هنا؛ في منطقة مينا البصل بغرب الإسكندرية، لا يزال الكثير من المباني التراثية ذات الطرز المعمارية المميزة يزيّن المكان، من بينها بورصة ومكابس القطن، محتفظةً بذكريات قديمة تحاكي حياة كاملة كانت تدبّ في المنطقة لعقود. فالجدران لا تزال تعبق برائحة العمال الذين احتضنتهم طويلاً، مثل خلية نحل لا تهدأ.

أنشأ المعماري الإيطالي بترو أفوسكاني بورصة قطن مينا البصل عام 1872، ثم أُنشئت مكابس القطن بالمنطقة في حقب متتالية، لتؤسّس لحركة صناعية رائجة في الإسكندرية. مع الوقت، انقطع تدفّق العمال، وصمت ضجيج الآلات، إلا أنّ الجدران لا تزال صامدة، لتروي المباني التراثية قصصاً وذكريات عن منطقة صناعية تاريخية.
لتحفيز الوعي بالتراث الصناعي للإسكندرية وتوثيق الذكريات والتاريخ المتعلّق بصناعة القطن، أُطلق المشروع الفني «غبار الزمن»، للمصوّرة والفنانة السكندرية سمر بيومي، ضمن مبادرة تتبناها لسرد العلاقة بين الأماكن وسكانها، وإثراء الذاكرة الجماعية للمدينة، والحفاظ على الهوية البصرية لتوثيق المتبقي من ملامح عروس المتوسط.

تقول بيومي لـ«الشرق الأوسط»: «عندما مررتُ يوماً في سوق الجمعة لبيع الخردة بمنطقة مينا البصل، جذبت انتباهي الإحاطة بمبانٍ قديمة يكسوها الطوب الأحمر، مما أثار فضولي لمعرفة قصتها. بالبحث، عرفتُ أنها مصانع لكبس القطن تابعة لبورصة ميناء البصل. دخلتها، فتوقفتُ أمام هذه المصانع التي تغيرت ملامحها عبر السنوات».
تضيف: «من المؤسف أن أرى هذه المباني القديمة التي عاشت رمزاً للرخاء والحركة والنشاط في الماضي، وهي تفقد هويتها وتتحوّل إلى معادن قديمة (خردة)، لذا شئتُ الإضاءة على قيمة المكان التراثية، وتوثيق تاريخ التراث الصناعي فيها، وإحياء الذكريات كجزء مهم من الذاكرة الجماعية للإسكندرية».

يعتمد المشروع، الذي يحتضنه «المركز الثقافي الفرنسي» في الإسكندرية، حتى 3 أغسطس (آب) المقبل، على نفض «غبار الزمن» عن مصانع قطن مينا البصل، عبر أعمال مصوّرة حديثة بكاميرا بيومي، وأخرى أرشيفية جمعتها، وكتابات تشرح الفكرة للجمهور، بالإضافة إلى تطويع تقنيات الواقع الافتراضي لتقديم تجربة مرئية وصوتية متكاملة.

عن تفاصيل هذا المشروع، توضح المصوِّرة: «حاولتُ من خلال الكاميرا التركيز على حالة الفراغ في المكان، مع الاهتمام بعنصر الإضاءة لإثارة النوستالجيا، وكذلك إبراز وضعية المباني القديمة وما تحمله من ملامح تراثية، ومنها مبنى بورصة مينا البصل التي تُعدّ واحدة من أقدم بورصات العالم. كما دمجتُ أعمالاً حديثة وقديمة لبعض أركان المكان، لإجراء نوع من المقارنة بين أشكالها قديماً وما آلت إليه».
جنباً إلى التأريخ الوثائقي للمكان، لم تهمل الفنانة حكايات عمال المصانع، محاولةً توثيق تاريخها الشفهي، فاستمعت إلى الكثير منهم وسجّلت كلماتهم وتجاربهم، ليعرضها المشروع بأصواتهم. تقول: «كان الزحام يزور منطقة مينا البصل في مواعيد ثابتة يومياً، تتدفّق إليها موجات العمال من كل مكان قاصدين مصانع كبس القطن. حاولتُ تدوين بعض الشهادات التي تروي الكثير عن ماضي المكان، وتقديم معلومات ووقائع حول الحياة اليومية فيه، التي امتدت حتى حقبة التسعينات».

يضمّ المشروع كذلك تجربة محاكاة عبر الواقع الافتراضي، عنها تقول: «طوّعتُ التقنيات الحديثة فيندمج عبرها المُتلقي مع روح المكان، بطرق رقمية تثري التجربة يتم من خلالها دخول ماضي المكان واستكشافه عبر مفرداته، مثل مكتب قديم من مكاتب الشركة، وبعض الوثائق التي تخصّ العمال، إلى التجول بين المكابس، وغيرها من الآلات».

















