هل تحطم حرب الجنرالين السودانيين «دولة ما بعد الاستقلال»؟

حميدتي اختار آيديولوجيا الهامش تبريراً لمشروعية حربه

الرئيس المخلوع عمر البشير اختار «حميدتي» (يبدو إلى جانبه) لحماية نظامه لكنه انقلب عليه (أ.ف.ب)
الرئيس المخلوع عمر البشير اختار «حميدتي» (يبدو إلى جانبه) لحماية نظامه لكنه انقلب عليه (أ.ف.ب)
TT

هل تحطم حرب الجنرالين السودانيين «دولة ما بعد الاستقلال»؟

الرئيس المخلوع عمر البشير اختار «حميدتي» (يبدو إلى جانبه) لحماية نظامه لكنه انقلب عليه (أ.ف.ب)
الرئيس المخلوع عمر البشير اختار «حميدتي» (يبدو إلى جانبه) لحماية نظامه لكنه انقلب عليه (أ.ف.ب)

يتم تداول فكرة تحطيم «دولة ما بعد الاستقلال السياسي في السودان» التي تعرف أيضاً بدولة 1956، بشكل واسع، منذ اندلاع النزاع المسلح بين الجيش وقوات «الدعم السريع» في منتصف أبريل (نيسان) الماضي، وتحولت هذه الفكرة إلى «آيديولوجيا» للقوات التي تعتبر عند الكثيرين «ميليشيا» مدججة بالسلاح، صنعت من أجل حماية نظام الرئيس السابق عمر البشير، وحكم جماعات الإسلام السياسي.

وقد استعارت قوات «الدعم السريع» هذه الفكرة من الأدبيات الثورية السودانية، كفكر سياسي يبرر لحربها مع الجيش باعتباره من «فلول» النظام المعزول، وأداة من أدوات الدولة الموروثة من الاستعمار، والتي يجب تحطيمها.

وتنبثق فكرة تحطيم دولة ما بعد الاستقلال السياسي، والتي تعرف بدولة 1956، وهي السنة التي نال فيها السودان استقلاله السياسي من المستعمر البريطاني، من وراثة النخب المركزية للدولة خلفاً للاستعمار، ونتج ذلك بحكم قرب تلك النخب من المركز الاستعماري، وحصولها المبكر على التعليم، ما أحدث، وفقاً للدكتور عبد الرحمن الغالي، في مقال منشور له «اختلالاً في موازين التنمية، فتركزت المشاريع في مناطق الجدوى الاقتصادية، واختلالاً في الخدمات والتعليم، وتمايزاً ثقافياً وإثنياً حاداً».

سيطرة النخب

وظلت النخب، وهي نخب الوسط والشمال، تسيطر على مقاليد الحكم، وبالتالي على السلطة والثروة، طوال سنوات ما بعد الاستقلال السياسي (نحو 67 عاماً)، ما أثار حنق ما عرف لاحقاً بـ«المناطق المهمشة»، وتشمل أقاليم دارفور وكردفان والنيل الأزرق والبحر الأحمر، فضلاً عن جنوب السودان الذي استقل عن السودان قبل 12 عاماً لذات الأسباب التي يُعبر عنها بـ«التهميش».

وحمّل الغالي النخب السياسية التي حققت الاستقلال مسؤولية تجاهل معالجة اختلال التوازن التنموي والسياسي والتنوع الثقافي؛ إذ سارت على هذا النهج الحكومات التي أعقبت الاستعمار، سواءً كانت ناتجة عن انقلابات عسكرية أم حكومات مدنية منتخبة، ما أدى إلى بروز حركات إقليمية وجهوية أحست بالظلم، فصعدت مطالبها لتحقيق التنمية والمشاركة السياسية العادلة.

وظلت قضية الهامش الفقير والمعزول والمركز الثري والمسيطر، تسيطر على تفكير نخب ما عرف لاحقاً بـ«المناطق المهمشة»، وتمثل ذلك، وفقاً للمحلل السياسي الجميل الفاضل، بأن الدولة الموروثة من الاستعمار لم يطرأ عليها تغيير جوهري منذ أن حلَّت نخب سودانية متعاقبة توارثت الأوضاع الخاصة والامتيازات التي كان يتمتع بها الحكام الإنجليز في مختلف مستويات ومجالات السلطة.

حلم الهامش

وظلت فكرة «التخلص أو تحطيم دولة 56» متداولة لدى الحركات الثورية اليسارية والجهوية والإقليمية، والتي دخلت في مساومات مع المركز، كان أكبر أثمانها أن نالت الحركة الجنوبية، «الحركة الشعبية لتحرير السودان» بقيادة الراحل د. جون قرنق دمبيور، «انفصال» جنوب السودان وتكوينه لدولته المستقلة في 2011. أما بقية الحركات التي كانت تقارع المركز بذات الشعارات، فقد اكتفت بمكاسب سلطوية ومادية محدودة لم تسهم في تغيير واقع التهميش.

لاجئون سودانيونمن دارفور يتجمعون في مستشفى «أدري» بتشاد (رويترز)

وحين نشبت الحرب بين الجيش وقوات «الدعم السريع»، نتيجة صراع قادة القوتين المتوازيتين على السلطة، حاول كل طرف إيجاد مسوغات سياسية لحربه، فاختار قائد الجيش، عبد الفتاح البرهان، تبرير حربه بأنها ضد قوة متمردة مرتبطة بالأجنبي، وبالتالي فإن حربها مشروعة و«حرب كرامة»، فيما التقط قائد قوات «الدعم السريع»، محمد حمدان دقلو (حميدتي)، فكرة الانتقال المدني الديمقراطي وإعادة تأسيس دولة ما بعد 1956 والصراع الدائر حولها، ووظفها آيديولوجياً لتبرير حربه.

وقال الفاضل لـ«الشرق الأوسط»، إنه كان من المفترض أن يتم بناء نظام دولة مواطنة بلا تمييز، يحقق العدالة الاجتماعية والتنمية المتوازنة والرعاية الشاملة، لكن هذا لم يحدث، فوجد «الدعم السريع» الفرصة سانحة باعتباره «وعاءً خالياً من الحمولات الآيديولوجية، استخدمه سابقاً الإخوان في إطار استراتيجياتهم التمكينية لقمع مناهضي سلطتهم، وبات الآن في وارد أن يخدم أجندة نقيضة لأجنداتهم تلك». وتابع: «حالة الخواء التي هي من سمات قوات (الدعم السريع)، جعلت منها أداة جيدة من شأنها أن تخدم أي أجندات، حتى الخبيث منها».

واعتبر المحامي والكاتب حاتم إلياس أن دولة 56، أي دولة ما بعد الاستقلال «هي توصيف لمجمل الأزمة السودانية، بانقلاباتها وثوراتها وحروبها، سواءً كانت حرب الجنوب الطويلة أو حروب الأطراف في دارفور». وتابع: «تعبير دولة 56 ظل، ومنذ صبيحة استقلال السودان في ذلك العام وحتى الآن، يحمل طابع الأزمة الذي تجلى في عدم الاستقرار السياسي».

وحمّل إلياس الحالة المتأزمة التي نتجت ما بعد الاستقلال، المسؤولية عما يعيشه السودان الآن، مؤكداً أنها «قادت إلى فصل جنوب السودان عن شماله». ويضيف: «بغض النظر عن المحمول الاجتماعي لتلك الأزمة، فقد انحرفت عند البعض إلى أزمة ذات أبعاد عنصرية، وأصبح يطلق عليها (دولة الجلابة) من قبل التيار السياسي الذي يتبنى رؤية الهامش والمركز».

وتقول تلك الرؤية إن القلة من المنسوبين للثقافة العربية الإسلامية هيمنوا على السلطة دون بقية شعوب السودان الأفريقية. ويقول إلياس: «يتفق الجميع على أن الدولة وطريقة إدارتها الاقتصادية والسياسية، على اختلاف الأنظمة عسكرية كانت أم ديمقراطية، لم تخرج عن (كتالوغ) دولة 56 النخبوي، واستأثرت قلة بالسلطة والثروة على حساب أبناء الوطن الآخرين في أقاليم السودان المختلفة».

الحرب في الخرطوم اتخذت أبعاداً جديدة وتهدد النسيج الاجتماعي (رويترز)

ويرى إلياس أن طرائق التعاطي السياسي لتفكيك دولة 56 اختلفت بين التيارات الفكرية، لا سيما فيما يتعلق بإدارة الدولة. وقال: «الجميع متفقون على أن طريقة إدارة دولة منذ الاستقلال وحتى الآن خاطئة، لكن هناك اختلافات بين الماركسيين والليبراليين ومدارس التحليل الثقافي وأتباع نظرية الهامش والمركز والإسلاميين».

تشكيك في جدية «الدعم السريع»

وقال إلياس إن «الدعم السريع حالة غريبة»، بدأت ميليشيا عسكرية دون أي رؤى فكرية أو سياسية، وكانت بمثابة قوات تابعة للجيش، ولدت في رحم الصراع الدارفوري/الدارفوري، وحتى بعد الإطاحة بعمر البشير لم تكن لها رؤية فكرية أو سياسية، بل كانت مجرد جهة توفر الشغيلة العسكريين لدولة 56 نفسها.

وأرجع إلياس تبني «الدعم السريع» رؤية سياسية إلى وجودها في قلب المعادلة، بالشراكة مع الجيش، ما رفع طموحها السياسي، فوجدت نفسها بحاجة لرؤية ومرجعية سياسية تستند إليها، فتبنت رؤية «حركات الهامش والمركز». وقال إن «الدعم السريع» تقاتل الآن من أجل إنهاء دولة 1956.

وشكك إلياس في مدى جدية «الدعم السريع» في تبني تلك الرؤية، مستنداً إلى سيرة «حركات التحرر الوطني الأفريقية، بل العربية، التي ادعت أنها جاءت لمعالجة خلل دولة ما بعد الاستعمار، لكنها بمجرد وصولها للسلطة أعادت إنتاج نفس آليات السلطة التي قضت عليها». وتابع: «الجدية الحقيقية يحسمها الجواب على سؤال: هل لدى «الدعم السريع» مشروع سلطوي، أم أنها قوات نبيلة قادمة لإنصاف المظاليم؟». لكن إلياس يسارع إلى القول: «إنني أشك في ذلك».

واستناداً إلى شكوك المحامي إلياس وتحليلات الخبراء، يظل السؤال قائماً: «هل ستحطم حرب الجنرالين دولة 56، أم تعيد تأسيسها من جديد؟».


مقالات ذات صلة

دعوة دولية لوقف فوري لإطلاق النار في السودان

شمال افريقيا من مشاهد الحرب السودانية في مدينة أم درمان أغسطس 2024 (د.ب.أ)

دعوة دولية لوقف فوري لإطلاق النار في السودان

حضّت جهات دولية عدة الأطراف المتحاربة في السودان على الانخراط فوراً في مفاوضات للتوصل إلى وقف دائم لإطلاق النار، يستند إلى خريطة طريق «الآلية الرباعية».

محمد أمين ياسين (نيروبي)
شمال افريقيا نساء وأطفال في طوابير لتلقي مساعدات غذائية للنازحين قرب مدينة الأُبيّض في كردفان (أ.ف.ب)

«يونيسف»: أكثر من 3.6 مليون طفل سوداني يعانون سوء التغذية

قالت منظمة الأمم المتحدة لرعاية الطفولة (يونيسف) إن أكثر من 3.6 مليون طفل دون سن الخامسة يعانون من سوء التغذية في السودان.

وجدان طلحة (الخرطوم)
خاص الرئيس السوداني السابق عمر البشير مغادراً مكتب المدعي العام لمكافحة الفساد في الخرطوم يوم 16 يونيو (رويترز)

خاص نقل البشير إلى مستشفى بالخرطوم ومزاعم عن ترتيبات لسفره

نُقل الرئيس السوداني السابق عمر البشير من مدينة مروي في شمال البلاد إلى مستشفى بالخرطوم، لتلقي العلاج وسط حديث عن ترتيبات لسفره خارج البلاد.

محمد أمين ياسين (نيروبي) وجدان طلحة (الخرطوم)
خاص أسرة رحمة عبد الرحمن تقيم في منزل متواضع (الشرق الأوسط)

خاص يوميات أسرة سودانية نازحة... كفاح من أجل البقاء

لم يعد العمل وسيلة لتحسين مستوى المعيشة أو بناء مستقبل أكثر استقراراً، بل تحول إلى محاولة يومية لتأمين الحد الأدنى من الحياة.

بهرام عبد المنعم (الخرطوم)
شمال افريقيا حطام متناثر داخل مبنى كلية التنمية والعلوم التكنولوجية عقب هجوم بمسيّرة في مدينة الأُبيّض يوم 15 سبتمبر (رويترز) p-circle

مسيّرات «الدعم السريع» تستهدف مدينة الأُبيّض في السودان

قصفت طائرات مسيّرة يُرجّح أنها تابعة لـ«قوات الدعم السريع»، صباح الاثنين، المدينة الرياضية وكلية شيكان الجامعية ومنشآت عامة في مدينة الأُبيّض.

أحمد يونس (كمبالا)

مصر تحذر من محاولات إسرائيلية لفرض واقع جديد داخل المسجد الأقصى

مصر تدين اقتحام المسجد الأقصى (رويترز)
مصر تدين اقتحام المسجد الأقصى (رويترز)
TT

مصر تحذر من محاولات إسرائيلية لفرض واقع جديد داخل المسجد الأقصى

مصر تدين اقتحام المسجد الأقصى (رويترز)
مصر تدين اقتحام المسجد الأقصى (رويترز)

حذّرت مصر من خطورة الاقتحامات الإسرائيلية المتكررة للمسجد الأقصى، وقالت إنها «تستهدف تغيير الوضع القائم وفرض واقع جديد داخل الحرم القدسي الشريف».

وأدانت مصر، وفق بيان صادر عن وزارة الخارجية، الخميس، اقتحام مئات المستوطنين الإسرائيليين المسجد الأقصى المبارك، وما رافق ذلك من ممارسات استفزازية وأداء طقوس دينية داخل باحاته، معتبرة أن هذه التصرفات تمثل انتهاكاً للوضع التاريخي والقانوني القائم في المسجد.

وشدّدت مصر على أهمية الحفاظ على الوضع التاريخي والقانوني للمقدسات في مدينة القدس، وصون المكانة الدينية للمسجد الأقصى المبارك. وأكدت أن استمرار الترتيبات القائمة بشأن المقدسات يمثل ركيزة أساسية لتجنب تصاعد التوتر، في وقت حذّرت فيه من أن تكرار هذه الانتهاكات يفاقم حالة الاحتقان.

ولفتت القاهرة «إلى أن هذه الممارسات تأتي في إطار سياسة ممنهجة تتنصل من أشكال الردع أو المساءلة، محذرة من تداعياتها على الأمن والاستقرار في الأراضي الفلسطينية المحتلة والمنطقة بأسرها».

وأدانت جامعة الدول العربية، الخميس، اقتحام أكثر من 1300 مستوطن إسرائيلي للمسجد الأقصى المبارك في خامس أيام عيد «العرش» اليهودي، وما يصاحب هذه الاقتحامات من أداء طقوس وصلوات دينية علنية داخل باحات المسجد، بحماية شرطة الاحتلال الإسرائيلي، والتضييق على المصلين الفلسطينيين وعرقلة وصولهم إليه.

وأشارت إلى «أن اتساع نطاق الاقتحامات وتكرارها، وما يرافقها من ممارسات تستهدف فرض طقوس دينية داخل المسجد، يمثلان اعتداءً سافراً على حرمته ومحاولة ممنهجة لتغيير الوضع التاريخي والقانوني القائم فيه، وفرض وقائع تمهد لتقسيمه زمانياً ومكانياً».


دعوة دولية لوقف فوري لإطلاق النار في السودان

من مشاهد الحرب السودانية في مدينة أم درمان أغسطس 2024 (د.ب.أ)
من مشاهد الحرب السودانية في مدينة أم درمان أغسطس 2024 (د.ب.أ)
TT

دعوة دولية لوقف فوري لإطلاق النار في السودان

من مشاهد الحرب السودانية في مدينة أم درمان أغسطس 2024 (د.ب.أ)
من مشاهد الحرب السودانية في مدينة أم درمان أغسطس 2024 (د.ب.أ)

حضّت جهات دولية عدة الأطرافَ المتحاربةَ في السودان على الانخراط فوراً في مفاوضات للتوصل إلى وقف دائم لإطلاق النار، يستند إلى خريطة طريق «الآلية الرباعية»، مؤكدة استعدادها لاتخاذ مزيد من الإجراءات لدعم إبرام هذا الاتفاق وتنفيذه.

وجاءت الدعوة في بيان مشترك، من الولايات المتحدة وفرنسا وألمانيا والمملكة المتحدة والاتحاد الأفريقي والاتحاد الأوروبي، على هامش الجمعية العامة للأمم المتحدة في نيويورك، مشددة على أهمية إرساء حوار سياسي مدني وشامل بقيادة سودانية.

وكانت «الآلية الرباعية»، التي تضم كلاً من السعودية ومصر وأميركا والإمارات، قدّمت في سبتمبر (أيلول) 2025 مبادرة تضمنت إقرار هدنة مدتها 3 أشهر من أجل توفير المساعدات الإنسانية العاجلة للمتضررين من المدنيين، على أن يتم إطلاق عملية انتقال سياسي سلمي للسلطة لمدة 9 أشهر، تُفضي إلى قيام حكومة مدنية شرعية تحصل على ثقة المواطنين السودانيين.

ودعا البيان الدولي إلى خفض التصعيد وتنسيق الجهود الرامية إلى معالجة الأزمة الإنسانية الحادة في السودان، مشيراً إلى أن أكثر من 33 مليون شخص، نحو ثلثي سكان البلاد، بحاجة ماسة إلى مساعدات إنسانية عاجلة.

إعلان جدة

ممثلون لطرفَي النزاع السوداني خلال توقيع «اتفاق جدة» في مايو 2023 (رويترز)

كما جاء في البيان: «ندعو هذه الأطراف إلى احترام التزاماتها بموجب (إعلان جدة) واتخاذ كافة التدابير اللازمة لحماية المدنيين والبنية التحتية المدنية والخدمات الأساسية»، مشدداً على ضرورة تعزيز المساءلة عن هذه الفظائع.

واعتبر الموقعون على البيان أن الصراع الدائر بين الجيش و«قوات الدعم السريع»، منذ منتصف أبريل (نيسان) 2023، يشكل تهديداً كبيراً لمستقبل السودان، وينطوي على مخاطر زيادة زعزعة استقرار المنطقة بأسرها. كما شدد البيان المشترك على وقف فوري لإطلاق النار، والتوصل إلى تسوية سياسية شاملة وحقيقية تعالج القضايا الرئيسية التي ظلت تشكل جوهر المظالم التاريخية في السودان لعقود.

ورحّب الموقعون بالمشاورات التي أجرتها «الآلية الخماسية» في كل من برلين وأديس أبابا والخرطوم لتيسير الحوار الهادف بين الأطراف العسكرية والمدنية لإنهاء الحرب وإرساء أسس انتقال سياسي سلمي، بهدف توحيد وضمان استقرار السودان على المدى الطويل.

التنسيق مع «الآلية الخماسية»

البرهان مستقبِلاً المبعوث الشخصي للأمين العام للأمم المتحدة إلى السودان بيكا هافيستو (إعلام مجلس السيادة)

وجدّد البيان دعمه الكامل لجهود المبعوث الشخصي للأمين العام للأمم المتحدة، بيكا هافيستو، في مساعيه الرامية لإعادة إطلاق الحوار السياسي، بالتنسيق مع «الآلية الخماسية»، التي تضم الاتحاد الأفريقي والاتحاد الأوروبي وجامعة الدول العربية والأمم المتحدة ومنظمة «الإيغاد».

وأدان البيان بشدة الانتهاكات والتجاوزات للقانون الدولي الإنساني التي ترتكبها الأطراف المتحاربة ضد المدنيين، بما في ذلك عمليات القتل بدوافع عرقية، والقصف الجوي العشوائي الذي يستهدف البنية التحتية المدنية وقوافل المساعدات الإنسانية، فيما أيّد البيان «تعزيز نظام العقوبات وتطبيقه على جميع أنحاء السودان».

وحثّ الموقعون على جميع الأطراف المتحاربة على السماح بوصول المساعدات الإنسانية بشكل سريع وآمن ودون عوائق أو قيود بيروقراطية إلى جميع أنحاء السودان، إلى جانب تسهيل الوجود الميداني للعاملين في المجال الإنساني.

وجدّد البيان التأكيد على الالتزام بسيادة السودان ووحدة أراضيه، ورفض بشدة إنشاء هياكل حكم موازية، ودعا المجتمع الدولي إلى تكثيف جهوده المالية في المجال الإنساني، والوفاء السريع بالتعهدات الدولية بهدف تخفيف معاناة الشعب السوداني.

غياب سلطة «شرعية»

أرشيفية لقائد الجيش عبد الفتاح البرهان ومحمد حمدان دقلو (حميدتي) قائد «قوات الدعم السريع» (أ.ف.ب)

وكانت الولايات المتحدة قد انتقدت مؤخراً غياب سلطة «شرعية» في السودان، معتبرة أن القوتين العسكريتين المتنافستين لم تقدما التزامات جدية لإنهاء الحرب في البلاد. وقال المتحدث باسم وزارة الخارجية الأميركية تومي بيغوت: «لا القوات المسلحة السودانية ولا (قوات الدعم السريع) ولا قياداتهما تمثل سلطة شرعية ودستورية في السودان، إذ إنها تحكم بقوة السلاح وحدها».

وأضاف، في بيان، أن «سلوك قائدي الفصيلين المتحاربين يجعلهما غير مؤهلين لحكم البلاد».

وكانت واشنطن قد اقترحت هدنة إنسانية لمدة 90 يوماً في الحرب الأهلية الدائرة بين الجيش و«قوات الدعم السريع»، قدّمها مسعد بولس، كبير مستشاري الرئيس الأميركي دونالد ترمب للشؤون العربية والأفريقية، لكن قائد الجيش الفريق عبد الفتاح البرهان رفضها وتعهد بمواصلة الحرب.

و​قال مستشار رفيع المستوى لدى الحكومة السودانية لـ«رويترز» إن الاقتراح الأميركي لوقف إطلاق النار قد يدفع البلاد نحو التقسيم على غرار ليبيا في شكلها الحالي، في تصريحات تعدّ من أقوى الانتقادات التي يوجهها مسؤول سوداني للخطة الأميركية حتى الآن.

وعبّر محللون ومسؤولون منذ فترة طويلة عن مخاوفهم من أن يؤدي الصراع إلى انقسام فعلي في السودان على غرار جارته ليبيا، التي انقسمت إلى إدارتين متنافستين في الشرق والغرب منذ أكثر من عقد من الزمن. ومنذ العام الماضي، أقامت «قوات الدعم السريع» حكومة موازية خاصة بها في مدينة نيالا بإقليم دارفور في غرب البلاد. وتم تعيين وزراء، وبدأت عناصر شرطة في ممارسة مهامها، على الرغم من عدم إنشاء خدمات عامة أو مؤسسات مثل المدارس والمستشفيات والمحاكم.


معلمو ليبيا يصعّدون إضرابهم ويطوِّقون مقر «الوحدة»

جانب من احتجاج المعلمين أمام مقر حكومة «الوحدة» في طرابلس يوم الخميس (حراك المعلمين)
جانب من احتجاج المعلمين أمام مقر حكومة «الوحدة» في طرابلس يوم الخميس (حراك المعلمين)
TT

معلمو ليبيا يصعّدون إضرابهم ويطوِّقون مقر «الوحدة»

جانب من احتجاج المعلمين أمام مقر حكومة «الوحدة» في طرابلس يوم الخميس (حراك المعلمين)
جانب من احتجاج المعلمين أمام مقر حكومة «الوحدة» في طرابلس يوم الخميس (حراك المعلمين)

صعَّد معلمو ليبيا من إضرابهم عن العمل وتوافدوا بأعداد كبيرة، الخميس، على مقر حكومة «الوحدة الوطنية» المؤقتة برئاسة عبد الحميد الدبيبة في طرابلس، للمطالبة بتسوية أوضاعهم المالية والإدارية، مؤكدين عدم فتح أي مدرسة إلا بعد تنفيذ «المطالب المشروعة».

وفي مشهد غير معتاد، انطلقت مسيرات لمعلمات من أنحاء العاصمة، وهن يرددن الهتافات ويرفعن الأعلام واللافتات، قبل أن تستقر قبالة مقر إقامة حكومة «الوحدة» بطريق السكة بطرابلس، معبّرات عن غضبهن مما يصفنه بـ«تجاهل معاناتهن وأوضاعهن الوظيفية والمالية».

وفرضت قوات الأمن حراسة أمنية مشددة أمام مقر الحكومة، مما حال دون وصول المتظاهرين إلى نقاط قريبة من ديوان الحكومة، في وقت أعلن معلمون من مصراتة، التي تقع على بعد 200 كيلومتر إلى الشرق من طرابلس، التوجه إلى العاصمة للانضمام إلى الوقفة الاحتجاجية.

وقفة احتجاجية أمام مراقبة التربية والتعليم في تاجوراء بغرب ليبيا يوم الخميس (حراك المعلمين)

وتأتي هذه الموجة التصعيدية استكمالاً لإضراب عام أعلنته النقابة العامة للمعلمين في جميع المدارس الليبية في 27 سبتمبر (أيلول)، لدفع الحكومة إلى الموافقة على مطالبهم، ومن بينها زيادة الرواتب وتوفير تأمين صحي وتحسين مستوى المعيشة.

في الوقت ذاته، توافد معلمون ومعلمات من مناطق مختلفة بغرب ليبيا، واصطفوا في وقفة احتجاجية أمام المجلس الرئاسي بالعاصمة طرابلس، رافعين لافتات تطالب بتحسين وتوحيد مرتبات المعلمين، وصرف الفروقات والمستحقات المالية، وتوفير التأمين الصحي الشامل للمعلم وأسرته، بالإضافة إلى تسوية الأوضاع الوظيفية وتفعيل القوانين والتشريعات الضامنة لحقوق المعلم.

واتهم «حراك المعلمين ببلدية القره بوللي» عناصر أمنية، الخميس، بالاعتداء على المعلمين المحتجين، مشيراً إلى أن الوقفة الشاملة شهدت خروج الكوادر التعليمية من مختلف مدن ومناطق غرب ووسط ليبيا للمطالبة بحقوقهم. وأبدى الحراك أسفه لمواجهة الأمن الشرائح التعليمية، قائلاً: «من علَّمناهم ودرِّسناهم الحرف يقفون اليوم ضدنا ويعتدون علينا».

مدارس مغلقة في العاصمة الليبية استجابة للإضراب الذي نظمته النقابة العامة يوم 27 سبتمبر (حراك المعلمين بالقره بوللي)

وتفاعل ليبيون عديدون مع إضراب المعلمين لنيل حقوقهم؛ وقال الشيخ محمد المبشِّر رئيس «مجلس أعيان ليبيا للمصالحة» إن «الاعتقاد بأن إضراب المعلمين أمر بسيط خطأ كبير... فإذا ارتفع صوت شريحتين فقط تغير المشهد».

وانضمت مدرسة «فاطمة الزهراء» للتعليم الأساسي بالزاوية إلى حراك المعلمين، وقالت في بيان: «لم يعد مقبولاً استمرار تعليق حقوق المعلم بين الوعود والتأجيل»، وشددت على أن استقرار العملية التعليمية ينطلق من إنصاف المعلم وصون كرامته. وأعلنت المدرسة استمرار مشاركتها في الإضراب العام حتى اتخاذ إجراءات رسمية وملموسة تلبي المطالب المعلنة.

وفي الأيام الماضية، شهدت مناطق غرب ليبيا إضرابات عديدة، من بينها إضراب القطاع الطبي والعاملين في قطاعات النفط.

ويأتي إضراب المعلمين إثر اعتصامات تحذيرية بدأت مع انطلاق العام الدراسي في 13 سبتمبر (أيلول)، لكن تعامل الحكومة معها لم يكن على نحو يرضي المعلمين.

ومن شرق ليبيا، تفاعلت نقابة المعلمين في بلدية البيضاء مع حراك المعلمين في العاصمة، وعملت على «بث مباشر» للمظاهرة التي تشهدها طرابلس أمام مقر حكومة «الوحدة». بينما ندد نقباء نقابات المعلمين بالمنطقة الشرقية بتردي الوضع المادي الذي وصل إليه المعلم، وأكدوا في بيان تمسكهم بحقوق المعلمين، مع التأكيد على أن خيار التصعيد إلى «العصيان المدني» قائم في حال استمرار عدم الاستجابة للحقوق.

ويشكو المعلمون من تدني مرتباتهم التي لا تتجاوز في كثير من الحالات ألفَي دينار شهرياً (نحو 313 دولاراً في السوق الرسمية، و207 دولارات في السوق الموازية)، في وقت لم تعد تتناسب فيه مع ارتفاع تكاليف المعيشة، فضلاً عن تأخر صرف المستحقات وغياب التأمين الصحي الفعال.

ومن أمام مقر الحكومة حضّ النقيب العام للمعلمين في ليبيا، رمضان المقطوف، جميع المعلمين على الاستمرار في الإضراب حتى تنفيذ مطالبهم، وقال: «لن تُفتح أي مدرسة في ليبيا إلا بعد تنفيذ مطالبنا كاملة، في المرتبات والمعاشات».

النقيب العام للمعلمين في ليبيا رمضان المقطوف خلال الاحتجاج أمام مقر «الوحدة» يوم الخميس (حراك المعلمين في ليبيا)

وفي تصريح قبل عامين، أعلن وزير التربية والتعليم السابق في حكومة «الوحدة الوطنية» موسى المقريف أن عدد المعلمين في ليبيا يبلغ نحو 700 ألف معلم، بينما يبلغ عدد المدارس نحو 6400 مدرسة بين حكومية وخاصة. ويبلغ عدد الطلاب نحو مليونين و300 ألف طالب.