لا يبدو أنّ العثور على مغارات سحرية وكنوز مدفونة منذ آلاف السنوات تحت الرمال مجرّد حكايات أسطورية، فصحراء سقارة المصرية تُبدد هذا الافتراض، وتُجدد الدهشة كل فترة بما تحتويه بواطنها من مقابر عامرة بالكنوز التاريخية الخلابة، حيث «المقبرة السليمة تشبه الكبسولة الزمنية»، كما يفتتح فيلم «الهرم المفقود» بصوت الأمين العام لـ«المجلس الأعلى للآثار» مصطفى وزيري؛ خلال تتبعه، بكشّاف نور، انفراجة أحد الأحجار الضخمة تحت الأرض، منبئة بكشف أثري ضخم وراءها. فغُرف الدفن والتوابيت في مصر القديمة تعني مزيداً من فك شيفرات الحضارة المصرية القديمة، لما تحتويها من نقوش وكتابات وتماثيل وتمائم.

يتتبع «الهرم المفقود» (The lost pyramid) الذي بدأت «نتفليكس» عرضه، حالة الترقب والعمل الشاق الذي تؤدّيه بعثتان كبيرتان في منطقة سقارة، الأولى بقيادة عالِم الآثار المصري الدكتور زاهي حواس في منطقة جسر المدير، إذ يقتفي الفيلم حالة الشغف الشخصي والأثري لحواس، ويقينه أنّ تلك البعثة من شأنها الوصول إلى الهرم المفقود العائد للملك حوني من الأسرة القديمة سقارة، وهي الموقع الأكثر سحراً في مصر. ووفق ما يقول حواس في الفيلم، فإنّ «ما اكتُشف حتى الآن هو 30 في المائة فقط من كنوز مصر القديمة».

أما الثانية فهي بعثة منطقة الـ«بوباستيون»، برئاسة وزيري، فيؤسّس الفيلم روابط بين الموقعين الأثريين وتحدّيات التنقيب ومفاجآته، وروح الفريق التي لا تُفرّق ما بين رئيس بعثة وأبسط عمّال الحفر، حيث تعلو الدهشة والانتصار ملامح الجميع مع ظهور بوادر تقود لاكتشافات جديدة.
«هذا أهم فيلم تناول الآثار المصرية في سقارة حتى الآن، وهذه هي المرة الأولى التي يتتبّع فيها فيلم عمليات تنقيب بعثات أثرية لاثنين من علماء الآثار فيها»، يقول حواس لـ«الشرق الأوسط».
يضيف: «استطاع العمل إيصال حالة الولع بالآثار والكشوف الأثرية، من خلال عرض رحلة الكشف بقيادة فريقي وفريق وزيري، وهذا الفيلم ليس قادراً فقط على الترويج لعلماء الآثار المصرية، بل للسياحة في مصر بشكل كبير».

وقد صُوِّر على 3 مراحل زمنية؛ الأولى كانت لمدة 40 يوماً بشكل متواصل، ثم لمدة أسبوعين، وأخيراً أسبوع، بإخراج المخرج الأميركي ماكس سالومون الذي استعان بطاقم عمل مصري، «أجريتُ معه جلسات نقاش حول الفيلم، وتنسيق للجداول الزمنية، وداخل موقع التصوير»، يقول رئيس شركة «مصر ميديا للإنتاج» والمنتج المنفّذ المحلي للفيلم أحمد خيرت.
يضيف: «من أبرز التحديات، عدم اعتماد الفيلم بشكل رئيسي على (سكريبت) مُسبَق إعداده، إنما كان يتغيّر وفقاً لبعثات التنقيب عينها والمفاجآت والمستجدات التي كانت تطرأ خلال المَهمّات، وكذلك التصاريح، ومتطلبات التصوير تحت الأرض مثل الإضاءة، أو حفر بئر وما يستلزمه من وقت، فكانت مواعيد التصوير يمكن أن تتبدل تماماً بسبب هذا الإيقاع، علاوة على مفاجآت الطقس. كما شاهدنا في الفيلم حدوث عواصف رملية شديدة، فيما البعثة وطاقم العمل موجودان في هذا المكان الصحراوي المفتوح».

ويرى خيرت أنّ القنوات التلفزيونية الأجنبية مثل «ديسكفري» و«فوكس نيوز»، و«آبل تي في» تحرص على إنتاج أفلام عن «المصريات»، إلا أنّ «نتفلكيس» تتمتع بشعبية أكبر، «فنأمل أن تُتاح تلك الأفلام بشكل أوسع للمشاهد العربي ليلمس الاهتمام بالحضارة المصرية وكنوزها في العالم».
وكانت «نتفليكس» طرحت في نوفمبر (تشرين الثاني) 2020 فيلم «أسرار مقبرة سقارة»، وهو يعتمد على توثيق التنقيب الأثري الذي توصّل لاكتشاف مقبرة «واح تي»، الكاهن المطهر المشرف على قصر الإله الملكي في عهد الأسرة الخامسة، وتُعد مقبرته واحدة من أضخم الكشوف الأثرية منذ عقود حيث لم تُمس ولم تُفتح منذ 4400 عام. والفيلم من إخراج الإنجليزي جيمس توفيل.

من جهته، يرى الخبير السياحي المصري محمد كارم، أنّ «هذه الأفلام تثير اهتمام السائح الأجنبي للاقتراب من عالم الاكتشافات الأثرية الذي يراه على الشاشة، فالوثائقيات التي ترصد عمليات التنقيب بكل مفاجآتها، تُعد دعاية سياحية غير مباشرة».
ويضيف لـ«الشرق الأوسط»: «هناك وفود سياحية متيّمة بنمط السياحة الأثرية والاستكشافية مثل السوق الألمانية وغيرها، وعادة ما تُرفق زياراتهم إلى مصر باطلاع واسع وتثقيفي من قراءات لمواد وثائقية عن الآثار والحضارة المصرية».








