الاستمرار في العملية الحربية الإسرائيلية على مخيم جنين، لم يعد احتياجاً عسكرياً؛ إذ إن غالبية الخبراء يؤكدون أنها «استنفدت نفسها، ويجب أن تتوقف قبل أن تتحول إلى ورطة جديدة للجيش» كما حصل في حرب لبنان الثانية سنة 2006، أو في الحرب على قطاع غزة سنة 2014.
لكن الحكومة الإسرائيلية، التي تأمل أن يؤدي الاستمرار في العملية إلى إضعاف حركة الاحتجاج والمظاهرات، تطالب الجيش بألا يتوقف، وألا يترك مخيم جنين إلا «بعد تصفية البنية التحتية للإرهاب»، وفق تصريح «الجيش» في تبرير العملية. وتطالبه أيضاً بأن يكمل المعركة في مواقع أخرى، مثل نابلس وطولكرم ومخيم عقبة جبر قرب أريحا... وغيرها.
الإشارة إلى ذلك نجدها في موجة من أشرطة الفيديو التي تجتاح الشبكات الاجتماعية، ويظهر فيها جنود يقولون إنهم قريبون من المعركة وغاضبون على قيادة الجيش؛ لأنها لا تعطيهم أوامر «لتصفية الإرهابيين عن بكرة أبيهم»، وتقيدهم في إطلاق النار، ولا تسمح لهم برش زخات الرصاص على كل مكان يوجد فيه مقاتل فلسطيني.

الجيش من جهته، لا يستطيع الدخول في نقاش علني مع الحكومة ومبعوثيها، خصوصاً على الشبكات الاجتماعية، لذلك يرسل إلى الصحافة مبعوثين من قادته السابقين الذين يحملون رتب لواء أو عميد أو عقيد، ليقولوا إن المقاتلين الفلسطينيين يتخذون لهم المواقع تحت الأرض في قلب مخيم جنين ولا يخرجون للقتال.
قد يكون هذا ناجماً عن صدمتهم من الهجوم الإسرائيلي والأساليب الحربية التي اتبعها. لكنها قد تكون أيضاً خطة نسجت بشكل محكم، كما اعتاد أن يفعل مقاتلو هذا المخيم في الماضي، بأن يغروا الجيش بالتقدم إلى مكان ما ثم يوقعون العشرات من قادته وجنوده في كمين جديد.
أول 36 ساعة
في قيادة الجيش وبقية الأجهزة الأمنية، يلخصون أول 36 ساعة من العملية الحربية على أنها «ناجحة جداً». ويقولون إنها حققت ما يلي: فاجأت المسلحين الفلسطينيين في المخيم عندما اختارت بدء العملية بشن غارات جوية عينية على مقر قيادتهم السري. وكذلك عندما دمرت العبوات الناسفة التي زرعوها في طريق الجيش بواسطة جرافات «D9» العملاقة على طرفي الشارع.

وعندما وصلت إلى الطابق الأرضي في مسجد الأنصار وعثرت على مخزون كبير من 300 عبوة ناسفة من الأسلحة والذخيرة. أيضاً تقول إنها جربت مجموعة من الأسلحة الجديدة التي تعدّها لعمليات حربية مقبلة داخل البلدات اللبنانية أو في قطاع غزة، بينها قذائف صاروخية صغيرة تطلق من طائرات مسيرة وتصيب أهدافاً صغيرة محددة، مثل تدمير شقة في عمارة وإصابة أهداف محددة سلفاً، وأهداف أخرى حددت بعد العملية وتم الاهتداء إليها عبر التحقيقات مع المعتقلين.
وقد اعتُقل أكثر من 100 شاب مع بداية العملية، وسُحبت اعترافات منهم عن تحركات الشباب المقاتلين ومواقعهم السرية. واستُخدمت وسائل تكنولوجية جديدة في شعبة الاستخبارات العسكرية و«الشاباك (المخابرات العامة)»، مكنت الجيش من اقتفاء آثار وتحركات هؤلاء الشباب قبل أيام عدة من بدء العملية الحربية. مع ملاحظة أن هذه التقنيات الجديدة تساعد في تجارة بيع الأسلحة الإسرائيلية في العالم، بوصفها «أسلحة مجربة» بنجاح في أرض المعركة.
ويعدّ الجيش هذه الإنجازات «ضربة كاسحة» ستصعب على هؤلاء الشباب، لوقت طويل، الاستمرار في عملياتهم ضد الجيش والمستوطنين، علما بأنهم نفذوا 50 عملية السنة الماضية.

الجنرال في الاحتياط، إيال بن رؤوبين، لخص الموقف خلال حديث مع إذاعة «104.5 إف ام»، قائلاً: «هذه عملية معقدة جداً تتم في مخيم لاجئين حاشد». وتابع أن من درس الشؤون الاستراتيجية يفهم أن «من أهم فنون القتال أن تعرف حدود القوة، بالذات وأنت منتصر وقوي. وحتى لو لم تحقق كل أهدافك، فعليك أن تهتدي إلى نقطة زمنية تقول فيها: من الأفضل أن نتوقف ولا تكمل المعركة».
وفي سؤال عن طلب الحكومة الاستمرار في القتال، قال إنه في القيادة السياسية يوجد اليوم وزراء ونواب تتغلب حساباتهم الحزبية على مسؤوليتهم الوطنية بشكل خطير... «عليهم أن يكفوا. عليهم أن يصغوا جيداً للقادة العسكريين الميدانيين. أنا أثق بوزير الدفاع يوآف غالانت بأن يتمكن من فرض موقف الجيش على القيادة السياسية».
الجيش واليمين المتطرف
هذا النقاش العلني هو جزء من النقاش الدائر في أروقة الحكم في إسرائيل. وفي مرحلة معينة يتحول إلى صدام بين السياسيين والعسكريين. السياسيون يريدون الاستمرار على أمل أن يضعفوا حجم المظاهرات ضد خطة الحكومة للانقلاب على منظومة الحكم والجهاز القضائي؛ لأن هذه المظاهرات تهدد بقاء الحكومة.
والجيش، الذي يقف بغالبيته ضد هذه الخطة، لا يريد أن يكون أداة بيد الحكومة في معركتها لتغيير نظام الحكم، ويعاني بنفسه من هجوم السياسيين عليه وعلى جنرالاته. ففي نهاية الأسبوع، قام المستوطنون بطرد قائد القوات العسكرية في الضفة الغربية عندما حضر ليقدم العزاء في مقتل أحد المستوطنين؛ شتموه واتهموه بالخيانة ووصفوه بالقاتل. والجيش يعرف أن هذه كانت واحدة من نتائج التحريض عليه من القيادة السياسية اليمينية. ولذلك، فإن الجيش لا يريد أن تجعله الحرب «أداة بأيدي اليمين المتطرف».
يشارك قادة الاحتجاج على خطة الحكومة الانقلابية، في هذا النقاش، بالمضي قدماً في المظاهرات حتى خلال العملية الحربية، بل يعلنون أنهم يريدون الوصول إلى مليون متظاهر.
