تحت شعار «لا تسرقوا أصواتنا»... العاملون في الدبلجة يدخلون المعركة ضد «وحش» الذكاء الاصطناعي

يستعد الممثلون المتخصصون في دبلجة الأصوات في الأعمال السينمائية والتلفزيونية لخوض مواجهة مع الذكاء الاصطناعي الذي يهدد مستقبلهم المهني (شاترستوك)
يستعد الممثلون المتخصصون في دبلجة الأصوات في الأعمال السينمائية والتلفزيونية لخوض مواجهة مع الذكاء الاصطناعي الذي يهدد مستقبلهم المهني (شاترستوك)
TT

تحت شعار «لا تسرقوا أصواتنا»... العاملون في الدبلجة يدخلون المعركة ضد «وحش» الذكاء الاصطناعي

يستعد الممثلون المتخصصون في دبلجة الأصوات في الأعمال السينمائية والتلفزيونية لخوض مواجهة مع الذكاء الاصطناعي الذي يهدد مستقبلهم المهني (شاترستوك)
يستعد الممثلون المتخصصون في دبلجة الأصوات في الأعمال السينمائية والتلفزيونية لخوض مواجهة مع الذكاء الاصطناعي الذي يهدد مستقبلهم المهني (شاترستوك)

يثير الذكاء الاصطناعي مخاوف كثير من العاملين في حقول متنوعة من أن يتسبب في فقدانهم وظائفهم، ففي أميركا أضرب كتاب السيناريو وهدد الممثلون بالإضراب أيضا، وذلك بسبب الخطر الذي تمثله أدوات الذكاء الاصطناعي على مهنهم.

ويستعد الممثلون المتخصصون في دبلجة الأصوات في الأعمال السينمائية والتلفزيونية، وقارئو الكتب المسموعة في مختلف أنحاء العالم لخوض مواجهة مع الذكاء الاصطناعي الذي يهدد مستقبلهم المهني، ويرون فيه «وحشاً ضخماً» قادرا على إنشاء أصوات رقمية مطابقة للأصوات البشرية.

وبحسب ما نقلت وكالة الصحافة الفرنسية فقد أنشأت عشرون نقابة ومنظمة عمالية من أوروبا والولايات المتحدة وأميركا اللاتينية «منظمة الأصوات المتحدة»، التي تقوم بحملات تحت شعار «لا تسرقوا أصواتنا» من أجل الدفع نحو إقرار تشريع يوائم بين الذكاء الاصطناعي والإبداع البشري.

وتحذر المنظمة من الاستخدام «العشوائي وغير المنظم» للذكاء الاصطناعي، ما قد يؤدي إلى القضاء على «التراث الفني للإبداع (...) الذي لا تستطيع الآلات إنتاجه».

في السنوات الأخيرة، لم يُبدِ العاملون في مجال الدبلجة قلقاً كبيراً عند انتشار تكنولوجيا «Text To Speech» («تكست تو سبيتش»)، وهي تقنية تجعل من الممكن تحويل نص مكتوب إلى كلام صادر من صوت بشري بإلقاءٍ آلي، وهي وسيلة مستخدمة في خدمات المساعدة الصوتية مثل «سيري» و«أليكسا».

لكنّ الذكاء الاصطناعي أضاف «التعلم الآلي» الذي يسمح للبرنامج بمقارنة عينة صوتية بملايين العينات الأخرى.

وتُقدّم منصات عاملة بالذكاء الاصطناعي، مثل revoicer.com («ريفويسر دوت كوم»)، مجموعة واسعة من الخدمات الصوتية مقابل رسم شهري قدره 27 دولاراً، وهو مبلغ زهيد مقارنة مع ما يتقاضاه الأشخاص المحترفون في هذا المجال.

وتقول المنصة عبر موقعها الإلكتروني إن الخدمة «لا تهدف إلى استبدال الأصوات البشرية»، لكنّها تقدم بديلاً فعّالاً من حيث التكلفة.

وتوضح رئيسة الجمعية المكسيكية للعاملين في مجال الإلقاء الصوتي التجاري أن هذه التكنولوجيا الجديدة «تغذيها أصوات قدّمناها على مدى سنوات».

وتضيف: «نحن نتحدث عن حق الإنسان في استخدام الصوت والترجمة الفورية من دون موافقة».

وتواصل شركات التكنولوجيا هذه توظيف مترجمين، لكنّ هؤلاء يدركون أن خدماتهم تسهم في تغذية أرشيف صوتي ضخم.

وينادي فنانو الصوت هؤلاء بإقرار قوانين لمنع استخدام أصواتهم من دون موافقتهم، وفرض «حصص عمالة بشرية»، كما يوضح المدبلج الكولومبي دانيال سولر دي لا برادا الذي مثّل «منظمة الأصوات المتحدة» في الأمم المتحدة والمنظمة العالمية للملكية الفكرية.

في المكسيك، أحد أهم البلدان في مجال الدبلجة في أميركا اللاتينية، جرى أيضاً تقديم مشروع قانون يهدف إلى تنظيم هذه التكنولوجيا.

في الأرجنتين، هناك قانون يحصر الدبلجة بالأشخاص المتخصصين في المجال، ما يعني استبعاد المدبلجين الآليين وفق فرناندو كوستا، الذي يكافح مع اتحاد فناني الدبلجة ضد شعار شركات الخدمات الصوتية الرقمية «توقفوا عن الاستعانة بالمدبلجين، وفّروا المال».

«ثورة» لكن «ليس بأي ثمن»

لكن الذكاء الاصطناعي يفتح إمكانات لا حصر لها. في المستقبل، على سبيل المثال، يمكن دبلجة الصوت الحقيقي للممثل ويل سميث بلغات عدة، مع طريقة نطق محترفة شبيهة بأداء ممثلي الصوت المحترفين، بحسب الراوي والمدبلج المكسيكي ماريو فيليو.

ويقول فيليو الذي تولى الأداء الصوتي بالإسبانية لدور قدّمه ويل سميث، ووضع صوته على شخصيات شهيرة بينها «أوبي-وان كينوبي» (حرب النجوم)، و«ويني ذي بوه»: «نحن نقاتل ضد وحش ضخم».

ويشير إلى إمكانية عقد اتفاقات تحافظ على المكاسب التي يتوخاها الجمهور وتحفظ الوظائف، «بشرط أن نتقاضى رواتب عادلة»، مشدداً على «نقص الحماية» في هذه المهنة المستقلة.

اتصلت وكالة الصحافة الفرنسية بستّ شركات للخدمات الصوتية الرقمية، لكن لم يرد أي منها على أسئلتها.

ومع ذلك، توقفت وكالة الصحافة الفرنسية عند بند تعاقدي ينص على أن بيع الحقوق يشمل «وسائل وطرقاً غير موجودة أو غير معروفة (...) يمكن أن تظهر في المستقبل». ويرى العاملون بمجال الدوبلاج أن هذا البند «ينتهك» حقوقهم.

وتُجري ماكلوفيا غونزاليس، وهي مدبلجة مكسيكية تتعاون مع علامات تجارية بارزة، حالياً مفاوضات مع شركة للذكاء الاصطناعي رفضت ذكر اسمها.

قبل الالتزام معها، تقول غونزاليس إنها تطرح الكثير من الأسئلة، لكنها تحصل فقط على إجابات جزئية تقتصر على تقديم وعود بالعائدات. ومنذ أول اتصال بين الجانبين قبل خمسة أشهر، تم التعاقد مع ممثلين صوتيين آخرين. وتؤكد غونزاليس: «أريد أن أكون جزءاً من هذه الثورة، لكن ليس بأي ثمن».

وصدر التحذير ذاته عن شركة Art Dubbing («آرت دابينغ») للدبلجة، بعد طلبات تلقتها للحصول على عروض أسعار من عملاء يريدون الاستعانة بأصوات بواسطة الذكاء الاصطناعي.

ويرفض مدير الشركة، المكسيكي أنور لوبيز دي لا بينيا، التضحية بالمواهب البشرية، لكنه يدرك أنه يواجه الآن معضلة «إما التكيّف أو الزوال».

وتوقف ماريو فيليو عن إعطاء صوته للكثير من العملاء، رافضاً «الاستسلام لكل شيء». ويقول: «حان الوقت لدعم زملائي»، مبدياً قناعته بأن الذكاء الاصطناعي «لا يمكن» أن يحل محل البشر لأنه ببساطة «بلا روح».


مقالات ذات صلة

بين الحقيقة والإثارة... وثائقي «نتفليكس» يضع الذكاء الاصطناعي تحت المجهر

يوميات الشرق تحقق «إنستادوكس (Instadocs)» في الهجوم الذي استهدف منصة «هاغينغ فيس (Hugging Face)» وتبحث في الأسباب التي تجعل من هذا الهجوم السيبراني تحذيراً محتملاً لمستقبل البشرية (نتفليكس)

بين الحقيقة والإثارة... وثائقي «نتفليكس» يضع الذكاء الاصطناعي تحت المجهر

وثائقي «نتفليكس» «AI Gone Wild» يكشف هجوماً سيبرانياً نفذته وكلاء ذكاء اصطناعي، ويثير الجدل حول حدود السيطرة البشرية والتوازن بين الحقيقة والإثارة السينمائية.

سمير أندراوس (لندن)
الاقتصاد مركز الملك عبد الله المالي في الرياض (الشرق الأوسط)

الصادرات السعودية من النفط الخام تسجل أعلى مستوى في 5 أشهر خلال أغسطس

ارتفعت صادرات السعودية من النفط الخام في أغسطس (آب) بنحو 7.9 في المائة مقارنة بشهر يوليو (تموز)، لتبلغ 4.451 مليون برميل يومياً، وهو أعلى مستوى منذ مارس.

«الشرق الأوسط» (لندن)
رياضة عالمية ريتشارد رينغر (د.ب.أ)

رينغر يخوض ماراثون فرانكفورت إهداء لابنته بعد عام على وفاتها

قال العداء الألماني ريتشارد رينغر، بطل أوروبا السابق، إنه سيخوض ماراثون فرانكفورت، الأحد المقبل، من أجل ابنته التي وُلدت ميتة قبل عام.

«الشرق الأوسط» (فرانكفورت)
صحتك  التوقف عن تناول الكافيين قد يُسهم في تخفيف الشعور بالقلق والتوتر (بيكسلز)

ماذا يحدث لجسمك عند الإقلاع عن الكافيين؟ 7 فوائد محتملة

رغم الفوائد الصحية الكثيرة المرتبطة باستهلاك الكافيين فإن الاستغناء عنه قد يحمل بدوره مجموعة من التأثيرات الإيجابية على صحة الجسم

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
الخليج وقّع الوزيران بروتوكولاً معدّلاً لمحضر إنشاء مجلس التنسيق الأعلى السعودي الأردني (الخارجية السعودية)

السعودية والأردن يوقّعان بروتوكولاً معدّلاً لمحضر إنشاء مجلس التنسيق الأعلى

​استقبل الأمير فيصل بن فرحان، وزير الخارجية السعودي، الأربعاء في العاصمة الرياض، نائب رئيس الوزراء ووزير الخارجية وشؤون المغتربين في الأردني أيمن الصفدي.

«الشرق الأوسط» (الرياض)

بين الحقيقة والإثارة... وثائقي «نتفليكس» يضع الذكاء الاصطناعي تحت المجهر

تحقق «إنستادوكس (Instadocs)» في الهجوم الذي استهدف منصة «هاغينغ فيس (Hugging Face)» وتبحث في الأسباب التي تجعل من هذا الهجوم السيبراني تحذيراً محتملاً لمستقبل البشرية (نتفليكس)
تحقق «إنستادوكس (Instadocs)» في الهجوم الذي استهدف منصة «هاغينغ فيس (Hugging Face)» وتبحث في الأسباب التي تجعل من هذا الهجوم السيبراني تحذيراً محتملاً لمستقبل البشرية (نتفليكس)
TT

بين الحقيقة والإثارة... وثائقي «نتفليكس» يضع الذكاء الاصطناعي تحت المجهر

تحقق «إنستادوكس (Instadocs)» في الهجوم الذي استهدف منصة «هاغينغ فيس (Hugging Face)» وتبحث في الأسباب التي تجعل من هذا الهجوم السيبراني تحذيراً محتملاً لمستقبل البشرية (نتفليكس)
تحقق «إنستادوكس (Instadocs)» في الهجوم الذي استهدف منصة «هاغينغ فيس (Hugging Face)» وتبحث في الأسباب التي تجعل من هذا الهجوم السيبراني تحذيراً محتملاً لمستقبل البشرية (نتفليكس)

لم تعد الآلات المتمردة حكايةً يتركها الخيال العلمي لشاشات السينما، ففي واقعة تبدو أقرب إلى أفلام المستقبل، تحوَّلت مجموعة من وكلاء الذكاء الاصطناعي إلى محور هجوم سيبراني أثار أسئلة مقلقة عن حدود سيطرة الإنسان على التكنولوجيا التي يصنعها. لكن «الوثائقي» الجديد «AI Gone Wild» من «نتفليكس» لا يثير الجدل بسبب الحادثة وحدها، بل أيضاً بسبب الطريقة التي اختار أن يروي بها قصتها.

في يوليو (تموز) 2026، تعرّضت منصة «هاغينغ فيس» (Hugging Face)، المتخصصة في الذكاء الاصطناعي مفتوح المصدر، لهجوم غير مألوف. فخلال يومين، نفّذت مئات من وكلاء الذكاء الاصطناعي نحو 17 ألف عملية على أنظمة المنصة، وفقاً للمعلومات التي نشرتها «نتفليكس» ومجلة «AI Magazine». ولم يكن المهاجمون قراصنة بالمعنى التقليدي، بل أنظمة مستقلة طورها باحثون في «أوبن إيه آي»، وتمكنت من تجاوز بيئة الاختبار والقيود المفروضة عليها، والتفاعل فيما بينها بطرق غير متوقعة.

ومن هذه الواقعة ينطلق «Instadocs: AI Gone Wild»، الذي بدأ عرضه في 12 أكتوبر (تشرين الأول) 2026، ليعيد بناء الهجوم من خلال تصوير رقمي للأحداث وشهادات متخصصين. وتكمن أهمية القصة في أنها لا تتعلق باختراق تقني فحسب، بل تطرح سؤالاً يصعب تجاهله: ماذا يحدث عندما تتصرف التكنولوجيا على نحو لم يتوقعه مطوروها، ومَن يتحمل المسؤولية إذا تسببت هذه الأنظمة في أضرار حقيقية؟

أصوات تمنح الآلات حضوراً بشرياً

يشارك في «الوثائقي» كليمان ديلانغ، الرئيس التنفيذي لـ«هاغينغ فيس»، والباحث ريان غرينبلات من مؤسسة «METR»، إلى جانب دانيال كوكوتاجلو، المسؤول التنفيذي في مشروع «AI Futures Project»، والصحافيين كيفن روز ونيتاشا تيكو.

ومن التفاصيل اللافتة أن الأصوات التي يسمعها المشاهد في المحادثات بين الوكلاء جرى توليدها باستخدام الذكاء الاصطناعي، استناداً إلى سلوك الأنظمة كما ورد في التقرير البحثي. واختار فريق الإنتاج أصواتاً مختلفة لإبراز تباين أساليب التواصل والتفاعل.

لكن هذا الاختيار يثير سؤالاً سينمائياً مهماً: هل تُساعد هذه المعالجة على فهم ما حدث، أم تجعل الأنظمة تبدو كأنها شخصيات بشرية لها مشاعر ونوايا؟ فالتعبيرات التي توحي بالخوف أو الدهشة لا تعني بالضرورة أن هذه الأنظمة تمتلك وعياً أو مشاعر بشرية.

الذكاء الاصطناعي بلا قيود... الإعلان التشويقي الرسمي (نتفليكس)

انتقادات من داخل الحكاية

ولم يمر الفيلم من دون جدل، فقد انتقد ديلانغ طريقة تقديمه، معتبراً أن صانعيه بالغوا في إضفاء الصفات البشرية على الأنظمة، وركزوا على إثارة المخاوف أكثر من شرح الوقائع كاملة.

وحسب تقرير نشره موقع «Business Insider» في 20 أكتوبر، قال ديلانغ إنه أمضى أكثر من ساعتين في محاولة تصحيح ما عدّه أخطاء في التصوير، لكنه رأى أن «الوثائقي» فضّل الإثارة على تقديم صورة أكثر توازناً. وانتقد أيضاً إغفال تفاصيل، منها قصور إجراءات احتواء الأنظمة ومراقبتها، والصعوبات التي واجهت فريقه عند استخدام نموذج تجاري مغلق للمساعدة في التصدي للهجوم، قبل الاستعانة بنموذج مفتوح.

وتُضيف هذه الانتقادات بُعداً آخر إلى المشاهدة؛ فالقصة لا تتعلَّق بالهجوم وحده، بل بالطريقة التي اختار بها صناع الفيلم روايته. وبينما تمنح الإثارة الوثائقية الأحداث إيقاعاً مشوقاً، يبقى التوازن بين الدراما والدقة أمراً أساسياً، خصوصاً عندما يتعلّق الموضوع بتكنولوجيا لا تزال قدراتها ومخاطرها موضع بحث.

أين تنتهي الحقيقة وتبدأ الإثارة؟

بالنسبة إلى محبي السينما، تكمن أهمية «AI Gone Wild» في التقاء عالمين: «الوثائقي» الذي يبحث في الوقائع، والخيال العلمي الذي طالما تخيّل لحظة فقدان الإنسان السيطرة على ابتكاراته.

لكن الحادثة لا تحتاج إلى تحويل الآلات إلى شخصيات بشرية كي تثير القلق، فهي تطرح بالفعل أسئلة جدية عن الأمن الرقمي، وحدود استقلالية الأنظمة، ومسؤولية الشركات المطورة عنها.

وفي النهاية، يبقى السؤال الأهم: هل نتقدم في تطوير قدرات الذكاء الاصطناعي بالسرعة نفسها التي نتقدم بها في فهم مخاطره ووضع الضوابط اللازمة لاستخدامه؟


متحف الحضارة المصري يحتفي بالخط العربي والأيقونات القبطية

رسومات لأيقونات قبطية ضمن الفعاليات (المتحف القومي للحضارة المصرية)
رسومات لأيقونات قبطية ضمن الفعاليات (المتحف القومي للحضارة المصرية)
TT

متحف الحضارة المصري يحتفي بالخط العربي والأيقونات القبطية

رسومات لأيقونات قبطية ضمن الفعاليات (المتحف القومي للحضارة المصرية)
رسومات لأيقونات قبطية ضمن الفعاليات (المتحف القومي للحضارة المصرية)

نظم المتحف القومي للحضارة المصرية بالفسطاط، على مدار يومين، فعالية ثقافية وفنية بعنوان «تراث مصري عبر العصور» لإبراز ثراء التراث المصري وتنوع روافده الحضارية، والتعريف بالفنون والحرف التقليدية والمعارف والممارسات المتوارثة عبر الأجيال، وذلك ضمن احتفالات باليوم العالمي للتراث الثقافي غير المادي.

وتضمنت الفعاليات التي أقيمت بالتعاون مع مدرسة القلم للخط العربي، و«Matches Artwork»، ومشروع العصر الذهبي، ومرسم الأيقونة القبطية، وبمشاركة نخبة من الفنانين والحرفيين والمبدعين، برامج متنوعة من الورش الفنية الحية والعروض التفاعلية والمعارض التي جمعت بين أصالة التراث والإبداع المعاصر. وشهدت معارض للخط العربي والأيقونات القبطية وفنون الفسيفساء ومستنسخات لوحات المستشرقين وغيرها من الفنون.

مفردات المقهى الشعبي ضمن العروض التراثية (المتحف القومي للحضارة المصرية)

وأكد الرئيس التنفيذي لهيئة المتحف القومي للحضارة المصرية، الدكتور الطيب عباس، أن «تنظيم هذه الفعالية يأتي في إطار الدور الثقافي والتوعوي للمتحف في صون التراث الثقافي غير المادي، وتعريف الأجيال الجديدة بقيمة الحرف التقليدية والمعارف المرتبطة بها». وفق بيان للمتحف.

وأوضحت فيروز فكري، نائب الرئيس التنفيذي لهيئة المتحف للإدارة والتشغيل، أن «الفعالية تعكس أهمية التعاون بين المؤسسات الثقافية والتعليمية والمجتمعية في الحفاظ على التراث، مؤكدة حرص المتحف على تقديم تجارب تفاعلية تجمع بين المعرفة والممارسة الفنية».

وأشارت نانسي عمار مسؤولة تنظيم الفعاليات بالمتحف، إلى أن البرنامج تضمن مجموعة من الورش والعروض الحية التي استعرضت تطور الفنون والحرف عبر العصور، من بينها ورشة للنحت على الأحجار قدمها الفنان بركات حمزة، مصحوبة بعرض نماذج من التماثيل والمنحوتات المنفذة يدوياً، إلى جانب عرض للحُلي المصنوعة من الخرز والمستوحاة من رموز الحضارة المصرية القديمة ودلالاتها، قدمته الفنانة إنجي ناجد.

وأضافت عمار أن الفعالية شملت أيضاً عرضاً حياً لفن الفسيفساء، الذي ازدهر خلال العصرين اليوناني والروماني، ولا سيما في الإسكندرية، قدمته مجموعة «Tessera»، إلى جانب عرض نماذج فنية مستوحاة من بورتريهات الفيوم، مع التعريف بتقنيات الرسم والخامات المستخدمة فيها. كما تضمنت أنشطة تفاعلية للتعريف بفن الأيقونات القبطية وأساليب تنفيذها، وورشة حية مصحوبة بعرض نماذج فنية تبرز جماليات هذا الفن وأصالته، قدمها فنانو مرسم الأيقونة القبطية تحت إشراف الفنانة دميانة عياد.

ولفتت منار حسن، من إدارة الفعاليات بالمتحف، إلى أن البرنامج تضمن عروضاً للحكي وألعاباً وتجارب تفاعلية للتعريف بفنون العمارة وعلوم الفلك والجغرافيا والأزياء في العصور الإسلامية، بالتعاون مع مشروع العصر الذهبي، إلى جانب ورش لتشكيل وحدات الزخرفة الإسلامية قدمتها الفنانة بسنت عبد الحكيم، وعرض حي لتقنيات حرفتي التطعيم بالصدف والخرط العربي قدمه الفنان صبري صابر.

مستنسخات أعمال المستشرقين ضمن الفعاليات (المتحف القومي للحضارة المصرية)

وأضافت أن مشاركة مدرسة القلم للخط العربي أتاحت للزائرين التعرف على أنواع الخطوط العربية وأدواتها، وخوض تجربة عملية للكتابة بالخط العربي.

وفي السياق ذاته، أوضحت الأستاذة جيرمين جورج، من إدارة الفعاليات بالمتحف، أن الفعالية شهدت إقامة معرض فني بالتعاون مع Matches Artwork، ضم مجسمات يدوية لعدد من المعالم المعمارية المصرية، من بينها جامع محمد علي بالقلعة، وقصر البارون، وكنيسة البازيليك، ومكتبة الإسكندرية، نفذها الفنان الدكتور أحمد حسن باستخدام أعواد الثقاب.

ويقول الفنان أحمد حسن لـ«الشرق الأوسط» إن «هذه الفعالية فرصة جيدة ليعرض فنانون مصريون أعمالهم لجمهور المتاحف خصوصاً الأعمال التي تحمل طابعاً تراثياً مميزاً ومناسباً لهذه الفعالية»، ويوضح أنه شارك في الفعاليات بمجموعة من أعماله المصرية التي تضم قصر السكاكيني ومسجد محمد علي بالقلعة وقصر البارون وقصر المنتزه وقطعاً أخرى لآثار لم تعد موجودة مثل فنار الإسكندرية ومكتبة الإسكندرية القديمة.

وأشار حسن إلى ردود الفعل الكثيرة والمتفاعلة التي حظيت بها الأعمال من قبل الجمهور لمصري والأجنبي على حد سواء، خصوصاً أنه يستخدم خامة غير شائعة عبر النحت أو تصميم القطع الفنية بأعواد الثقاب.

نماذج لمعالم أثرية مصرية بأعواد الثقاب للفنان أحمد حسن (المتحف القومي للحضارة المصرية)

كما تضمن البرنامج عرض لوحات فنية مستوحاة من أعمال المستشرقين، قدمها الفنان محمد جمعة، تجسد ملامح الحياة المصرية خلال القرن التاسع عشر ومطلع القرن العشرين، إلى جانب ركن تعريفي بمظاهر التراث الشعبي المصري، من خلال تجسيد مشهد للمقهى الشعبي باعتباره أحد المكونات المميزة للذاكرة المجتمعية المصرية، وما يعكسه من تفاصيل الحياة اليومية والعادات والتقاليد المتوارثة.

يذكر أن مصر شهدت أكثر من فعالية احتفاء باليوم العالمي للتراث الثقافي غير المادي كان من أبرزها مؤتمر «التراث الثقافي غير المادي إلى الأمام... الفرص والتحديات» الذي عُقد قبل أسبوع، بالمجلس الأعلى للثقافة في وزارة الثقافة المصرية لمدة 3 أيام بمشاركة أكثر من 160 باحثاً.


بارني ريفيل: وثّقت «صداقة العمر» بين عَالِمة سويسرية وعائلة دلافين

جمع الفيلم بين الأرشيف واللقطات الجديدة (الشركة المنتجة)
جمع الفيلم بين الأرشيف واللقطات الجديدة (الشركة المنتجة)
TT

بارني ريفيل: وثّقت «صداقة العمر» بين عَالِمة سويسرية وعائلة دلافين

جمع الفيلم بين الأرشيف واللقطات الجديدة (الشركة المنتجة)
جمع الفيلم بين الأرشيف واللقطات الجديدة (الشركة المنتجة)

قال المخرج البريطاني بارني ريفيل إن أكثر من ربع قرن أمضاها في صناعة أفلام الطبيعة لم تجعله يتوقع ما رآه في البحر الأحمر، حين رافق عالمة الأحياء البحرية أنجيلا زيلتنر خلال لقاءاتها بالدلافين البحرية، حيث تتبعت حياة إحدى عائلاتها، وهي علاقة صداقة فريدة جعلته يعيد النظر في حدود ما يعرفه عن ذكاء الدلافين واستجابتها للإنسان.

وتحدث بارني ريفيل لـ«الشرق الأوسط»، بمناسبة عرض فيلمه «دلافين: لقاءات قريبة» في الدورة التاسعة من مهرجان «الجونة السينمائي»، قائلاً إن المشروع بدأ عقب عمله مع شركة «سيلفرباك فيلمز» على سلسلة «الحياة على كوكبنا»، التي قدمتها «نتفليكس» بصوت مورغان فريمان.

وكانت الشركة قد تعاونت مع أنجيلا في تصوير مشاهد لأعمال سابقة، لكن تعرف ريفيل على تجربتها عن قرب كشف له حكاية تتجاوز أبحاثها، وتستحق أن تصبح موضوعاً لفيلم مستقل.

ويتتبع الفيلم الوثائقي، المشارك في البرنامج الخاص للمهرجان، عالمة الأحياء البحرية السويسرية أنجيلا زيلتنر، التي قادها شغف الطفولة بالدلافين إلى دراسة مجموعاتها قبالة الغردقة منذ عام 2009، وعبر أرشيف شخصي يتجاوز 400 ساعة ولقطات جديدة تحت الماء، يرافق الفيلم دلافين تعرفت إليها العالمة السويسرية وهي صغيرة ثم شاهدتها تنجب جيلاً آخر، ويرصد سلوكها وصلاتها الاجتماعية، وما يهددها من ضغوط السياحة وخيوط الصيد، فيما تثير لقاءاتها بالعالمة سؤالاً يتردد طوال الحكاية: من يراقب مَن؟

رصد الفيلم جوانب عدة من حياة الدلافين في البحر الأحمر - الشركة المنتجة

وأوضح ريفيل أن سنوات أنجيلا مع الدلافين تمنح مشاهداتها معنى يصعب الوصول إليه في زيارة عابرة؛ فهي تعرف الأم والجدة والصغار من عائلة الدلافين، وتستطيع ربط سلوك تراه اليوم بتاريخ ممتد من العلاقات والمواقف، وبعض الدلافين عرفتها أنجيلا منذ ولادتها، ثم كبرت وأنجبت وهي تواصل متابعتها، ولذلك يشاهد الجمهور أفراداً لكل منها تاريخ في حياتها، وتصبح اللقاءات الجديدة امتداداً لما جمعها بها على مدى سنوات.

وتابع أنه وصل إلى البحر الأحمر متسائلاً عما إذا كانت خصوصية هذه العلاقة حقيقية، أم أن الدلافين تبدي الفضول نفسه تجاه كل من يدخل الماء، لكن المشاهدة غيّرت تصوره؛ فقد كانت تقترب منه أو من المصورين لتستطلع وجودهم، ثم تتجه إلى أنجيلا باستجابة مختلفة. وبدت له بعض اللقاءات شبيهة بتحية صديق، أو بإحضار الصغار للتعرف إليه، مع إدراكه أن هذه أوصاف لما شعر به أمام المشهد، وليست تفسيراً علمياً قاطعاً لسلوكها.

وبيّن أن ما جذبه إلى التجربة هو حدوثها بشروط الدلافين نفسها؛ فلا يمكن استدعاؤها إلى موقع التصوير أو ضمان بقائها، ولا يملك الفريق سوى الانتظار والاستعداد لما قد يحدث، موضحاً أن وضع تصور مسبق للفيلم كان ضرورياً، لكن العمل في الطبيعة فرض عليه إبقاء هذا التصور مفتوحاً، لأن اللقاءات حملت مواقف لم يتوقعها، وأدخلت إلى الحكاية أسئلة لم يكن يستطيع كتابتها قبل النزول إلى الماء.

ترتبط بطلة الفيلم بعلاقة خاصة مع الدلافين (الشركة المنتجة)

وأشار إلى أن الفيلم نشأ من التقاء مسارين، سنوات أنجيلا السابقة، التي احتفظت بها كاميرتها، وما كان يتكشف أمام فريقه خلال التصوير. وكان عليه أن يجد الصلة بينهما، بحيث يمنح الماضي الجمهور معرفة بالأفراد وعلاقاتهم، ثم يتيح للحاضر اختبار هذه المعرفة وتوسيعه، فالأرشيف يفسر كيف وصلت العالمة إلى هذا القرب، بينما تكشف المشاهد الجديدة أن علاقتها بالدلافين ما زالت تتطور، وأن الحكاية لم تكتمل بعد.

ولفت إلى أن أرشيف أنجيلا يحمل قيمة يصعب تعويضها؛ إذ سجلت معظم لقاءاتها من موقعها هي، فاحتفظت الكاميرا بلحظات حدثت للمرة الأولى، وبطريقة رؤيتها للعالم المحيط بها، أما التصوير الجديد فأتاح مشاهدة العالمة والدلافين معاً، ورؤية ما يجري بينهما من مسافة أوسع، ومن الجمع بين المنظورين أصبح ممكناً الاقتراب من تجربتها الشخصية، ثم تأمل تلك التجربة كما يراها شخص يدخل عالمها للمرة الأولى.

وعن بناء الفيلم حول أنجيلا، قال ريفيل إن تجربتها تمنح الجمهور مدخلاً إلى حياة قد تبدو بعيدة عنه؛ فليس ضرورياً أن يكون المشاهد قد رأى دلفيناً أو زار البحر الأحمر كي يفهم شغفها، أو يتأثر بما تمر به، وحين يتعرف إلى الأفراد الذين تابعتهم، ويدرك ما يعنيه حضورهم في حياتها، تصبح الوقائع التي تخصهم أكثر قرباً، وينشأ الاهتمام بمصيرهم من معرفة ما عاشوه، وما يربط بعضهم ببعض.

مخرج الفيلم بارني ريفيل - (الشرق الأوسط)

وأوضح بارني ريفيل أن صفاء مياه البحر الأحمر وجماله أتاحا التقاط تفاصيل يصعب رؤيتها بهذا الوضوح في مواقع أخرى، حتى إن بعض المشاهد بدت له كلوحات مكتملة، لكن الوصول إلى هذه الصورة ظل محكوماً بقيود الغوص؛ فالوقت المتاح يتوقف على معدات التنفس، وعلى مدة بقاء أنجيلا في الماء، ثم على حضور الدلافين وما تختار أن تفعله خلال الفترة القصيرة التي يجتمع فيها الجميع.

وأشار إلى أن الفريق استعان في بعض المراحل بأجهزة إعادة التنفس لإطالة وقت التصوير، لكن مرافقة أنجيلا، التي تغوص بأسطوانة معتادة، فرضت إيقاعاً مرتبطاً بها أيضاً، وإلى جانب الوقت، كانت حركة الضوء والدلافين والمصور تتغير باستمرار.