زيارة مودي في حسابات «مثلث» المطامح والمخاوف العالمية

التفاهمات أميركية - هندية... لكن العيون على الصين

بايدن ومودي في البيت الأبيض (أ.ب)
بايدن ومودي في البيت الأبيض (أ.ب)
TT

زيارة مودي في حسابات «مثلث» المطامح والمخاوف العالمية

بايدن ومودي في البيت الأبيض (أ.ب)
بايدن ومودي في البيت الأبيض (أ.ب)

اختتم رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي، الأسبوع الماضي، زيارة رسمية تاريخية إلى الولايات المتحدة يتوقع مراقبون من الجانبين، أن تدشن فصلاً جديداً في العلاقات بين البلدين. والملاحظ أنه خلال العقدين الماضيين، انتقلت العلاقات بين نيودلهي وواشنطن من الاستياء خلال حقبة الحرب الباردة إلى التعاون الكامل. وخلال مراسم الاستقبال، جرى إطلاق 21 طلقة احتفاءً بمودي، وأقيمت مأدبتا عشاء ـ إحداهما حميمية والأخرى رسمية ـ على شرف رئيس الوزراء الهندي، بجانب لقائه كبار المديرين التنفيذيين. كذلك شهدت الزيارة توقيع قائمة طويلة من الاتفاقات لشراء محرّكات أميركية للاستعانة بها بطائرات مقاتلة هندية جديدة محلية الصنع، وبناء مصنع ضخم لإنتاج أشباه الموصلات. وتشكل هذه الاتفاقات بداية فصل جديد مذهل من العلاقات القوية بين الجانبين، ومحاولة واضحة منهما لاحتواء الصين.

سبق لمودي أن زار الولايات المتحدة خمس مرات منذ توليه منصبه عام 2014. ومع هذا، تعدّ زيارته الأخيرة أول «زيارة رسمية» له إلى واشنطن، وفيها أصبح مودي ثالث رجل دولة يلقي كلمة أمام جلسة مشتركة للكونغرس الأميركي للمرة الثانية.

أكثر من هذا، بات مودي ثالث زعيم عالمي توجّه له الدعوة لإجراء زيارة رسمية لواشنطن إبان فترة رئاسة الرئيس جو بايدن، بعد الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون ورئيس كوريا الجنوبية يون سوك يول. ويُذكر أنه قبل توليه قيادة الهند عام 2014، رفضت واشنطن منحه تأشيرة دخول بسبب اتهامه بالتورط أعمال عنف شغب معادية للمسلمين عندما كان رئيساً لحكومة ولاية غُجرات.

الجنرال الهندي المتقاعد جي. دي. باكشي أعرب عن اعتقاده بأن زيارة مودي للولايات المتحدة غير مسبوقة، وأردف: «إذ لم يسبق إعداد مثل هذا الاستقبال لرئيس وزراء هندي... بل لم يحظ بهذا المستوى الرفيع من الاحتفاء سوى عدد قليل للغاية من قادة العالم». وتابع: «الرسالة الواضحة إلى العالم من وراء هذا الترحيب الكبير، أن ثمة تحوّلاً واضحاً في المعادلات الجيوسياسية على مستوى العالم، يبيّن صعود الهند كلاعب رئيسي، ويؤشر إلى استمرار تنامي نفوذها بشرط نجاح الدولة في تحقيق نمو بنسبة 7 ـ 8 في المائة على مدى العقدين المقبلين».

من ناحية ثانية، عقد محللون مقارنة بين مودي وبايدن لما كان عليه الوضع بين الزعيم الصيني ماو تسي تونغ عام 1972 والرئيس الأميركي - يومذاك ريتشارد نيكسون. والقصد قدرة الزعيمين على تغيير قواعد اللعبة خلال الحرب الباردة يومذها في مواجهة روسيا، والآن الصين. ومع أن بكين لم تتحول قط حليفاً لواشنطن خلال «شهر العسل» السياسي بينهما في السبعينات والثمانينات، تظل الحقيقة أنها لعبت دوراً حاسماً ضد السوفيات.

في هذا الصدد، شرح آرفيند باناغاريا، النائب السابق لرئيس لجنة التخطيط الهندية: «تذكرون ما حدث عندما وضع ريتشارد نيكسون رهاناته على الصين وما أعقب ذلك. نهضت الصين على الصعيدين الجيوسياسي والاقتصادي. كان هدف الولايات المتحدة محاصرة الاتحاد السوفياتي الموحّد آنذاك».

ولكن الولايات المتحدة ليست وحدها التي تبسط السجادة الحمراء لمودي؛ إذ تلقى الزعيم الهندي دعوة من الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون ليكون «ضيف شرف» خلال احتفالات يوم الباستيل (اليوم الوطني لفرنسا)، الشهر المقبل. أيضاً، مع ختام رحلته إلى الولايات المتحدة، زار مودي مصر، ونال وسط الترحيب أعلى وسام شرف مصري هو «قلادة النيل».

هدف احتواء الصين

لقد تغيرت الأمور كثيراً منذ نهاية الحرب الباردة. واليوم، تنظر إدارة بايدن إلى بكين باعتبارها أخطر منافس لواشنطن على المدى الطويل، على الرغم من الجهود المستمرة لإدارة التوترات بين البلدين. وهذا بينما يتساءل البعض عن سبب «مبالغة» واشنطن في استرضاء الهند؟

في الواقع، يشكل أحد العوامل الرئيسية التي تضفي أهمية على زيارة مودي الرسمية لواشنطن، الصعود غير المسبوق للصين، والتحدي الذي يوجهه إلا الهيمنة الأميركية على الشؤون العالمية. واللافت، أن بكين عمدت من جانبها إلى محاولة استغلال جميع نقاط الضعف في الدبلوماسية الأميركية، فمثلاً، في الشرق الأوسط، اضطلعت بكين بدور الوسيط في اتفاق سلام بين المملكة العربية السعودية وإيران. وفي الوقت ذاته، تتودد بكين إلى الفلسطينيين؛ لتبعث بذلك بإشارة إلى كل العرب.

بجانب ذلك، حرصت بكين وتحرص على توسيع دائرة علاقاتها داخل إفريقيا وأميركا اللاتينية. ثم أنها أرسلت رئيس الوزراء لي تشيانغ إلى ألمانيا وفرنسا، هذا الأسبوع؛ لتذكير الأوروبيين بأن اقتصاداتهم مرتبطة بالصين، وأن الأفضل لهم التخلص من المخاطر التي تهدّد علاقاتهم بها. وعليه، يعتقد محللون أن إدارة بايدن ترغب في استغلال نيودلهي في تطويق بكين.

في هذا السياق، أوضح أشواني ماهاجان، البروفسور بجامعة دلهي، أن «زيارة مودي الأميركية اكتسبت أهمية إضافية كذلك بالنظر إلى حقيقة أن الولايات المتحدة تواجه اليوم تحديات هائلة - اقتصادية ودبلوماسية واستراتيجية. وينظر العالم إلى الهند باعتبارها قوة فاعلة ومهمة، لها دورها على الساحة الاقتصادية العالمية اليوم. بعدما كان للدولار الأميركي الهيمنة على الساحة العالمية، بسيطرته على 70 في المائة من احتياطيات العملات الأجنبية عالمياً... اليوم، تراجعت هذه النسبة إلى نحو 54 في المائة. وبالفعل، تعاني الولايات المتحدة راهناً من أسوأ موجة تضخم خلال القرن. وكذلك تلاشت مكانتها كـ(زعيمة) العالم بشكل كبير بعد انسحابها المفاجئ من أفغانستان، وصعود حكومة أصولية هناك. ورغم وجود مرارة بين نيودلهي وواشنطن بخصوص عدد من القضايا، تظل الهند شريكاً مهماً جداً للولايات المتحدة».

نيات الصين تجاه تايوان... هاجس الجميع (أ.ب)

على صعيد موازٍ، وقبل أيام من زيارة مودي، التقى وزير الخارجية الأميركي أنتوني بلينكن الرئيس الصيني شي جينبينغ في بكين. وقال بلينكن: إن البلدين اتفقا على «استقرار» العلاقات التي تدهورت على نحو بالغ، لكن طلبه تنظيم «اتصالات أفضل بين جيشيهما» لم يلقَ آذاناً صاغية. وأعلن الوزير الأميركي بعد لقاء شي أن بكين ليست مستعدة لاستئناف الاتصالات العسكرية؛ الأمر الذي تعدّه واشنطن شرطاً حيوية لتجنب سوء التقدير والصراع، خاصة في ما يتعلق بتايوان.

في أي حال تظل زيارتا مودي وبلينكن على تناقض صارخ؛ ففي حين تتعزز الثقة الاستراتيجية بين نيودلهي وواشنطن ويزداد زخم العلاقات بينهما على مر السنوات، تبدو الشكوك الاستراتيجية بين واشنطن وبكين، مع ما يحمله ذلك من مخاطر محتملة، علنية وواضحة للجميع.

وفي هذا الصدد، علق الكاتب الصحافي الهندي شوباجيت روي قائلاً: إن زيارة مودي الرسمية للولايات المتحدة - التي استمرت ثلاثة أيام - شهدت محاولات من جانب إدارة بايدن لتقريب نيودلهي من سياساتها التي تركز على ما يطلق عليه احتواء الصين. واليوم، تجاوزت الهند الصين من حيث عدد السكان، ومتوسط سن شعبها أصغر بعشر سنوات عن الصين. أضف إلى ذلك أن اللغة الإنجليزية لغة رسمية للهند، وتمارس محاكمها القانون العام، وهي دولة تقوم على نظام ديمقراطي.

بالتالي، ترتبط المعاملة الخاصة التي حظي بها مودي في واشنطن، بالسياسة الخارجية لإدارة بايدن التي تتمحور حول الصين بشكل متزايد، ومحاولاتها «احتواء» صعود بكين في ظل التوترات الواضحة الهندية - الصينية. وعلى الرغم من إغفال ذكر الصين بشكل واضح خلال زيارة مودي الأميركية، بعثت الزيارة إشارة «قوية» إلى بكين ولو بطريقة هادئة ودقيقة. وأعرب الزعيم الهندي بوضوح في خطابه أمام الكونغرس الأميركي عن تأييده «منطقة المحيطين الهندي والهادي الحرة والمفتوحة والشاملة»، وسط تصفيق المشرعين الأميركيين.

الهند أيضاً منشغلة بالصين

إن ما تغيّر بشكل واضح خلال العقد الماضي، نظرة الهند إلى الصين باعتبارها مصدر تهديد. وما يستحق الإشارة هنا، أن الهند والصين دخلتا في أزمة عسكرية على طول حدودهما البالغ طولها 3500 كيلومتر لأكثر عن ثلاث سنوات. وأدى اقتحام القوات الصينية أراضي منطقة لداخ عام 2020 إلى اشتعال اشتباكات دامية بين الجانبين، أسفرت عن مقتل العشرات من الجنود. ثم أن نظرة الرأي العام في الهند تجاه الصين تعد راهناً الأسوأ منذ حرب عام 1962. وما أعطى الوضوح الاستراتيجي لنيودلهي هو السلوك العدواني للصين على طول الحدود.

وفي هذا صدد، أوضح البروفسور آرفيند كومار، من كلية الدراسات الدولية بجامعة جواهرلال نهرو، أن «الاشتباكات بين الصين والهند على طول حدودهما، حوّلت أكبر دولتين في العالم من حيث عدد السكان إلى متنافسين مرة أخرى داخل منطقتي المحيطين الهندي والهادي. التنافس العائد هذا - بعد عقود من الهدوء بين الجانبين - أدى إلى تقارب المصالح الاستراتيجية بين الولايات المتحدة والهند». وأضاف: «من ناحية أخرى، كشفت الحرب في أوكرانيا عن ضعف روسيا، ووفّرت للهند بعض عمليات التحقق من الواقع. وأثار ما يقرب من سنة ونصف السنة من القتال، شكوكاً جدية في قوة منظومة الدفاع الروسي. واليوم، بات لدى الهند، التي تعتمد بشكل كبير على الإمدادات الدفاعية من روسيا، أسباب تدعو للقلق. إذ تدرك نيودلهي اليوم بصورة لا لبس فيها أنها في حاجة إلى الولايات المتحدة والغرب لضمان استمرار نموها وتطورها. وعلى امتداد التاريخ المعاصر، نهضت كل قوة عظمى تقريباً بمساعدة الولايات المتحدة ـ وتعد اليابان وألمانيا ودول أخرى في أوروبا الغربية أمثلة كاشفة على ذلك».

وفي هذه الأثناء، نرى اقتصاد الهند على مسار تصاعدي؛ ولذا اتخذت نيودلهي قراراً استراتيجياً بالمضي قدماً في تعزيز علاقاتها مع واشنطن، للاستفادة من التفوق الاقتصادي والتكنولوجي والعسكري لأغنى وأقوى دولة بالعالم. ولكن، مع ذلك، لا تغفل نيودلهي في المقابل، أهمية العلاقات الاقتصادية والعسكرية العميقة مع اليابان وفيتنام وكوريا الجنوبية ـ وجميعهم شركاء في مجموعة جديدة لحلفاء واشنطن في مواجهة الصين.

المشهد الجيوسياسي الآسيوي

الكاتب الصحافي الهندي رجا موهان يرى «أن التفاؤل بالتفاهم بين مودي وبايدن يرسم ملامح تطور في المشهد الجيوسياسي الآسيوي، بعدما خضع في الآونة الأخيرة للهيمنة الصينية التي بدت حتمية. فاليوم، تساعد الشراكة الدفاعية الجديدة بين نيودلهي وواشنطن على تصوّر آسيا غير خاضعة لهيمنة أي قوة واحدة بمفردها. ويجب أن يكون جلياً أن ميثاق الدفاع بين الهند والولايات المتحدة ليس محاولة لاحتواء، بل محاولة لبناء (آسيا متعددة الأقطاب) تتمتع بقدرات ردع كافية، وضمان احترام سيادة وسلامة أراضي جميع الدول في المنطقة».

وبالفعل، لدى كل من نيودلهي وواشنطن مصلحة كبرى في بناء علاقات مثمرة مع بكين. ويعكس تعامل نيودلهي الصبور مع بكين على مدى السنوات الثلاث الماضية لاستعادة السلام والهدوء على الحدود المتنازع عليها بينهما، هذا النهج. ففي الماضي، وُصف التعاون الهندي - الأميركي بعبارات مثل «الديمقراطيتان المتخاصمتان» و«العقود الضائعة» و«الحليفان المستحيلان». وتركزت أسباب عجز نيودلهي وواشنطن عن بناء علاقة ثنائية مثمرة في الماضي على الخلاف العميق حول النظام الجيوسياسي المفضل داخل آسيا.

صفقات الأعمال والدفاع

اليوم، من شأن الاتفاقات التجارية المبرمة حديثاً بين الهند والولايات المتحدة، تغيير قواعد اللعبة. فمن جهة توفر الهند سوقاً ضخمة ووجهة استثمارية ممتازة للولايات المتحدة، ودعماً جيداً للبنية التحتية. وستظل مسألة التشارك التكنولوجي محورية للمصالح الثنائية.

ومن بين الاتفاقات الكثيرة الكبرى التي أبرمت خلال زيارة مودي، اتفاق يرتبط بتصنيع محرّكات الطائرات المقاتلة من شركة «جنرال إلكتريك» في الهند، وشراء طائرات «جنرال أتوميكس» المسلحة من دون طيار. وتتسم هذه الصفقات بأهمية بالغة، خاصة أن الهند لطالما رغبت في امتلاك هذه العناصر التي يمكن أن تعينها على كشف ومواجهة تحركات الجيش الصيني. وتتضمن صفقة «جنرال إلكتريك»، التي تقدر قيمتها بمليارات الدولارات، تأمين تكنولوجيا محركات نفاثة متطورة لم يسبق لواشنطن التشارك فيها حتى مع حلفائها، ولديها القدرة على ربط الصناعات الدفاعية للبلدين لسنوات عديدة مقبلة.

أيضاً، على الصعيد التكنولوجي، ثمة إعلان مهم آخر يرتبط بشركة «مايكرون تكنولوجي»، أكبر شركة لتصنيع شرائح الذاكرة في الولايات المتحدة. وهي الصفقة التي تمثل أول استثمار ضخم من قِبل شركة أميركية في إطار «المهمة الوطنية المعنية بأشباه الموصلات» التي أعلنتها الإدارة الأميركية، في محاولة لإعادة التوازن إلى سلاسل التوريد بعيداً عن الصين.

وفي تعليق له، قال آرفيند سوبرامانيان، كبير المستشارين الاقتصاديين لمودي بين 2014 و2018، والزميل حالياً في جامعة براون الأميركية: إنه «من المنظور الهندي، تحقق هذه المبادرات هدفين كبيرين». وأوضح في تصريح نقلته صحيفة الـ«واشنطن بوست»، أن «صفقة (جنرال إلكتريك)، على سبيل المثال، جزء من جهد طويل الأمد لوقف اعتماد الهند على روسيا فيما يخص واردات المعدات العسكرية. كما يخدم مصنع الرقائق وصفقات الدفاع هدف نيودلهي المتمثل في تنشيط قطاع التصنيع المحتضر لديها. وسعياً لجذب الاستثمارات الأجنبية؛ أطلقت الحكومة منذ سنوات عدة برنامجاً ضخماً للدعم - في اللحظة ذاتها التي كان مستثمرون يبحثون عن مواقع بديلة للصين في خضم الجائحة».

ختاماً، تدرك حكومة مودي، من جهتها، أنه كي تتمكن من منافسة الصين، التي أطلقت حملة تحديث عسكري استمرت لعقود، فإنها تحتاج إلى معرفة كيفية تعزيز الشركات التكنولوجيا الناشئة؛ كي تتمكن من تصميم التكنولوجيات على نطاق عسكري.

شكوك أميركية بجدية التحالف مع الهند

* رغم التقارب المأمول، تستمر الشكوك داخل أوساط مراكز الأبحاث الأميركية بخصوص فرص تحول الهند إلى حليف رسمي للولايات المتحدة. والمعروف أن الهند رفضت الانضمام إلى الغرب في جهود عزل روسيا بسبب حربها في أوكرانيا.

ولقد حذّر آشلي تيليس، أحد «مهندسي» اتفاقية التعاون في مجال الطاقة النووية المدنية مع الهند في عهد إدارة جورج بوش الابن - التي شكّلت الأساس لسنوات من التعاون لاحقاً مع نيودلهي - الشهر الماضي، من أن الولايات المتحدة تخوض «رهاناً رديئاً» بخصوص مودي.

وكتب في دورية «فورين أفيرز» قائلاً: «لقد قاومت الهند دوماً الانجرار إلى تحالفات منظمة، لكنها تصدّر نفسها الآن كقائدة للعالم النامي. أضف إلى ذلك أن سياساتها تتعارض، أحياناً، مع سياسات الولايات المتحدة، وعلى سبيل المثال، كانت نيودلهي عميلاً زبوناً للنفط الرخيص من روسيا، على الرغم العقوبات المفروضة ضد الأخيرة بسبب غزوها أوكرانيا».

وعدّ تيليس أنه «من غير المحتمل» رغم تعزيز العلاقات الدفاعية الهندية - الأميركية، أن تصطف نيودلهي مع واشنطن في مواجهة عسكرية مع الصين بخصوص تايوان أو في بحر الصين الجنوبي، ما دام أن الأمر لا يهدد أمنها بشكل مباشر.

ثورة غضب صينية على «أمنيات» واشنطن

وانغ يي (رويترز)

* وصفت وسائل الإعلام الصينية الحماسة الأميركية تجاه الهند بأنها «تفكير قائم على الأمنيات». ومعلوم أن بكين تدعم حالياً الرئيس الروسي فلاديمير بوتين في قضية يفغيني بريغوجين. وفي الوقت عينه، ثمة أزمة تجابه «الهدنة» بين واشنطن وبكين بعد وصف الرئيس الأميركي نظيره الصيني شي جينبينغ، بـ«الديكتاتور».

الناطق باسم وزارة الخارجية الصينية قال أخيراً: «يجب ألا يقوض التعاون العسكري بين الدول السلام والاستقرار الإقليميين، أو استهداف أي طرف ثالث، أو حتى الإضرار بمصالح أي طرف ثالث». وجاء هذا بعد أيام من توقيع الاتفاقيات الدفاعية والتجارية بين نيودلهي وواشنطن.

ايضاً، قبل زيارة مودي للولايات المتحدة، انتقدت وسائل الإعلام المملوكة للدولة في الصين، المواقف الأميركية التي «تدفع بالهند وتكثف جهودها لعرقلة التقدم الاقتصادي للصين». وفي مقال رأي نشرته «غلوبال تايمز»، عدّ وانغ يي، المفوض الأعلى للشؤون الخارجية في الصين، أن الحسابات الجيوسياسية للولايات المتحدة دفعت جهودها لتعزيز التفاعلات الاقتصادية والتجارية مع الهند. وفصّل وانغ «ليس من الصعب قراءة الحسابات الجيوسياسية الأميركية. إن الغاية الأساسية من جهود واشنطن النشطة لتعزيز التعاون الاقتصادي والتجاري مع الهند في المقام الأول، إبطاء وتيرة التنمية الاقتصادية للصين. ومع ذلك، هذه الحسابات الجيوسياسية الأميركية محكوم عليها بالفشل؛ لأن مكانة الصين في سلسلة التوريد العالمية يستحيل الاستعاضة عنها بالهند أو أي اقتصاد آخر».

وفي هذا السياق، قال ليو زونغيي، الباحث في معهد شانغهاي للدراسات الدولية في الصين: إن «لدى الهند شهية كبيرة للغاية، وهي تريد كل شيء. أما حيال ما إذا كان بمقدورها التهام كل ذلك، فهذه مسألة أخرى».



«حزب الله» يرمي أعباء حربه على الدولة اللبنانية

دمار في جنوب لبنان (أ.ف.ب)
دمار في جنوب لبنان (أ.ف.ب)
TT

«حزب الله» يرمي أعباء حربه على الدولة اللبنانية

دمار في جنوب لبنان (أ.ف.ب)
دمار في جنوب لبنان (أ.ف.ب)

فتح ملف إعادة إعمار المناطق المتضرّرة في لبنان سجالاً سياسياً حول الجهة التي يفترض أن تتحمّل التكلفة، بعدما حمّل «حزب الله» الحكومة مسؤولية أساسية عن الإيواء وإعادة الإعمار ودعم النازحين. وفي حين أكد الحزب أنه «يعمل على برنامج خاص بهذا الملف متى توافرت الإمكانات المالية»، برزت في المقابل مواقف نيابية معارضة رأت في هذا الطرح إقراراً بعجز الحزب عن تحمّل الأعباء، وربطت أي معالجة مستدامة بإعادة الملف كاملاً إلى الدولة وحصر السلاح بيدها. يأتي هذا السجال في ظل استمرار معاناة متضررين ونازحين من الحرب، وفي وقت لم تتبلور فيه بعد آلية شاملة لتمويل إعادة الإعمار، وسط نقاش سياسي يتجاوز مسألة تأمين الأموال إلى تحديد المسؤوليات وشروط مساهمة الدولة والجهات المانحة.

النائب عن «حزب الله» حسن فضل الله يغادر البرلمان اللبناني وسط بيروت 14 يونيو 2023 (رويترز)

تكشف أرقام جمعتها «ستاتيستكس ليبانون» عن أن ملف إعادة الإعمار والإيواء في لبنان لا يرتبط بأضرار حرب 2026 وحدها، بل يأتي فوق خسائر حرب 2024 التي لم يكن لبنان قد انتهى من معالجتها. ففي عام 2024، بلغت الأضرار المادية المباشرة نحو 6.8 مليار دولار أميركي، بينها 4.6 مليار دولار في قطاع السكن، في حين قُدِّرت احتياجات التعافي وإعادة الإعمار بنحو 11 مليار دولار، قبل أن تضيف الحرب الجديدة أضراراً واسعة إلى المباني والمساكن والبنى التحتية.

في الواقع، لا تتوافر حتى الآن حصيلة وطنية نهائية لتكلفة أضرار حرب 2026 أو احتياجات إعادة الإعمار، في ظل استمرار العمليات وتأخر اكتمال التقييمات. غير أن الأرقام المرحلية التي جمعتها «ستاتيستكس ليبانون» تُظهِر أن الأضرار المباشرة في المباني تجاوزت، حتى شهر أبريل (نيسان) 2026، نحو 1.745 مليار دولار في جنوب لبنان وبيروت وجبل لبنان، بينها أكثر من 1.38 مليار دولار في الجنوب وحده، وأكثر من 365 مليون دولار في بيروت وجبل لبنان. وهذه أرقام جزئية لا تمثل التكلفة النهائية للحرب، ومن ثم، لا يمكن مقارنتها مباشرة بالتقييم الوطني الشامل لأضرار 2024.

أكثر من 21 ألف وحدة سكنية مُدمَّرة

تتبيّن خطورة الأزمة بصورة أوضح في القطاع السكني. إذ بلغ عدد المباني المدمّرة بالكامل 11 ألفاً و95 مبنى في المنطقة جنوبي نهر الليطاني، إضافة إلى 146 مبنى في بيروت وجبل لبنان. كذلك أظهرت التقييمات تدمير 17 ألفاً و891 وحدة سكنية بالكامل في جنوب لبنان، و3168 وحدة في بيروت وجبل لبنان، بما يزيد على 21 ألف وحدة سكنية مدمّرة بالكامل ضمن المناطق التي شملتها التقييمات حتى تلك المرحلة.

وتترافق هذه الخسائر مع كمّيات ضخمة من الرّكام، بلغت نحو 3.1 مليون متر مكعب في جنوب لبنان ونحو 649 ألف متر مكعب في بيروت وجبل لبنان. ويعني ذلك أن العودة لا ترتبط بإعادة بناء المنازل فحسب؛ إذ ستحتاج مناطق واسعة أولاً إلى إزالة الركام وتأهيل الطرق وشبكات المياه والكهرباء والخدمات الأساسية، قبل أن يصبح من الممكن إعادة السكان إليها بصورة مستقرة.

النزوح يوسّع أزمة الإيواء

ويتقاطع الدمار السكني هذا مع أزمة إيواء ونزوح واسعة. إذ وفق البيانات الدولية، نزح نحو مليون شخص داخلياً في بداية التصعيد، في حين عبر نحو 100 ألف شخص إلى سوريا. وحتى الأول من شهر سبتمبر (أيلول) 2026، بقي 329 ألفاً و240 شخصاً في حالة نزوح داخلي؛ الأمر الذي يعكس استمرار الحاجة إلى حلول إيواء مؤقتة ومتوسطة الأجل، ولا سيما للعائلات التي دمّرت منازلها أو باتت بلداتها تفتقر إلى الحد الأدنى من مقومات العودة.

بلغ عدد المباني المُدمّرة بالكامل

11 ألفاً و95 مبنى

في المنطقة جنوبي نهر الليطاني

عودة إلى الأصل أي... الدولة

في هذا السياق، طرح الأمين العام لـ«حزب الله» نعيم قاسم التزام الحزب بالمساهمة في تأمين الإيواء والإعمار للمتضرّرين في الجنوب، إلى جانب حثّ الدولة على القيام بدورها، وقال إن الحزب «سيعلن قريباً عن مساهمته في مشروع للإيواء».

إلا أن النائب إبراهيم منيمنة قال في لقاء مع «الشرق الأوسط» معلّقاً إن «(حزب الله)، على مدى سنوات، كان يأخذ رصيد الحكومة ويجيّره لنفسه». وأشار إلى أنه «في عام 2006 كانت الدول العربية تؤمّن القسم الأكبر من التمويل، لكن (حزب الله) استغل بعض الثغرات في أداء الدولة وحاول أن يحوّل هذا الرصيد لنفسه». وأردف منيمنة: «أما الآن، فيعود إلى الأصل، وهو الدولة. الدولة هي التي ستقوم بإعادة الإعمار... وهذا اعتراف من الحزب بأنه لن يقدر على الاستغلال».

منيمنة، وهو من نواب بيروت، توقّف أيضاً عند كلام النائب حسن فضل الله - أحد نواب «حزب الله» ومنطقة الجنوب - عن أن الدولة لديها الأموال، فقال: «المفارقة عندما يقول (فضل الله) إن الدولة لديها المال، وكأنه يحاول أن يتّهم هذه الدولة بأنها لا تقوم بواجباتها في هذا الموضوع، فيما هو يعلم أن هذا الكلام ليس صحيحاً، وهم أي الحزب ممثلون في الحكومة، وبالتالي فإن كلام الحزب غير دقيق وشعبوي».

وتابع منيمنة: «مَن يريد اليوم أن يضع ملف إعادة الإعمار، فعليه أن يدخل أولاً إلى الحكومة ويناقشه فيها، وأن ينفّذ قرارات الحكومة، أو الدولة، المتعلّقة بحصر السلاح. هذه أول خطوة حتى تكون مدخلاً إلى إعادة الإعمار».

جدير بالذكر، أن النائب فضل الله، كان في وقت سابق قد شدّد على أنه «عندما يكون هناك حكومة في لبنان، فهي المسؤولة عن شعبها وعن كل مواطن على أرضها مهما كانت أسباب الحرب، سواء كنّا معها أو معارضة لها، علماً أن لديها الإمكانات والقدرات المالية والاقتصادية».

وأضاف: «وبدل أن تصرف هذه الإمكانات في مواضع في غير أماكنها، يمكنها أن تُسخّر جزءاً من الإمكانات لموضوع إعادة الإعمار والإيواء ولدعم النازحين. وهذه مسؤولية أساسية على الحكومة، ومهما كان الخلاف معها، سنحمّلها المسؤولية، ونحن نعمل من خلالها والمجلس النيابي، لتوفير ما أمكن من موارد مالية لأجل هذا الملف».

في المقابل، أوضح منيمنة أن «التردّد في إعادة الإعمار ليس لأن الدولة لا تقوم بواجباتها»، واستطرد: «أولاً، الدول المانحة التي ستساعد على الإعمار ليست مستعدة لأن تضع أموالاً ثم تحصل حرب جديدة. ومن ناحية ثانية، النقاش حول حصر السلاح لم ينتهِ ولم يُحسم هذا الموضوع... بالتالي، هذا الكلام، ولو أن فيه اعترافاً ضمنياً بدور الدولة، فهو في الدرجة الأساسية كلام منقوص»، موضحاً أن «هناك مسؤولية على (حزب الله) بأن يدخل فعلاً إلى الدولة من خلال ملف حصر السلاح».

وعن مسؤولية «حزب الله» تجاه تعويض المتضررين، قال منيمنة: «برأيي، هو أساساً في هذا المجال لم يفِ بوعوده، والناس في حالة تذمّر لأنه لا يوجد تمويل، حتى لأعمال الإيواء، خصوصاً للناس الذين ما زالوا مهجرين... وواضح أن (حزب الله) غير قادر اليوم على القيام بهذا الملف، وبما أنه لم يعد قادراً، فقد تخلّى عنه».

الحكومة مسؤولة عن شعبها

وفي موازاة ذلك، يتردد في أوساط داخل بيئة «حزب الله» أن الحزب يعد خلال الفترة القريبة المقبلة لتقديم مساعدة نقدية للمتضرّرين، تُطرح على أنها «هدية تعويض»، من دون أن يصدر حتى الآن إعلان رسمي يحدد قيمتها أو الفئات التي ستشملها أو موعد بدء توزيعها.

وكان واضحاً في تصريح نعيم قاسم الأخير أن الحزب «سيسهِم»؛ ما يعني أنه لن يكون المموّل، بل ينتظر الدولة التي قاله إنه لن يتوقّف عن حثّها على إعادة الإعمار.

في سياق متصل، يتقاطع موقف النائب مارك ضو، النائب عن جبل لبنان، مع قراءة منيمنة لانتقال الحزب إلى التعويل على الدولة؛ إذ قال لـ«الشرق الأوسط» إن تحميل «حزب الله» الحكومة مسؤولية ملف إعادة الإعمار «يشكّل تأكيداً على عجزه»، معتبراً أن انتقاله إلى التعويل الكامل على الدولة يعكس عجزه عن تحمّل تبعات ما حصل.

وأضاف ضو: «عندما يصبح كل الاتكال على الحكومة، ويقال إن الاعتماد الآن عليها، فهذا تأكيد واضح على العجز». وتابع: «هو (أي حزب الله) يطالب الدولة والحكومة بتحمّل مسؤولية إعادة الإعمار، في حين أنه لا يتعامل معهما على هذا الأساس في ممارسته السياسية... والنتيجة، أنه يريد من الدولة أن تتولّى إعادة إعمار ما نتج عن أخطائه وأفعاله».

مسارات أخرى قبل تحميل الخزينة التكلفة

بدوره، قال النائب أديب عبد المسيح لـ«الشرق الأوسط» إن «(حزب الله) يتنصّل من مسؤوليته في ملف إعادة الإعمار، ويحاول تحميل الدولة واللبنانيين تبعات حرب كان هو سببا أساسياً في اندلاعها»، معتبراً أن أمام الحزب أكثر من مسار لمعالجة هذا الملف بدلاً من مطالبة الدولة بتحمل التكلفة كاملة.

وقال عبد المسيح، وهو من نواب شمال لبنان: «(حزب الله) ممثل في الحكومة بوزيرين، فليتفضّل وزيراه ويطالبا بقرار حكومي لإعادة الإعمار، وليحاولا تأمين إجماع حكومي على هذا الموضوع. إذا كانا قادرين على ذلك، فليفعلا».

ثم أضاف: «إذا لم يتمكّن الحزب من تأمين إجماع الحكومة على إعادة الإعمار، فهناك مسارات أخرى. أولاً، عليه أن يتحمّل مسؤوليته؛ لأنه هو من ورّط لبنان وفتح النار على إسرائيل وتسبب بهذه الحرب. وثانياً، لديه الإيرانيون، ويمكن لوزير الخارجية أن يتحرّك للمطالبة بتعويضات من الدولة الإيرانية عن الأضرار، باعتبار أن (الحرس الثوري) الإيراني حاضر على الأراضي اللبنانية عبر دعمه للحزب».

وتابع عبد المسيح: «هناك أيضاً إسرائيل، وهي المسبّب المباشر للدمار. يمكن اللجوء إلى المسارات والمحاكم الدولية للمطالبة بالحقوق والتعويضات، وعند تحصيلها تُستخدم في إعادة إعمار الجنوب. هذه حلول عملية يمكن العمل عليها».

وشدّد النائب عبد المسيح على رفضه أن تتحمّل الخزينة اللبنانية وحدها تكلفة إعادة الإعمار، قائلاً: «أما أن تتحمّل الدولة اللبنانية المسؤولية في النهاية، وأن تأخذ الضرائب من الناس، فأنا أدفع وأنت لإعادة إعمار الجنوب، فهذا لن يحدث أبداً».

ورأى أن الحزب «يتنصّل» من مسؤوليته؛ إذ «يبدأ اليوم بالمطالبات والتحركات، وقد تتحول غداً تحركات في الشارع ضد الحكومة أو ضد الجيش، بحيث يحاول، بدلاً من أن يتحمل المسؤولية، أن يحملها لغيره... هذا أمر واضح مائة في المائة. يبدأ الأمر بهذه المطالبات، ثم يجري تنظيم التحرّكات على الموجة نفسها، في محاولة للظهور كجزء من المعارضة والمطالبة بحقوق شبيهة بحقوق موظفي الدولة أو سائر اللبنانيين، في حين كان الحزب أساسياً في هذه الحرب، وليس مجرد طرف عادي فيها».

الحرب تقوّض الاقتصاد اللبناني

ختاماً، يأتي اتساع حاجات الإيواء والإعمار في وقت تراجعت قدرة الاقتصاد اللبناني والدولة على تحمل أعباء إضافية. إذ تشير الأرقام إلى توقع انكماش الناتج المحلي الحقيقي بنسبة 6.4 في المائة خلال 2026، في حين تضاف احتياجات الحرب الحالية إلى فاتورة إعادة إعمار 2024 المقدرة أصلاً بنحو 11 مليار دولار.بناءً عليه؛ لم يعد الملف مقتصراً على تعويض أصحاب المنازل المتضررة، بل صار يشمل تأمين الإيواء للنازحين، وإزالة ملايين الأمتار المكعبة من الركام، وإعادة تأهيل الخدمات والبنى التحتية، ثم إعادة بناء آلاف المباني وأكثر من 21 ألف وحدة سكنية مدمّرة بالكامل ضمن نطاق التقييمات المُنجزة حتى الآن.


سوزان كولينز... هل ينجو الاعتدال أمام محاولات تقييد ترمب؟

في ملف إيران، أقرَّت بأن «الرئيس لم يمتلك خطة جيدة»، في محاولة منها لإبراز استقلاليتها عن إدارته.
في ملف إيران، أقرَّت بأن «الرئيس لم يمتلك خطة جيدة»، في محاولة منها لإبراز استقلاليتها عن إدارته.
TT

سوزان كولينز... هل ينجو الاعتدال أمام محاولات تقييد ترمب؟

في ملف إيران، أقرَّت بأن «الرئيس لم يمتلك خطة جيدة»، في محاولة منها لإبراز استقلاليتها عن إدارته.
في ملف إيران، أقرَّت بأن «الرئيس لم يمتلك خطة جيدة»، في محاولة منها لإبراز استقلاليتها عن إدارته.

بعد أقل من ثلاثة أسابيع، تواجه السيناتورة الجمهورية سوزان كولينز معركة الفوز بولاية سادسة في مجلس الشيوخ عن ولاين ماين، بأقصى شمال شرقي الولايات المتحدة، أمام منافسها الديمقراطي تروي جاكسون. بعد نحو ثلاثة عقود في المجلس، تدافع كولينز (73 سنة) عن سجل طويل من الخدمات والتسويات، في حين يتساءل ناخبون اعتادوا تأييدها إن كان إخراج الجمهوريين من قيادة المجلس الطريق الأجدى لتقييد الرئيس دونالد ترمب؟ وبين الحسابين، تتجاوز المعركة مستقبلها الشخصي لتطرح سؤالاً أوسع: هل تكفي الثقة بالسياسي حين يفقد الناخب ثقته بالحزب الذي ينتمي إليه؟

كولينز المولودة في السابع من ديسمبر (كانون الأول) 1952 في كاريبو، أقصى شمال ماين، واحدة من ستة أبناء لعائلة ارتبط اسمها بتجارة الأخشاب والخدمة العامة. تولّى والدها ووالدتها رئاسة بلدية المدينة، وخدم الأب في المجلس التشريعي للولاية. هناك، قرب الحدود الكندية، تشكلت صلتها بمجتمع صغير يعرف ممثليه بأسمائهم ويحاسبهم على ما يقدمونه لحياته اليومية. لكن هذه الصلة تواجه اليوم اختباراً صعباً، مع تحول مقعدها ساحة صراع على الأغلبية، وعلى مكان الوسطيين في سياسة أميركية قد تصبح فيها هوية الحزب أهم من شخصية ممثله.

من بلدة كاريبو ...إلى واشنطن

تخرجت كولينز في جامعة سانت لورانس الصغيرة الراقية بريف ولاية نيويورك عام 1975، وبدأت العمل مع النائب الجمهوري وليام كوهين (وزير الدفاع فيما بعد)، ثم انتقلت معه إلى مجلس الشيوخ.

ولاحقاً، تولت كولينز مسؤولية التنظيم المهني والمالي في حكومة ماين، ثم إدارة المكتب الإقليمي لوكالة المشاريع الصغيرة بتعيين من الرئيس جورج بوش الأب. ثم عام 1996، انتُخبت لخلافة كوهين في مجلس الشيوخ، لتبدأ مسيرة جُددت أربع مرات. وهي متزوجة من توماس دافرون، وتقيم في مدينة بانغور بولاية ماين.

بيد أن هذه التفاصيل ليست مجرد محطات في سيرة ذاتية؛ إذ تكونت سياسياً داخل «التيار التقليدي» في الحزب الجمهوري، الذي يعوّل على الخبرة التشريعية واحترام المؤسسات والتفاوض مع الديمقراطيين لإنجاز التسويات. ولم تبنِ حضورها على الخطب الصاخبة أو «التعبئة» ضد واشنطن، بل على معرفة طرقها: كيف تُكتب التشريعات، وتُجمع الأصوات، وتُنتزع المخصّصات لولاية صغيرة.

وحقاً، تلخص كولينز خلال لقاء مع الـ«واشنطن بوست»، هذه النظرة بقولها: «هناك من يعملون، وهناك من يستعرضون»، واضعة نفسها في الفئة الأولى. ثم تقول إن خطاباً نارياً يرفع شعبية صاحبه على وسائل التواصل الاجتماعي لا يغير بالضرورة النتيجة. وهذه حجة شخصية عامة مخضرمة في زمن يكافئ المواجهة العلنية، وأحياناً يعتبر التفاوض والمساومة بعيداً عن الكاميرات ضعفاً.

غير أن تداخل الأسرة والمهنة والمؤسسة، الذي منحها جذوراً وثباتاً، يسمح لخصومها أيضاً بتصويرها ممثلة لطبقة سياسية استقرت طويلاً في السلطة. فالأقدمية في حملتها رصيد يحمي مصالح ولايتها، لكنها في حملة منافسها جاكسون تطرح سؤالاً عمّا إذا كانت الخبرة ما زالت تنتج تغييراً يشعر به الناس.

استقلالية قيد المحاكمة

والواقع، أنه يصعب اعتبار كولينز «تابعاً» لترمب؛ إذ تقول حملتها إنها لم تصوّت له قط، بل كانت ضمن الجمهوريين الذين أيّدوا محاولة عزله الثانية عام 2021. كذلك خالفت إدارته في تصويتات مهمة، بينها رفض تعيين بيت هيغسيث وزيراً للحرب، ورفض النسخة النهائية من تشريع الضرائب والإنفاق الكبير عام 2025. ولها أيضاً سجلٌ يتجاوز الاعتراض؛ فقد قادت مع السيناتور جو مانشين - الذي كان آنذاك من أبرز الديمقراطيين اليمينيين قبل مغادرته الحزب -، مساراً مشتركاً لتعديل قانون فرز الأصوات الانتخابية. وأقرّ التعديل عام 2022 لمعالجة ثغرات كشفت عنها أزمة انتقال السلطة، إثر رفض ترمب الإقرار بهزيمته أمام جو بايدن وترويجه ادعاءات بتزوير انتخابات 2020. وهذه وظيفة مؤسساتية للوسط: تحويل الخلاف إلى قواعد يمكن أن يقبلها الطرفان.

لكن منتقديها يميّزون بين مخالفة الرئيس ومنعه. ووفق تحليل في الـ«نيويورك تايمز»، فإنها تعارض سياساته في التصويت أكثر من سائر الجمهوريين، لكن معارضتها نادراً ما تبدّل النتيجة. وهنا تنتقل المحاكمة من النيات إلى الفعل... فما معنى الاستقلالية إذا بقيت الإدارة قادرة على تنفيذ ما تعترض عليه؟

وتظل قضية الإجهاض الجرح الأعمق في تقييمها. فكولينز تؤيد حقوق الإجهاض، لكنها دعمت تثبيت القاضي المحافظ بريت كافانو عام 2018، قبل أن يشارك في قرار المحكمة العليا الذي ألغى الحماية الدستورية الفيدرالية لهذا الحق عام 2022. ودفاعها المستمر عن ذلك التصويت يعيد فتح مسألة الثقة لدى ناخبين يرون أن تطميناتها لم تصمد أمام النتائج.

مع ذلك، ليس كل تصويت خاسر مسرحية سياسية، كما أن ليس كل اعتراض دليلاً كافياً على المقاومة. فالشيخ لا يملك منفرداً غالبية المجلس. أما السؤال المشروع، فهو ما إذا كانت كولينز تستخدم كامل نفوذها لفرض حدود على الإدارة، أم تكتفي بمسافة محسوبة تسمح لها بالبقاء داخل ائتلافها؟ حسب المنتقدين.

ترمب على مائدة الناخب

وبالفعل، تبدو هذه المناقشة أقل تجريداً في ماين، حيث تتقاطع السياسات الرئاسية مع فواتير التدفئة والتجارة والسياحة عبر الحدود. فالحرب مع إيران رفعت تكلفة الوقود، في حين وضعت الرسوم على كندا مصالح محلية أمام ضغوط إضافية. وباتت كولينز مطالبة بمعالجة أزمات تخلقها الإدارة التي ينتمي حزبها إليها.

وفي حين ضغطت لتسريع مساعدات التدفئة للأسر محدودة الدخل، وسعت إلى استثناء الملح الذي يُرش على الطرق في فصل الشتاء من الرسوم الجمركية، حوّل منافسها جاكسون، الحطّاب والرئيس السابق لمجلس شيوخ الولاية، إنجازها إلى عبارة هجومية مؤداها أن «سكان ماين لا يستطيعون أكل ملح الطرق»، في حرصه على نقل النقاش من الاستثناءات التي تنتزعها إلى السياسات التي تجعلها ضرورية.

وفي مناظرتهما الثالثة مساء الثلاثاء، برز مجدداً ملف الهجرة بعد مقتل مهاجر برصاص أحد عناصر إنفاذ قوانين الهجرة (أيس) في بلدة بيدفورد خلال يوليو (تموز). وأقرّت كولينز بأن الإدارة نشرت أعداداً كبيرة من العناصر من دون تدقيق مناسب في اختيارهم، في حين حمّلها جاكسون مسؤولية سياسية عن التمويل.

وفي ملف إيران، أقرَّت بأن «الرئيس لم يمتلك خطة جيدة»، في محاولة منها لإبراز استقلاليتها مسافة عن إدارته. لكن انتقالها من تأييد الحرب في البداية إلى دعم تقييد صلاحياته العسكرية يمنح خصمها فرصة للسؤال عن توقيت الاعتراض، لا عن وجوده وحده.

في المقابل، تهاجم كولينز سجلّ جاكسون التشريعي وتحمّله مسؤولية سياسات تقول إنها رفعت تكاليف الطاقة والسكن. وبالتالي، ما عادت المواجهة بين مرشحة بلا إنجازات وخصم بلا سجل، بل بين تفسيرين للغلاء وللجهة الأقدر على تخفيفه: نفوذ جمهوري داخل الإدارة، أم غالبية ديمقراطية تراقبها وتواجهها.

غالبية أم جسر؟

عام 2020، فازت كولينز بفارق نحو 9 نقاط مئوية، في حين خسر ترمب ولاية ماين بفارق مماثل. يومها استطاع الناخب أن يرفض الرئيس ويحتفظ بالسيناتورة على ورقة الاقتراع نفسها. أما الآن، فلا انتخابات رئاسية تتيح الفصل ذاته، بل أصبح مقعدها إحدى الأدوات المباشرة لمعاقبة البيت الأبيض.

وفي تحقيقات للـ«نيويورك تايمز» والـ«واشنطن بوست»، تلتقط شهادات الناخبين هذه النقلة، حيث لا ينكرون خدماتها ولا يشككون في كفاءتها، لكنهم يريدون ببساطة مجلساً يضع قيوداً على ترمب. في المقابل، لا يزال ديمقراطيون ومستقلون يعدّونها ممثلة موثوقة، ويرفضون التضحية بها لمجرد انتمائها الحزبي. من هنا، يرى البعض أن خسارتها قد تبدو ربحاً واضحاً للديمقراطيين في حساب المقاعد، لكنها تحمل احتمال خسارة شريكة تفاوض داخل الحزب الآخر. ولا تناقض حتمياً بين الأمرين: يستطيع الديمقراطي أن يقدّر دورها، ثم يرى أن تغيير الأغلبية أرجح كفة من الاحتفاظ بذلك الدور.

وبالمثل، لن يكون فوزها هزيمة صافية لترمب؛ فهو يحتفظ للجمهوريين بمقعد بالغ الأهمية، وربما يساعدهم على حماية الغالبية. لكنه سيبرهن أيضاً على أن الفوز في بعض الولايات يتطلب الابتعاد عن الرئيس، وأن الصيغة الجمهورية القابلة للتسويق وطنياً ليست بالضرورة الصيغة الأكثر ولاءً له.

وتزداد المفارقة مع رئاسة كولينز لجنة المخصصات في مجلس الشيوخ. فهي تطلب من الناخب حماية نفوذ يصعب تعويضه سريعاً، في حين يردّ خصومها بأن النفوذ يقاس بما يمنعه أيضاً. وإذا استطاعت الإدارة تعطيل إنفاق أقره الكونغرس أو الالتفاف على أولوياته، تغدو قدرة كولينز على حماية صلاحيات الكونغرس في إقرار الإنفاق جزءاً من تقييم نفوذها نفسه.

بل حتى الطرفان اللذان يريدان حسم المعركة يجدان نفسيهما أمام حسابات متعارضة: فالجمهوريون يحتاجون إلى أصوات ناخبين ينفرون من زعيمهم، والديمقراطيون يحتاجون إلى إقناع ناخبين بأن إعجابهم بسيناتورة جمهورية لا ينبغي أن يتقدّم على تغيير اتجاه الحكم.

الوسط يبحث عن جدواه

بالتالي، لا تعني هذه المعركة أن الساحة خلت تماماً من الوسطيين، ولا أن الشعبوية احتكرت الحزبين بالقدر نفسه. كما أن الوسطية ليست مرادفاً دائماً للانتماء إلى المؤسسة. فقد يكون السياسي المخضرم شديد الحزبية، وقد يكون جديداً وقادراً على بناء تسويات. وجاكسون - نفسه الذي ينافس كولينز - يعقّد الثنائية المبسطة. فهو تقدمي طبقي، لكنه صاحب خبرة في قيادة مؤسسة تشريعية. ولذلك؛ لا يكفي وضعه في خانة الشعبوية ثم اعتبار هزيمة كولينز إذا حصلت، دليلاً تلقائياً على انتصار التطرف. فالاختبار الأهم هو ما سيقدمه الفائز من سياسات، وكيف سيتعامل مع حدود السلطة وخصومه.

مع ذلك، تكشف كولينز عن أزمة حقيقية في نموذج الوساطة القديم. فحين يُطالب الناخب بمنع قرار يمس حقوقه أو معيشته، لا تكفيه الإشارة إلى حوار مستمر مع صانعيه. بل يحتاج المعتدل إلى شرح الرابط بين قدرته على الوصول إلى المسؤولين وقدرته على تغيير ما يفعلونه، وإلّا بدت التسوية امتيازاً لأهل السياسة لا منفعة للمواطنين.

وفي صورة ساخرة من الحملة، وصل خطأً إعلان يهاجم جاكسون، موَّلته مجموعة جمهورية، إلى مدينة بورتلاند بولاية أوريغون بدلاً من مدينة بورتلاند في ماين. ثم صحح الخطأ وأعيدت الأموال، لكنه أتاح لخصوم كولينز التشكيك في اتصال حلفائها بالولاية. وهذه واقعة صغيرة في سباق يختبر صدقية القرب من الناس.

الأرجح، أن انتخابات ماين لن تحسم مصير الاعتدال الأميركي، لكنها ستكشف عن الشروط الجديدة لبقائه. فنجاة كولينز ستعني أن الرصيد الشخصي والخدمات والاستقلال النسبي ما زالت قادرة على مقاومة الاستقطاب. وخسارتها ستشير إلى أن ناخبين باتوا يفضّلون تغيير ميزان السلطة على الاحتفاظ بوسيط داخلها.


وسطيّون من الحزبين الأميركيين الكبيرين على خط النار

مبنى «الكابيتول» في واشنطن مقر مجلسَي الشيوخ والنواب بالولايات المتحدة (أ.ب)
مبنى «الكابيتول» في واشنطن مقر مجلسَي الشيوخ والنواب بالولايات المتحدة (أ.ب)
TT

وسطيّون من الحزبين الأميركيين الكبيرين على خط النار

مبنى «الكابيتول» في واشنطن مقر مجلسَي الشيوخ والنواب بالولايات المتحدة (أ.ب)
مبنى «الكابيتول» في واشنطن مقر مجلسَي الشيوخ والنواب بالولايات المتحدة (أ.ب)

لا يواجه جميع المعتدلين نسخة مطابقة لاختبار السيناتورة سوزان كولينز في ولاية ماين؛ إذ بعضهم يحاول النجاة في دوائر تميل إلى الحزب الآخر، وبعضهم الآخر يدافع عن استقلاليته أمام قاعدته. ومن أبرز هؤلاء من دون افتراض أن فرصهم الانتخابية ومواقفهم متساوية، الساسة التالية أسماؤهم:

• النائب الجمهوري براين فيتزباتريك في بنسلفانيا، الذي يمثل الدائرة الأولى ويواجه الديمقراطي بوب هارفي، المفوض في مقاطعة باكس والمدرّس السابق. يبني العضو السابق في مكتب التحقيقات الفيدرالي صورته على العمل عبر الحزبين ومخالفة ترمب في ملفات محددة. لكن خصمه يسعى إلى تحويل الاقتراع من تقييم لشخص النائب إلى حكم على الغالبية الجمهورية. ومع ذلك، لا يصح افتراض أن مجرد تشابه مأزقه مع كولينز يجعل حظوظهما متطابقة.

• النائب الجمهوري مايك لولر في نيويورك، يخوض مواجهة مع الديمقراطية كيت كونلي، صاحبة الخبرة العسكرية والأمنية، في الدائرة السابعة عشرة التي فازت فيها كامالا هاريس عام 2024. لولر يقدم نفسه جمهورياً براغماتياً قادراً على العمل مع الديمقراطيين، لكنه يحتاج إلى الاحتفاظ بالقاعدة الجمهورية أيضاً. امتحانه هو إقناع الناخب بأن استقلاله يترك أثراً ملموساً، في حين تسعى منافسته إلى جعل العلاقة بترمب محور الاختبار.

• النائبة الديمقراطية ماري غلوسنكامب بيريز في ولاية واشنطن، التي تواجه الجمهوري جون براون في الدائرة الثالثة، وتقدم نموذجاً معكوساً لكولينز؛ فهي ديمقراطية تحاول الاحتفاظ بدائرة أيدت ترمب، وتستند إلى خطاب محلي واهتمام بالمهن والتكاليف اليومية، وتخالف حزبها في بعض القضايا. لكن استمالة المحافظين لا تضمن رضا الديمقراطيين، وقد وثّقت الإذاعة العامة المحلية استياء ناخبين من خيارات السباق. ويكشف اختبارها أن بناء ائتلاف عابر للحزبين يحتاج إلى بقاء قاعدة متحمسة، لا مجرد الوصول إلى الطرف الآخر.

• النائب الديمقراطي دون ديفيس في نورث كارولينا، يواجه الجمهورية لوري باكهاوت في الدائرة الأولى، بعدما جعلت إعادة ترسيم الخريطة الانتخابية التي فرضها الجمهوريون، الفوز فيها أكثر صعوبة على الديمقراطيين. ديفيس يروّج لوسطيته، لكن الخريطة تضع حدوداً لما تستطيع السمعة الشخصية تحقيقه.

توضح هذه الحالات أن بقاء الوسط لا يعتمد فقط على اعتدال الناخبين، بل هو يتأثر بحدود الدوائر، وصورة الرئيس، وتعبئة القواعد، وقدرة المرشح على تحويل المخالفة الحزبية إلى منفعة مفهومة... ثم إن فوز معتدل من حزب قد يعني هزيمة معتدل من الآخر، لا انتصاراً تلقائياً على التطرف. لذلك قد يكون الاختبار الأعمق بعد الانتخابات: هل يملك الناجون استعداداً ونفوذاً لبناء تشريعات مشتركة، أو تفرض معركة الغالبية عليهم العودة إلى الاصطفاف الذي وعدوا ناخبيهم بتجاوزه؟