هل تحطم حرب الجنرالين السودانيين «دولة ما بعد الاستقلال»؟

حميدتي اختار آيديولوجيا الهامش تبريراً لمشروعية حربه

الرئيس المخلوع عمر البشير اختار «حميدتي» (يبدو إلى جانبه) لحماية نظامه لكنه انقلب عليه (أ.ف.ب)
الرئيس المخلوع عمر البشير اختار «حميدتي» (يبدو إلى جانبه) لحماية نظامه لكنه انقلب عليه (أ.ف.ب)
TT

هل تحطم حرب الجنرالين السودانيين «دولة ما بعد الاستقلال»؟

الرئيس المخلوع عمر البشير اختار «حميدتي» (يبدو إلى جانبه) لحماية نظامه لكنه انقلب عليه (أ.ف.ب)
الرئيس المخلوع عمر البشير اختار «حميدتي» (يبدو إلى جانبه) لحماية نظامه لكنه انقلب عليه (أ.ف.ب)

يتم تداول فكرة تحطيم «دولة ما بعد الاستقلال السياسي في السودان» التي تعرف أيضاً بدولة 1956، بشكل واسع، منذ اندلاع النزاع المسلح بين الجيش وقوات «الدعم السريع» في منتصف أبريل (نيسان) الماضي، وتحولت هذه الفكرة إلى «آيديولوجيا» للقوات التي تعتبر عند الكثيرين «ميليشيا» مدججة بالسلاح، صنعت من أجل حماية نظام الرئيس السابق عمر البشير، وحكم جماعات الإسلام السياسي.

وقد استعارت قوات «الدعم السريع» هذه الفكرة من الأدبيات الثورية السودانية، كفكر سياسي يبرر لحربها مع الجيش باعتباره من «فلول» النظام المعزول، وأداة من أدوات الدولة الموروثة من الاستعمار، والتي يجب تحطيمها.

وتنبثق فكرة تحطيم دولة ما بعد الاستقلال السياسي، والتي تعرف بدولة 1956، وهي السنة التي نال فيها السودان استقلاله السياسي من المستعمر البريطاني، من وراثة النخب المركزية للدولة خلفاً للاستعمار، ونتج ذلك بحكم قرب تلك النخب من المركز الاستعماري، وحصولها المبكر على التعليم، ما أحدث، وفقاً للدكتور عبد الرحمن الغالي، في مقال منشور له «اختلالاً في موازين التنمية، فتركزت المشاريع في مناطق الجدوى الاقتصادية، واختلالاً في الخدمات والتعليم، وتمايزاً ثقافياً وإثنياً حاداً».

سيطرة النخب

وظلت النخب، وهي نخب الوسط والشمال، تسيطر على مقاليد الحكم، وبالتالي على السلطة والثروة، طوال سنوات ما بعد الاستقلال السياسي (نحو 67 عاماً)، ما أثار حنق ما عرف لاحقاً بـ«المناطق المهمشة»، وتشمل أقاليم دارفور وكردفان والنيل الأزرق والبحر الأحمر، فضلاً عن جنوب السودان الذي استقل عن السودان قبل 12 عاماً لذات الأسباب التي يُعبر عنها بـ«التهميش».

وحمّل الغالي النخب السياسية التي حققت الاستقلال مسؤولية تجاهل معالجة اختلال التوازن التنموي والسياسي والتنوع الثقافي؛ إذ سارت على هذا النهج الحكومات التي أعقبت الاستعمار، سواءً كانت ناتجة عن انقلابات عسكرية أم حكومات مدنية منتخبة، ما أدى إلى بروز حركات إقليمية وجهوية أحست بالظلم، فصعدت مطالبها لتحقيق التنمية والمشاركة السياسية العادلة.

وظلت قضية الهامش الفقير والمعزول والمركز الثري والمسيطر، تسيطر على تفكير نخب ما عرف لاحقاً بـ«المناطق المهمشة»، وتمثل ذلك، وفقاً للمحلل السياسي الجميل الفاضل، بأن الدولة الموروثة من الاستعمار لم يطرأ عليها تغيير جوهري منذ أن حلَّت نخب سودانية متعاقبة توارثت الأوضاع الخاصة والامتيازات التي كان يتمتع بها الحكام الإنجليز في مختلف مستويات ومجالات السلطة.

حلم الهامش

وظلت فكرة «التخلص أو تحطيم دولة 56» متداولة لدى الحركات الثورية اليسارية والجهوية والإقليمية، والتي دخلت في مساومات مع المركز، كان أكبر أثمانها أن نالت الحركة الجنوبية، «الحركة الشعبية لتحرير السودان» بقيادة الراحل د. جون قرنق دمبيور، «انفصال» جنوب السودان وتكوينه لدولته المستقلة في 2011. أما بقية الحركات التي كانت تقارع المركز بذات الشعارات، فقد اكتفت بمكاسب سلطوية ومادية محدودة لم تسهم في تغيير واقع التهميش.

لاجئون سودانيونمن دارفور يتجمعون في مستشفى «أدري» بتشاد (رويترز)

وحين نشبت الحرب بين الجيش وقوات «الدعم السريع»، نتيجة صراع قادة القوتين المتوازيتين على السلطة، حاول كل طرف إيجاد مسوغات سياسية لحربه، فاختار قائد الجيش، عبد الفتاح البرهان، تبرير حربه بأنها ضد قوة متمردة مرتبطة بالأجنبي، وبالتالي فإن حربها مشروعة و«حرب كرامة»، فيما التقط قائد قوات «الدعم السريع»، محمد حمدان دقلو (حميدتي)، فكرة الانتقال المدني الديمقراطي وإعادة تأسيس دولة ما بعد 1956 والصراع الدائر حولها، ووظفها آيديولوجياً لتبرير حربه.

وقال الفاضل لـ«الشرق الأوسط»، إنه كان من المفترض أن يتم بناء نظام دولة مواطنة بلا تمييز، يحقق العدالة الاجتماعية والتنمية المتوازنة والرعاية الشاملة، لكن هذا لم يحدث، فوجد «الدعم السريع» الفرصة سانحة باعتباره «وعاءً خالياً من الحمولات الآيديولوجية، استخدمه سابقاً الإخوان في إطار استراتيجياتهم التمكينية لقمع مناهضي سلطتهم، وبات الآن في وارد أن يخدم أجندة نقيضة لأجنداتهم تلك». وتابع: «حالة الخواء التي هي من سمات قوات (الدعم السريع)، جعلت منها أداة جيدة من شأنها أن تخدم أي أجندات، حتى الخبيث منها».

واعتبر المحامي والكاتب حاتم إلياس أن دولة 56، أي دولة ما بعد الاستقلال «هي توصيف لمجمل الأزمة السودانية، بانقلاباتها وثوراتها وحروبها، سواءً كانت حرب الجنوب الطويلة أو حروب الأطراف في دارفور». وتابع: «تعبير دولة 56 ظل، ومنذ صبيحة استقلال السودان في ذلك العام وحتى الآن، يحمل طابع الأزمة الذي تجلى في عدم الاستقرار السياسي».

وحمّل إلياس الحالة المتأزمة التي نتجت ما بعد الاستقلال، المسؤولية عما يعيشه السودان الآن، مؤكداً أنها «قادت إلى فصل جنوب السودان عن شماله». ويضيف: «بغض النظر عن المحمول الاجتماعي لتلك الأزمة، فقد انحرفت عند البعض إلى أزمة ذات أبعاد عنصرية، وأصبح يطلق عليها (دولة الجلابة) من قبل التيار السياسي الذي يتبنى رؤية الهامش والمركز».

وتقول تلك الرؤية إن القلة من المنسوبين للثقافة العربية الإسلامية هيمنوا على السلطة دون بقية شعوب السودان الأفريقية. ويقول إلياس: «يتفق الجميع على أن الدولة وطريقة إدارتها الاقتصادية والسياسية، على اختلاف الأنظمة عسكرية كانت أم ديمقراطية، لم تخرج عن (كتالوغ) دولة 56 النخبوي، واستأثرت قلة بالسلطة والثروة على حساب أبناء الوطن الآخرين في أقاليم السودان المختلفة».

الحرب في الخرطوم اتخذت أبعاداً جديدة وتهدد النسيج الاجتماعي (رويترز)

ويرى إلياس أن طرائق التعاطي السياسي لتفكيك دولة 56 اختلفت بين التيارات الفكرية، لا سيما فيما يتعلق بإدارة الدولة. وقال: «الجميع متفقون على أن طريقة إدارة دولة منذ الاستقلال وحتى الآن خاطئة، لكن هناك اختلافات بين الماركسيين والليبراليين ومدارس التحليل الثقافي وأتباع نظرية الهامش والمركز والإسلاميين».

تشكيك في جدية «الدعم السريع»

وقال إلياس إن «الدعم السريع حالة غريبة»، بدأت ميليشيا عسكرية دون أي رؤى فكرية أو سياسية، وكانت بمثابة قوات تابعة للجيش، ولدت في رحم الصراع الدارفوري/الدارفوري، وحتى بعد الإطاحة بعمر البشير لم تكن لها رؤية فكرية أو سياسية، بل كانت مجرد جهة توفر الشغيلة العسكريين لدولة 56 نفسها.

وأرجع إلياس تبني «الدعم السريع» رؤية سياسية إلى وجودها في قلب المعادلة، بالشراكة مع الجيش، ما رفع طموحها السياسي، فوجدت نفسها بحاجة لرؤية ومرجعية سياسية تستند إليها، فتبنت رؤية «حركات الهامش والمركز». وقال إن «الدعم السريع» تقاتل الآن من أجل إنهاء دولة 1956.

وشكك إلياس في مدى جدية «الدعم السريع» في تبني تلك الرؤية، مستنداً إلى سيرة «حركات التحرر الوطني الأفريقية، بل العربية، التي ادعت أنها جاءت لمعالجة خلل دولة ما بعد الاستعمار، لكنها بمجرد وصولها للسلطة أعادت إنتاج نفس آليات السلطة التي قضت عليها». وتابع: «الجدية الحقيقية يحسمها الجواب على سؤال: هل لدى «الدعم السريع» مشروع سلطوي، أم أنها قوات نبيلة قادمة لإنصاف المظاليم؟». لكن إلياس يسارع إلى القول: «إنني أشك في ذلك».

واستناداً إلى شكوك المحامي إلياس وتحليلات الخبراء، يظل السؤال قائماً: «هل ستحطم حرب الجنرالين دولة 56، أم تعيد تأسيسها من جديد؟».


مقالات ذات صلة

«قوات الدعم السريع» تنفي إطلاق سراح «أبو لولو»

شمال افريقيا القائد الميداني في «الدعم السريع» الفاتح عبد الله إدريس الشهير بـ«أبو لولو» يتوسط مقاتلين آخرين قرب الفاشر يوم 27 أكتوبر 2025 (لقطة مقتطعة من فيديو - رويترز) p-circle

«قوات الدعم السريع» تنفي إطلاق سراح «أبو لولو»

نفت «قوات الدعم السريع» بقيادة محمد حمدان دقلو (حميدتي) صحة أنباء متداولة بشأن إطلاق سراح القائد الميداني الفاتح عبد الله إدريس، الشهير بـ«أبو لولو».

محمد أمين ياسين (نيروبي)
آسيا الدخان يتصاعد من الطائرات المحترقة داخل مطار الخرطوم خلال اشتباكات (أرشيفية - رويترز)

28 قتيلاً في هجوم بمسيرة على سوق بكردفان بالسودان

قتل 28 شخصاً على الأقل اليوم (الثلاثاء)، في هجوم بطائرة مسيرة استهدف مطعماً وعربة مسلحة داخل سوق مكتظة بمدينة غبيش بغرب كردفان في السودان.

«الشرق الأوسط» (الخرطوم)
شمال افريقيا المدعو «أبو لولو» الذي نشر الرعب في الفاشر لدى اعتقاله بواسطة «قوات الدعم السريع» (أ.ف.ب)

«أبو لولو» القيادي بـ«الدعم السريع» يعود للقتال

قالت تسعة مصادر لـ«رويترز» إن قائداً في «قوات الدعم السريع»، كان قد اعتُقل في أواخر العام الماضي عقب موجة غضب عالمية أطلق سراحه وعاد إلى القتال.

«الشرق الأوسط» (الخرطوم)
شمال افريقيا وزير الخارجية السوداني محيي الدين أحمد سالم خلال مشاركته بالمنتدى الحضري الثالث عشر في باكو (الخارجية)

السودان يجدد تمسكه بالحل السلمي والتوافق الوطني لإنهاء الحرب

جدّد السودان التأكيد على استعداده للالتزام بإنهاء الأزمة عبر الوسائل السلمية وبناء توافق وطني شامل يمهد الطريق لانتخابات حرة ونزيهة بنهاية الفترة الانتقالية.

أحمد يونس (كمبالا)
شمال افريقيا وزير الطاقة والنفط السوداني المعتصم إبراهيم (وكالة السودان للأنباء)

أزمة الكهرباء تفاقم معاناة السودانيين في صيف لاهب

تشهد العديد من مناطق العاصمة السودانية الخرطوم ازدياداً في انقطاع التيار الكهربائي، وهو ما أرجعه وزير الطاقة إلى «السلوك الخاطئ لبعض المواطنين».

وجدان طلحة (الخرطوم)

«الدعم السريع» تنفي إطلاق سراح «أبو لولو»

المدعو «أبو لولو» الذي نشر الرعب في الفاشر لدى اعتقاله بواسطة «قوات الدعم السريع» (أ.ف.ب)
المدعو «أبو لولو» الذي نشر الرعب في الفاشر لدى اعتقاله بواسطة «قوات الدعم السريع» (أ.ف.ب)
TT

«الدعم السريع» تنفي إطلاق سراح «أبو لولو»

المدعو «أبو لولو» الذي نشر الرعب في الفاشر لدى اعتقاله بواسطة «قوات الدعم السريع» (أ.ف.ب)
المدعو «أبو لولو» الذي نشر الرعب في الفاشر لدى اعتقاله بواسطة «قوات الدعم السريع» (أ.ف.ب)

نفت «قوات الدعم السريع» في السودان، إطلاق سراح القائد الميداني الفاتح عبد الله إدريس، الشهير بـ«أبو لولو»، وعودته إلى ميدان القتال في إقليم كردفان؛ وقالت في بيان إن «هذه المزاعم عارية عن الصحة، وتأتي في إطار الحملات الدعائية المغرضة».

ميدانياً، وردت أنباء عن سقوط عشرات القتلى والجرحى في اشتباكات عنيفة بين الجيش السوداني والقوات المساندة له من جهة، و«قوات الدعم السريع» من جهة أخرى، في منطقة التكمة بولاية جنوب كردفان يوم الاثنين.

ويأتي هذا بعد أيام من الهدوء النسبي، وسط تداول معلومات عن أن الجيش نجح في استعادة السيطرة على التكمة، وفتح الطريق نحو مدينة الدلنج، ثاني أكبر مدن الولاية.

وتواترت أنباء عن كسر الجيش الحصار المفروض على الدلنج، وإدخال تعزيزات إنسانية وعسكرية، بعد عملية انفتاح من الداخل على منطقتي التكمة وهبيلا، إثر هجمات نفذها على «الدعم السريع» وحليفتها «الحركة الشعبية - شمال»، الساعية لإعادة حصار المدينة.


قواعد الطلاق في مصر... خلاف مستمر بين الأزهر ودعاة التعديل

مجلس النواب المصري خلال انعقاد إحدى جلساته (مجلس النواب)
مجلس النواب المصري خلال انعقاد إحدى جلساته (مجلس النواب)
TT

قواعد الطلاق في مصر... خلاف مستمر بين الأزهر ودعاة التعديل

مجلس النواب المصري خلال انعقاد إحدى جلساته (مجلس النواب)
مجلس النواب المصري خلال انعقاد إحدى جلساته (مجلس النواب)

ينتظر مشروع قانون الأحوال الشخصية الجديد في مصر سجالات طويلة داخل أروقة البرلمان وخارجه، وسط خلاف نشب مؤخراً بين مؤسسة «الأزهر» والقائمين على تعديل مواد القانون، وهي تباينات عادة ما تظهر بين المؤسسات الدينية والمدنية عند طرح قوانين جديدة تُنظم أحوال الأسرة المصرية.

وقرر رئيس مجلس النواب المستشار هشام بدوي، الثلاثاء، إحالة مشروع القانون إلى اللجان المختصة لمناقشته، تمهيداً لعرضه على الجلسة العامة للمجلس.

ويستحدث المشروع مواد عدة لم تكن موجودة في القوانين السابقة، من بينها تقييد إجراء الطلاق المباشر لدى المأذون خلال الثلاث سنوات الأولى من عمر الزواج، وقصر إجراءات الطلاق في هذه المدة على محكمة الأسرة، التي ستحاول بداية الإصلاح بين الزوجين.

كما استحدث المشروع مادة تتيح للطرفين طلب فسخ عقد الزواج خلال 6 شهور - ما لم تكن الزوجة حاملاً - في حال اكتشف أي من الطرفين بالآخر عيباً كان موجوداً قبل العقد دون إخبار الطرف الثاني به ورضائه عنه، على أن يُستعان بأهل الخبرة لتحديد العيوب التي يُطلب فسخ العقد من أجلها.

وكانت الحكومة المصرية أحالت مشروع القانون إلى المجلس في الثالث من مايو (أيار) الحالي، دون عرضه على الأزهر لأخذ رأيه الشرعي في مواده، على خلاف ما جرت عليه العادة في مشاريع قوانين سابقة للأسرة لم ترَ النور، كان أبرزها في عام 2019.

المؤسسة الدينية

أستاذ الفقه المقارن والشريعة في جامعة الأزهر، أحمد كريمة، يرى أن «كثيراً من المواد المستحدثة تخالف الشريعة»، مؤكداً في تصريح لـ«الشرق الأوسط» أنه كان على الحكومة أخذ مشورة الأزهر في مشروع الأحوال الشخصية للمسلمين، وهو إجراء اتبعته أيضاً مع الكنائس عند إعدادها قانون الأحوال الشخصية للمسيحيين.

وأعلنت الحكومة في أبريل (نيسان) الماضي الانتهاء من مشروع قانون الأحوال الشخصية للمسيحيين بعد نقاشات مع الكنائس المصرية حوله.

وردّ الأزهر في بيان، الاثنين، على تساؤلات وردت إليه بشأن موقفه من مشروع قانون الأحوال الشخصية، قائلاً إن المشروع «لم يُعرض بعد على الأزهر الشريف، ولم يشارك في صياغته بأي شكل من الأشكال».

وأضاف البيان أن الأزهر سبق وقدَّم مقترحاً بقانون للأحوال الشخصية في أبريل (نيسان) 2019، تضمَّن رؤيته الشرعية لهذا الموضوع، من خلال لجنة من هيئة كبار العلماء والأساتذة المتخصصين، ولا يعلم مدى توافق هذا المقترَح مع مشروع القانون الحالي المتداول بشأنه النقاش من عدمه، مشيراً إلى أن الأزهر «سيُبدِي رأيه وفق ما جرى عليه العرف الدستوري والقانوني، عقب إحالته إليه رسمياً من مجلس النواب».

مجلس النواب المصري في إحدى جلساته (مجلس النواب)

وأرجع رئيس لجنة صياغة مشروع القانون الحكومي، المستشار عبد الرحمن محمد، خلال تصريحات تلفزيونية مساء الاثنين، عدم عرض مشروع القانون على الأزهر قبل إحالته إلى البرلمان إلى الأخذ بآراء الأزهر كافة في المشروع السابق، مؤكداً موافقة جميع المواد للشريعة بنسبة 100 في المائة.

لكن كريمة علَّق في حديثه لـ«الشرق الأوسط» قائلاً: «هناك مواد مستحدثة لم تعرض على الأزهر من قبل حتى يُقال إن اللجنة اعتمدت على رأي الأزهر السابق، مثل المادة الخاصة بتقييد الطلاق والأخرى الخاصة بفسخ العقد، وهما مخالفتان للشريعة من وجهة نظري».

ويفسر الباحث في الحركات الإسلامية أحمد سلطان حالة الاستياء لدى المؤسسة الدينية من مشروع قانون الأحوال الشخصية الجديد إلى «ما أثاره القانون من لغط مجتمعي، ومحاولة الأزهر النأي بنفسه عنه على أساس أنه ليس جزءاً من المشروع حتى الآن». ووصف سلطان في حديثه لـ«الشرق الأوسط»، ما يجري من نقاشات بالأمر الصحي، وقال إنها في صالح المشروع ككل.

أزمة «الطلاق الشفهي»

وفي مقابل الاستياء من مواد يعتقد البعض أنها مخالفة للشريعة، ثمة اعتراضات لا تستند إلى المبدأ ذاته، وإنما إلى مشكلات ظهرت في أثناء تطبيق مواد قوانين الأسرة خلال السنوات الماضية وبحاجة إلى تعديل تشريعي للتعامل معها، وفي مقدمتها قضية «الطلاق الشفهي»، حسب المحامي في مؤسسة «قضايا المرأة المصرية»، أحمد مختار.

حملة توعوية ضد الطلاق الشفهي (مؤسسة قضايا المرأة المصرية)

وقال مختار لـ«الشرق الأوسط»: «مشروع القانون الحالي لا يلبي طموحنا، ونتطلع لأن يصدر قانون جامع بمواد حاكمة واضحة لا تترك الأمر لتأويل القضاة»، مضيفاً أن مشروع القانون الحالي «أمسك بالعصا من المنتصف، في محاولة لتقليل حدة الصدام سواء مع المؤسسات الدينية أو غيرها».

وأضاف: «في ملف الطلاق الشفهي المثير للجدل، لم يحلّ مشروع القانون الأمر بالنص صراحة على عدم الاعتراف به أو وقوع الطلاق ما لم يوثق، وإنما نصّ على إلزام الزوج بالتوثيق خلال مدة 15 يوماً من وقوع الطلاق».

وتساءل: «إذا لم يوثق الزوج الطلاق في هذه المدة فسيقع عبء إثباته على الزوجة، أي أننا نظل أمام المعضلة نفسها الخاصة بوقوعه شرعاً وعدم الاعتراف به قانوناَ ما لم يوثق»، مضيفاً: «ما دام الدولة لا تعترف بالزواج إذا تم شفهياً وتشترط التوثيق، فلا بد أن يُعامل الطلاق بالمِثل».

وسبق أن اقترح الرئيس عبد الفتاح السيسي في عام 2017 إلغاء الطلاق الشفهي، وإصدار قانون ينص على عدم الاعتداد بالطلاق ما لم يوثق، وهو ما أثار حفيظة المؤسسات الدينية آنذاك، وقوبل بحملة رفض واسعة.


ليبيا: حفتر يُطلق مناورة عسكرية «كبرى» ويُثني على عزيمة الجنود

حفتر يتفقد المناورة من الجو (وسائل إعلام موالية للجيش الوطني)
حفتر يتفقد المناورة من الجو (وسائل إعلام موالية للجيش الوطني)
TT

ليبيا: حفتر يُطلق مناورة عسكرية «كبرى» ويُثني على عزيمة الجنود

حفتر يتفقد المناورة من الجو (وسائل إعلام موالية للجيش الوطني)
حفتر يتفقد المناورة من الجو (وسائل إعلام موالية للجيش الوطني)

انخرطت قوات «الجيش الوطني» الليبي بكل وحداتها العسكرية البرية والبحرية والجوية في «مناورات درع الكرامة 2»، التي انطلقت بعد ظهر الثلاثاء، بحضور دبلوماسي عربي ودولي.

وأطلق صدام حفتر، نائب القائد العام للجيش، المناورة حسب «تلفزيون المسار»، بعد أخذ الإذن من القائد العام، لتبدأ وفق الخطة الموضوعة، التي تشرف عليها رئاسة الأركان العامة بقيادة الفريق خالد حفتر.

واطّلع حفتر على سير المناورة جواً، وأثنى على عزيمة جنود «الجيش الوطني» وبسالتهم خلال التدريبات، التي بدأت قبل أربعة أيام.

صدام حفتر يتفقد غرف العمليات ومواقع تمركز «فرقة 309» والوحدات المشاركة في المناورة (القيادة العامة)

وقُبيل انطلاق المناورة التي تحتضنها منطقة «رأس العلبة»، تفقّد خالد حفتر، في الساعات الأولى من صباح الثلاثاء، سير تدريبات وحدات القوات المسلحة المشاركة في العملية، وتشمل تدريبات المشاة والدبابات، واقتحام المباني.

وقالت رئاسة الأركان إن خالد حفتر عقد اجتماعاً مع قيادات «الفرقة 309» وآمري الوحدات والألوية المشاركة في المناورة. وفيما أشاد بـ«المستوى المتقدم» الذي ظهر به منتسبو القوات المسلحة، شدّد على أن «بناء قوات مسلحة حديثة ومتطورة يرتكز على التدريب المستمر، والانضباط ورفع مستوى التأهيل العسكري».

جانب من المناورة العسكرية (القيادة العامة للجيش)

ويحرص «الجيش الوطني» على تحديث ترسانته العسكرية من خلال تطوير أنظمة الدفاع الجوي والبري، بالإضافة إلى إبرام صفقات تسليح وتدريب موسعة مع شركاء دوليين لتعزيز جاهزية قواته. ويعد من أبرز ملامح هذا التطوير تعزيز القوات البرية بمركبات من نوع «BTR-82A» الروسية، ومركبات «Spartak»، إلى جانب تطوير دبابات القتال الرئيسية.

وتضم المناورة، التي يجري التحضير لها منذ السبت الماضي في منطقة «رأس العلبة»، قرابة 25 ألف جندي وضابط، وتُوصف بأنها «الأكبر في تاريخ الجيش الوطني»، وتأتي تزامناً مع الاحتفالات التي تجريها «القيادة العامة» بذكرى «معركة الكرامة».

وتقع منطقة «رأس العلبة» في شمال شرقي ليبيا، جنوب بلدة العزيات التابعة لبلدية درنة.

وسبق أن اجتمع صدام حفتر، في الرابع من مايو (أيار) الحالي، مع قادة الألوية والوحدات المشاركة في المناورة، واطّلع على مستوى الجاهزية والاستعداد لدى الوحدات المشاركة، كما جرى استعراض التصور العام للمناورة، والخطة التنظيمية لتنفيذها، وآلية التنسيق بين مختلف الوحدات العسكرية المشاركة.

تدريبات بواسطة الهليكوبتر (القيادة العامة)

وأكد صدام حفتر «ضرورة المحافظة على أعلى درجات الجاهزية والانضباط، وتنفيذ مراحل المناورة كافة وفق الخطة المعتمدة، بما يؤكد كفاءة وجاهزية القوات المسلحة، وقدرتها على تنفيذ المهام الموكلة إليها بكفاءة واقتدار».

و«معركة الكرامة» عملية عسكرية واسعة، سبق أن شنّتها قوات «الجيش الوطني» في 16 مايو عام 2014، في مواجهة جماعات إرهابية، من بينها «تنظيم داعش»، بسطت قبضتها على مدن ليبية، بينها بنغازي ودرنة.

وقال اللواء عمر مراجع المقرحي، القائد بـ«الجيش الوطني»، إن مناورة «رأس العلبة ليست مجرد استعراض قوة، بل رسالة واضحة بأن الجاهزية واقع، وأن الإرادة لا تُكسر، وأن من يحمل شرف المسؤولية لا يتراجع».

وعدّ المقرحي، في تصريح صحافي، هذه المناورة «تجسيداً لانضباط، وقوة تُبنى بصمت وتثبت بالفعل، ورسالة لكل من يراهن على ضعف الدولة بأن الجيش حاضر وقادر، وستبقى رأس العلبة علامة فارقة في تاريخ الجيش الليبي الحديث».

وكانت الممثلة الخاصة للأمين العام للأمم المتحدة، هانا تيتيه، قد بحثت مع خليفة حفتر، في مدينة بنغازي مساء الاثنين، التطورات السياسية والأمنية والاقتصادية في ليبيا. وقالت البعثة إن تيتيه أطلعت حفتر على «التقدم المحرز» في «الحوار المُهيكل»، حيث تعمل مساراته الأربعة حالياً على استكمال وصياغة توصياتها النهائية.

خالد حفتر شدّد على أن «بناء قوات مسلحة حديثة ومتطورة يرتكز على رفع مستوى التأهيل العسكري» (القيادة العامة للجيش)

كما قدمت إحاطة بشأن المشاورات الجارية ضمن «الاجتماع المصغّر»، الذي يعمل على تجاوز العقبات، التي تحول دون التوصل إلى اتفاق بشأن أول محطتين في خريطة الطريق الأممية، والمتمثلتين في استكمال مجلس المفوضية الوطنية العليا للانتخابات، وتعديل الإطار القانوني للانتخابات الرئاسية والبرلمانية.

وقالت البعثة إن حفتر جدد تأكيد دعم «الجيش الوطني» لجهود بعثة الأمم المتحدة للدعم في ليبيا، الرامية إلى الدفع بالعملية السياسية قدماً، بما يحفظ وحدة ليبيا، وينهي الانقسام المؤسسي، ويدعم مسار بناء الدولة.