«لهفاه».. مثال ناطق للأصولية اليهودية المتطرفة

لماذا وإلى متى الصمت الدولي أمام إفراغ فلسطين من المسيحيين والمسلمين؟

«لهفاه».. مثال ناطق للأصولية اليهودية المتطرفة
TT

«لهفاه».. مثال ناطق للأصولية اليهودية المتطرفة

«لهفاه».. مثال ناطق للأصولية اليهودية المتطرفة

تتسارع الأحداث في الأراضي الفلسطينية. وبينما يحاول حاخامات متطرّفون بإصرار منقطع النظير الدخول إلى المسجد الأقصى، وإقامة الشعائر اليهودية فيه إلى حين تحقيق «الحلم الأكبر» ببناء «الهيكل الثالث» وهدم الأقصى، نجد موجة جديدة ومثيرة من العداء الأصولي اليهودي للمسيحية والمسيحيين في القدس وما حولها من مدن. هذه الموجة تسعى حقًا إلى إحراق الكنائس وتهجير المسيحيين أو قتلهم، والتنكيل بهم كأضعف الإيمان، حتى تغدو القدس وسائر ربوع إسرائيل دولة يهودية نقية، لا يعيش فيها «الغوييم» - أو الأغيار، أي غير اليهود - بل «شعب الله المختار» وحده وليذهب الآخرون إلى الجحيم.
إلى أين تمضي الأصولية اليهودية المتطرفة بإسرائيل؟ علامة استفهام ارتفعت عاليًا جدًا في الأيام الأخيرة، لا سيما، بعد ظهور حركات مريبة ومثيرة ومُغرقة في العنف والدم مثل منظمة «لهفاه» باتت تكرّس القتل والحرق والتدمير باسم الله زورًا، والله بريء من هذه جميعها.
من.. وما هي «لهفاه» الآتية من رحم الأصولية اليهودية؟ ولماذا صارت حديث الساعة في هذه الآونة البائسة؟
قبل الجواب قد يتحتّم علينا الإشارة - ولو في عجالة - إلى النظرة اليهودية الأصولية للمسيحية، وفي الحق إنها نظرة ازدراء واحتقار شديدين فالسيد المسيح عيسى بن مريم (ع) بالنسبة لهم هو «المشنوق ابن النجار»، وهو - وحاشا لله - ثمرة خطيئة بين جندي روماني، ومريم بنت يواقيم (التي وصفها القرآن الكريم بأنها أطهر نساء العالمين).
ولعل الذاكرة القريبة للعدوان الإسرائيلي في عام 1967 تحمل مرارة عريضة للأفعال الإجرامية التي ارتكبها غلاة المتدينين داخل الجيش الإسرائيلي تجاه الكنائس والأديرة في القدس الشرقية بعد سقوطها، لا سيما تدنيس المقدسات الدينية وانتهاك الخصوصيات، ومحاولة محو ذكر المسيحية من فلسطين، كما أن التقليد هناك - التقليد الديني اليهودي - يدعو أي يهودي للبصق على أي صليب يراه من حوله، وإن نصحت حكومات إسرائيل لاحقًا، بالتوقف عن هذا، كي لا يهرب السيّاح وزوّار الأرض المقدسة من البلاد، والحديث هنا يحتاج إلى قراءات معمقة ومطولة قائمة بذاتها.
منذ فترة غير قصيرة عادت الكتابات العدوانية التي تحث على العنف القاتل للانتشار على جدران الكنائس والمساجد وعلى كل بيوت العرب. ولقد جرى ذلك بنوع خاص قبل الزيارة التي قام بها بابا الفاتيكان فرنسيس الأول إلى الأرض المقدسة، وبدا أنه من المألوف أن تقرأ عبارات من نوعية «المسيح الخردة»، و«الموت للعرب»، على جدران كنيسة القديس جاورجيوس وكنائس وأديرة أخرى، إلى أن كان الثامن عشر من يونيو (حزيران) المنصرم عندما اشتعلت النيران في كنيسة الطابغة (كفرناحوم) المعروفة بكنيسة «السمك والخبز»، ذات الأهمية الدينية والتاريخية الكبرى، والتي تعد اليوم واحدة من أهم المعالم المسيحية في فلسطين.. من يقف وراء هذه الهجمات وبأي آلية فكرية يجري تبرير المشهد الدموي هذا؟
بداية جرى الحديث عن مجموعة تدعى «الثمن الواجب دفعه» المكونة من مستوطنين راديكاليين ونشطاء يهود من اليمين المتطرف، ولم تكن حادثة الطابغة هي الأولى من نوعها، بل ارتكب هؤلاء المتطرفون منذ عام 2008، مئات الاعتداءات. وغالبًا ما كانت تحمل توقيع «الثمن الواجب دفعه» بالعبرية في إسرائيل (أراضي فلسطين 1948) والضفة الغربية.

تبرير التطرف والعنف

أما تبرير ما يجري فهو «مربط الفرس» كما يقال. إذ تبرّر هذه الجماعة وغيرها من الجماعات اليمينية اليهودية مثل تلك الأفعال، بأنها حتمية ولا بد لها من أن تجد طريقها على الأرض حتى تتخلص الدولة اليهودية من «دور العبادة الوثنية» القائمة فيها. وتاليًا، تدمير الدولة الإسرائيلية العلمانية، والتأهب لاحقًا لإعلان الشريعة اليهودية الموسوية دستورًا وقانون حكم في ربوع البلاد عوضًا عن القوانين الوضعية الحاكمة الآن.
وبعيدًا بعض الشيء عن سياقات الأحداث في الداخل الإسرائيلي، وعودةً إلى العمق الأصولي اليهودي نتساءل: ماذا عن هذه الأصولية اليهودية؟ وإلى أين تقود إسرائيل؟ وهل يدفع الإسرائيليون الآن وسيدفعون في المستقبل ثمنًا باهظًا لسماحهم باستشراء هذا الغول والوحش الفتاك؟
المؤكد بدايةً، أن الأصولية اليهودية المتطرفة لا تختلف كثيرًا عن باقي الأصوليات الدينية المتطرفة، فهي تعتبر أن تعاليم التوراة والتلمود، وكذلك شروح فقهاء الشريعة الموسوية تنطوي على إجابات صائبة لكل قضايا العصر (من وجهة نظرهم). أي أنها تعتبر أن حركة التاريخ توقّفت عند لحظة معينة بعينها، وأن أحداث العالم المعاصر ليست إلا امتدادًا للأحداث التي وقعت في الأزمنة السحيقة.
هل من تطبيق عملي لهذه الرؤى؟ في واقع الأمر قد تكون دراسات الكاتب الإسرائيلي موشيه إيشون المنشورة على صفحات صحيفة «هاتسوفيه» الناطقة بلسان الاتجاهات الدينية المتشددة في إسرائيل، خير دليل على طبيعة الاتجاهات الأصولية، في إسرائيل. إذ رأى هذا الكاتب أن الموقف الذي تبنّته مصر، على سبيل المثال، تجاه قضية نزع الأسلحة النووية من جميع دول المنطقة بما فيها إسرائيل، يعد امتدادًا طبيعيًا للنزاع التاريخي الذي تفجّر في حينه بين موسى وفرعون مصر.
ثمة خطورة قاتلة لمثل هذا التنظير الأصولي، والشاهد أن دراسة موشيه إيشون هذه، المعنونة بـ«الجدل وجذوره» كانت مقدمة لدراسة أخرى للكاتب نفسه تحمل اسم «إسحق رابين والعهد القديم»، ولقد نشرها في صحيفة «هاتسوفيه» عينها، عقب التوقيع على «اتفاقيات أوسلو». وجاء في تلك الدراسة قول إيشون: «لقد ذكر السيد رابين أن العهد القديم ليس بسفر لتسجيل ملكية الأراضي، وأن القداسة لا ترتبط بالأرض بقدر ارتباطها بالقيم. إن رابين تنازل بمنتهى السهولة عن أرض الوطن. وكان حديثه مليئًا بكل ما يدلّ على تنصّله من القيم الأدبية والأبدية لشعب إسرائيل التي تعد (أرض إسرائيل) جزءًا لا يتجزأ من ذاته. لقد كتب الفقيه اليهودي سعديا غاؤون (الذي عاش في ظل الخلافة العربية) أن أمتنا ليست بأمة إلا بسبب تمسكها بشرائعها. إن كل من يتنصل من تعاليم التوراة التي نزلت على موسى يتنصل من شعب إسرائيل ومن أرض إسرائيل. إن شعب إسرائيل يحرص منذ عصور بالغة القدم على تأكيد علاقته الأبدية بـ(أرض إسرائيل)، ويشعر دائمًا أن أرض إسرائيل جزء لا يتجزأ من واقعه.. إذ جاء في سفر التكوين: (سأعطي لك ولنسلك من بعدك أرض غربتك، كل أرض كنعان، ملكًا أبديًا)».
كلام مثل هذا يحمل نكهة «تكفيرية» واضحة، وربما كانت هذه السطور المبرّر الفقهي والتشريعي والتصريح الأصولي العلني الذي استند إليه قاتل إسحق رابين لاحقًا.
لا يبدو هذا فقط، ففي الأصل كان الوازع الأكبر لانتشار أفكار تطهير إسرائيل من مسيحييها ومسلميها على السواء، عبر تمكين المستوطنين من اقتطاع أراضي الفلسطينيين، كما ذهب إلى ذلك الرئيس الفلسطيني محمود عباس، عندما اعتبر هجمة الطابغة والاعتداء القاتل على عائلة الدوابشة «نتيجة مباشرة لسياسة الاستيطان التي تقودها إسرائيل»، والتي أدت إلى إسكان 400 ألف مستوطن في الضفة الغربية و200 ألف آخرين في القدس الشرقية المحتلة التي ضمتها إلى إسرائيل.

أجيال شابة معبأة بالعداء للآخرين

عودةً إلى منظمة «لهفاه»، ففي اجتماع مغلق لمعهد ديني يهودي عقد الأسبوع الأول من يوليو (تموز) المنصرم في القدس المحتلة، وجّه الصحافي الإسرائيلي بيني رابينوفيتش سؤالاً حساسًا جدًا لرئيس المنظمة المتطرفة بنتسي غوبشطاين هو: هل يجب إحراق الكنائس في أرض إسرائيل.. نعم أم لا؟ فرد غوبشطاين بصراحة: «بالتأكيد، أؤيد ذلك»!
مثل هذا الكلام كارثي، ولكن هل يمثله وحده؟ قطعًا الهول الأعظم يتمثل في تسرّب هذه الأفكار المدمرة - حتى لإسرائيل نفسها - إلى الأجيال الشابة التي يتكاثر عددها والتي تسير خلف هذا الرجل ومنظمته. ذلك أن جميع هؤلاء من الفتية المراهقين، الذين يرافقهم عادةً شخص أو اثنان من «البالغين المسؤولين»، - أي أن أعمارهم تتراوح بين 13 و21 سنة - البعض منهم كان من «الحريديم» (اليهود التوراتيون المتشددون) في الماضي. وجزءٌ آخر متسرّب من إطارات مختلفة، وكثيرون منهم يعيشون في أحياء تقع على أطراف القدس تشهد احتكاكًا كبيرًا مع القدس الشرقية.
هل «لهفاه» مقدمة جديدة لعودة الهاغاناه والإرغون من جديد؟
كتبت جريدة «يديعوت آحرونوت» الصادرة يوم11 مارس (آذار) 1996 صبيحة القبض على الحاخام إسحق غينزبرغ بتهمة إقامة وليمة عامة في ذكرى المتطرف القاتل باروخ غولدشتاين. وغولدشتاين هذا هو الذي فتح النار في فبراير (شباط) 1994 على المصلين المسلمين في ساحة الأنبياء (الحرم الإبراهيمي) بمدينة الخليل فقتل 29 منهم قبل أن يقتل نفسه.
ولقد كتبت الجريدة تقول، واصفة الدور الذي يقوم به غينزبرغ في إذكاء نار الأصولية اليهودية المدمّرة بما معناه أن المعروف عن الحاخام غينزبرغ أنه من أشد الحاخامات اليمينيين تعصبًّا. وفي الواقع فإن هذا اليهودي الأميركي الحاصل على عدة شهادات من جامعة يشيفا في نيويورك يعرف طلبته، وفهمه الخاص جدًا للنصوص «إن الدم الإسرائيلي هو المفضل عند الله. إنه أكثر احمرارًا من دم الآخرين»، كما يقول. وهو يدعو إلى العنف «لأنه من دون الانتقام يسقط الإنسان في هوة المرارة واللا تقوى».
أيضًا، يشرح الكاتب الفرنسي إيمانويل هيمان في كتابه عن الأصولية اليهودية، قائلا إن الأستاذ ذا اللغة المتفجرة أنشأ مدرسته التلمودية في مدينة شكيم – أي مدينة نابلس – وصباح كل يوم تتوجه حفنة من الطلبة إلى هذا المكان المبجل، حيث تنقلهم سيارة مصفّحة تابعة للجيش الإسرائيلي وتعيدهم في المساء، ويفتح لهم الباب جندي يحمل بندقية كلاشنيكوف على كتفه، بينما يردد الشبان اليهود صلاة بالعبرية تتكرّر فيها كثيرًا عبارة «يوسف حي». ويشعر هؤلاء المتعصبون المتحصنون خلف الأسوار العالية في قلب «الأراضي» أنهم طليعة يهودية تعيد الارتباط مع تاريخها القديم. ويؤكد يهوذا، أحد طلبة المدرسة: «نحن هنا بصفتنا الممثلة للشعب بكل أجياله الماضية والمستقبلة»، كما صرح لمجلة «أوفير» الشهرية للمتكلمين بالفرنسية في إسرائيل، وحسب تعاليم الحاخام في أبريل (نيسان) 1996.
الخطر على دور العبادة الإسلامية والمسيحية
هناك الآن سؤال مطروح بإلحاح، هو: هل كنائس إسرائيل ومساجدها اليوم في مأزق وجودي؟
من دون شك، إسرائيل كدولة تتحمّل تبعات واستحقاقات هذا المشهد العنصري الدموي. وهو ما حدا بكوي مايكل، الخبير القديم في معهد دراسات الأمن القومي التي هي المؤسسة البحثية التابعة لجامعة تل أبيب، والذي عمل ضابط استخبارات رفيع المستوى في الضفة الغربية لأكثر من عشرين سنة، لأن يقول: «لم يكن هناك تقدير دقيق لضخامة التهديد». ويضيف «تنبع الصعوبات في التصدي للإرهاب اليهودي من خلال أربعة مصادر مترابطة: النهج العام إزاء التهديد، وممارسة جمع المعلومات الاستخباراتية، والبنية التحتية القانونية، والجو العام في الدولة». فهل إسرائيل التي تعلن عن نفسها كمجتمع ديمقراطي دائمًا وأبدًا قد باتت مجتمعًا في حالة حرب على حريته وديمقراطيته من جراء الإرهاب اليهودي الذي يود العودة إلى زمن شريعة موسى في القرن الحادي والعشرين؟
من ناحية أخرى، ثمة مفارقة كبرى ومثيرة يثيرها الكاتب والأكاديمي الإسرائيلي أفيعاد كلاينبرغ في صحيفة «يديعوت أحرونوت» الصادرة بتاريخ 13 أغسطس (آب) الماضي، حين يشير إلى أن هناك تغيرًا خطيرًا في معاملة الأغيار - أي غير اليهود - في إسرائيل بشكل عام، والمسيحيين بشكل خاص، ويؤكد على أن كل القادة الدينيين المتشددين في دولة إسرائيل عرّفوا ويعرّفون المسيحية على أنها «عمل أجنبي». ومن هذه الناحية فإن مكانتها الفقهية هناك أسوأ من مكانة الإسلام..
ما موقف الغرب من هذا التطرف؟
يبقى كلام كثير، لكن الأسوأ يتبدى في حالة الصمت المخجل والمخزي للدوائر السياسية والدينية الغربية، التي يخيل للبعض أنها «حامية حمى المسيحية». لكن الظاهر أنه لم تصل إلى أسماع هؤلاء شكاوى واحتجاجات القيادات الكنسية المسيحية المشرقية، ولا أعاروا اهتماما لنداءات ممثل حاضرة الفاتيكان، وهذا في الوقت الذي ينددون بـ«الإرهاب الإسلامي» صباح مساء كل يوم.
إنهم يملأون الدنيا صياحًا بينما يتناسون التنديد بتصريحات «لهفاه» وفعلاتها المستنكرة، التي تفاقم الحقد والعنف بين الناس، وتهدد أماكن العبادة التي تأخذ الآن حصتها من أعمال الشغب.
هذا الموقف المتخاذل من القيادات المسيحية في أوروبا يقرأ على أساس أنه نتيجة طبيعية لعقود طوال من العلمانية الجافة المسطّحة التي أمسكت بتلابيب «القارة العجوز» بعد الحرب العالمية الثانية، ولم يقدر لها الفكاك من براثنها حتى الساعة، وفي هذا – إذا صح التعبير – تطرّف أصولي علماني.
أما تبرير، أو بمعنى أدق، فهم المشهد في الولايات المتحدة الأميركية فعجيب للغاية. إذ يبدو أن الاتجاهات المسيحية الأصولية المساندة لدولة إسرائيل في أميركا تصر على اعتبار إسرائيل، بما في ذلك متطرفوها من التوراتيين، مظلومة. ومن ثم باتت تنظر إلى ما تبقى من مسيحيي أرض فلسطين العرب نفس نظرتها إلى المسلمين هناك «بوصفهم مخربين». كذلك تلوح في الأفق ملامح اتفاق على تهجير مسيحيي الشرق وفلسطين في المقدمة، لتنضح إسرائيل في يهوديتها التي تسعى إليها «لهفاه» وأخواتها، . وفي هذا دون ريب تطرف أصولي ديني أميركي..
في زمن مذبحة صابرا وشاتيلا التي تعرض لها الفلسطينيون عام 1982 كتب الحاخام إليعازر فيلدمان رئيس مدرسة «نير» المتخصّصة في الدراسات التلمودية والواقعة في مستوطنة «كيريات أربع» في أطراف الخليل يقول: «إن الحروب أمر طبيعي ومتوقع، وإذا لم تكن هذه الحروب قد كللت بالنجاح، فهي جزء من عملية العودة إلى أرض الميعاد، لا يمكن استكمال عملية العودة للأرض بأي وسيلة سوى الحرب»..
مختصر الكلام.. متطرفو إسرائيل يفضلون العيش على حد سكين الأصولية القاتلة.



«حزب الله» العراق... صورة حول الفرات بأهداف تتجاوز الأصل اللبناني

أعلام صفر لـ«كتائب حزب الله» العراق خلال مشاركتها في إحدى الفعاليات (الشرق الأوسط)
أعلام صفر لـ«كتائب حزب الله» العراق خلال مشاركتها في إحدى الفعاليات (الشرق الأوسط)
TT

«حزب الله» العراق... صورة حول الفرات بأهداف تتجاوز الأصل اللبناني

أعلام صفر لـ«كتائب حزب الله» العراق خلال مشاركتها في إحدى الفعاليات (الشرق الأوسط)
أعلام صفر لـ«كتائب حزب الله» العراق خلال مشاركتها في إحدى الفعاليات (الشرق الأوسط)

ارتبط مسمى «حزب الله» بنوعين؛ أعلام صفراء في لبنان، وحسن نصر الله أمين عام حزب الله، لبنان، لكن النوع العقائدي الأكبر خطورة يسير في دماء العراق، حزب هو بذات الاسم، عقائديون أكبر أثراً في سفك الدماء، حيث يرعون الأمر أكبر من مجرد حزب أصفر له الضاحية الجنوبية في لبنان؛ مسكن ومقر ومشيعون.
بين دجلة والفرات، حزب يسمى كتائب «حزب الله العراق»، له أكثر من 13 عاماً وهو في تشكيله الحالي، ليس بالهين عوضاً عن ميليشيات «الحشد الشعبي» التي أخذت كل الوهج الإعلامي كونها مرتبطة بنظام إيران، لكن «حزب الله العراق» وكتائبه تمر في أزقة السواد وبأخطر من دور ميداني تمارسه «الحشد الشعبي»، لأن العقائدية ونشرها أشد خطورة من ميدان يتقهقر فيه الأضعف، نظراً للضربات الآمنة التي يقودها الحلفاء أولو القوة من غرب الأرض لوقف تمدد النزيف، دائماً ما يكون مصنع الوباء يمر بحزب الله العراق.

قبل أشهر، كان الحزب تعرض لواحدة من أعنف الغارات على مواقعه، بعد هجوم صاروخي استهدف قاعدة التاجي في العراق، وقتل فيها جنديين أميركيين وبريطانياً، وجاء الرد خلال ساعات قليلة بفعل غارات أميركية - بريطانية مشتركة، ضد منشآت لميليشيات حزب الله العراقي في محافظتي بابل وواسط ومنطقة سورية محاذية للحدود العراقية.
نظرة سريعة على حزب الله العراق، من التاريخ، كان عماد مغنية (قتل في 2008 بغارة إسرائيلية في دمشق) الإرهابي اللبناني التابع لإيران، وحزب الله لبنان، كان أحد صنّاع هيكل هذا الحزب في العراق، حيث بدأ في العمل وفقاً لتوجيهات وأوامر نظام الملالي في تكوين حزب يشبه حزب الله اللبناني، وهو ما يبدو أن الأوامر جاءته في تجويد هذا الحزب ليكون بذراعين: عسكرية وعقائدية، ويبدو أن مغنية تجاوز أخطاء عديدة في تشكيل ووهج حزبه اللبناني، فصنع بهدوء هيكلة مختلفة للحزب، جعلت كل المساجد والحسينيات وقوداً يضخ فيها البذور التي يرغبها أولو العمائم.
ظهر الحزب بحضوره الأول بقوام تجاوز 4 آلاف شخص، منتمين بعضويات عدة داخله، وتنامى العدد حتى قبل تصنيف الولايات المتحدة له كـ«تنظيم إرهابي»، لكنه جعل دوره التسويقي للحشد والتنظيم أكبر من مجرد عسكرة، بل فكرة أكثر ارتباطاً في نشر آيديولوجيا عبر مواقع عدة، ومنها تفريخ عناصر في قطاعات مهمة داخل العراق؛ منها وزارة التعليم ووضع لبنات التعاون مع أحزاب دينية؛ منها «الحزب الإسلامي» الذي يتغذى بمنهج الإخوان المسلمين.
ربما ما يدور أن الحزب هو جزء في تكوين «الحشد الشعبي» لكن ذلك يمر بتقاطعات، حيث يشير عبد القادر ماهين، المتخصص في شؤون التنظيمات الإرهابية، إلى أن الحزب يظهر كونها جزءاً من تكوين الحشد، لكنه جزء يصنع الكعكة الميليشياوية ويشارك في تسميمها ويعمل على توزيعها في المناطق المجاورة.
يشير ماهين في اتصال هاتفي مع «الشرق الأوسط» إلى أنه لا أمين عاماً للحزب أسوة بحزب الله اللبناني، حيث يظهر فيه حسن نصر الله، مبرراً ذلك أن الفرق بين تكوين الحزبين هو الحاجة والدور، حيث يتمركز في جنوب العراق بعتاد عسكري، له هدف في وضع حضور طاغٍ يحاول تفخيخ الحدود، لأن الهدف يرتبط مع إمبراطورية إيران الكبرى الممتدة، ولا يظهر له الأثر السياسي كممثلين له كما هو الحزب اللبناني ليكون أثره في تشكيل الحكومات والبرلمانات.

إذن ما الدور الذي يلعبه الحزب؟

الحزب كما يرى ماهين، أنه ذو دور عسكري في الأصل، لكن الترتيبات ما بعد 2009 جعلته أكثر قدرة في تكوين فريق احتياط عسكري ليس أكثر وفق الحاجة، يدعم التوجهات والسياسات الإيرانية، لكن ما أخل بتلك القاعدة مشاركته المباشرة في دعم نظام الرئيس السوري بشار الأسد، وأصبح أكثر من 4 أو 5 آلاف جندي مشاركين في السيطرة على مدن سورية تحت إمرة إيران في سوريا التي تتشكل من 4 فصائل مسلحة.
الحزب ليس عسكرياً فقط؛ كان ولا يزال صاحب دور في الترويج العقائدي، وتصوير الحضور الإيراني بشكل إيجابي مزعوم، إضافة إلى عمله الاقتصادي، حيث يدخل عناصره الكبرى في مفاصل مهمة في الاقتصاد العراقي، من شركات اتصالات وشركات نفطية، وأخرى ذات علاقة بقطاع الطيران، وإدارة المطارات والمنافذ، وبعض الأشخاص أبرزهم هادي العامري الذي كان صاحب صولات وجولات حين حمل حقيبة وزارة النقل العراقية في وقت سابق، وكان أبرز مهددي الاستمرار الكويتي في بناء ميناء مبارك الكبير، حيث هددت كتائب الحزب الشركات من الاستمرار بالعمل، وحينها ظهر العامري بأن ذلك المشروع «يغلق القناة الملاحية لموانئ العراق».
مرحلة مختلفة ظهرت، حين عاودت الآلة العسكرية الحزبية لكتائب حزب الله العراق، بالعمل من خلف الصفوف، حيث كانت أبرز مهددي السفارات وأكثر ملغمي مسارات الحلول السياسية، بل ومن رمى بقادة العراق اليوم في تحدي أن يرضخوا أمام شعب بدأ في كراهية الحضور الإيراني، وكان الحزب أبرز علامات استهداف المتظاهرين في العراق في كل البلاد، بغية كسر حدة السيوف الشعبية لتصبح مجرد مقبض دون رأس حربة كي يحافظ الحزب على الوجود الإيراني، خصوصاً أنه أبرز متلقٍ للأموال من نظام إيران وأكثرها غناءً.
الدور الاقتصادي لكتائب حزب الله العراق أصبح أكثر وضوحاً، حيث كان أكبر المنتفعين في عام 2015، من «الفدية القطرية» التي وصلت إلى أكثر من مليار دولار، مقابل إطلاق سراح قطريين كانوا يقضون وقتهم في الصيد جنوب العراق، ورغم أن الأنباء قالت إن الخاطفين لعدد من أبناء الأسرة الحاكمة القطرية ومعاونيهم الذي بلغ 28 شخصاً، كانوا من تنظيم «داعش»، لكن التقارير المسربة لاحقاً في بدايات 2016 حيث جرى تخليصهم وعودتهم إلى قطر، كانوا يتبعون لكتائب حزب الله العراق، وهو ما ينافي الرواية الرسمية القطرية التي تقول إنها دفعت المبلغ للحكومة العراقية.
الدور المستقبلي لن ينفك عن منهجية تتقاطع مع حزب الله اللبناني، حيث لدى الحزب اليوم الرؤى ذاتها، خصوصاً في اعتماد سياسة «افتعال الأزمات»، كي لا ينكسر الحضور الإيراني ونفوذه في المؤسسات الدينية وبعض السياسية، التي يجد فيها بعضاً من رجاله الذين يقبعون في سياسة تخفيف الضغط على النظام السياسي ومحاصصته التي تستفيد منها ميليشيات إيران في العراق، وما بعد مقتل قاسم سليماني، غربلة يعيشها الحزب الذي يجرب يوماً بعد آخر أسلوب التقدم خطوة بخطوة، مستفيداً من تكتيك الفأر في نشر طاعون على أرض هي الأهم لإيران.


«داعش» يسعى بقوة إلى {إثبات وجوده} في 2020

تدريبات للقوات النيجيرية تحت إشراف القوات الخاصة البريطانية خلال مناورة مكافحة الإرهاب السنوية في السنغال فبراير الماضي (أ.ب)
تدريبات للقوات النيجيرية تحت إشراف القوات الخاصة البريطانية خلال مناورة مكافحة الإرهاب السنوية في السنغال فبراير الماضي (أ.ب)
TT

«داعش» يسعى بقوة إلى {إثبات وجوده} في 2020

تدريبات للقوات النيجيرية تحت إشراف القوات الخاصة البريطانية خلال مناورة مكافحة الإرهاب السنوية في السنغال فبراير الماضي (أ.ب)
تدريبات للقوات النيجيرية تحت إشراف القوات الخاصة البريطانية خلال مناورة مكافحة الإرهاب السنوية في السنغال فبراير الماضي (أ.ب)

ارت طموحات تنظيم «داعش» الإرهابي للتمدد مجدداً تساؤلات كثيرة تتعلق بطبيعة «مساعيه» في الدول خلال العام الجاري. واعتبر مراقبون أن «(أزمة كورونا) جددت طموحات التنظيم للقيام بعمليات إرهابية، واستقطاب (إرهابيين) عقب هزائم السنوات الماضية ومقتل زعيمه السابق أبو بكر البغدادي». ووفق خبراء ومتخصصين في الشأن الأصولي بمصر، فإن «التنظيم يبحث عن أي فرصة لإثبات الوجود»، مشيرين إلى «مساعي التنظيم في أفريقيا عبر (الذئاب المنفردة)، ومحاولاته لعودة نشاطه السابق في العراق وسوريا عبر تبني عمليات القتل»، موضحين أن «المخاوف من العناصر (الانفرادية) التي تنتشر في أوروبا وأميركا تتزايد، خاصة وأنها تتحرك بانسيابية شديدة داخل محيطهم الجغرافي».
وقال أحمد بان، الخبير في شؤون الحركات الأصولية، إن «(داعش) مثل تنظيمات الإرهاب تبحث عن فرصة مُناسبة للوجود، ومن الفُرص المُناسبة، وجود أي شكل من أشكال الفوضى أو الارتباك، وعندما تكون جهود الدول موجهة لمحاربة (كورونا المستجد)، فيبقى من الطبيعي أن يسعى التنظيم للحركة من جديد، وانتظار فرصة مناسبة لتنفيذ أهدافه، خاصة أن (داعش) في تعامله مع الفيروس روج لفكرة (أن كورونا عقاب إلهي لأعدائه، على حد زعم التنظيم)، خصوصاً أن (كورونا) كبد أوروبا خسائر كبيرة، وأوروبا في الدعايا الداعشية (هذا الغرب الذي يحارب الإسلام، على حد تصور الداعشيين)، لذا فـ(داعش) يستغل هذا، في مواجهة بعض الارتكازات الأمنية، أو الأكمنة، أو الاستهدافات بالشوارع، لإثارة فازعات، ومن الوارد تنفيذ بعض العمليات الإرهابية».
وأكد عمرو عبد المنعم، الباحث في شؤون الحركات الأصولية، أن «(داعش) استغل (أزمة الفيروس) بالادعاء في بيان له مارس (آذار) الماضي، بأن الفيروس (عذاب مؤلم من الله للغرب، خاصة للدول المشاركة في العمليات العسكرية ضده، على حد زعمه)، ويحاول التنظيم نشر الخوف من الوباء، والبحث عن إيجاد مصارف لتمويل العمليات الإرهابية».
ووفق تقرير سابق لمجموعة «الأزمات الدولية» في نهاية مارس الماضي، أشار إلى أن «التنظيم أبدى مع ظهور الفيروس (نبرة شماتة)، وأخبر عناصره عبر افتتاحية جريدة (النبأ) التابعة له في نهاية مارس الماضي، بضرورة استمرار حربهم عبر أرجاء العالم حتى مع تفشي الوباء... وادعى أن الأنظمة الأمنية والدولية التي تسهم في كبح جماح التنظيم على وشك الغرق، على حد قول التنظيم».
ويشير عبد المنعم في هذا الصدد، إلى أنه «بالعودة لزاوية (حصاد الأجناد) في عدد (النبأ) الأخير، زعم التنظيم أنه شن 86 هجمة إرهابية في شهر واحد، هو مارس الماضي، وهو أعلى رقم منذ نهاية نوفمبر (تشرين ثاني) الماضي، الذي سجل 109 هجمات، فيما عُرف بـ(غزوة الثأر) للبغدادي وأبو الحسن المهاجر اللذين قُتلا في أكتوبر (تشرين أول) الماضي في غارة جوية».
ووفق تقارير إخبارية محلية ودولية فإن «(داعش) يسعى لاستعادة سيطرته على عدد من المناطق في سوريا والعراق من جديد، وأنه يحتفظ بنحو من 20 إلى 30 ألف عضو نشط، ولا ينقصه سوى توفر المال والسلاح». وأشارت التقارير ذاتها إلى أن «التنظيم يحاول استغلال انشغال سوريا والعراق بمكافحة الفيروس، لاستعادة سيطرته على مناطق من الصحراء السورية في الغرب، إلى وادي نهر الفرات شرقاً، مروراً بمحافظة دير الزور والمناطق ذات الأغلبية السنية في العراق، والتي لا يزال يوجد فيها بعض عناصره».
ويشار أنه في أبريل (نيسان) الماضي، هاجم التنظيم بلدة السخنة في صحراء حمص، وأسفر عن مقتل 18. وفي دير الزور أعلن التنظيم مقتل اثنين... وفي العراق، قتل ضابط شرطة عند نقطة تفتيش في الحويجة غرب كركوك على يد التنظيم، كما قتل اثنان من مقاتلي البيشمركة الكردية في هجوم للتنظيم أبريل الماضي، كما أسفر هجوم للتنظيم على مطار الصادق العسكري عن مقتل اثنين.
وفي هذا الصدد، قال عمرو عبد المنعم، إن «أكثر هجمات (داعش) كانت في العراق أخيراً، وشهد التنظيم نشاطاً مكثفاً هناك»، مضيفاً: «في نفس السياق دعت فتوى نشرها التنظيم على (تلغرام) للهروب من السجون السورية، وهذا ما حدث، فقد هرب 4 نهاية مارس الماضي، من سجن تديره قوات سوريا الديمقراطية، وفقاً لتقارير إخبارية».
وسبق أن طالب أبو حمزة القرشي، متحدث «داعش» في سبتمبر (أيلول) الماضي، «بتحرير أنصار التنظيم من السجون ...»، وسبقه البغدادي «وقد حرض بشكل مُباشر على مهاجمة السجون في سوريا والعراق».
وبحسب المراقبين «حاول (داعش) أخيراً زيادة حضوره الإعلامي على منصات التواصل الاجتماعي مجدداً، بعد انهيار إعلامه العام الماضي». ورصدت دراسة أخيرة لمرصد الأزهر لمكافحة التطرف في القاهرة «تداول التنظيم تعليمات لعناصره عبر شبكات التواصل الاجتماعي، بالادعاء بأن الفيروس يمثل (عقاباً من الله، ويحتم اتخاذ خطوات لتكفير الذنوب)، وجعل التنظيم الإرهابي - على حد زعمه - السبيل الوحيد للخلاص من الفيروس، والقضاء عليه، هو (تنفيذ العمليات الإرهابية)، ولو بأبسط الوسائل المتاحة». اتسق الكلام السابق مع تقارير محلية ودولية أكدت «تنامي أعداد حسابات أعضاء التنظيم وأنصاره على مواقع التواصل خصوصاً (فيسبوك)، حيث تمكن التنظيم مجدداً من تصوير وإخراج مقاطع فيديو صغيرة الحجم حتى يسهل تحميلها، كما كثف من نشر أخباره الخاصة باستهداف المناطق التي طرد منها في العراق وسوريا، وتضمين رسائل بأبعاد عالمية، بما يتوافق مع أهداف وأفكار التنظيم».
ووفق عبد المنعم فإن «(داعش) يستغل التطبيقات الإلكترونية التي تم تطويرها في الفترة الأخيرة في المجتمع الأوروبي، والتي قدمتها شركات التكنولوجيا والذكاء الصناعي في أوروبا مثل تطبيق Corona-tracker لجمع البيانات عن المصابين، وتوجيه بعض الأسئلة لتحديد نسبة الخطورة، وفرض التنظيم على الأطباء والممرضين في الرقة الحضور اليومي الإجباري، ومن خالف تعرض لعقوبات شديدة».
وعن الواجهة التي يسعى «داعش» التمدد فيها خلال الفترة المقبلة. أكد الخبير أحمد بان، أن «أفريقيا هي الواجهة المفضلة لتنظيمي (داعش) و(القاعدة)، والفترة الأخيرة شهدت تصاعدا لعمليات في الغرب الأفريقي وداخل الساحل، وعمليات داخل موزمبيق، فـ(داعش) في حالة سباق لتصدر المشهد هناك، مع توفر آليات تساعده على ذلك من بينها، تهريب السلاح، وحركة العصابات». فيما أبدى عمرو عبد المنعم، تصوراً يتعلق بـ«زيادة العمليات الإرهابية في نيجيريا، وأنه طبقاً لبيانات صدرت أخيراً عما يُعرف باسم (ولاية غرب أفريقيا) أفادت بوجود أكثر من مائة مقاتل هاجروا لنيجيريا من سوريا والعراق».
وتجدد الحديث في فبراير (شباط) الماضي، عن مساعي «داعش» للوجود في شرق أفريقيا أيضاً، بعدما أظهرت صوراً نشرها التنظيم عبر إحدى منصاته تتعلق بتدريبات على أسلحة تلقاها عناصره في مرتفعات «غل غلا» الوعرة بولاية بونتلاند الواقعة شمال شرقي الصومال.
تعليقاً، على ذلك أكد أحمد زغلول، الباحث في شؤون الحركات الأصولية، أن «(داعش) يهدف إلى السعي لمناطق بالقارة السمراء، بعيداً عن سوريا والعراق، لـ(تفريغ قدرات عناصره القتالية)، فضلاً عن تأكيد عبارة (أنه ما زال باقياً)».
تقديرات سابقة لمراكز بحثية غربية أشارت أيضاً إلى أن «عدد الذين انضموا لـ(داعش) من أفريقيا منذ عام 2014 في سوريا والعراق يزيد على 6 آلاف مقاتل». وقال المراقبون إن «عودة هؤلاء أو ما تبقى منهم إلى أفريقيا، ما زالت إشكالية كبيرة على أمن القارة، خصوصاً أن كثيراً منهم شباب صغير السن، وأغلبهم تم استقطابه عبر مواقع التواصل الاجتماعي».
فيما قال خالد الزعفراني، الباحث في شؤون الحركات الأصولية، إن «مساعي التنظيم للتمدد داخل أفريقيا سوف تتواصل عبر (الذئاب المنفردة)»، مضيفاً أن «ما يقوم به التنظيم في أفريقيا، والعراق وسوريا أخيراً، لإثبات أن لديه قدرة على تحقيق إنجازات، وأنه (عابر للحدود)، وأنه غير مُتأثر بهزائم سوريا والعراق».
وكان أبو محمد العدناني، الناطق الأسبق باسم «داعش» قد دعا في تسجيل صوتي عام 2014 المتعاطفين مع التنظيم، إلى القتل باستخدام أي سلاح متاح، حتى سكين المطبخ من دون العودة إلى قيادة «داعش»... ومن بعده دعا البغدادي إلى «استهداف المواطنين». وتوعد التنظيم عبر مؤسسة الإعلامية «دابق» بحرب تحت عنوان «الذئاب المنفردة».
في ذات السياق، لفت أحمد بان، إلى أن «التنظيم يسعى لاكتشاف أي ثغرة لإثبات الوجود أو تجنيد عناصر جُدد، خاصة وأن هناك عناصر (متشوقة للإرهاب)، وعندما يُنفذ (داعش) أي عمليات إرهابية، تبحث هذه العناصر عن التنظيم، نتيجة الانبهار».
من جانبه، قال الخبير الأمني اللواء فاروق المقرحي، مساعد وزير الداخلية المصري الأسبق، إن «تنظيمات الإرهاب خاصة (داعش) و(القاعدة) لن تتوانى عن سياسة التجنيد، ومن هنا تنبع فكرة الاعتماد على (الذئاب المنفردة) أو (العائدين) بشكل كبير».
وبينما رجح زغلول «حدوث بعض التغيرات داخل (داعش) عام 2020». قال اللواء المقرحي: «لا أظن عودة (داعش) بفائق قوته في 2020 والتي كان عليها خلال عامي 2014 و2015 نتيجة للحصار المتناهي؛ لكن الخوف من (حرب العصابات) التي قد يشنها التنظيم، لاستنزاف القوى الكبرى»، لافتاً إلى أن «كثيرا من العناصر (الانفرادية) تتحرك في أوروبا وأميركا بانسيابية داخل الدول، وهذا هو الخطر».


ألمانيا... صعود {اليمين المتطرف}

انتشار أمني عقب وقوع مجزرة في مقهيين لتدخين النارجيلة وسقوط 9 قتلى في مدينة هاناو الألمانية قبل بضعة أيام (إ.ب.أ)
انتشار أمني عقب وقوع مجزرة في مقهيين لتدخين النارجيلة وسقوط 9 قتلى في مدينة هاناو الألمانية قبل بضعة أيام (إ.ب.أ)
TT

ألمانيا... صعود {اليمين المتطرف}

انتشار أمني عقب وقوع مجزرة في مقهيين لتدخين النارجيلة وسقوط 9 قتلى في مدينة هاناو الألمانية قبل بضعة أيام (إ.ب.أ)
انتشار أمني عقب وقوع مجزرة في مقهيين لتدخين النارجيلة وسقوط 9 قتلى في مدينة هاناو الألمانية قبل بضعة أيام (إ.ب.أ)

عندما وصف رجل ألماني في شريط على «يوتيوب» سوسن شبلي، السياسية الألمانية الشابة من أصل فلسطيني، والتي تنتمي للحزب الاشتراكي الديمقراطي، بأنها: «دمية متحدثة باسم الإسلاميين»، ظنت أن محكمة ألمانية سترد لها حقها بعد «الإهانة» التي تعرضت لها، ولكنها فوجئت عندما حكمت المحكمة بأن هذه الصفة وغيرها من التي ألصقها بها الرجل، هي «ضمن حرية التعبير التي يصونها القانون الألماني»، وليست إهانة ولا تحريضاً على الكراهية.

في الواقع، لم تكن تلك المرة الأولى التي تتعرض لها شبلي لتوصيفات عنصرية كهذه. فهي وغيرها من السياسيين المسلمين القلائل في ألمانيا، والسياسي الأسود الوحيد كرامبا ديابي، معتادون على سماع كثير من الإهانات، بسبب ديانتهم ولونهم فقط؛ حتى أنهم يتلقون تهديدات عبر البريد الإلكتروني والاتصالات، تصل أحياناً لحد التهديد بالقتل.
ورغم أن هذه التهديدات التي يتعرض لها السياسيون المسلمون في ألمانيا تجلب لهم التضامن من بقية السياسيين الألمان، فإن أكثر من ذلك لا يُحدث الكثير.
في ألمانيا، تصنف السلطات ما يزيد على 12 ألف شخص على أنهم من اليمين المتطرف، ألف منهم عنيفون، وهناك خطر من أن ينفذوا اعتداءات داخل البلاد.
يشكل اليمينيون المتطرفون شبكات سرية، ويتواصلون عادة عبر الإنترنت، ويتبادلون الأحاديث داخل غرف الـ«تشات» الموجودة داخل الألعاب الإلكترونية، تفادياً للمراقبة.
وفي السنوات الماضية، ازداد عنف اليمين المتطرف في ألمانيا، وازداد معه عدد الجرائم التي يتهم أفراد متطرفون بارتكابها. وبحسب الاستخبارات الألمانية الداخلية، فإن اعتداءات اليمين المتطرف زادت خمسة أضعاف منذ عام 2012.
وفي دراسة لمعهد «البحث حول التطرف» في جامعة أوسلو، فإن ألمانيا على رأس لائحة الدول الأوروبية التي تشهد جرائم من اليمين المتطرف، وتتقدم على الدول الأخرى بفارق كبير جداً. فقد سجل المعهد حوالي 70 جريمة في هذا الإطار بين عامي 2016 و2018، بينما كانت اليونان الدولة الثانية بعدد جرائم يزيد بقليل عن العشرين في الفترة نفسها.
في الصيف الماضي، شكل اغتيال سياسي ألماني يدعى فالتر لوبكه، في حديقة منزله برصاصة أطلقت على رأسه من الخلف، صدمة في ألمانيا. كانت الصدمة مضاعفة عندما تبين أن القاتل هو يميني متطرف استهدف لوبكه بسبب سياسته المؤيدة للاجئين. وتحدث كثيرون حينها عن «صرخة يقظة» لأخذ خطر اليمين المتطرف بجدية. ودفن لوبكه ولم يحدث الكثير بعد ذلك.
فيما بعد اغتياله بأشهر، اعتقل رجل يميني متطرف في ولاية هسن، الولاية نفسها التي اغتيل فيها السياسي، بعد أن قتل شخصين وهو يحاول الدخول إلى معبد لليهود، أثناء وجود المصلين في الداخل بهدف ارتكاب مجزرة. أحدثت تلك المحاولة صرخة كبيرة من الجالية اليهودية، وعادت أصوات السياسيين لتعلو: «لن نسمح بحدوثها مطلقاً مرة أخرى»، في إشارة إلى ما تعرض له اليهود في ألمانيا أيام النازية. ولكن لم يحدث الكثير بعد ذلك.
وقبل بضعة أيام، وقعت مجزرة في مقهيين لتدخين النارجيلة في مدينة هاناو في الولاية نفسها، استهدفا من قبل يميني متطرف لأن من يرتادهما من المسلمين. أراد الرجل أن يقتل مسلمين بحسب رسالة وشريط فيديو خلَّفه وراءه بعد أن قتل 9 أشخاص، ثم توجه إلى منزله ليقتل والدته، ثم نفسه. أسوأ من ذلك، تبين أن الرجل كان يحمل سلاحاً مرخصاً، وينتمي لنادي الرماية المحلي.
بات واضحاً بعد استهداف هاناو، أن السلطات الألمانية لم تولِ اليمين المتطرف اهتماماً كافياً، وأنها لا تقدر حقيقة خطره على المجتمع، رغم أنها كشفت قبل أيام من جريمة هاناو عن شبكة يمينية متطرفة، كانت تعد لاعتداءات على مساجد في أنحاء البلاد، أسوة بما حصل في كرايستشيرش في نيوزيلندا.
وجاء الرد على اعتداء هاناو بتشديد منح رخص السلاح، وبات ضرورياً البحث في خلفية من يطلب ترخيصاً، على أن يرفض طلبه في حال ثبت أنه ينتمي لأي مجموعة متطرفة، ويمكن سحب الترخيص لاحقاً في حال ظهرت معلومات جديدة لم تكن متوفرة عند منحه. كما يبحث وزراء داخلية الولايات الألمانية تأمين حماية للمساجد وللتجمعات الدينية للمسلمين واليهود.
ولكن كل هذه الإجراءات يعتقد البعض أنها لا تعالج المشكلة الأساسية التي تدفع باليمين المتطرف لارتكاب أعمال عنف. وفي كل مرة تشهد ألمانيا اعتداءات، يوجه سياسيون من اليسار الاتهامات لحزب «البديل لألمانيا» اليميني المتطرف، بالمسؤولية عنها بشكل غير مباشر. ويواجه الحزب الذي دخل البرلمان الفيدرالي (البوندستاغ) للمرة الأولى عام 2018، وبات أكبر كتلة معارضة، اتهامات بأنه «يطبِّع سياسة الكراهية»، وبأنه يحرض على العنف ضد اللاجئين والمهاجرين، من خلال ترويجه لخطاب الكراهية. وحتى أن البعض ذهب أبعد من ذلك بالدعوة إلى حظر الحزب للتصدي للعنف المتزايد لليمين المتطرف.
والواقع أن مشكلة اليمين المتطرف تزداد منذ أن دخل «البديل لألمانيا» إلى «البوندستاغ». فهو - كما حملته الانتخابية - يركز خطابه على مواجهة سياسة اللاجئين التي اعتمدتها حكومة المستشارة أنجيلا ميركل. وكثير من الأسئلة التي يتقدم بها نوابه في البرلمان تهدف لإثبات خطأ هذه السياسة، وعدم قدرة اللاجئين على الاندماج. ورغم أن نوابه في البرلمان يحرصون على عدم تخطي القانون في خطاباتهم، فإن كثيراً من السياسيين المنتمين لهذا الحزب؛ خصوصاً في الولايات الشرقية، لا يترددون في الحديث بلغة لا يمكن تمييزها عن لغة النازيين. أبرز هؤلاء السياسيين بيورغ هوكيه الذي لم يستطع أعضاء في حزبه تمييز ما إذا كانت جمل قرأها صحافي لهم، هي مقتطفات من كتاب «كفاحي» لهتلر، أم أنها أقوال لهوكيه.
كل هذا خلق أجواء سلبية ضد المسلمين في ألمانيا، وحوَّل كثيرين من الذين ولدوا لأبوين مهاجرين إلى غرباء في بلدهم. في هاناو، يقول كثيرون من الذين فقدوا أصدقاءهم في المجزرة، بأنهم لم يعودوا يشعرون بالأمان، ولا بأنهم جزء مقبول من المجتمع. وبعضهم يرى أنه ما دام حزب «البديل لألمانيا» مقبولاً بين الأحزاب الأخرى، فإن خطاب الكراهية سيستمر، والجرائم كالتي حصلت في هاناو ستتكرر.
ما يزيد من هذه المخاوف ومن الشبهات، أن السلطات الألمانية لم تأخذ خطر اليمين المتطرف على محمل الجد طوال السنوات الماضية. وهناك فضائح متتالية داخل المؤسسات الأمنية تظهر أنها مليئة بمؤيدين أو متعاطفين مع اليمين المتطرف؛ خصوصاً داخل الشرطة والجيش. ويواجه رئيس المخابرات الداخلية السابق هانس يورغ ماسن اتهامات بأنه متعاطف مع اليمين المتطرف، وهو ما دفع جهازه لغض النظر عن تحركاتهم طوال السنوات الماضية، والتركيز عوضاً عن ذلك على خطر الإسلام المتطرف. ومنذ مغادرته المنصب، أصدرت المخابرات الداخلية تقييماً تقول فيه بأن خطر اليمين المتطرف بات أكبر من خطر الإسلام المتطرف في ألمانيا.
وطُرد ماسن الذي ينتمي للجناح المتطرف في حزب ميركل (الاتحاد المسيحي الديمقراطي) من منصبه، بعد اعتداءات كيمنتس في صيف عام 2018، بسبب رد فعله على التطورات هناك. وعارض ماسن ميركل في قولها بأن شريط فيديو من هناك أظهر ملاحقة نازيين جدد للاجئين، شتماً وضرباً. وخرج ماسن ليقول بأنه لم يتم التثبت من الشريط بعد، ويشكك في وجود نازيين جدد هناك. وكانت تظاهرات كبيرة قد خرجت ضد لاجئين في كيمنتس، بعد جريمة قتل ارتكبها لاجئان (عراقي وسوري) بحق أحد سكان البلدة.
وتعرض كذلك لانتقادات بعد جريمة هاناو لقوله بأن الرجل يعاني من اضطرابات عقلية، وهو الخط نفسه الذي اتخذه حزب «البديل لألمانيا» عندما رفض طبع المجرم بأنه يميني متطرف؛ خصوصاً أن الأخير تحدث في شريط الفيديو عن «التخلص» من جنسيات معينة من دول عربية ومسلمة.
ويعيد ماسن صعود عنف اليمين المتطرف لموجة اللجوء منذ عام 2015، إلا أن ألمانيا شهدت عمليات قتل وملاحقات عنصرية قبل موجة اللجوء تلك. ففي عام 2011 كشف عن شبكة من النازيين الجدد عملت بالسر طوال أكثر من 12 عاماً، من دون أن يكشف أمرها، ما سبب صدمة كبيرة في البلاد. ونجح أفراد هذه الشبكة في قتل تسعة مهاجرين لأسباب عنصرية بين عامي 2000 و2007، إضافة إلى تنفيذهم 43 محاولة قتل، و3 عمليات تفجير، و15 عملية سرقة.
وقبل اكتشاف الخلية، كانت الشرطة تستبعد أن تكون عمليات القتل ومحاولات القتل تلك تتم بدوافع عنصرية، رغم أن جميع المستهدفين هم من أصول مهاجرة. وعوضاً عن ذلك، كانت التخمينات بأن الاستهدافات تلك لها علاقة بالجريمة المنظمة والمافيات التركية.
ورغم أن الكشف عن ارتباط هذه الجرائم باليمين المتطرف زاد الوعي الألماني لخطر هذه الجماعات، وأطلق نقاشات في الصحافة والمجتمع والطبقة السياسية، فإن التعاطي مع الجرائم التي لحقت، والتي اشتبه بأن اليمين المتطرف وراءها، لم يكن تعاطياً يحمل كثيراً من الجدية.