عثمان سونكو... «رمز التغيير» في السنغال

«مُلهم الشباب» قد يفقد فرصة المنافسة على الرئاسة بسبب حكم قضائي

عثمان سونكو... «رمز التغيير» 
في 
السنغال
TT

عثمان سونكو... «رمز التغيير» في السنغال

عثمان سونكو... «رمز التغيير» 
في 
السنغال

ربما كان الرئيس السنغالي ماكي سال وحده في «الكادر» حين أعلن سابقاً هذا الأسبوع أنه لن يترشح لولاية رئاسية ثالثة، إلا أن السنغال كلها والمتابعين لشؤونها في العالم كانوا يرون ويعلمون أن شخصاً آخر كان خلف الصورة. ذلك الشخص هو المعارض البارز عثمان سونكو الذي عادة ما يوصف بـ«ملهم الشباب» في الدولة المعتاد اقترانها بالديمقراطية والاستقرار السياسي مقارنة بمحيطها الأفريقي الدائم الاضطراب. إعلان سال، الذي يتولى السلطة منذ 2012، ربما كان مفاجئاً لكثيرين، لأن كل التطورات كانت تشير إلى رغبته في الاستمرار في السلطة. بيد أن صورة أخرى كانت في خلفية المشهد يملؤها الملايين من أنصار سونكو من الشباب الغاضب المستعد للتضحية بحياته كي لا يحدث ذلك الترشح الذي كان محتملاً، وكي يترشح زعيمهم في الانتخابات المقبلة. هذا الجيل الجديد يرى في سونكو «الزعيم المخلص» و«الرجل النظيف» الذي تدبر له المكائد من النظام على قدم وساق، لأنه وفقاً لوجهة نظرهم «بطلهم» المحارب للفساد والفقر والتهميش المستشري في البلاد.

تُعرَف السنغال بكونها نموذجاً للاستقرار والتداول السلمي للسلطة في أفريقيا طيلة 60 سنة أعقبت استقلالها. إذ نادراً ما شهدت البلاد نزاعات، ما ساهم في تحقيق استقرار دستوري وسياسي واقتصادي. لكن الأمر تغيّر منذ إجراء الانتخابات التشريعية في يوليو (تموز) 2022، حين بدأت الأوساط السياسية في السنغال تناقش سباق الانتخابات الرئاسية المقرر عام 2024، وذلك بعدما تسربت شائعات عن نية الرئيس ماكي سال الترشح لولاية ثالثة. وفي إثره، أعلن سونكو نيته الترشح للرئاسة.

الواقع أن سونكو استبق خطاب الرئيس الأخير بالدعوة إلى مزيد من المظاهرات في جميع أنحاء السنغال في حال أعلن سال عزمه على الترشح. ولكن في الشهر الماضي، حكم على سونكو بالسجن لسنتين بتهمة «إفساد الشباب»، وهو حكم يرجَّح أن يفقده فرصة خوض الانتخابات الرئاسية المقبلة.

الحكم القضائي أثار اضطرابات

أدى هذا الحكم القضائي إلى اضطرابات ومسيرات شعبية، كانت الأخطر في تاريخ السنغال، إذ سقط فيها 16 قتيلاً، وفق التقارير الحكومية، و24 حسب منظمة العفو الدولية، و30 وفق المعارضة.

من هنا يُطرح السؤال؛ من هو عثمان سونكو، الذي كشف صعوده الوجه الآخر لطبيعة نظام السنغال السياسي الذي أصبح استقراره محل شكوك وتساؤلات بالنسبة للمواطنين، وأيضاً بالنسبة للعالم الذي يشاهد حراكاً غير مسبوق في البلاد؟

النشأة والبيئة

ولد عثمان سونكو يوم 15 يوليو (تموز) 1974 في مدينة تييس، التي تبعد حوالي 70 كيلومتراً عن العاصمة داكار. وأمضى سنوات من طفولته في منطقة سيبيكوتاني (45 كيلومتراً شرق العاصمة)، حيث كان والده موظفاً في الدوائر الحكومية. وهو ينتمي إلى طبقة اجتماعية بسيطة، وتلقى بدايات تعليمه في مدارس سنغالية مختلفة، قبل أن يستقر في إقليم كازامانس، بأقصى جنوب البلاد، حيث حصل على شهادة الثانوية العامة عام 1993.

بعد ذلك، انتقل سونكو إلى جامعة غاستون بيرجيه في مدينة سان لوي، شمال غربي السنغال، وتخرّج فيها بشهادة الميتريز (4 سنوات بعد الثانوية العامة) في القانون العام 1999. وفي السنة ذاتها، شارك في مسابقة دخول «المدرسة الوطنية للإدارة»، وأحرز المرتبة الأولى على مستوى البلاد، وتخرّج فيها عام 2001 بوظيفة مفتش في المالية والضرائب.

وفي العام 2003، حصل على شهادة الدراسات المعمّقة في المالية العامة والضرائب من جامعة الشيخ أنتا جوب في العاصمة داكار، كما نال فيها أيضاً الماجستير في الإدارة العامة والمالية من المعهد العالي للمالية. ومن ثم، تابع التحضير لشهادة الدكتوراه في القانون الاقتصادي والضرائب من جامعة جان مولان - ليون الثالثة في فرنسا.

ينتمي سونكو عرقياً إلى قومية الجولا (الديولا)، وهم أحد شعبي إقليم كازامانس، الذي تفصله شمالاً عن الأراضي السنغالية جمهورية غامبيا. ويعرف عن هذا الإقليم أنه ذو نزعة انفصالية، وقد تبنّى حركيوه العمل المسلح ضد الحكومات السنغالية المتعاقبة، منذ ثمانينات القرن الماضي. هذا الإقليم الواقع بين غامبيا شمالاً وغينيا بيساو جنوباً، كان يعد من أثرى الأقاليم السنغالية، قبل أن يتعرض – وفقاً لبعض الخبراء والمحللين - للإهمال والتهميش له بعد الاستقلال. ويحظى سونكو بشعبية واسعة في هذا الإقليم، وإن كان عاش أغلب مراحل حياته في تييس وسان لوي، حيث يلقى فيهما أيضاً دعماً من المعارضة السياسية للأنظمة المتعاقبة.

التهميش بلوَر توجهاته

المحلّل السنغالي عبد الأحد أمبينغ قال في تصريحات لـ«الشرق الأوسط» إن نشأة سونكو في بيئة مهمشة ومعارضة أسهمت في تكوين ذهنيته وتوجهاته السياسية وسعيه للتغيير الجذري. وأردف أن تلك الذهنية «لم تعش التهميش فحسب، بل تعودت على رؤية محاولات لمواجهته... ولهذا دأب سونكو على المواجهة بشجاعة من دون خوف، لكن عبر القنوات السياسية والديمقراطية المشروعة... ما أكسبه (كاريزما) حقيقية تجذب الفقراء والمهمشين والشباب الطامح بطبيعته للتغيير والمواجهة».

بدايات التجربة السياسية

باكراً، أثناء دراسته الجامعية انخرط عثمان سونكو في العمل النقابي والسياسي، حيث نشط في «جمعية التلاميذ والطلاب المسلمين». وبعدها، بدأ اهتمامه بالشأن العام يظهر عندما أسس «اتحاداً مستقلاً للوكلاء الضريبيين» عام 2005، وهو موقع أهّله للكشف عن كثير من التجاوزات المالية وسوء الإدارة في السنغال.

وبعد سنوات من العمل في الوظيفة العمومية وتأسيس نقابة للوكلاء الضريبيين والماليين، وتسليط الضوء على الفساد المالي على مستوى الضرائب وتنفيذ الميزانية، أسّس سونكو حزب «الوطنيون من أجل العمل والأخلاق والأخوة» المعروف اختصاراً بـ«باستيف». وخلال فترة وجيزة صار الحزب قبلة أنظار الكفاءات الشابة في عموم السنغال. ثم إنه ضم في هيئاته القيادية وجوهاً جديدة على ممارسة السياسة، كما أصبح ملاذاً وقِبلة للناشطين في مواقع التواصل الاجتماعي.

غير أن تأسيس سونكو لحزب «باستيف»، وتركيز خطابه على فساد الحكومة في القضايا المالية، وانتقاده الدؤوب للبرلمانيين وأجهزة الدولة، كانت أموراً جعلت منه خصماً للسلطة ومصدر إحراج لرموز النظام، فقرّر الرئيس ماكي سال تجريده من الوظيفة بتهمة «انتهاك حقّ التحفظ».

بعد قرار التجريد من الوظيفة، قرّر سونكو خوض الانتخابات التشريعية على رأس قائمة لحزبه. وحقاً فاز ودخل البرلمان بعد انتخابات 2017، التي شهدت فوز الحزب الحاكم، ولكن بغالبية ضئيلة جداً، وفي عملية انتخابية ادّعت قوى المعارضة أنها «كانت الفائزة فيها، إلا أن النتائج الرسمية تعرّضت للتزوير».

أول تحدٍ رئاسي

ولاحقاً، يوم 16 سبتمبر (أيلول) 2018 تقدّم عثمان سونكو بملف ترشحه لانتخابات الرئاسة 2019. وخاض المعركة، إلا أنه حل ثالثاً خلف الرئيس ماكي سال، والسياسي إدريس سك، حاصلاً على نسبة 15.67 في المائة من أصوات الناخبين السنغاليين.

من الناحية العملية، يعتبر سونكو الآن زعيماً للمعارضة السنغالية، وذلك في أعقاب تعيين المعارض السابق إدريس سك رئيساً للمجلس الاقتصادي الاجتماعي. وبالتالي، صار جزءاً من النظام الحاكم.

وعودة إلى ما سبق التلميح إليه، يعتقد محمد الأمين ولد الداه، الخبير الموريتاني في الشؤون الأفريقية، في تصريح لـ«الشرق الأوسط»، أن «النشاط السياسي المبكر في مرحلة الجامعة ساهم في تكوين شعبية سونكو الكبيرة في جيله والجيل الذي تلاه، كما أن الوظيفة التي شغلها وأهّلته للاطلاع على تفاصيل الفساد، ثم شجاعته في كشفه وكشف المتورطين فيه، ولفته نظر الشعب الذي يعاني من خطره، كلها كانت عوامل حاسمة في جمع الناس حوله وحول مبادئه وشعاراته، إضافة إلى عاملي البلاغة والكاريزما الشخصية التي يتمتع بها بشكل فطري».

الطموح لبلوغ القمة

بعد احتلال سونكو المرتبة الثالثة في انتخابات 2019، بدأ بإصرار مرحلة التحضير لانتخابات 2024 التي أعلن عن نيته خوضها، وذلك بدعم من تحالف «أنقذوا الشعب» (يوي أسكاي وي) الذي يضم شخصيات وازنة من المعارضة مثل عمدة داكار السابق خليفة سال. وبالفعل، اتهم سونكو الرئيس الحالي السنغالي ماكي سال بالسعي لتغيير الدستور من أجل ضمان ولاية رئاسية ثالثة.

وهكذا، في محاولة لوقف ترشّح سال المحتمل لولاية ثالثة، حشدت المعارضة السنغالية، في وقت سابق من العام الحالي، أكثر من 120 حزباً وجماعة سياسية ومنظمة مجتمع مدني، ووقّع الكل ميثاق حركة «إف 24» ضد الترشح المحتمل، وكان سونكو من أبرز خصوم الرئيس الذين حضروا إطلاق التحالف.

وهنا تجدر الإشارة إلى أن الدستور السنغالي ينص على أنه «لا يمكن لأحد أن يخدم أكثر من فترتين متتاليتين»، لكن ماكي سال يعتبر أن هذا النص لا ينطبق عليه، بحجة أنه خدم ولايته الأولى قبل التعديل الدستوري.

معارك قضائية

على صعيد آخر، تعود بداية المعارك القضائية الحالية التي يواجهها عثمان سونكو إلى يوم 3 مارس (آذار) 2021، حين مثل أمام المحكمة في العاصمة داكار بتهمة الاغتصاب. إذ كانت عاملة في أحد صالونات التدليك الصحي قد رفعت شكوى ضده، لكنه نفى كل التهم الموجهة إليه، واعتبرها وأنصاره مؤامرة كيدية هدفها منعه من الترشح للرئاسة وتشويه سمعته والنيل من مكانته. وتزامناً مع محاكمته، خرجت مظاهرات حاشدة من أنصاره في داكار وبعض المدن السنغالية، سقط فيها عدد من القتلى والجرحى.

ويرى عبد الأحد أمبينغ أن الإصرار الحالي على استبعاد سونكو من سباق الرئاسة، حتى لو خلا ذلك السباق من الرئيس سال، أو كان ذلك عبر أحكام قضائية، سيقابل بالرفض من قاعدة شعبية ضخمة للغاية من أنصار سونكو. بل سيكون بمثابة لغم قد يفجر أي عملية انتخابية، وتهديد دائم للسلم والأمن الاجتماعي.

وأضاف المحلل السنغالي أن الشباب المتديّن والقيادات الدينية الكبرى ذات النفوذ في البلاد تؤيد ما يعتبرونه «نهج سونكو الإصلاحي الهادف للتخلص من الفساد والإرث الاستعماري المتراكم في أجهزة الدولة ونظامها».

من جانبه، يؤكد الأمين ولد الداه أن «مشروع سونكو لا يهدف فقط إلى تولي المناصب وتغيير القيادات، بل هو مشروع ثوري اجتماعي عميق، صارت قطاعات كبيرة ومختلفة الأفكار والتوجهات تتبناه وتتعاطف معه. لذلك، لن تفلح معه المقاربات الأمنية، لأن الشباب أنصار سونكو متحمسون ومخلصون للمشروع بصدق، ولديهم دائماً استعداد للمواجهة والتضحية. ويعتقد ولد الداه أن ما يحدث الآن في المشهد السنغالي «ثمرة عمل متراكم من سونكو وأنصاره من أسفل إلى أعلى على مستوى المجتمع السنغالي كله، ولاقى هذا الجهد القبول والإيمان، في ظل ظروف اقتصادية واجتماعية سيئة، في ظل نظام سال».

يُعتبَر سونكو الآن زعيماً للمعارضة السنغالية،

وذلك في أعقاب تعيين المعارض السابق

إدريس سك رئيساً للمجلس الاقتصادي الاجتماعي

يُعتبر سونكو الآن زعيما للمعارضة السنغالية وذلك في أعقاب تعيين المعارض السابق إدريس سك رئيساً للمجلس الاقتصادي الاجتماعي

السنغال... «نموذج أفريقي» بارز في التحوّل الديمقراطي

في دراسة للباحث محمد سالم ولد محمد، المهتم والمتخصص بالشأن السنغالي، تحت عنوان «الديمقراطية السنغالية... أزمة سونكو وأسئلة الثورة الكامنة والمأمورية الثالثة»، يرى ولد محمد أن ما حدث مع عثمان سونكو يظهر أن السنغال، التي عادة ما يروّج لها كواحة للديمقراطية في القارة، تعيش «أزمات كامنة كانت تنتظر الفتيل للاشتعال».

الباحث يوضح أن سونكو يعتمد في خطابه نهجاً ثورياً يلقى القبول الشعبي بشعاراته البراقة، كما يعتمد خطابه على «التشخيص الحاد لأزمات السنغال». ثم يضيف: «عمد سونكو إلى استخدام لغة نقدية حماسية في انتقاد الفساد والتبعية للغرب، وهو ما يلقى قبولاً لدى القطاعات الشبابية من العاطلين وطلاب الجامعات وشباب المهجر، الذين يركز سونكو في خطابه الموجه إليهم على قضايا التعليم والتشغيل، والحريات العامة».

عبده ضيوف

ولد محمد يلحظ أيضاً أن خطاب سونكو يتأثر كذلك بـ«مسحة دينية» جعلته مقرّباً من التيارات الدينية السلفية. وفضلاً عن ذلك، «يُظهر سونكو ارتباطاً بالطريقة المريدية ذات النفوذ الكبير في البلاد، من خلال علاقته الوثيقة بالمرجع الروحي للطريقة خليفة خدي إمباكي، ما كوّن لدى سونكو قاعدة كبيرة من الأنصار المتدينين من توجهات مختلفة».

من جانب آخر، بين العوامل التي رصدتها الدراسة التي عرضت لأسباب صعود سونكو، كان «التفرّد بالساحة المعارِضة»، وذلك «بعد الأحكام القضائية التي جرّدت السياسيين، خليفة سال وكريم واد، من ممارسة حقوقهما الدستورية، والتحالف الضمني بين الرئيس ماكي سال وزعيم الاشتراكيين إدريس سك، وهو - وفقاً لولد محمد - ما مهَّد لسونكو زعامة مطلقة في المشهد السياسي المعارض في السنغال».

ليوبولد سنغور

في المقابل، يرى الباحث أن مشروع سونكو السياسي يشمل أيضاً «نقاط ضعف» رغم شعبيته. أبرزها؛ حداثة التجربة السياسية، إذ «عمره السياسي يقل عن 8 سنوات، كما أنه لا توجد في حزبه قيادات أو وجوه سياسية نخبوية». وثمة عامل آخر يراه الباحث مكمن ضعف، هو حدَّة الخطاب السياسي الذي «قد يعقّد مسألة تحالفه مع الرموز والزعامات السياسية المعارضة العريقة في المشهد السياسي»، فضلاً عن النخب المحسوبة تقليدياً على النظام الحاكم.

محطات وأرقام

نالت السنغال استقلالها عن فرنسا عام 1960. ومنذ الفترة من 1957 إلى 1963، كان لدى السنغال نظام برلماني ذو غرفتين، وكان رئيس مجلس السنغال وقتها مامادو ديا في منصبه منذ عام 1957 مسؤولاً عن السياسة الاقتصادية والداخلية للبلاد كرئيس للحكومة، في حين كان رئيس الجمهورية هو المسؤول عن السياسة الخارجية. ولكن في عام 1963 استعيض عن النظام البرلماني بنظام رئاسي، ومارس الرئيس منذ ذلك الحين مهام رئيس الدولة ورئيس الحكومة.

 

رؤساء السنغال

كان أول رئيس لجمهورية السنغال المفكر والمثقف ليوبولد سنغور، من «الحزب الاشتراكي السنغالي» الذي حكم البلاد حتى عام 1980.

تولى الحكم بعد سنغور الرئيس عبده ضيوف، الذي كان ينتمي إلى الحزب نفسه، وانتهت رئاسته في عام 2000.

بعد عام 2000، تولى المنصب الرئيس عبد الله واد، الذي ينتمي إلى الحزب الديمقراطي السنغالي، وانتهت رئاسته عام 2012.

الرئيس الحالي ماكي سال، الذي خلف عبد الله واد عام 2012، ينتمي إلى حزب التحالف من أجل الجمهورية. وبعد تكهنات حول احتمالات ترشحه لـ«عهدة ثالثة»، أعلن سال أخيراً أنه لن يترشح للمنصب مجدداً، بعدما جُوبه برفض واسع من المعارضة التي حذّرت من إقدامه على الترشح باعتبار ذلك انتهاكاً للدستور الذي ينص على حصر حكم الرئيس بفترتين متتاليتين.

ماكي سال

على أي حال، بخلاف جيران السنغال من الدول الأفريقية الغربية، ساهم إحجام القوات المسلحة عن التدخل في الشؤون السياسية في ضمان استقرار السنغال منذ الاستقلال. وحالياً، يوجد في السنغال أكثر من 80 حزباً سياسياً، وتعرف تجربة البلاد السياسية بأنها من أنجح النماذج في التحول الديمقراطي في القارة بعد استقلالها. وحقاً، تتمتع السنغال بمكانة جيدة في كثير من المنظمات الدولية، وكانت عضواً في مجلس الأمن للأمم المتحدة في 1988 - 1989 و2015 - 2016. وتقليدياً، تتمتع داكار بعلاقات ودية مع القوى الغربية، ولا سيما فرنسا وأميركا.


مقالات ذات صلة

بإنهاء مهمة «يونيفيل»... لبنان يخسر مظلة أمنية واقتصادية

حصاد الأسبوع مركبات تابعة لليونيفيل في دورية قرب الحدود بجنوب لبنان (آ ف ب)

بإنهاء مهمة «يونيفيل»... لبنان يخسر مظلة أمنية واقتصادية

لم يعد مستقبل قوات الأمم المتحدة المؤقتة في لبنان (يونيفيل) مسألة مؤجّلة في منطقة الجنوب. فمع اقتراب 31 ديسمبر (كانون الأول) 2026، موعد انتهاء التفويض الحالي

صبحي أمهز (بيروت)
حصاد الأسبوع يعد فلسفة التوسع العمراني «اقتصاداً جديداً» ويرى أن التنمية العمرانية «قاطرة النمو لأي دولة تسعى لامتلاك المستقبل»

مصطفى مدبولي... مهندس يسعى لإعادة تخطيط البلاد معمارياً واقتصادياً

من أروقة التخطيط العمراني الأكاديمية والعملية إلى رئاسة الحكومة، جاء رئيس الوزراء المصري الدكتور مصطفى مدبولي، معلناً بداية مرحلة جديدة في الدولة المصرية تمزج

فتحية الدخاخني ( القاهرة)
حصاد الأسبوع ابراهيم محلب (رويترز)

3 رؤساء حكومة في عهد السيسي تجمعهم «الهندسة»

منذ تولّى الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي الحكم في يونيو (حزيران) عام 2014 تعاقب 3 رؤساء حكومة على إدارة شؤون البلاد، تجمع بينهم الهندسة، حيث تخصص اثنان منهم في

«الشرق الأوسط» ( القاهرة)
حصاد الأسبوع الناشط الأيود الراخل خلال لقائه بالمغفور له الملك فيصل بن عبد العزيز عام 1964 (آ ب)

ترمب يحاول «تبييض» صفحات أميركا

ودّعت الولايات المتحدة أخيراً القس جيسي جاكسون، أحد أهم الشخصيات السوداء في تاريخ البلاد، والقيادي الجماهيري الذي لعب دوراً محورياً في تجييش الناخب الأسود

علي بردى (واشنطن)
حصاد الأسبوع ترمب مع مغنية "الراب" الترينيدادية نيكي ميناج (آ ب)

ترمب... و«أصدقاؤه السود»

> في موازاة السياسات التي تعيد الاعتبار لزعماء كانوا مسؤولين عن بعض أسوأ مراحل الرق، يرفض الرئيس دونالد ترمب الاتهامات التي توجه إليه بأنه «عنصري»، مكرّراً


بإنهاء مهمة «يونيفيل»... لبنان يخسر مظلة أمنية واقتصادية

مركبات تابعة لليونيفيل في دورية قرب الحدود بجنوب لبنان (آ ف ب)
مركبات تابعة لليونيفيل في دورية قرب الحدود بجنوب لبنان (آ ف ب)
TT

بإنهاء مهمة «يونيفيل»... لبنان يخسر مظلة أمنية واقتصادية

مركبات تابعة لليونيفيل في دورية قرب الحدود بجنوب لبنان (آ ف ب)
مركبات تابعة لليونيفيل في دورية قرب الحدود بجنوب لبنان (آ ف ب)

لم يعد مستقبل قوات الأمم المتحدة المؤقتة في لبنان (يونيفيل) مسألة مؤجّلة في منطقة الجنوب. فمع اقتراب 31 ديسمبر (كانون الأول) 2026، موعد انتهاء التفويض الحالي الذي وُصف بأنه «تمديد لمرة أخيرة»، ومع بدء مسار التقليص؛ تمهيداً لانسحاب كامل بحلول منتصف 2027، يدخل الجنوب اللبناني مرحلة العدّ العكسي لمهمة بدأت عام 1978 وتحوّلت، عبر العقود، عنصراً ثابتاً في المعادلة الأمنية والاقتصادية والاجتماعية. هذا الأسبوع، صعّدت إسرائيل انتقاداتها للقوة الدولية، معتبرة أنّ أداءها «ما عاد كافياً لضبط الواقع جنوب الليطاني بعد حرب 2024»، ولوّحت بضرورة إعادة تقييم مهمتها. في المقابل، يتمسّك لبنان رسمياً باستمرار وجودها إلى حين تثبيت الاستقرار الكامل، معتبراً أنّها تشكّل مظلة دولية داعمة للجيش اللبناني في تنفيذ القرار 1701. وفي موازاة التصعيد السياسي، دخل العامل المالي الأميركي في يوليو (تموز) الماضي، على خط النقاش؛ ما أعاد فتح ملف تمويل عمليات حفظ السلام واستدامتها، وربط مستقبل المهمة مباشرة بإرادة الدول الكبرى المموِّلة لها.

كان الرئيس الأميركي دونالد ترمب قد وقّع، يوم 24 يوليو (تموز) الماضي، قانون «الاقتطاعات لسنة 2025» الذي قضى بإلغاء نحو 203 ملايين دولار أميركي من مخصّصات عام 2024، و158 مليون دولار من مخصّصات عام 2025 الموجهة لدعم عمليات حفظ السلام، مبرراً القرار بأسباب عدة، منها قلة رضاه عن أداء القوات الدولية.

وفي خطوة لاحقة، صوّتت الولايات المتحدة ضد قرار الجمعية العامة للأمم المتحدة يوم 30 يوليو الماضي، بشأن ميزانية «يونيفيل»، في حين وافق على القرار باقي الأعضاء، باستثناء سيراليون والصومال اللتين امتنعتا عن التصويت.

هذا التطور لم يُقرأ في بيروت كإجراء مالي فحسب، بل كإشارة سياسية تُضاف إلى وصف التمديد الأخير بأنه «لمرة أخيرة»؛ ما يعزّز المسار المتّجه نحو تقليص تدريجي ثم انسحاب كامل.

القرار في نيويورك والأثر بجنوب لبنان

إذا كان النقاش يُدار في أروقة مجلس الأمن الدولي، فإن ارتداداته تُقاس في الأسواق المحلية جنوباً وفق الانعكاسات الاقتصادية السلبية على الداخل اللبناني. إذ قال مصدر لبناني مواكب لعمل قوات «يونيفيل» في جنوب لبنان لـ«الشرق الأوسط»: إنّ «وجود القوة الدولية يشكّل رافعة اقتصادية مباشرة وغير مباشرة للاقتصاد المحلي»، لافتاً إلى أنّ «(يونيفيل) تضخّ سنوياً أكثر من 25 مليون دولار في السوق اللبنانية من خلال المشتريات المحلية وحدها، فضلاً عن الرواتب والنفقات التشغيلية».

وأوضح المصدر أنّ «عدد الموظفين المحليين العاملين مع (يونيفيل) يتجاوز حالياً 500 موظف لبناني، إلى جانب ما بين 250 و300 موظف أجنبي مقيمين في لبنان، يستأجرون منازل، ويشترون سيارات، وينفقون يومياً في المتاجر والمطاعم والمدارس والجامعات؛ ما يحرّك دورة اقتصادية واسعة في الجنوب وخارجه».

وأضاف أنّ «القوة الدولية تضم أيضاً نحو 8 آلاف عسكري ينتشرون في الجنوب. وهؤلاء يشاركون بدورهم في تحريك السوق المحلية من خلال التسوق والخدمات، إلى جانب تنفيذ مشاريع إنمائية صغيرة تُعرف بمشاريع الأثر السريع Quick Impact Projects، تشمل دعم البلديات، وتركيب أنظمة طاقة شمسية، وإصلاح شبكات مياه، ومبادرات خدمية أخرى، بتمويل سنوي يقارب مليون دولار».

وفق المصدر «الأثر (السلبي) لا يقتصر على العاملين مباشرة مع (يونيفيل)، بل يمتد إلى عشرات الشركات اللبنانية المتعاقدة معها، من شركات تنظيف وصيانة ومورّدين؛ ما يخلق شبكة واسعة من فرص العمل غير المباشرة». وحذّر من أنّ «أي تقليص أو انسحاب لـ(يونيفيل) ستكون له انعكاسات اقتصادية واجتماعية قاسية، خصوصاً على مئات الموظفين اللبنانيين الذين لا يشملهم نظام التقاعد، ولا سيما ممن هم دون سن الـ55؛ ما يضعهم أمام خسارة مباشرة لمصدر دخلهم في ظل أوضاع معيشية شديدة الصعوبة».

بالتوازي، لفت المصدر إلى أنّ «(يونيفيل) تؤدي أيضاً دوراً اجتماعياً وإنسانياً بارزاً، من خلال الأيام الطبية المجانية، والعيادات المتنقلة، ودعم المستشفيات والمستوصفات بالأدوية والمعدات، وتنظيم أنشطة رياضية وثقافية للأطفال، والمساعدة إبّان الأزمات والحروب، فضلاً عن تنسيق الجهود مع المنظمات الإنسانية كالصليب الأحمر».

وتابع شارحاً إنّ «الأمر لا يقتصر على أرقام مالية، بل على شبكة حياة اقتصادية واجتماعية كاملة نشأت حول وجود (يونيفيل) على مدى سنوات. وبالتالي، أي خلل فيها سينعكس مباشرة على آلاف العائلات اللبنانية، في منطقة تعاني أصلاً من خسائر الحرب، وتراجع الزراعة، ودمار المنازل، وغياب البدائل الاقتصادية».

وبهذا المعنى، يصبح أي قرار دولي أو ضغط تمويلي قراراً يمسّ مباشرة شبكة معيشية قائمة منذ عقود.

إذا كان النقاش حول سحب «يونيفيل» يُدار في أروقة مجلس الأمن الدولي فإن ارتداداته تُقاس في الأسواق المحلية جنوباً

قلق معيشي واقتصادي

من جهة ثانية، سمر (وهي من سكان القطاع الأوسط في جنوب لبنان)، وصفت لـ«الشرق الأوسط» الوضع بالقول: «إنّ القلق الاقتصادي بات العنوان الأبرز في القرى الجنوبية مع الكلام المتزايد عن تقليص أو انسحاب قوات (يونيفيل)... وتأثير ذلك لا يطول الموظفين مباشرة فحسب، بل ينسحب على القرى بكاملها».

وأردفت أنّ «إحدى بلدات القطاع الأوسط تضمّ أكثر من 120 عائلة يعتمد دخلها الأساسي على وظائف في (يونيفيل). هذه البلدة لا يتجاوز عدد العائلات المُقيمة فيها نحو 200 عائلة؛ ما يجعل هذه الرواتب بمثابة العمود الفقري للاقتصاد المحلي».

وتابعت: «الناس ليست قلقة فقط، بل مرعوبة فعلياً. لا توجد مصادر دخل بديلة في المنطقة، ولا فُرص عمل حقيقية. إذا خسر هؤلاء وظائفهم، ماذا سيفعلون؟ هل سيبقون في منازلهم بلا أي مورد؟».

واستطردت سمر لافتةً إلى أنّ الموظفين في «يونيفيل» لا يؤمّنون معيشة السكان المحليين فقط، «بل يحرّكون أيضاً العجلة الاقتصادية في القرى، من المتاجر الصغيرة إلى المؤسسات والخدمات»، محذّرةً من «أنّ أي تراجع في هذا الدخل سيؤدي إلى شلل اقتصادي واسع... إذ لن يتضرر الأفراد وحدهم، بل ستتأثر كل الأعمال في المنطقة بأسرها؛ لأن القدرة الشرائية ستتراجع بشكل حاد».

واختتمت بالتشديد على أنّ ما يحصل «ليس مسألة أرقام فقط، بل مسألة صمود اجتماعي ومعيشي»... ولا بد من التعامل مع هذا الملف «بمسؤولية؛ لأن انعكاساته ستطال الاستقرار اليومي لعائلات بأكملها في القطاع الأوسط».

 

مركبتان تابعتان لليونيفيل في دورية قرب بلدة جديدة مرجعيون بجنوب لبنان (آ ف ب)

فجوة اقتصادية حادة

وحقاً، «يترك سحب (يونيفيل) فجوة اقتصادية حادة في الجنوب»، وفق عضو «المجلس الاقتصادي والاجتماعي في لبنان»، صادق علوية، الذي أفاد «الشرق الأوسط» بأنّ «أكثر من 90 في المائة من المؤسسات المتعاقدة مع (يونيفيل) والعاملة في تقديم الخدمات لها تتركّز في جنوب لبنان؛ ما يجعل أي تقليص أو انسحاب للقوات الدولية ذا انعكاسات اقتصادية واجتماعية مباشرة وعميقة على المنطقة».

وأوضح علوية، من ثم، أنّ وجود «يونيفيل» منذ عام 1978، «يعدّ بمثابة محرّك اقتصادي محلي أساسي في الجنوب، عبر شبكة واسعة من الشركات والأفراد العاملين معها، سواءً بشكل مباشر كالموظّفين والمترجمين والإداريين والفنيين، أو بشكل غير مباشر عبر الشركات المتعاقدة وقطاعات الخدمات والمقاولات والصيانة».

ثم ذكر أنّ «هذا الواقع أسهم في خلق دورة اقتصادية متكاملة، تبدأ من الاستهلاك اليومي للمواد الغذائية ولا تنتهي عند مختلف الخدمات»، لافتاً إلى «أنّ الأمر لا يتعلّق ببضعة ملايين من الدولارات سنوياً، بل عن عشرات الملايين، وقد تصل قيمتها التقديرية إلى ما بين 20 و30 مليون دولار سنوياً، تبعاً لحجم عديد القوات ونشاطها».

وبالتالي، حذّر علوية من أنّ «أي انسحاب أو تقليص سيؤدي إلى فجوة اقتصادية حادة، تتمثل ببطالة جديدة مباشرة وغير مباشرة، تطول آلاف الوظائف، إضافة إلى خسارة تقديمات اجتماعية كانت تُعدّ مرتفعة نسبياً، لا سيما على صعيد الحماية الاجتماعية والخدمات الصحية».

ورأى أنّ تأثير «يونيفيل» لم يكن اقتصادياً فحسب، «بل امتد إلى دعم البلديات والمجتمعات المحلية، من خلال تقديم تجهيزات ومساعدات تنموية شملت قطاعات الزراعة والطاقة، عبر توفير مولدات كهرباء ومياه، ومشاريع طاقة شمسية، وإنشاء برك زراعية، فضلاً عن ترميم مدارس وتقديم معدات طبية وصحية للمستشفيات».

وشرح بأنّ «القوات الدولية، ولا سيما الوحدات الإيطالية والفرنسية والإسبانية، لعبت في مراحل سابقة دوراً صحياً مباشراً عبر عيادات ميدانية وتقديم أدوية ورعاية طبية يومية للسكان المحليين، إضافة إلى دورها الأساسي في نزع الألغام والقنابل العنقودية؛ ما انعكس إيجاباً على سلامة الجنوبيين واستقرارهم».

أيضاً، أكد علوية «أنّ العلاقة بين الجنوبيين و(يونيفيل) تميّزت على مدى عقود بالهدوء والتعاون، إلى حدّ باتت فيه القوات الدولية جزءاً من النسيج الاجتماعي المحلي»، محذّراً من «أنّ سحب هذا الدعم في مرحلة يعاني فيها الجنوب من آثار حرب وخسائر جسيمة في المنازل والبنى التحتية سيترك أثراً اقتصادياً واجتماعياً بالغ السلبية». ومشدّداً على أنّ «استمرار وجود (يونيفيل) في لبنان لا يشكّل، بالتالي، حاجة أمنية فحسب... بل هو أيضاً حاجة اقتصادية واجتماعية ملحّة، خصوصاً في ظل محدودية قدرات الدولة المالية، وحاجة الجنوب الماسّة إلى أي مورد داعم يسهِم في إعادة فتح نوافذ الأمل أمام سكانه».

انكماش بين 01 و51 %

في سياق متصل، قال محمد شمس الدين، الباحث في «الدولية للمعلومات»، لـ«الشرق الأوسط» إنّ «انسحاب أو تقليص وجود قوة (يونيفيل) في جنوب لبنان ستكون له تداعيات اقتصادية مباشرة وملموسة على المجتمعات الجنوبية، ولا سيما على صعيد فرص العمل والحركة السياحية والتجارية».

وأفاد بأنّ «عدد العاملين اللبنانيين مع (يونيفيل) تقلّص من نحو 1200 شخص إلى قرابة 600 فقط، غالبيتهم يتقاضون رواتبهم بالدولار الأميركي، ويُقدَّر أن نحو 500 منهم من أبناء الجنوب... وهذا التقليص يعني عملياً خسارة مئات العائلات الجنوبية لمصدر دخل ثابت كان يشكّل عنصراً حيوياً في الدورة الاقتصادية المحلية».

ثم أضاف: «الأثر لا يقتصر على الرواتب فحسب، بل يطول قطاعات واسعة مرتبطة بوجود القوات الدولية... ذلك أن عائلات عناصر (يونيفيل) كانت تقصد الجنوب أثناء فترات الإجازات؛ ما كان ينعكس حركةً نشطة في الفنادق والمطاعم والمقاهي والأسواق، وبخاصة في صور وضواحيها، ومنطقة الناقورة، والساحل الجنوبي».

وقدّر شمس الدين أنّ «الاقتصاد الجنوبي قد يتأثر بنسبة تتراوح بين 10 و15 في المائة نتيجة انسحاب (يونيفيل) (أو بالأصح سحبها)»، موضحاً أنّ «هذا التراجع يطول السياحة الموسمية، والتجارة، وحركة التسوق، والمطاعم، والمحال التجارية، وحتى قطاع الخدمات، ولا سيما في مدينة صور التي تُعدّ الأكثر استفادة من الوجود الدولي بحكم موقعها السياحي».


مصطفى مدبولي... مهندس يسعى لإعادة تخطيط البلاد معمارياً واقتصادياً

يعد فلسفة التوسع العمراني «اقتصاداً جديداً» ويرى أن التنمية العمرانية «قاطرة النمو لأي دولة تسعى لامتلاك المستقبل»
يعد فلسفة التوسع العمراني «اقتصاداً جديداً» ويرى أن التنمية العمرانية «قاطرة النمو لأي دولة تسعى لامتلاك المستقبل»
TT

مصطفى مدبولي... مهندس يسعى لإعادة تخطيط البلاد معمارياً واقتصادياً

يعد فلسفة التوسع العمراني «اقتصاداً جديداً» ويرى أن التنمية العمرانية «قاطرة النمو لأي دولة تسعى لامتلاك المستقبل»
يعد فلسفة التوسع العمراني «اقتصاداً جديداً» ويرى أن التنمية العمرانية «قاطرة النمو لأي دولة تسعى لامتلاك المستقبل»

من أروقة التخطيط العمراني الأكاديمية والعملية إلى رئاسة الحكومة، جاء رئيس الوزراء المصري الدكتور مصطفى مدبولي، معلناً بداية مرحلة جديدة في الدولة المصرية تمزج الخبرة التكنوقراطية برؤية عمرانية تعيد تخطيط الدولة في مواجهة تحديات وأزمات اقتصادية وجيوسياسية. مدبولي الذي تولى رئاسة مجلس الوزراء عام 2018 مدشناً ما وصفها آنذاك بـ«مرحلة الانطلاق»، بات الآن واحداً من أطول رؤساء الحكومة المصرية بقاء في المنصب بعد مصطفى فهمي وعاطف صدقي. ويستكمل مدبولي ما بدأه قبل نحو 8 سنوات، مترئساً حكومة تعهّدت في اجتماعها الأول بتشكيلها الجديد في فبراير (شباط) 2026، بـ«استكمال مسيرة التنمية الشاملة في مختلف مناطق الجمهورية»، واضعةً تخفيف العبء عن المواطن على رأس أولوياتها، من خلال العمل على تحسين الوضع الاقتصادي، وتخفيض حجم الدين العام، والاهتمام بالتعليم والصحة وتحسين الأداء الحكومي، وإدارة علاقة جيدة مع مختلف وسائل الإعلام.

وُلد مصطفى كمال مدبولي يوم 28 أبريل (نيسان) عام 1966. ورغم صغر سنه خلال حرب أكتوبر (تشرين الأول) 1973، فإن فرحة النصر «حُفرت في ذاكرته»، إذ كان والده اللواء كمال مدبولي، أحد قادة سلاح المدفعية في الحرب.

عن تلك الفترة قال مدبولي في تصريحات صحافية قبل سنوات: «فرحتنا كانت فرحتين، الأولى بالنصر والثانية بمشاركة والدي المقاتل في استعادة الأرض».

تخرّج مصطفى في كلية الهندسة بجامعة القاهرة عام 1988، وحصل على ماجستير في الهندسة المعمارية (تخصص تخطيط مدن) عام 1992. ثم استكمل دراسته في هولندا، وحصل على دبلوم الدراسات المتقدمة في مجال التخطيط العمراني (إدارة العمران) من معهد دراسات الإسكان والتنمية الحضرية عام 1993.

وبعد العودة إلى مصر، حصل على درجة الدكتوراه في الهندسة المعمارية (تخصص تخطيط مدن) من كلية الهندسة بجامعة القاهرة عام 1997، بنظام الإشراف المشترك مع معهد التخطيط القومي والإقليمي والعمراني في كلية العمارة بجامعة كارلسروه بألمانيا.

المسيرتان الوظيفية... فالحكومية

بدأ مدبولي حياته المهنية موظفاً بإحدى شركات القطاع الخاص بعد تخرجه مباشرة عام 1988، وكان أول راتب يحصل عليه من تلك الشركة نحو 180 جنيهاً. وعن تلك الفترة قال مدبولي، في مؤتمر الشباب عام 2018، إن «حياته لم تكن رغدة»، فهو ينتمي للطبقة المتوسطة، وبدأ انطلاقته العملية «في فترة كانت ظروف البلاد فيها أصعب من الوضع الراهن».

بعدها انتقل مدبولي من القطاع الخاص إلى الحكومة ليبدأ مساراً مهنياً مختلفاً أوصله إلى قمة الهرم الحكومي، حيث شغل منصب المدير التنفيذي لمعهد التدريب والدراسات الحضرية في مركز بحوث الإسكان والبناء بالوزارة بين يناير (كانون الثاني) 2000 ويونيو (حزيران) 2004. ثم تولّى منصب نائب رئيس مجلس إدارة الهيئة العامة للتخطيط العمراني للتخطيط الإقليمي والبحوث والدراسات في أكتوبر 2007. ثم رئاسة الهيئة العامة للتخطيط العمراني من أبريل (نيسان) 2008 إلى نوفمبر (تشرين الثاني) عام 2011.

خبرة دولية

في عام 2012 شغل مصطفى مدبولي منصب المدير الإقليمي للدول العربية في «برنامج الأمم المتحدة للمستوطنات البشرية»، مما أكسبه إضافةً إلى مهاراته الأكاديمية والمهنية بُعداً وخبرة دوليين.

ثم دخل ميدان السياسة لأول مرة عندما عُيّن وزيراً للإسكان عام 2014، ثم تولى رئاسة الحكومة رسمياً يوم 7 يونيو (حزيران) عام 2018، خلفاً للمهندس شريف إسماعيل. ولكن تجدر الإشارة إلى رحلته في إدارة مجلس الوزراء المصري كانت قد بدأت قبل ذلك بعدة أشهر، تحديداً في 23 نوفمبر (تشرين الثاني) 2017، عندما أصدر الرئيس عبد الفتاح السيسي قراراً بتولّي مدبولي -وزير الإسكان آنذاك- مهام القائم بأعمال رئيس مجلس الوزراء إلى حين عودة رئيس الوزراء من رحلة علاجه في ألمانيا، وهذه المهمة ظل مدبولي يمارسها حتى عودة إسماعيل من العلاج في يناير (كانون الثاني) 2018.

مدبولي، في الواقع، لم يكن يحلم بتولّي منصب رئاسة الحكومة، إذ قال في تصريحات سابقة: «لو أن أحداً قال لي إنه بعد نحو 30 سنة من تخرّجك في جامعة القاهرة ستجلس على رأس الحكومة المصرية لقلت له إنك تحلم». بل يصف مدبولي بداية رئاسته للحكومة المصرية عام 2018 بأنها «مرحلة الانطلاق» بعد نحو 4 سنوات أمضتها الحكومة السابقة في «محاولة تثبيت أركان الدولة وتحقيق الأمن والاستقرار».

من «القاهرة 2050» إلى «العاصمة الإدارية»

عام 2008، عندما كان مصطفى مدبولي رئيساً لـ«الهيئة العامة للتخطيط العمراني»، كان يتكلّم بنبرة الواثق عن مخطط «القاهرة 2050».

كان المخطّط يهدف، حسبما أعلن آنذاك، إلى تنفيذ 22 مشروعاً خلال 15 سنة لجعل القاهرة «مدينة عالمية مستدامة ومترابطة». وكان من بين هذا المشاريع نقل العشوائيات وتطوير المناطق غير الآمنة، وإنشاء 4 خطوط جديدة لمترو الأنفاق، وتطوير القاهرة الخديوية وهضبة الأهرام.

لقد شكل هذا المخطط جزءاً رئيسياً من إدارة مدبولي لوزارة الإسكان وللحكومة فيما بعد، لتتطور الرؤية من «القاهرة 2050» إلى «استراتيجية وطنية للمدن الذكية» تستهدف تحقيق نقلة نوعية في مفهوم التنمية العمرانية، وبناء ما باتت تُعرف بـ«مدن الجيل الرابع».

يعدّ مدبولي فلسفة التوسع العمراني «اقتصاداً جديداً»، ويرى أن التنمية العمرانية «قاطرة النمو لأي دولة تسعى لامتلاك المستقبل»، وأن العاصمة الإدارية الجديدة تجسّد رؤية الحكومة المصرية في «بناء مدن حديثة ومستدامة تواكب تطلعات المصريين».

وفي تصريحات صحافية نهاية العام الماضي، قال مدبولي إن «العاصمة الجديدة أصبحت نموذجاً لما تسعى الدولة إلى تحقيقه، من تخطيط عمراني متطور، وبنية تحتية حديثة، وبيئة جاذبة للاستثمار والعمل والإقامة»، وإن مثل هذه المشاريع العملاقة تعد «ركيزة أساسية لدفع عجلة التنمية الشاملة».

من جهة ثانية، لم يقتصر عمل مدبولي على التخطيط العمراني بل قاد مشاريع تنموية شاملة منها: برنامج «حياة كريمة» لتحسين البنية الأساسية والخدمات في القرى والمناطق الريفية، بالتعاون بين الوزارات والمجتمع المدني، وبرنامج «تكافل وكرامة» لتوسيع شبكات الحماية الاجتماعية ودعم الأسر الأكثر احتياجاً. هذا إلى جانب مسار تطوير العشوائيات.

تحدّيات وأزمات

على الرغم من كلام مصطفى مدبولي بداية توليه مهام منصبه عام 2018 عن أن الظروف في مصر أفضل مما كانت عليه عند تخرجه في الجامعة قبل 30 سنة، فإن طريق مدبولي في رئاسة الحكومة لم يكن مفروشاً بالورود. ذلك أن مرحلة الانطلاق التي دشّنها في مطلع ولايته اصطدمت بتحديات جيو-سياسية ألقت بظلال كثيفة على وضع البلاد اقتصادياً، من جائحة «كوفيد - 19» إلى الحرب الروسية - الأوكرانية، ثم «حرب غزة» وتداعياتها الأمنية والاقتصادية، لا سيما مع تراجع عائدات قناة السويس الدولارية. وهكذا وجد المهندس نفسه في مواجهة أرقام التضخم وفجوة النقد الأجنبي.

هذه تحديات عدَّها مدبولي، في تصريحات سابقة، «قدَراً»، فقال: «قدَر هذه الحكومة أن تتحمّل تبعات أزمات عالمية لم تكن طرفاً فيها»، مؤكداً التزامه بـ«عبور السفينة إلى بر الأمان مهما بلغت التحديات».

ومن أجل مواجهة التحديات انخرط رئيس الحكومة في مفاوضات شاقة مع صندوق النقد الدولي أسفرت عام 2022 عن اتفاق على برنامج تمويل بقيمة 3 مليارات دولار أميركي ينتهي في سبتمبر (أيلول) 2026، للخروج من الأزمة الاقتصادية التي عصفت بمصر آنذاك، ثم ارتفعت في مارس (آذار) 2024 إلى 8 مليارات في ظل تداعيات «حرب غزة».

وبينما كان الاقتراض أحد السبل لمواجهة الأزمات الاقتصادية الطاحنة، فإن ارتفاع فاتورة الدين العام، كانت من أشد الانتقادات التي وجّهت إلى مدبولي وحكومته. وللعلم، وفقاً لوزارة التخطيط المصرية، شهد الدين الخارجي قفزة بنحو 6 مليارات دولار منذ مطلع عام 2025، ليصل إلى 161.2 مليار دولار بنهاية يونيو (حزيران) الماضي. في المقابل ارتفع الدين المحلي بنسبة 3.5 في المائة ليصل إلى 11.057 تريليون جنيه (وهو ما يساوي 233.2 مليار دولار).

الدَّين العام والغلاء

بنهاية العام الماضي أعلن مدبولي اعتزام الحكومة خفض الدَّين العام نسبةً للناتج المحلي الإجمالي إلى مستويات غير مسبوقة منذ نحو 50 سنة. وأعلن أن «نسبة الدين إلى الناتج المحلي الإجمالي تراجعت من 96 في المائة قبل سنتين إلى نحو 84 في المائة حالياً. الأمر الذي أثار تساؤلات عن خطة الحكومة في هذا الشأن، لم تُجب عنها الحكومة حتى الآن، وإن كان خفض الدين إحدى أهم أولوياتها.

على الصعيد الداخلي أيضاً، ومع ما وضعته الأزمات الاقتصادية من أعباء إضافية على حياة المواطن، واجهت حكومة مدبولي شكاوى من الغلاء ترافقت مع انتقادات للإنفاق على مشاريع كبرى في ظل أزمات اقتصادية طاحنة. إلا أن رئيس الحكومة كان دائم الدفاع عن تلك المشاريع بوصفها السبيل الوحيد لتحسين جودة حياة المواطن، واعداً بأن المواطن الذي تحمل «فاتورة الإصلاح» سيبدأ قريباً جني ثماره.

الواقع أن كثيرين يرون مصطفى مدبولي نموذجاً للمسؤول الذي يؤمن بأن «البناء هو الحل»، سواءً كان بناء مدينة أو اقتصاد أو حتى إنسان. وفي ظل الجدل المحتدم بشأن الأولويات ومطالبات بإعلاء رؤية لإدارة الملفات الاقتصادية، يبدأ مدبولي راهناً مرحلة جديدة في رئاسة الحكومة المصرية تتمسك بخرائط التنمية العمرانية وتشدد على «بناء الإنسان»، وتضع جذب الاستثمارات وتحسين الاقتصاد على رأس أولوياتها بمساعدة نائبٍ لرئيس الوزراء يتولى قيادة المجموعة الاقتصادية في الحكومة.


3 رؤساء حكومة في عهد السيسي تجمعهم «الهندسة»

ابراهيم محلب (رويترز)
ابراهيم محلب (رويترز)
TT

3 رؤساء حكومة في عهد السيسي تجمعهم «الهندسة»

ابراهيم محلب (رويترز)
ابراهيم محلب (رويترز)

منذ تولّى الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي الحكم في يونيو (حزيران) عام 2014 تعاقب 3 رؤساء حكومة على إدارة شؤون البلاد، تجمع بينهم الهندسة، حيث تخصص اثنان منهم في الهندسة المدنية، والثالث في هندسة الميكانيكا، ويُعد رئيس الوزراء الحالي مصطفى مدبولي أطولهم بقاءً في المنصب.

إبراهيم محلب

أدى المهندس إبراهيم محلب اليمين الدستورية بصفته أول رئيس للوزراء في عهد السيسي، في 17 يونيو (حزيران) 2014، وواصل مهام عمله رئيساً للحكومة حتى 12 سبتمبر (أيلول) 2015.

وُلد محلب عام 1949، وتخرج في كلية الهندسة المدنية بجامعة القاهرة 1972، ثم عمل في شركة «المقاولون العرب»، وهي إحدى أقدم شركات البناء والتشييد في مصر وأفريقيا، وإبان فترة عمله أشرف على مشاريع عدة من تشييد طرق وبناء جسور وترميم آثار.

وتدرّج محلب في الشركة حتى تولى رئاسة مجلس إدارتها في عام 1997. وفي عام 2013 تولى محلب حقيبة الإسكان في حكومة الدكتور حازم الببلاوي، قبل أن يتولى رئاسة الحكومة في عام 2014، ثم يعيَّن مساعداً لرئيس الجمهورية للمشروعات القومية والاستراتيجية، في سبتمبر 2015.

شريف اسماعيل (رويترز)

شريف إسماعيل

شكّل شريف إسماعيل الحكومة يوم 19 سبتمبر 2015، وتقدم باستقالتها يوم 5 يونيو 2018.

وُلد إسماعيل عام 1955، وتخرّج في كلية الهندسة قسم الميكانيكا بجامعة عين شمس عام 1978. وعمل مهندساً في البحث والاستكشاف بشركة «موبيل» منذ تخرّجه حتى عام 1979، ثم عمل مهندساً بشركة «إنبي» حتى عام 2000، ووكيلاً لوزارة البترول حتى عام 2005، ووزيراً للبترول منذ يوليو (تموز) 2013، حتى سبتمبر 2015.

بعدها ترأس الحكومة حتى تعيينه مساعداً لرئيس الجمهورية في يونيو 2018. وتوفي في فبراير 2023.

مصطفى مدبولي

تولى مصطفى مدبولي رئاسة الحكومة في يونيو 2018 وما زال على رأس الحكومة المصرية حتى الآن.

وُلد مدبولي عام 1966، وتخرّج في كلية الهندسة بجامعة القاهرة عام 1988، وحصل على ماجستير في الهندسة المعمارية (تخصّص تخطيط مدن) عام 1992، وتدرّج في المناصب الحكومية وشغل منصب رئيس الهيئة العامة للتخطيط العمراني من عام 2008 حتى 2011. وعام 2014 تولى حقيبة الإسكان خلفاً لإبراهيم محلب. ثم تولى رئاسة الوزراء خلفاً لشريف إسماعيل يوم 7 يونيو 2018.