياً، ولذلك تُقاس السياسة على الأخلاق. أما عند هيغل، فالإنسان لا يُفهم إلا داخل الدولة والتاريخ، ولذلك تُفهم الأخلاق من داخل السياسة. هذا القلب في العلاقة هو ما يجعل الحرب عند كانط انحرافاً، وعند هيغل لحظة من لحظات المعنى. كما أن كانط يفترض إمكانية قيام قانون فوق الدول، بينما يشكك هيغل في إمكان قيام سلطة حقيقية تعلو على الدولة. هذا الشك ليس تقنياً، بل فلسفي، لأن الدولة عنده هي أعلى تجلٍ للروح، فلا يمكن أن تخضع لسلطة خارجها. ومن هنا يتضح لماذا يظل السلام عند كانط مشروعاً، وعند هيغل أفقاً غير قابل للتحقق النهائي.

في ضوء الحرب بين الولايات المتحدة وإسرائيل وإيران، يبدو أن الواقع يميل إلى منطق هيغل، حيث تُحسم العلاقات عبر توازن القوة والصراع، بينما يُحيل أفق كانط إلى قانون دولي يمنع الانزلاق إلى الحرب، وسيبقى حاضراً كمعيار يُستدعى لكنه لا يتحقق.

* كاتب سعودي


«أحجيات الوحدة»... غواية البحر

«أحجيات الوحدة»... غواية البحر
TT

«أحجيات الوحدة»... غواية البحر

«أحجيات الوحدة»... غواية البحر

في مجموعته القصصية «أحجيات الوحدة» لا يطرح الكاتب المصري محمد الرزاز الوحدة بوصفها مُعادلاً للألم بقدر ما يقدمها كبنية مراوغة، تُواجه المرء في يومياته، وتستدرج من داخله مستويات متفاوتة من التأمل والتعاطف، وصولاً إلى التهميش والانسحاب، وهو ما يتغاضى الكاتب عن مقدماته أو مسبباته، في مقابل تتبعه لبواطن اللغة وإيماءاتها التي تُعادل الأحجيات.

صدرت المجموعة أخيراً عن دار الكتب خان بالقاهرة، وفي أجوائها يستعيد الكاتب مشاعر الوحدة على نحو متقطع، عبر نصوص تكشف نزوعاً واضحاً لتفكيكها إلى تمثيلات متعددة، تعكس ورطة التعايش معها ومحاولة تقاسمها مع الآخر.

يظهر البحر في المجموعة ككيان موازٍ للذات الوحيدة، يحمل تقلباتها ويعيد تشكيلها. فمنذ البداية، يلتفت أحد الأبطال إلى طبيعته المتحوّلة قائلاً: «بحر الليل لا يُشبه بحر النهار في شيء»، ليغدو البحر فضاءً متعدد الأوجه، وصولاً إلى أحشائه، حيث يتكثف السرد، وتصبح غواية الاستسلام له موازية لغواية الحياة، يقول بطل «أن تنتظر»: «لم أمتلك أبداً الجرأة لتنفيذ قراري بالخوض في بطن البحر».

في هذه القصة، يسعى البطل إلى أن ينفض عن نفسه «غبار الوحدة»، متلمّساً بحسّ انفعالي في نسمات الريح ونجمات السماء إمكانية للصحبة، بينما تتسم علاقته بالغرباء بقدر من التعقيد، لا يخلو من تعاطف يصل إلى حد جارف.

في المقابل، يجد أبطال آخرون أنفسهم مدفوعين إلى خلق سيناريوهات حذرة للتعامل مع الغرباء، والدفاع عن حدود وحدتهم ومكتسباتها، حتى لو كان ذلك في صورة «مقعد على البحر»، يظل الصياد العجوز، بطل قصة «أن ترحل»، متشبثاً به، «سيخبرهما أن هذا المقعد يحتل رقعة تمكنه من متابعة زوارق الصيد في الأفق، والتواصل عبر الأثير مع زملائه الصيادين الذين طالما غادروا المرفأ معاً بحثاً عن أسماك فضية بلون الحلم، بيضاء بلون الزّبد».

تتحرك قصص المجموعة عبر مستويات «طوبوغرافية» تتلمس جماليات المكان وطبقاته؛ من اليابس بسطحه وضوضائه، إلى تخوم الماء، ويمتد هذا الأفق ليأخذ بعداً أسطورياً، حيث يستعيد الأبطال علاقة قديمة مع البحر بوصفه كائناً حياً، أو قوة عليا تُخاطب وتُسترضى، فأحد الأبطال يقطع عهداً لـ«إله البحر» أن يعود إليه في الغد، متوسلاً إلى أعماقه العجائبية، ليغدو البحر منبع الأسطورة ومنتهاها أيضاً.

ويبدو أهل البحر في المجموعة أكثر التصاقاً بأسراره التي لا تخلو من طابع سِحري، إذ «الكل هنا يعرف أن تلك النوارس هي أرواح لبحارة غرقى قضوا في عرض البحر» في هذا العالم، يغلب الجمالي على التأويل، فلا تكون النوارس مجرد طيور، ولا البرق مجرد ضوء، بينما تتحول زوارق الصيد إلى «ألعاب أطفال تطفو في حوض ماء هائل».

مِخيال مفتوح

تتكرّس هذه الرؤية عبر ما يمكن تسميته بـ«اللغة البحرية»، حيث تتحوّل عناصر الطبيعة إلى أدوات قراءة؛ فالسحاب يُقرأ، والنوارس تحمل توتر المشهد، والرياح تمارس ألاعيبها، والنوّات نبوءات يتقصّاها حكماء البحر. وتظل الكائنات البحرية، التي لم يرها أحد سوى الصيادين، جزءاً من هذا المِخيال المفتوح، حتى تكاد التفاصيل الإنسانية تذوب داخله؛ كما في اللحظة التي يعجز فيها أحد الأبطال عن التمييز بين «ملح البحر» و«مُرّ الدمع»، أو حين يخشى آخر أن يلقى مصير «سمكة بقيت وحيدة تتلوى على الشاطئ بعد أن تركها الجزر مغدورة لتلفظ أنفاسها الأخيرة»، في صورة تختزل قسوة العزلة بوصفها انكشافاً كاملاً.

يبدو للبحر هنا معجم دلالي، تتقاطع فيه الحواس مع الأسطورة؛ فالجسد يُشبه في لحظة حب «محارة مرتبكة»، ويُختزل الحضور الأنثوي في «حبة لؤلؤ»، أو يتجلى في صورة «أفروديت» كما تراها عين رسّام، لتتجاور مفردات البحر مع إرث الأسطورة الإغريقية، وتعيد صياغة الجسد والرغبة في لغة تتأرجح بين البراءة والإغواء.

في هذا السياق، يمنح الكاتب صوته لكائن بحري في قصة «أن تجنح»، حيث يتقمص السرد صوت «حوت» يخرج طوعاً إلى اليابسة ليلفظ أنفاسه الأخيرة، متحدثاً بضمير المتكلم، ما يكشف عن هاجس وجودي يتجاوز منطق الإنسان، يقول: «لن يفهم بنو الإنسان مطلقاً معنى أن تموت طوعاً عند امتلاء نفسك من الحياة، فهم لا يعرفون الاكتفاء، ولا يحرّك الامتلاء لديهم سوى الرغبة في المزيد».

ويواصل الرزاز تفكيك الوحدة عبر بناء ثنائيات متقابلة تتبادل فيها المواقع وتكشف عن تماثلات كامنة وراء الاختلاف، ففي قصة «أن تهرب» تتجلى هذه المفارقة من خلال تكليف فنان برسم أيقونة للعذراء بوجه غانية تزور مرسمه، ليجد نفسه ممزقاً بين إغراء المال الذي يتقاضاه نظير هذا العمل، وتأنيب داخلي يتكثّف ليبلغ ذروته في مفارقة أخلاقية: «هل باستطاعة المال أن يجعل من الغانية قديسة؟».

تتخذ هذه الثنائيات بعداً سردياً أكثر تعقيداً في قصة «أن تُفتن»، حيث يمنح الكاتب بطليه صوت الراوي، فتتشكل حكايتهما عبر زاويتي نظر متقابلتين لا تلغي إحداهما الأخرى، بل تتكاملان في بناء أقرب إلى موزاييك لا يكتمل إلا بتجاور شظاياه.

فهكذا، يضع الكاتب أبطاله على مسافة واحدة من فعل التواصل ذاته؛ رسّامين أو مرسومين، صيادين أو كائنات بحرية، مُرسلي رسائل أو مُتلقيها، حيث تتبدل المواقع باستمرار دون أن يحتفظ أحد بسيادة حقيقية، فيغدو الجميع واقعين في شِباك الفعل نفسه، ولا يعفيهم ذلك من وطأة الوحدة.