تمديد تأشيرة الحج يعزز تنويع الاقتصاد وتحفيز السياحة وزيادة فرص العمل

مختصون لـ«الشرق الأوسط»: إشغال بنسبة 100 % لقطاع الضيافة في مكة هذا العام

منظر جوي عام لمدينة مكة المكرمة يتوسطه المسجد الحرام ويحيطه عدد هائل من الفنادق والمنشآت الخدمية (أ.ب)
منظر جوي عام لمدينة مكة المكرمة يتوسطه المسجد الحرام ويحيطه عدد هائل من الفنادق والمنشآت الخدمية (أ.ب)
TT

تمديد تأشيرة الحج يعزز تنويع الاقتصاد وتحفيز السياحة وزيادة فرص العمل

منظر جوي عام لمدينة مكة المكرمة يتوسطه المسجد الحرام ويحيطه عدد هائل من الفنادق والمنشآت الخدمية (أ.ب)
منظر جوي عام لمدينة مكة المكرمة يتوسطه المسجد الحرام ويحيطه عدد هائل من الفنادق والمنشآت الخدمية (أ.ب)

بينما تمضي سياسة تنويع الاقتصاد السعودي قدماً، يرى بعض المختصين أن تمديد تأشيرة الحج إلى 3 أشهر، فكرة ذكية تعزز اتجاه المملكة، لتوسيع قنوات الاقتصادات الخدمي والسياحي والتجاري، وزيادة فرص العمل الجديدة، وتحفيز الاستثمار الأجنبي بشكل غير مباشر، فضلاً عن خفض الضغط على مطار جدة، وتنشيط مطارات المدن الأخرى، خصوصاً السياحية والتراثية منها.

يأتي ذلك في وقت يتعافى فيه قطاع الضيافة بعد التحرر من قيود «كورونا» على مدى الأعوام الثلاثة الأخيرة على المستوى العالمي. وقفز القطاع على المستوى السعودي بشكل عام، وعلى مستوى مكة ومناطق المناسك بشكل خاص، إلى مستويات متقدمة، في إطار تحقيق برامج «رؤية المملكة 2030»، في حين ازدادت نسبة نمو القطاع بمكة المكرمة تحديداً وفق مختصين بنسبة 20 في المائة، مقارنة بالعامين 2022 و2021.

تعظيم العائد الاقتصادي

وشدد عضو مجلس الشورى السعودي فضل بن سعد البوعينين، على أن تجربة الحاج الشاملة، تتجاوز أداء مناسك الحج والعمرة، إلى التنقل بين مدن المملكة خلال فترة إقامته، ما يعدّ تمديد تأشيرة الحج لمدة 3 أشهر أمراً غاية في الأهمية؛ لتمكين الحاج والمعتمر من زيارة مناطق سياحية وتراثية في المملكة والتجول فيها، ما يعني تعزيز القطاعين التجاري والسياحي، خصوصاً قطاع الضيافة، ما ينعكس إيجاباً على الأنشطة التجارية والاقتصاد الكلي.

ويعتقد البوعينين أن هذا الأمر سينعكس إيجاباً على الحجاج والمعتمرين الراغبين في زيارة المدن والمواقع السياحية والتراثية، حيث سيتيح لهم ذلك البقاء في مكة والمدينة للاستزادة من الطاعات واستدامة الحوار لأطول فترة ممكنة، ما يعني بقاء عدد من الحجاج لفترة 3 أشهر، وبالتالي زيادة الإنفاق على التنقل بين مدن المملكة والخدمات ذات الصلة، ما يعني مساهمتهم بشكل أو بآخر في تعظيم العائد الاقتصادي.

وسينعكس بقاء الحجاج لمزيد من الوقت بالمملكة إيجاباً على تسليط الأضواء على المناطق السياحية والتراثية في المملكة. فالزيارات المتوقعة ستوفر جسراً تسويقياً وإعلامياً مهماً لها، وتعزز التواصل الثقافي وتوطيد العلاقات البشرية والانتماء للمملكة، فكلما طالت الزيارات نتج عنها تقارب ثقافي واجتماعي أعمق، وهو أمر مهم ومطلوب.

وقال البوعينين لـ«الشرق الأوسط»: «هناك جانب مهم في تمديد الإقامة وإتاحة السفر من أي من مطارات المملكة، فهذا سيسهم في تجزئة الكتل البشرية المغادرة من مطار جدة، بحيث تُقسم حصص السفر بين مطارات المملكة، وهنا يمكن تحقيق خفض الضغط على مطار جدة وتنشيط مطارات المدن الأخرى، خصوصاً السياحية والتراثية منها».

حجاج بيت الله يستريحون داخل المسجد الحرام خلال أداء الشعائر بموسم الحج الماضي (أ.ف.ب)

وربما لا يكون الأثر الاقتصادي واضحاً خلال الأمد القصير، وفق البوعينين، لحداثة القرار وتجربة الحجاج ومعرفتهم، ولكن من المتوقع أن يكون أكثر إثراء وتأثيراً مستقبلاً. وهو يتوقع أن تكون له انعكاسات اقتصادية وثقافية وسياحية إيجابية على المدى المتوسط، ودعم أكبر لتحقيق أهداف تنويع مصادر الاقتصاد، وزيادة الإنفاق الاستهلاكي، وضخ مزيد من الاستثمارات في القطاعين السياحي والتجاري.

نقلة إيجابية نوعية

من جهته، توقع الرئيس التنفيذي لشركة «ذاخر» للتطوير، المهندس عبد العزيز العبودي، أن «تحفز القرارات الحكومية والتسهيلات الشاملة فيما يتعلق بالحج والعمرة، قطاع الضيافة في مكة المكرمة، لتحدث نقلة إيجابية نوعية، حيث سجل القطاع في موسم الحج هذا العام أداءً قوياً من خلال نسبة الإشغال المرتفعة في الفنادق مقارنة مع العام الماضي، إذ بلغت نسبتها 100 في المائة».

وأضاف العبودي أن «نسبة إشغال الفنادق في مكة المكرمة في موسم الحج 2023، بلغت 100 في المائة، مقارنة مع نسب إشغال الفنادق في شهر رمضان الماضي، حيث بلغت 80 في المائة، بينما كانت 60 في المائة خلال الفترة ذاتها من عام 2022».

ولفت العبودي إلى أن قطاعَي الضيافة والعقارات في مكة المكرمة تسجل في موسم الحج هذا العام أداءً قوياً، مدفوعاً بجملة من العوامل، أبرزها نسبة الإشغال المرتفعة في الفنادق مقارنة مع العام الماضي، ومتوقعاً استمرار هذا الأداء خلال الأعوام المقبلة، ما يؤكد نجاح رؤية المملكة، التي تهدف إلى استضافة 30 مليون معتمر و6 ملايين حاج بحلول 2030.

وشدد العبودي على الاستفادة من هذه الفرصة للمساهمة في الاقتصاد المحلي، وإنشاء بنية تحتية دائمة، تخدم كلاً من الحجاج والمجتمع على المدى الطويل.

مئات الألوف من الحجاج يتدفقون على جسر الجمرات خلال موسم الحج الأخير (إ.ب.أ)

زيادة فرص العمل

من ناحيته، شدد رئيس «مركز الشروق للدراسات الاقتصادية»، الدكتور عبد الرحمن باعشن في حديثه لـ«الشرق الأوسط»، على أن السياسات الاقتصادية السعودية، اعتمدت استراتيجية تعظيم العائد المادي من الانفتاح على الزيارة والعمرة، بشكل عام ضمن خطة تنويع الاقتصاد، ما يعني أن تمديد تأشيرة الحج إلى 3 أشهر، يعظم نتائج هذه الاستراتيجية.

ويعتقد باعشن بأن تمديد التأشيرة للحجاج، يزيد من عوائد قطاع السياحة بشكل عام، وسيحفزه لمزيد من النمو والانتعاش، غير أنه عظّم في الوقت نفسه الاستثمار في القطاع في مكة ومواقع المناسك على وجه التحديد، مبيناً أن «الرؤية السعودية 2030» وضعت برنامجاً معيناً لتنويع الاقتصاد بشكل عام، اهتم فصل منها بتعظيم وتسهيل التأشيرة السياحية وتأشيرات الحج والعمرة على وجه الخصوص.

وتوقع باعشن أن يستمر هذا الأداء القوي خلال الأعوام المقبلة ليحقق القطاع مزيداً من الازدهار، في ظل انتعاش الاستثمار السياحي الديني الذي لازمه نمو قطاع الضيافة بمكة المكرمة، مبيناً أن القطاع موعود بزيادة نمو خلال الأعوام السبعة المقبلة، مع التوسعَين الرأسي والأفقي في شركات تطوير العقار.

وشدد على أن فكرة توسيع التأشيرات، تأتي في إطار خطوات متواصلة من التطوير العصري والمبتكر للمشروعات بما يلبي تطلعات الزوار، ويعزز التنمية المستدامة للقطاع، حتى يحقق استضافة 30 مليون معتمر و6 ملايين حاج بحلول 2030، مشيراً إلى أن ذلك من شأنه ميلاد مزيد من فرص العمل في مناطق المملكة الأخرى.

تحفيز القطاع السياحي

من ناحيته، قال المستشار وأستاذ القانون التجاري الدولي بمعهد الإدارة بالرياض، الدكتور أسامة العبيدي، إن «تمديد تأشيرة الحج لمدة 3 أشهر، سيؤدي إلى نتائج إيجابية على الاقتصاد السعودي، وإثراء وتعميق تجربة الحجاج، من خلال تهيئة الأماكن السياحية المختلفة، لاستقبال الحجاج ليتمكن الحجاج من اكتشاف السعودية، والتعرف على الصورة الحضارية للسعودية».

وتوقع العبيدي في حديثه لـ«الشرق الأوسط»، زيادة إنفاق الحجاج على تمديد فترة إقامتهم في السعودية، بزيادة الإنفاق على السكن والنقل والاتصالات، وشراء السلع والخدمات والهدايا والطعام، فضلاً عن تحفيز السياحة المرتبطة بالحج والعمرة لتمتد إلى أماكن سياحية وثقافية وأثرية يرغب الحاج والمعتمر في زيارتها والتعرف عليها بعد الانتهاء من مناسك الحج والعمرة لم تكن متاحة له قبل ذلك.

وتسهم السياحة، وفق العبيدي، بنحو 12 مليار دولار من إجمالي الناتج المحلي السعودي، ليؤدي فتح التأشيرات السياحية للحجاج للتجوال في مناطق المملكة المختلفة إلى رفع هذا المبلع إلى 20 مليار دولار في عام 2030، ما ينعكس إيجاباً على سياسة تنويع الاقتصاد الوطني.

ويرى العبيدي أن تمديد تأشيرة الحج سيزيد من النشاط الاقتصادي، من حيث جذب الاستثمارات المباشرة وغير المباشرة، وتطوير الخدمات، وزيادة إشغال الفنادق والشقق السكنية والمفروشة ودور الضيافة، والاتصالات، ما سيؤدي إلى زيادة تحريك عجلة التنمية في مناطق المملكة كافة، وعدم الاقتصار في الإنفاق بالنسبة للحجاج على مكة والمدينة فقط، وبالتالي تحفيز القطاع السياحي، وزيادة فرص العمل في مناطق المملكة الأخرى.


مقالات ذات صلة

السعودية: استعدادات وجاهزية عالية لموسم الحج

الخليج الأمير سعود بن مشعل لدى ترؤسه اجتماع اللجنة الدائمة للحج والعمرة الأربعاء (إمارة منطقة مكة المكرمة)

السعودية: استعدادات وجاهزية عالية لموسم الحج

استعرضت اللجنة الدائمة للحج والعمرة جاهزية خطط الجهات ومؤشرات الاستعدادات لحج هذا العام، وذلك خلال اجتماعها برئاسة الأمير سعود بن مشعل نائب أمير منطقة مكة.

«الشرق الأوسط» (جدة - المدينة المنورة)
الخليج إتاحة استعراض الباقات واختيار الأنسب منها لحجاج الداخل (تصوير: بشير صالح)

السعودية: بدء حجز الباقات لحجاج الداخل

أعلنت السعودية، الأربعاء، بدء مرحلة حجز باقات الحج للراغبين في أداء الفريضة من المواطنين والمقيمين ممن لديهم إقامة سارية، لموسم هذا العام، إلكترونياً.

«الشرق الأوسط» (مكة المكرمة)
الخليج وزارة الحج والعمرة السعودية أكدت أن حقوق ضيوف الرحمن أولوية قصوى وأن جودة الخدمات المقدمة تمثل خطاً أحمر لا يُسمح بتجاوزه (واس)

السعودية: إيقاف «شركتَي عمرة» لمخالفة التزامات السكن للمعتمرين

أعلنت وزارة الحج والعمرة السعودية، السبت، إيقاف شركتَي عمرة، بعد رصد مخالفة تمثلت في عدم الالتزام بتوفير خدمات السكن للمعتمرين وفق البرامج التعاقدية المعتمدة.

«الشرق الأوسط» (مكة المكرمة)
الخليج مكة المكرمة (الشرق الأوسط)

السعودية: «الحج والعمرة» توقف التعاقد مع 1800 وكالة سفر خارجية لقصور الأداء

أعلنت وزارة الحج والعمرة السعودية إيقاف التعاقدات القائمة مع 1800 وكالة سفر خارجية تعمل في مجال العمرة، من أصل نحو 5800 وكالة، لقصور الأداء.

«الشرق الأوسط» (مكة المكرمة)
رياضة سعودية يتضمن برنامج رحلة المشاعر المقدسة زيارات ميدانية إلى المشاعر المقدسة (الشرق الأوسط)

«رحلة المشاعر المقدسة»... مبادرة سعودية لتعريف الشباب بمنظومة خدمة ضيوف الرحمن

انطلق الثلاثاء برنامج «رحلة المشاعر المقدسة» في مكة المكرمة والمدينة المنورة وجدة الذي تنظمه وزارة الرياضة ويستمر حتى 29 يناير الجاري

عبد الله الزهراني (جدة)

السلطات المصرية تلاحق تجار العملة لـ«لجم السوق السوداء»

واجهة أحد مكاتب الصرافة في القاهرة (أ.ف.ب)
واجهة أحد مكاتب الصرافة في القاهرة (أ.ف.ب)
TT

السلطات المصرية تلاحق تجار العملة لـ«لجم السوق السوداء»

واجهة أحد مكاتب الصرافة في القاهرة (أ.ف.ب)
واجهة أحد مكاتب الصرافة في القاهرة (أ.ف.ب)

وسط ارتفاع قياسي للدولار الأميركي، تلاحق السلطات المصرية تجار العملة لـ«لجم السوق السوداء»، حيث أكدت وزارة الداخلية أنها تواصل ضرباتها الأمنية لمواجهة جرائم الاتجار غير المشروع بالنقد الأجنبي والمضاربة بأسعار العملات خارج السوق المصرفية لما تمثله من تداعيات سلبية على الاقتصاد القومي.

وأفادت «الداخلية» في بيان، الثلاثاء، بأن جهودها أسفرت خلال 24 ساعة عن «ضبط عدد من قضايا الاتجار في العملات الأجنبية المختلفة بقيمة مالية تجاوزت 9 ملايين جنيه»، وهو مبلغ يعادل نحو 165 ألف دولار.

يأتي هذا في وقت واصلت العملة الأميركية، الثلاثاء، موجة الارتفاعات التي سجلتها على مدار الأيام الماضية، وسجلت في معظم البنوك المصرية أدنى مستوى وهو 54.5 جنيه.

ووجَّه الرئيس عبد الفتاح السيسي الحكومة، الاثنين، بـ«ضرورة مواصلة العمل على تدبير الاحتياجات الدولارية لتوفير مستلزمات الإنتاج، وتعزيز مخزون استراتيجي من السلع المختلفة». وشدد على تواصل التنسيق بين الحكومة والبنك المركزي المصري لضمان الحفاظ على سعر صرف مرن ومُوحد للعملة الأجنبية.

وتواجه الحكومة ضغوطاً متزايدة بسبب تداعيات الحرب الإيرانية، مما دعا إلى «قرارات استثنائية» في البلاد تضمنت رفع أسعار المحروقات والكهرباء وتذاكر القطارات ومترو الأنفاق، فضلاً عن إجراءات موازية لترشيد الإنفاق العام، تضمنت إرجاء وتجميد مجموعة من بنود النفقات غير الملحة، وإغلاق المحال التجارية والمقاهي في التاسعة مساءً، وتخفيض الإضاءة على مختلف الطرق وفي مقرات المصالح الحكومية، وتطبيق «العمل عن بُعد» يوم الأحد من كل أسبوع.

وأعلنت «الداخلية» على مدى الأيام الثلاثة الماضية ضبط مبالغ مالية متحصلة من قضايا «الاتجار في العملة» قُدِّرت بـ«نحو 22 مليون جنيه»، وفق إفادات رسمية.

وأكد مصدر أمني مطلع «تواصل جهود التصدي لجرائم الاتجار غير المشروع بالنقد الأجنبي»، مشيراً إلى تكثيف الحملات الأمنية لضبط المخالفين ودعم استقرار السوق.

وينص القانون المصري على معاقبة من يمارس «الاتجار في العملة» بالحبس مدة لا تقل عن 3 سنوات ولا تزيد على 10 سنوات، وبغرامة لا تقل عن مليون جنيه ولا تتجاوز 5 ملايين جنيه، بينما تصل عقوبة شركات الصرافة المخالفة إلى إلغاء الترخيص وشطب القيد من السجل.

مقر وزارة الداخلية في مصر (صفحة الوزارة على «فيسبوك»)

ويتحدث المستشار الاقتصادي وخبير أسواق المال، وائل النحاس، عن أهمية جهود السلطات المصرية لضبط قضايا الاتجار في العملة في الوقت الحالي، موضحاً: «بعض من يشتري الدولار الآن لا يفعل ذلك من أجل الاستيراد، أو حتى الاكتناز لتحقيق أرباح مستقبلية، إنما بهدف التجارة غير المشروعة».

ويضيف قائلاً لـ«الشرق الأوسط»: «لا يوجد سبب الآن للسوق السوداء، فالعائد داخل القطاع المصرفي الرسمي أعلى من العائد والمضاربات، ومن يريد الحصول على الدولار من البنوك سواء لهدف الاستيراد أو للسفر يحصل عليه بشكل ميسر وفق الإجراءات المتبعة في هذا الشأن».

وشهدت مصر أزمة سابقة في توافر العملة الصعبة استمرت سنوات، وخلقت تبايناً كبيراً بين السعر الرسمي للدولار وسعره في «السوق السوداء» التي جاوز فيها آنذاك مستوى 60 جنيهاً. وأثّرت الأزمة حينها على توافر السلع وعلى الخدمات وعمل العديد من القطاعات، مما دفع إلى اتخاذ قرار بـ«اتباع سعر صرف مرن للجنيه» ليرتفع بعدها سعر الدولار من نحو 30 جنيهاً في البنوك إلى ما يتجاوز 50 جنيهاً.

مواطن مصري يستبدل دولارات داخل مكتب صرافة بوسط القاهرة (رويترز)

ويشير النحاس في هذا الصدد إلى نجاح البنك المركزي في السيطرة على سعر الصرف داخل القطاع المصرفي، على الرغم من وجود «شبه نقص» في العملة خلال الفترة الأخيرة، خصوصاً مع تأثر تحويلات المصريين بالخارج وإيرادات قناة السويس بسبب الحرب الإيرانية.

تأتي جهود وزارة الداخلية في وقت تواصل فيه الحكومة جهودها لضبط الأسواق ومواجهة أي غلاء في الأسعار وترشيد استهلاك الطاقة والنفقات. وأكد وزير المالية أحمد كجوك أن جميع جهات الدولة ملتزمة بترشيد المصروفات والإنفاق على الحتميات وضمان استمرار النشاط الاقتصادي والإنتاجي.

وقال في تصريحات، الثلاثاء، إن الحكومة «حريصة على توفير الاعتمادات المالية اللازمة للحفاظ على استقرار الخدمات الأساسية للمواطنين»، مؤكداً ترشيد الصرف على بنود التدريب والسفر والفعاليات وباقي البنود التي يمكن تأجيلها في الوقت الراهن.

وأضاف أنه «تم إبطاء وإرجاء العمل بالمشروعات كثيفة الاستخدام للطاقة في ظل الظروف الحالية»، وأن هناك «تنسيقاً كاملاً بين وزارتي المالية والتخطيط والتنمية الاقتصادية لترشيد الإنفاق الرأسمالي، وعدم البدء في تنفيذ أي مشروعات جديدة».

Your Premium trial has ended


النفط «المادي» يكسر حاجز الـ150 دولاراً... وفجوة قياسية تفصله عن «العقود الآجلة»

متداول في بورصة نيويورك (أ.ف.ب)
متداول في بورصة نيويورك (أ.ف.ب)
TT

النفط «المادي» يكسر حاجز الـ150 دولاراً... وفجوة قياسية تفصله عن «العقود الآجلة»

متداول في بورصة نيويورك (أ.ف.ب)
متداول في بورصة نيويورك (أ.ف.ب)

سجلت أسعار النفط الخام «المادي» (Physical Oil) مستويات قياسية تاريخية، حيث اقتربت من حاجز الـ150 دولاراً للبرميل، متجاوزة بكثير أسعار العقود الآجلة «الورقية» المتداولة في البورصات. ويعكس هذا الانفجار السعري أزمة إمدادات خانقة ناتجة عن تداعيات الحرب، التي أدت إلى إغلاق شبه كامل لمضيق هرمز، مما وضع المصافي العالمية في مواجهة مباشرة مع نقص مادي حاد في البراميل الجاهزة للتسليم.

تسببت الأزمة الراهنة في توقف ما لا يقل عن 12 مليون برميل يومياً من النفط القادم من الشرق الأوسط، وهو ما يعادل نحو 12 في المائة من إجمالي الإمدادات العالمية. هذا الإغلاق الفعلي للمضيق دفع بأسعار عقود «برنت» الآجلة للوصول إلى 119.50 دولار للبرميل الشهر الماضي (وهو أعلى مستوى منذ 2022). لكن هذا الرقم لا يعكس الحقيقة المرة التي تواجهها المصافي؛ إذ إن العقود الآجلة الحالية هي لتسليم شهر يونيو (حزيران)، بينما تحتاج المصافي إلى النفط «الآن».

وفي مؤشر على حجم الكارثة، أظهرت بيانات «إل إس إي سي» أن السعر الفعلي لخام «فوراتيس» بحر الشمال قفز يوم الثلاثاء إلى 146.09 دولار للبرميل. وهذا الرقم لا يمثل فقط سعراً قياسياً جديداً، بل إنه يكسر الرقم التاريخي المسجل في عام 2008 (147.50 دولار للبرميل لبرنت) بالنظر إلى طبيعة العلاوات السعرية الحالية، ليصبح الأعلى على الإطلاق لهذا الخام.

خزانات النفط والمنشآت في مجمع يوسو الصناعي الوطني في كوريا الجنوبية (أ.ف.ب)

النفط «الآن» وليس غداً

ويؤكد عدي إمسيروفيتش، أحد كبار تجار النفط المخضرمين، أن المحرك الأساسي لهذه القفزات هو حالة «الذعر» بشأن التوفر المادي للشحنات. ويقول: «عندما يكون هناك نقص حقيقي وملموس، لا يفكر المتعاملون في تسليمات يوليو (تموز) أو عقود يونيو الورقية، بل يتركز تفكيرهم على تأمين النفط فوراً».

هذا التهافت المادي أدى إلى اتساع الفجوة بين «برنت المؤرخ - وهو المعيار المادي للشحنات الفورية - وبين عقود برنت الآجلة لشهر يونيو بمقدار 20 دولاراً كاملة، وهو فارق استثنائي يظهر حجم التوتر في الجزء الأقرب للتسليم من منحنى الأسعار.

سباق المصافي وأزمة المشتقات

المصافي الأوروبية والآسيوية، التي وجدت نفسها محرومة فجأة من النفط الخليجي، دخلت في منافسة محمومة للحصول على البدائل من خامات أفريقيا وبحر الشمال. ولم يتوقف الأمر عند الخام؛ بل امتدت النيران إلى أسعار المشتقات المكررة في أوروبا التي سجلت مستويات وصفت بالمرعبة:

وقود الطائرات: حوّم عند 226.40 دولار للبرميل، مقترباً من ذروته التاريخية المسجلة في منتصف مارس (آذار).

الديزل: استقر عند 203.59 دولار للبرميل، وهو رقم يقل قليلاً عن مستويات 2022 القياسية لكنه يضغط بقوة على قطاعات النقل والصناعة.

من جانبه، أشار مصرف «مورغان ستانلي» في تقرير حديث إلى أن السوق حالياً تتسابق للحصول على «براميل فورية قابلة للاستخدام». ويرى محللو البنك أن الأسواق العالمية دخلت مرحلة «التدافع المحموم» لتأمين براميل نفطية فورية قابلة للاستخدام الفني في المصافي.

وحسب التقرير، فإن المصافي لا تستطيع الانتظار حتى وصول شحنات بديلة قد تستغرق أسابيع للدوران حول طريق رأس الرجاء الصالح، مما جعل «البرميل الموجود الآن» أغلى من أي وقت مضى، بغض النظر عن سعره في بورصات العقود الآجلة.

ولفت التقرير الانتباه إلى ظاهرة تقنية تسمى «الباكورديشن الحاد»؛ حيث يظهر الإجهاد بشكل صارخ في الجزء الأقرب من المؤشر القياسي للمشكلة المادية المباشرة.

ويشرح محللو «مورغان ستانلي» أن الفجوة التي اتسعت إلى 20 دولاراً بين برنت «المادي» و«الورقي» هي «صافرة إنذار» تشير إلى أن الأسواق لم تعد تثق باستمرارية تدفق الإمدادات، وهي تعوض النقص الفوري بأي تكلفة كانت.


صندوق النقد الدولي: الحرب تسرّع نزوح رؤوس الأموال من الأسواق الناشئة

شعار صندوق النقد الدولي في مقره بواشنطن (رويترز)
شعار صندوق النقد الدولي في مقره بواشنطن (رويترز)
TT

صندوق النقد الدولي: الحرب تسرّع نزوح رؤوس الأموال من الأسواق الناشئة

شعار صندوق النقد الدولي في مقره بواشنطن (رويترز)
شعار صندوق النقد الدولي في مقره بواشنطن (رويترز)

حذَّر صندوق النقد الدولي من أنَّ الصراع الدائر في منطقة الشرق الأوسط بات يُشكِّل «اختباراً قاسياً» لاستقرار الأسواق الناشئة، حيث تسبب في عكس مسار تدفقات رؤوس الأموال الأجنبية؛ نتيجة الحساسية المفرطة للمستثمرين غير المصرفيِّين تجاه الأزمات.

وأوضح الصندوق في فصل تحليلي ضمن «تقرير الاستقرار المالي العالمي» لعام 2026، قبل انطلاق اجتماعات الربيع الخاصة بصندوق النقد والبنك الدوليَّين، التي تنعقد الأسبوع المقبل، أنَّ اعتماد الدول الناشئة المتزايد على «المقرضين غير المصرفيين» ضاعف من وطأة هذه الصدمات، مما جعل هروب الاستثمارات أسرع وأكثر حدة مما كان عليه في فترات التمويل المصرفي التقليدي.

وكانت رئيسة صندوق النقد الدولي، كريستالينا غورغييفا، قالت لـ«رويترز»، الاثنين، إن الحرب في الشرق الأوسط ستؤدي إلى ارتفاع التضخم وتباطؤ النمو العالمي.

وقد تسببت الحرب في أسوأ اضطراب على الإطلاق في إمدادات الطاقة العالمية، حيث توقف إنتاج ملايين البراميل من النفط؛ بسبب الحصار الإيراني الفعلي لمضيق هرمز، وهو ممر حيوي لشحن خُمس إنتاج النفط والغاز في العالم. وحتى لو تمَّ حلُّ النزاع سريعاً، فمن المتوقع أن يخفِّض صندوق النقد الدولي توقعاته للنمو الاقتصادي ويرفع توقعاته للتضخم، وفقاً لما صرَّحت به غورغييفا لـ«رويترز».

4 تريليونات دولار تحت التهديد

وكشف التقرير أن تدفقات المَحافظ الاستثمارية إلى الأسواق الناشئة شهدت قفزةً هائلةً بمقدار 8 أضعاف منذ الأزمة المالية العالمية، لتصل قيمتها التراكمية إلى نحو 4 تريليونات دولار بحلول عام 2025. وأصبحت الديون هي المحرك الأساسي، حيث تمثل التزامات ديون المَحافظ حالياً 15 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي في الأسواق الناشئة، ارتفاعاً من 9 في المائة فقط في عام 2006. ويقدِّم المستثمرون غير المصرفيين - مثل صناديق التحوط وصناديق الاستثمار المشترك - نحو 80 في المائة من هذا الرأسمال، وهي نسبة تضاعفت عمّا كانت عليه قبل 20 عاماً.

آليات الهروب

ويشرح التحليل الفني للصندوق كيف تتحوَّل التوترات الجيوسياسية إلى نزوح مالي؛ فعندما ترتفع مخاطر الحرب، يرتفع مؤشر الخوف العالمي (VIX). وتؤدي زيادة بمقدار انحراف معياري واحد في هذا المؤشر (وهو ما يشبه القفزة التي حدثت عند رفع الاحتياطي الفيدرالي الفائدة في 2022) إلى خروج تدفقات ديون تعادل 1 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي الفصلي للدول الناشئة.

وتعدّ صناديق الاستثمار المشترك وصناديق التحوط الأكثر تأثراً، حيث تتراجع حيازاتها من الأوراق المالية للأسواق الناشئة بنسبة تصل إلى 1.3 في المائة فور وقوع الصدمة، نظراً لاستخدامها «الرافعة المالية» التي تضطرها للبيع السريع لتغطية هوامش المخاطرة.

الصناديق السلبية و«الائتمان الخاص»

ونبّه الصندوق إلى خطر «الاستراتيجيات المعتمدة على المؤشرات»، حيث تقوم الصناديق السلبية وصناديق المؤشرات المتداولة (ETFs) بتعديل مَحافظها آلياً؛ مما يؤدي إلى «عمليات بيع متزامنة» تزيد من وطأة تراجع الأسعار. كما سلّط الضوء على قطاع «الائتمان الخاص» الذي نما 5 أضعاف ليصل حجمه ما بين 50 و100 مليار دولار، ووصفه الصندوق بالقطاع «المعتم» الذي تفتقر بياناته للشفافية، مما يصعّب على صانعي السياسات رصد الثغرات المالية قبل انفجارها.

توصيات لحماية الاستقرار المالي

وفي ظلِّ استمرار حالة عدم اليقين الناجمة عن الحرب، دعا صندوق النقد الحكومات في الأسواق الناشئة إلى تبني استراتيجيات دفاعية تشمل: تعزيز الهوامش المالية؛ حيث إن الدول التي تمتلك احتياطات نقدية وافرة ومؤسسات قوية تعاني بنسبة أقل من تخارج الأموال، والسماح للعملات بالتحرك لامتصاص الصدمات، مع تدخلات محدودة في سوق الصرف عند الضرورة القصوى، ومحاكاة سيناريوهات صدمات اقتصادية قاسية لضمان قدرة المؤسسات المالية على الصمود أمام التوقف المفاجئ للتمويل الخارجي.