تسبب سرطان الأمعاء في رحيل واحد من أهم الأشخاص في كرة القدم الأسكوتلندية في العصر الحديث، قبل عيد ميلاده الثالث والثمانين، وهو كريغ براون، ليلحق بجيم ماكلين ووالتر سميث. لقد كان براون يمتلك شخصية استثنائية وكان محبوبا من الجميع، وكان لديه أصدقاء أكثر بكثير من باقي اللاعبين الآخرين. وكان يمتلك سجلاً تدريبياً حافلاً، كما كان دائم الانتقاد لنفسه من أجل الوصول إلى الكمال، وكان يتمتع بروح الدعابة، وكان يهتم بأدق التفاصيل، للدرجة التي تجعله يتحدث عن كيفية تنفيذ رميات التماس بشكل يبهر المتابعين والمحللين. وأعطى اهتماماً كبيراً لعمليات إحماء اللاعبين قبل دخولهم إلى أرض الملعب كبدلاء. وكان «صديقه الصغير» ستيف إيفانز يطلعه بشكل مستمر ومتواصل على أبرز النجوم الصاعدين في الدوريات الأدنى من الدوري الإنجليزي الممتاز.
وعندما أعلن براون اعتزاله التدريب في عام 2013، تلقى رسالة من صديقه المقرب السير أليكس فيرغسون يشيد فيها بما قدمه خلال مسيرته التدريبية الطويلة. وكان اعتزال براون يعني أن فيرغسون، الذي حذا حذوه بعد أشهر واعتزل التدريب، أصبح أقدم مدير فني في المملكة المتحدة. كانت أفضل فترة لبراون في مسيرته التدريبية تلك الفترة التي تولى فيها قيادة منتخب أسكوتلندا، بما في ذلك خلال نهائيات كأس العالم 1998. ولم تلعب أسكوتلندا في المونديال منذ ذلك الحين!
لقد كرّس براون حياته بالكامل لكرة القدم، منذ أن كان صغيرا وحتى وفاته. أنهى براون مسيرته الكروية بصفته لاعبا مبكرا بسبب الإصابات القوية التي لحقت به في الركبة، والتي أثرت بشكل واضح على الطريقة التي كان يمشي بها بعد ذلك. وبدأ مسيرته التدريبية مع نادي ماذرويل في عام 1974. لكن قبل ذلك بأكثر من عقد من الزمان، كان جزءاً من فريق داندي الشهير الذي فاز بلقب الدوري الأسكوتلندي الممتاز.
جمع براون بين التعليم والعمل بصفته مديرا فنيا لنادي كلايد، ثم عينه الاتحاد الأسكوتلندي لكرة القدم مساعداً للمدير الفني لمنتخب أسكوتلندا ورئيساً لمنتخبات الشباب في عام 1986. عمل براون مساعداً لفيرغسون في كأس العالم في ذلك العام في المكسيك. حققت منتخبات أسكوتلندا للمراحل العمرية الأصغر نجاحات كبيرة، وبالتالي لم يكن من المفاجئ أن يحل براون محل آندي روكسبيرغ على رأس القيادة الفنية لمنتخب أسكوتلندا في عام 1993. كان براون، كما الحال مع روكسبيرغ، أحد العناصر الحاسمة في ثقافة التدريب التي وضعها الاتحاد الأسكوتلندي آنذاك والتي نالت كثيراً من الثناء والتقدير.
وفي نهائيات كأس الأمم الأوروبية عام 1996، أشار براون بثبات إلى «أننا لا نحتفل بالتعادل» بعد المباراة الافتتاحية التي انتهت بالتعادل السلبي أمام هولندا. وخسرت أسكوتلندا أمام المنتخب الإنجليزي بفضل تصدي ديفيد سيمان لركلة جزاء ولحظات من العبقرية الاستثنائية من جانب بول جاسكوين، لكن أسكوتلندا كانت ندا قويا للغاية في تلك المباراة التي أقيمت على ملعب ويمبلي. ثم فازت أسكوتلندا على سويسرا بهدف دون رد، لكنها خرجت من البطولة بفارق الأهداف.

حصلت أسكوتلندا على 23 نقطة من 10 مباريات في التصفيات المؤهلة لنهائيات كأس العالم 1998 بفرنسا، للتأهل للمونديال بعدما تصدرت المجموعة على حساب السويد. تعادلت السويد في المباراة الافتتاحية أمام البرازيل بفضل ركلة الجزاء التي أحرزها جون كولينز، ثم تعادلت أمام النرويج وأصبح لديها أمل في المرور إلى الدور الثاني، لكنها خسرت بنتيجة ثقيلة أمام المغرب في المباراة الثالثة وودعت المونديال.
لكن أفضل لحظة في مسيرة براون التدريبية لم تأت بعد. وقعت أسكوتلندا في مواجهة إنجلترا في الملحق النهائي لتصفيات كأس الأمم الأوروبية 2000، وفازت إنجلترا على ملعب «هامبدن بارك» بغلاسجو بثنائية نظيفة من توقيع بول سكولز، ولم يتوقع الجمهور الأسكوتلندي تحقيق نتيجة إيجابية في إنجلترا. لكن ما حدث هو العكس تماما، فرغم عدم تمكن أسكوتلندا في النهاية من التأهل إلى كأس الأمم الأوروبية 2000، فإنها حققت فوزا تاريخيا بهدف وحيد من توقيع دون هوتشينسون، وعاش الإنجليز 20 دقيقة مرعبة.
استقال براون، الذي حقق 32 انتصاراً وخسر 21 مرة خلال 71 مباراة مع منتخب أسكوتلندا، من منصبه بعد فشله في الصعود لكأس العالم 2002. وعانى المنتخب الأسكوتلندي بشدة بعد ذلك، حتى جاء ستيف كلارك وأعاده للمسار الصحيح في عام 2019. تولى براون القيادة الفنية لنادي «بريستون نورث إند»، وكوّن صداقة وثيقة مع بيلي ديفيز. كان براون يرى أن ديفيز مدير فني بارز لكنه لم يحقق النجاحات التي تتناسب مع قدراته وإمكاناته الحقيقية. يتذكر براون ما حدث آنذاك قائلاً: «لقد اختلفت مع رئيس نادي بريستون، لكن قبل أن أحزم أمتعتي، أخبرته أن أفضل شيء يمكنه فعله هو إسناد المهمة إلى بيلي. كان هذا هو الشيء الوحيد الذي استمع إلي فيه، وقد نجح الأمر».
وبعد الابتعاد عن التدريب لمدة خمس سنوات - شغل مناصب بعيدة عن منصب المدير الفني في فولهام وديربي كاونتي - عاد عبر بوابة ماذرويل، قبل أن يتولى قيادة أبردين في عام 2010. ربما لم يحقق براون النجاح المتوقع مع أبردين، لكن الحقيقة أن السبب الرئيسي في ذلك يعود إلى أنه لم يحصل على الدعم اللازم لتدعيم صفوف الفريق. لقد تولى براون قيادة الفريق بعد أن خسر ست مباريات على التوالي، بما في ذلك الخسارة بتسعة أهداف أمام سلتيك. كان براون يعشق لعبة الغولف، كما كان يحب قضاء معظم الوقت مع كثير من زملائه في كرة القدم.
كان براون ينتمي إلى المدرسة القديمة في عالم التدريب، بمعنى أنه كان متمسكاً بالأخلاق العالية وارتداء الملابس الأنيقة، كما كان يمنع اللاعبين من القيام بقصات شعر غريبة، أو إخراج القمصان من السراويل، أو إنزال الجوارب إلى أسفل بشكل غير لائق. ومع ذلك، فإن قدرته على العمل في الدوري الأسكوتلندي الممتاز حتى الثانية والسبعين من عمره تعني أنه كان يتطور بمرور الوقت ولا يكتفي أبدا بما حققه في السابق. لقد حصل براون على تقدير كبير، وقد تجسد هذا التقدير في نادي أبردين من خلال تعيينه مديرا ثم سفيرا للنادي.
لقد رأيته لآخر مرة في مايو (أيار) 2019، وعندما أرسلت له رسالة بالبريد الإلكتروني أسأله فيها عما إذا كان من الممكن مقابلته لتناول طعام الغداء سويا في اليوم التالي لمباراة أبردين أمام هارتس، تلقيت الرد التالي: «السيد موراي، لقد طلبت لك تذكرة أقل بـ 26 جنيهاً إسترلينياً من تلك التي اشتريتها أنت. أرجوك أن تتخلص من التذكرة غير الضرورية، وستكون في انتظارك تذكرة جيدة باسمك عند المدخل الرئيسي. سألتقي بك في غرفة الاجتماعات قبل نصف ساعة من انطلاق المباراة عندما أنتهي من العمل الذي يتعين علي القيام به في المطعم في مدرج ريتشارد دونالد». وبعد المباراة التي فاز فيها أبردين بهدفين مقابل هدف وحيد، أشاد براون كثيراً بهدوء ومثابرة لاعب يبلغ من العمر 16 عاماً ويشارك للمرة الأولى مع نادي هارتس، وهو آرون هيكي، الذي واصل تألقه بعد ذلك وانتقل إلى الدوري الإيطالي الممتاز ومنه إلى الدوري الإنجليزي الممتاز، وهو ما يثبت أن براون لم يفقد رؤيته الثاقبة أبدا.
*خدمة «الغارديان»




