المعارف التقليدية تساعد على حماية النظم الطبيعية حول العالم

مجموعة واسعة من الخبرات يجري تناقلها من جيل إلى آخر

صياد سمك على مركبته في منطقة الأهوار بمحافظة ذي قار العراقية يسعى لصيد ما أمكن رغم تناقص الأمطار الذي يهدد بجفاف مخزون النهر من المياه (ا ف ب)
صياد سمك على مركبته في منطقة الأهوار بمحافظة ذي قار العراقية يسعى لصيد ما أمكن رغم تناقص الأمطار الذي يهدد بجفاف مخزون النهر من المياه (ا ف ب)
TT

المعارف التقليدية تساعد على حماية النظم الطبيعية حول العالم

صياد سمك على مركبته في منطقة الأهوار بمحافظة ذي قار العراقية يسعى لصيد ما أمكن رغم تناقص الأمطار الذي يهدد بجفاف مخزون النهر من المياه (ا ف ب)
صياد سمك على مركبته في منطقة الأهوار بمحافظة ذي قار العراقية يسعى لصيد ما أمكن رغم تناقص الأمطار الذي يهدد بجفاف مخزون النهر من المياه (ا ف ب)

يزداد اهتمام حماة البيئة بالممارسات المحلية المتوارثة جيلاً بعد جيل، ودورها الذي قد يكون حاسماً في مستقبل كوكب الأرض. وتشير مجموعة جديدة من الأبحاث إلى أن التقنيات التقليدية، التي يعود تاريخها إلى آلاف السنين، في زراعة الغذاء والسيطرة على حرائق الغابات والحفاظ على الأنواع الحيّة المهددة بالانقراض، يمكن أن تساعد في وقف التداعي السريع للنظم الطبيعية حول العالم. ويبقى الاعتراف بأهمية المعارف التقليدية منقوصاً طالما كانت المجتمعات المحليّة بعيدةً عن صنع القرار.

المجتمعات المحلية تحفظ نظمها الطبيعية

تشمل المعارف التقليدية مجموعة واسعة من الخبرات التي يجري تناقلها من جيل إلى آخر في المجتمعات المحلية، وبين شعوب السكان الأصليين. وهي تتضمن رؤيتهم للعالم الطبيعي، بما فيه من نباتات وحيوانات ونظم بيئية، وكيفية استخدام وإدارة الموارد المتاحة على نحو مستدام.

ولا يوجد تعريف محدد لمفهوم «الشعوب الأصلية»، نظراً لتداخله بين ما هو ثقافي وما هو سياسي، ولا سيما المناطق التي تشهد غياباً للاستقرار وتغيُّرات ديموغرافية. وبشكل عام، تشترك الشعوب الأصلية في استمراريتها التاريخية في منطقة ما، وارتباطها بالأرض التي تعيش عليها، ومحاولتها الحفاظ على أنظمتها المعرفية المتميزة. ووفقاً لذلك، تقدّر الأمم المتحدة تعداد السكان الأصليين حول العالم بأكثر من 476 مليون شخص، يعيشون في 90 دولة.

وكان تقرير، صدر عام 2019 عن المنبر الحكومي الدولي للعلوم والسياسات في مجال التنوُّع البيولوجي وخدمات النظم البيئية (IPBES)، قد خلص إلى أن العالم الطبيعي يتراجع بوتيرة غير مسبوقة. ويشير التقرير إلى أن 3 أرباع اليابسة تعرّضت لتغيُّرات كبيرة بفعل الأنشطة البشرية، كما أن نحو مليون نوع حي أصبح مهدداً بالانقراض.

ويشير التقرير إلى تسارع التدهور البيئي في كثير من مجتمعات السكان الأصليين، إلا أن هذا التدهور أقل حدة مما هو عليه في أجزاء أخرى من العالم. ويقول الخبراء إن هذا الأمر يرجع جزئياً إلى قرون من المعارف التقليدية، وإلى إجماع كثير من المجتمعات المحلية على أهمية الطبيعة وقيمتها العالية من منظورها الثقافي.

ويمكن للمعارف التقليدية أن تساهم في حماية البيئة واستدامة الموارد الطبيعية بطرق مختلفة. فعبر تراكم التجارب، نجحت الشعوب الأصلية في تطوير مجموعة واسعة من ممارسات الإدارة السليمة للغابات، بما فيها قطع الأشجار الانتقائي وإدارة الحرائق. وقد ساعدت هذه الممارسات في حماية الغابات من الإزالة، وحفظتها من عوامل التدهور.

كما ساهمت المعارف التقليدية في حماية التنوُّع البيولوجي بالإفادة من فهم المجتمعات المحلية للعلاقات بين الأنواع المختلفة من النباتات والحيوانات، وساعدت في تحديد الموائل المهمة وحمايتها، وإدارة مجموعات الأنواع الحيّة المهددة بالانقراض.

وتحتفظ الشعوب الأصلية بتاريخ طويل من التكيُّف مع الظروف المناخية المتغيّرة، ولذلك تدعم الاستفادة من خبراتها تخفيف آثار الاحترار العالمي، وتطوير استراتيجيات جديدة للتكيُّف مع تغيُّر المناخ. وتشمل هذه الاستراتيجيات، على سبيل المثال، تطوير محاصيل مقاوِمة للجفاف، وبناء حواجز بحرية طبيعية لحماية المجتمعات الساحلية من ارتفاع مستوى سطح البحر.

في غابات الأمازون المطيرة، تستخدم الشعوب الأصلية معارفها التقليدية في حماية الغابات من الإزالة والتدهور من خلال القيام بدوريات مراقبة في أراضيهم، وزرع الأشجار، واستخدام أساليب متوارثة في إدارة الحرائق. وتساعد الحرائق المسيطر عليها، ضمن مناطق السكان الأصليين في أميركا الجنوبية وأستراليا، في إقلال حرائق الغابات الواسعة التي ستكون شائعةً في كثير من الأماكن مع مناخ أكثر سخونة وجفافاً.

وفي صحراء كالاهاري، جنوب القارة الأفريقية، توظّف الشعوب الأصلية معارفها في الحفاظ على المياه عن طريق بناء مستوعبات الماء كالحُفَر التجميعية، وريّ المزروعات بطرق تقليدية مثل الري بالتنقيط. ونظراً لمعرفتهم العميقة بالعالم الطبيعي، يستطيع سكان صحراء كالاهاري تتبع حركة المياه الجوفية وعلى السطح، ما يتيح لهم العثور على مصادر المياه، حتى في المناطق الجافة.

وتُعد حياة قبائل بلوش الشاهديغال في إيران مثالاً على ترابط النظم الاجتماعية والبيئية في الأقاليم الصحراوية وشبه الصحراوية. وترتحل هذه القبائل موسمياً مع قطعان الإبل ضمن منطقة تبلغ مساحتها نحو 580 ألف هكتار، وتبني دروعاً من الغطاء النباتي للحماية من العواصف الرملية، ما يساعد في الحفاظ على التنوُّع البيولوجي وتأمين رفاهية الإنسان.

وفي القطب الشمالي، تستخدم شعوب «الإنويت» معارفها التقليدية في التكيُّف مع تغيُّر المناخ من خلال تطوير طرق جديدة لصيد الطرائد والأسماك، وبناء منازل جديدة أكثر مقاومة لظروف الطقس القاسية. وكان لشعوب الإنويت في أقصى شمال كندا دور أساسي في استعادة قطعان الوعل التي واجهت أعدادها انخفاضاً حاداً.

تهميش المجتمعات المحلية يهدد التنمية المستدامة

تساهم المعارف التقليدية في حماية البيئة واستدامة الموارد الطبيعية في العالم العربي بأساليب مختلفة، تشمل الحفاظ على المياه، وحماية التنوُّع البيولوجي، والتخفيف من آثار تغيُّر المناخ. ففي المغرب، تُستخدم المعارف التقليدية في حصاد المياه والحفاظ عليها وتنظيم إدارتها بأساليب فعّالة، من بينها «الخطّارة» التي تعتمد على القنوات الجوفية لنقل المياه من الينابيع والأنهار إلى المزارع والقُرى، ويوجد ما يماثلها في المشرق العربي، كالأفلاج في دول الخليج والأقنية الرومانية في بلاد الشام.

وإلى فترة قريبة، كان نظام «الحِمى» قائماً في كثير من الدول العربية، وهو موروث تقليدي للمناطق المحمية يهدف إلى تحقيق الاستخدام المستدام للموارد الطبيعية على يد المجتمعات الأهلية المحيطة بالحمى ولمصلحتها. ويُعدّ نظام الحمى هاماً لأنه يُشرك المجتمعات المحلية في النظام الحكومي للمحميات الطبيعية، وتنتج عنه فوائد للمجتمعات المحلية التي تعمل على دعمه لجدواه الاقتصادية وقابليته للاستدامة. وتوجد دعوات علمية للعودة إلى نظام الحمى في العالم العربي بعد إدخال بعض التعديلات عليه.

ساهمت المعارف التقليدية في حماية التنوُّع البيولوجي

وفي السنوات الأخيرة، أبدت مصر اهتماماً بالمعارف التقليدية، كطريقة للحفاظ على التنوُّع البيولوجي والتخفيف من آثار تغيُّر المناخ. وأطلقت الحكومة المصرية عدداً من المبادرات لتعزيز الإفادة من خبرات المجتمعات المحلية في ما يتعلق بإدارة الموارد الطبيعية، وآليات تعزيز الوصول إلى الموارد الجينية وتقاسم منافعها، كما في حالة الأعشاب الطبية ومستحضرات التجميل. وتؤكد استراتيجية وخطة العمل المصرية للتنوُّع البيولوجي على أهمية إشراك المجتمعات المحلية والاستفادة من خبراتها وتوسيع نطاق دعمها.

ورغم مصادقة مصر على كثير من الاتفاقيات التي تدعم توظيف المعارف التقليدية في مجالات البيئة والتنوُّع البيولوجي والحفظ والتنمية المستدامة، فإن المعارف التقليدية قلّما تلعب دوراً في التعليم والبحث. وتخلص دراسة، نشرتها دورية «سبرينغر للبيئة والتنمية والاستدامة» عام 2021، إلى محدودية الاستفادة من المعارف التقليدية ضمن المناطق المحمية المصرية، بسبب ضعف خطط إشراك المجتمعات المحلية. وتستثنى من ذلك المناطق ذات المقوّمات السياحية المتميزة، مثل المحميات الواقعة في سيناء وعلى شواطئ البحر الأحمر.

وتُعد الخبرات المحلية حقلاً واعداً لتطوير كثير من الممارسات التي تدعم نظم الاقتصاد الدائري، عبر خفض استهلاك الموارد وتوفير الطاقة وتدوير المخلّفات. ففي مجال الزراعة المستدامة، يمكن الاستفادة من الخبرات المحلية في انتخاب وإكثار المحاصيل المقاومة للجفاف، وإدارة الآفات والأمراض من دون استخدام مواد كيميائية ضارة، وتحسين خصوبة التربة.

وفي مجال الطاقة المتجددة، يمكن تطوير الخبرات المحلية في بناء أفران شمسية، وتسخير طاقة الرياح، واستخدام الكتلة الحيوية كمصدر للطاقة. وفي مجال إدارة النفايات، توجد ممارسات محلية راسخة في تحويل مخلّفات الطعام إلى سماد، وإعادة تدوير المواد، وتقليل استخدام المنتجات التي يمكن التخلص منها.

ولأن حياتهم تقوم على الارتباط الوثيق بالأرض، تُعد المجتمعات المحلية والسكان الأصليون في مقدمة من يواجه تداعيات تغيُّر المناخ. فمن صحراء كالاهاري إلى جبال الهيمالايا وغابات الأمازون المطيرة، تعصف حالات الجفاف والفيضانات والحرائق بالمجتمعات التي تعاني من الفقر وتتعرض لتعديات على أراضيها.

وفي بعض الحالات، تدفع الضغوط المتزايدة الأجيال الشابة إلى التخلي عن موروثها التاريخي وانتهاج أساليب غير مستدامة لتسريع التنمية. وعلى سبيل المثال، تتعرض الغابات الاستوائية الجبلية في مقاطعة شمال كيفو في الكونغو الديمقراطية لتهديدات متزايدة بسبب النزاعات المسلحة والصيد الجائر والتعدين. وفيما كانت الأنشطة التقليدية للمجتمعات المحلية توفّر الحماية لهذه الغابات، بدأت الأجيال الشابة تفقد صبرها وأخذت تأمل بمساهمة سريعة للغابات في تلبية احتياجاتها الاقتصادية والاجتماعية.

إن العمل مع الشعوب الأصلية والمجتمعات المحلية، والتعلُّم من خبراتها المتوارثة، يساعد في تطوير حلول مستدامة للتحديات البيئية التي يواجهها العالم. ويؤدي تجاهل هذه المجتمعات، وتهميشها في كثير من الحالات، إلى تهديد قدرة النظم الطبيعية على الصمود ووضع الأجيال الشابة أمام خيارات صعبة.


مقالات ذات صلة

ظاهرة النينيو الخارقة قد تتسبب بوفاة 451 ألف شخص خلال 6 أشهر

بيئة بحيرة جافة بعد تأثرها بالجفاف الناتج عن ظاهرة «النينيو» (أ.ف.ب)

ظاهرة النينيو الخارقة قد تتسبب بوفاة 451 ألف شخص خلال 6 أشهر

قال ‌باحثون إن الحرارة المفرطة الناجمة عن ظاهرة النينيو «الخارقة» قد تؤدي إلى ما يصل لـ451 ألف حالة وفاة خلال ستة أشهر.

«الشرق الأوسط» (سنغافورة)
يوميات الشرق تحت عنوان «الأرض وأهلها» ينطلق «ريف السينمائي» من بلدة القبيات (الجهة المنظّمة)

«ريف السينمائي» في دورته التاسعة يحتفي بـ«الأرض وأهلها»

يقيم المهرجان، بالتوازي مع عروضه السينمائية، ندوة حول حماية أنهر عكّار...

فيفيان حداد (بيروت)
تكنولوجيا المنتدى العالمي الرابع لليونيسكو لأخلاقيات الذكاء الاصطناعي في الرياض

الذكاء الاصطناعي يستهلك الطاقة… فهل يستطيع أن يوفرها؟

علاقة مزدوجة بين الخوارزميات والطاقة تضع الاستدامة أمام اختبار جديد

د. عميد خالد عبد الحميد (الرياض)
يوميات الشرق مخطط يوضح حدود المحمية (الهيئة الملكية لمدينة الرياض)

محمية «الإمام عبد الرحمن بن فيصل»... تنوّع طبيعي يجمع جبال طويق والكثبان والأودية

لا يؤثر تأسيس المحمية في الملكيات القائمة ولا يتضمن الإعلان نزع ملكية أراضٍ أو عقارات.

غازي الحارثي (الرياض)
علوم قرية طلابية دنماركية بيئية بتصميم مستقبلي

قرية طلابية دنماركية بيئية بتصميم مستقبلي

ألواح الفلين والزجاج تضفي لمسة جمالية وملمساً مميزاً يكمل مظهر الجدران المطبوعة في قرية طلابية بالدنمارك.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)

البلاستيك يغزو «المتوسط»... ما خسائر الدول العربية؟

البلاستيك يستخدم بشكل واسع على مستوى العالم (رويترز)
البلاستيك يستخدم بشكل واسع على مستوى العالم (رويترز)
TT

البلاستيك يغزو «المتوسط»... ما خسائر الدول العربية؟

البلاستيك يستخدم بشكل واسع على مستوى العالم (رويترز)
البلاستيك يستخدم بشكل واسع على مستوى العالم (رويترز)

يُسوَّق البلاستيك على أنه مادة رخيصة الثمن، وهو كذلك بالفعل عند البيع؛ غير أن السعر المدوّن على زجاجة المياه أو وعاء الوجبة الجاهزة لا يعكس سوى جزء ضئيل جداً من التكلفة الحقيقية التي تتكبدها الدول بسببه. إذ تظهر الفاتورة الحقيقية لاحقاً، متمثلةً في الأعباء التي تقع على عاتق الميزانية العامة والمناطق الساحلية والمنظومة الصحية. فالبلاستيك يكلّف العالم تريليونات الدولارات سنوياً، ومع تزايد النهم العالمي لاستخدامه، ستتفاقم هذه التكلفة أيضاً.

ويكشف تقرير جديد صادر عن منظمة «غرينبيس الشرق الأوسط وشمال أفريقيا» تحت عنوان «الثمن الخفي للبلاستيك»، أن التلوث البلاستيكي يكلّف مصر والمغرب وتونس مجتمعين ما بين 1.7 و5.5 مليار دولار أميركي سنوياً نتيجة الأضرار التي يلحقها بالنظم البيئية البحرية في البحر الأبيض المتوسط، محذّراً من أن استمرار التقاعس عن مواجهة الأزمة قد يرفع من مقدار هذه الفاتورة لتصل إلى ما بين 30 و98 مليار دولار بحلول عام 2040.

وبيّن التقرير أن التلوث بالبلاستيك في كل من مصر والمغرب وتونس أصبح أحد أبرز الضغوط البيئية والاقتصادية في الوقت الحالي، إذ تتجاوز تداعياته الشواطئ المليئة بالنفايات لتطول ميزانيات الدول، وسبل العيش في المناطق الساحلية، والصحة العامة. وتشترك هذه الدول الثلاث في بحر يستقبل ما يقدر بـ229 ألف طن من البلاستيك سنوياً، ويحتوي بالفعل على أكثر من مليون طن في قاعه. كما أنها تقع في منطقة تولد أكثر من 155 مليون طن من النفايات سنوياً - ثلثاها لا تتم إدارته بشكل سليم - ومن المتوقع أن يتضاعف هذا الحجم تقريباً بحلول عام 2050.

وبما أنّ خفض هذه التكلفة يتطلب تحركاً على المستويين الدولي والوطني، طرح التقرير مجموعة من الإجراءات العملية على المستوى الوطني في كل من الدول الثلاث.

قالت فرح الحطّاب، المسؤولة الأولى عن حملات البلاستيك في «غرينبيس الشرق الأوسط وشمال أفريقيا»: «إن التلوّث البلاستيكي لم يعد مجرد مشكلة مرتبطة بإدارة النفايات، بل أصبحت له تكلفة تمتد إلى الاقتصاد والصحة والبيئة. وتتحمل الحكومات والبلديات والمجتمعات الساحلية والمواطنون جزءاً من هذه التكلفة، فيما تزداد الأعباء كلما استمر إنتاج البلاستيك واستخدامه وتسربه إلى البيئة».

التلوث البيئي يحاصر كثيراً من الدول (رويترز)

وأضافت، في تصريح لـ«الشرق الأوسط»: «تشمل الفاتورة تكلفة جمع النفايات ومعالجتها وتنظيف الشواطئ، إضافة إلى الخسائر التي تتكبدها قطاعات تعتمد على البيئة البحرية، مثل السياحة والصيد».

وتابعت: «لا تقتصر المخاطر على النفايات البلاستيكية نفسها. فبعض المواد الكيميائية المستخدمة في صناعة البلاستيك أو التي قد تتسرب منه ترتبط، وفق دراسات علمية، باضطرابات هرمونية وتأثيرات على الجهاز التناسلي والمناعي والتنفسّي. كما يمكن أن يدخل الميكروبلاستيك إلى الجسم عبر الغذاء والماء والهواء، ولا تزال آثاره الصحية على المدى الطويل قيد الدراسة. وهذا يعني أن التكلفة قد تمتد أيضاً إلى تكاليف الرعاية الصحية».

واستطردت أن البحر والكائنات البحرية يدفع ثمناً كبيراً أيضاً. فقد يؤدي ابتلاع البلاستيك أو التشابك به إلى إصابة الكائنات البحرية أو نفوقها، بينما يمكن للميكروبلاستيك أن يؤثر في التغذية والنمو والتكاثر لدى بعض الكائنات، وأن ينتقل عبر السلاسل الغذائية.

ووفق التقرير، تتفاوت التكلفة بين البلدان: ففي مصر، تتراوح بين 740 مليون دولار و3.1 مليار دولار سنوياً، بينما تُقدّر في المغرب بنحو 1.2 مليار دولار، وفي تونس بنحو 400 مليون دولار. وهذه التقديرات تركز على الأضرار الاقتصادية التي تلحق بالنظم البيئية البحرية، ولا تشمل كامل التكاليف المرتبطة بالتلوّث البلاستيكي.

ويكشف التقرير أيضاً عن تفاوت مهم في واقع البلدان الثلاثة. ففي مصر، يأتي ارتفاع التكلفة في سياق مستويات مرتفعة من التلوّث البلاستيكي في البحر المتوسط، فيما تُظهر حالة المغرب أن السياسات العامة يمكن أن تحدّ من بعض أشكال استخدام البلاستيك، كما حدث مع الأكياس البلاستيكية. أما في تونس، فيشير التقرير إلى أن خفض استخدام البلاستيك يمكن أن يحقق فوائد اقتصادية وبيئية.

وتأتي أهمية التقرير في توقيت حاسم لمسار المعاهدة العالمية للبلاستيك. فقد صدر قبيل اجتماع رؤساء الوفود الذي عُقد في بانكوك بين 27 و30 سبتمبر (أيلول)، بمشاركة ممثلين عن مصر والمغرب وتونس، وقبل الجولة الرسمية المقبلة من المفاوضات في مارس (آذار) 2027. وبالتالي، يقدّم التقرير دليلاً على أن تكلفة أزمة البلاستيك ليست بيئية وصحية فقط، بل اقتصادية أيضاً، وأن استمرار الاتجاه الحالي سيجعل تكلفة عدم التحرّك أعلى.

الشواطئ المصرية مليئة بالألعاب البلاستيكية (EPA)

قال الدكتور محمد عطية، أول باحث مصري ينضم للوكالة الأميركية لحماية البيئة، ويشغل حالياً منصب مستشار الخدمات البيئية والهندسية بشركة أيكوم: «إن البلاستيك رخيص الثمن عند الشراء، لكن تكلفته الحقيقية تظهر في المراحل التالية للشراء، في عمليات جمع وإدارة المخلفات، وعمليات التنظيف المطلوبة للتخلص منه، والتأثير على البيئة والأنشطة الاقتصادية المرتبطة بها»، موضحاً في تصريح لـ«الشرق الأوسط» أن «الأرقام الواردة بالتقرير تمثل تقديراً اقتصادياً لجزء من الضرر، وتحديداً ذلك الجزء المرتبط بتسرب البلاستيك إلى البيئة البحرية، وهو بالطبع لا يمثل التكلفة كاملة».

ووفق تقرير «غرينبيس» لا تشمل هذه الأرقام التكاليف المباشرة التي تتكبدها قطاعات السياحة، ومصايد الأسماك، والشحن البحري، أو التكاليف المتعلقة بصحة الإنسان؛ إذ لا يتضمن الرقم حالات دخول المستشفيات، أو أيام الصيد الضائعة، أو فواتير البلديات غير المسددة، كما أن جميع الافتراضات المستخدمة في إعداده وُضعت بحيث تُبقي التقديرات عند حدّها الأدنى، لا الأعلى. والجدير بالذكر أن القطاعات المستبعدة ليست ضئيلة؛ وتُضاف أي خسائر تلحق بهذه القطاعات بسبب التلوث بالبلاستيك إلى الأرقام المذكورة في التقرير.

وعلّق عطية بأن الحل هو مزيج من تقليل الاستخدامات غير الضرورية، مع زيادة معدلات إعادة الاستخدام، وتصميم منتجات أسهل في التدوير، وتحسين منظومة الجمع والاسترداد. محذراً من أن أي بديل مقترح لا بد أن يجري تقييمه على دورة حياته كاملة، فليس كل بديل «أخضر» يكون بالضرورة أفضل في كل الاستخدامات.

وأوصى عطية بتحليل لدورة حياة البلاستيك بشكل كامل، بما يضمن الاطلاع على كافة التفاصيل، وليس التركيز على المنتج النهائي فقط، مثل أنواع الكيماويات الداخلة في التصنيع ومعرفة حجم التأثير البيئي للمنتج.

ويعلق عطية على النتائج التقرير بقوله إن حجم التسرب هو أكبر نقطة ضغط في مصر، حيث يصل جزء كبير من المنتجات البلاستيكية إلى البحر المتوسط عبر نهر النيل، موصياً بتحسين عمليات جمع المخلفات البلاستيكية.

وأضاف أنه على الرغم من أن لدى المغرب بنية تحتية جيدة وخطط قائمة بالفعل، لكن التقرير يوضح وجود فجوة بين التخطيط والتنفيذ الفعلي على الأرض، مع وجود ضغوط مالية كبيرة على البلديات. وفي تونس هناك قطاع للجمع والتدوير، ولكن جزءاً كبيراً من قدرة التدوير غير مستغل، مع وجود مشكلة واضحة في نموذج التمويل، وليس مجرد نقص التكنولوجيا.

وأوضح أن التقرير يبرز بشكل واضح أن مشكلة مخلفات البلاستيك في هذه الدول الثلاث ليست في الاستخدام فقط، لكنها أيضاً في نظم الإدارة والتمويل.

من جانبها، شدّدت الحطّاب على أن المطلوب اليوم، أكثر من أي وقت مضى، على الصعيد الدولي، هو معاهدة عالمية قوية تغيّر هذه المعادلة، من خلال الحد من البلاستيك غير الضروري من المصدر، وإلزام المنتجين بتحمّل مسؤولية ما يطرحونه في الأسواق، وتوفير آليات مالية قوية، بما يضمن ألّا تُترك دول منطقتنا وحدها في مواجهة تدفق متزايد من النفايات.


دراسة: العالم ليس على المسار الصحيح لتحقيق أهدافه بحماية الطبيعة

شعاب مرجانية في جزيرة كوه ماك بمقاطعة ترات بتايلاند 8 مايو 2024 (رويترز)
شعاب مرجانية في جزيرة كوه ماك بمقاطعة ترات بتايلاند 8 مايو 2024 (رويترز)
TT

دراسة: العالم ليس على المسار الصحيح لتحقيق أهدافه بحماية الطبيعة

شعاب مرجانية في جزيرة كوه ماك بمقاطعة ترات بتايلاند 8 مايو 2024 (رويترز)
شعاب مرجانية في جزيرة كوه ماك بمقاطعة ترات بتايلاند 8 مايو 2024 (رويترز)

أفادت دراسة جديدة نُشرت الأربعاء بأن دول العالم ليست على المسار الصحيح لتحقيق التزاماتها بحماية 30 في المائة من أراضي العالم ومحيطاته بحلول عام 2030.

وتأتي نتائج هذه الدراسة قُبيل عقد قمة في أرمينيا حول التقدم المحرز في أهداف حماية التنوع البيولوجي، لتُضاف إلى تقييم مماثل أجرته الأمم المتحدة، وفق «وكالة الصحافة الفرنسية».

وحددت 200 دولة هدف «30 في 30»، أي حماية 30 في المائة من الأراضي بحلول عام 2030، في اتفاق أُبرم عام 2022، وأطلق بشكل غير رسمي «اتفاق باريس للطبيعة».

لكنّ تقريراً أعدته منظمتا «حملة من أجل الطبيعة» (Campaign for Nature)، و«معاً من أجل المحيط» (Together for the Ocean) أظهر أن الإجراءات لم تكن على قدر الالتزامات.

وقال مدير منظمة «حملة من أجل الطبيعة» براين أودونيل للصحافيين: «أظهرت الحكومات بالفعل أن تحقيق تقدّم سريع أمر ممكن، لكن العالم بعيد عن المسار الذي يضمن بلوغ نسبة 30 في المائة».

وأضاف التقرير أن وفاء الحكومات بجميع تعهداتها يمكن أن يرفع نسبة الأراضي والمياه المصنفة كمناطق محمية إلى 27 في المائة بحلول عام 2030.

غير أن نسبة المساحات البحرية المحمية قد لا تتجاوز 12 في المائة بحلول نهاية العقد.

وكانت اتفاقية التنوع البيولوجي، وهي المعاهدة الأممية المشرفة على الأهداف العالمية الخاصة بالطبيعة، حذرت أيضا الشهر الماضي من أن الدول لا تسير على الطريق الصحيح لتحقيق هذه الأهداف.

منظر جوي لغابات في الغابون (رويترز)

ويُعد نقص التمويل من أكبر العقبات أمام تحقيق الهدف.

وفيما تقدّر الحاجة بما بين 100 مليار دولار و180 ملياراً سنويا حتى عام 2030، لا يتجاوز الإنفاق السنوي حالياً 24 مليار دولار.

وقال التقرير إن «الفجوة تبدو أكثر وضوحاً فيما يتعلق بالمحيطات، إذ تقتضي الحاجة إنفاق نحو 16 مليار دولار سنوياً، بينما لا يتجاوز الإنفاق الفعلي حالياً ملياراً و800 مليون دولار».

ويتعيّن توجيه جزء كبير من هذا التمويل إلى البلدان النامية التي تضم بعضاً من أغنى النظم البيئية في العالم، لكنها تفتقر إلى الوسائل الكافية لحمايتها.

وقال أودونيل إن على الحكومات تخصيص موارد أكبر من موازناتها، كما يمكنها سن تشريعات تُلزم الصناعات الملوثة، مثل شركات الوقود الأحفوري والتعدين، بالمساهمة في تمويل جهود الحفظ.

وأضاف: «هذه الشركات لن تقوم بذلك طوعاً».

ورأى أن هدف «30 في 30»، ما زال ممكن التحقيق، لكن ذلك يتطلب جهوداً كبيرة على قدر «التحديات الكبيرة».

وستكون قمة الأمم المتحدة للتنوع البيولوجي في العاصمة الأرمينية يريفان، التي تنطلق في 19 أكتوبر (تشرين الأول)، أول مناسبة تناقش فيها الدول فجوة التقدم المحرز وسبل إعادة أهداف الاتفاق إلى مسارها الصحيح.


ظاهرة النينيو الخارقة قد تتسبب بوفاة 451 ألف شخص خلال 6 أشهر

بحيرة جافة بعد تأثرها بالجفاف الناتج عن ظاهرة «النينيو» (أ.ف.ب)
بحيرة جافة بعد تأثرها بالجفاف الناتج عن ظاهرة «النينيو» (أ.ف.ب)
TT

ظاهرة النينيو الخارقة قد تتسبب بوفاة 451 ألف شخص خلال 6 أشهر

بحيرة جافة بعد تأثرها بالجفاف الناتج عن ظاهرة «النينيو» (أ.ف.ب)
بحيرة جافة بعد تأثرها بالجفاف الناتج عن ظاهرة «النينيو» (أ.ف.ب)

قال باحثون في مختبر تأثيرات المناخ، التابع لجامعة شيكاغو، اليوم الأربعاء، إن الحرارة المفرطة الناجمة عن ظاهرة النينيو «الخارقة»، هذا العام، قد تؤدي إلى ما يصل إلى 451 ألف حالة وفاة إضافية حول العالم، خلال ستة أشهر حتى فبراير (شباط) 2027.

وذكر المختبر، في تقرير، أنه من المرجح ارتفاع عدد الأيام شديدة الحرارة بنسبة 44 في المائة، مقارنة بالسنوات العادية، وقال إن الدول التي مِن المرجح أن تعاني أكبر عدد من الوفيات الإضافية المرتبطة بالحرارة، في الفترة من سبتمبر (أيلول) 2026 إلى فبراير 2027 هي نيجيريا بواقع 31400 وفاة، تليها إندونيسيا بنحو 19300وفاة، ثم السودان بواقع 17600 وفاة.

تؤدي «النينيو» إلى تغيرات عالمية في الرياح والضغط الجوي وهطول الأمطار (أ.ف.ب)

ومن المرجح أن تتسبب موجة الحر في منطقة الساحل الأفريقي، التي تضم النيجر وتشاد بالإضافة إلى نيجيريا والسودان، في 66800 وفاة إضافية، خلال فترة الأشهر الستة.

ويتوقع الباحثون أن تشهد الفلبين وفيتنام وتايلاند وكمبوديا مجتمعةً 19400 وفاة إضافية.

وقد يرتفع عدد الوفيات الزائدة أكثر من ذلك إذا امتدت ظاهرة «النينيو» إلى عام 2027، حيث ستكون المناطق الرئيسية في نصف الكرة الشمالي، ومِن بينها الهند وباكستان، معرَّضة جداً للخطر خلال شهور الصيف.

ووصف المختبر ظاهرة النينيو، هذا العام، بأنها «رسالة من المستقبل» تُبلّغنا بدرجات الحرارة التي ستصبح طبيعية في غضون بضعة عقود فقط.

وأشار المختبر إلى أن جهود الاستجابة للطوارئ يجب أن تُوجَّه إلى المناطق ذات الأولوية القصوى؛ للحد من الوفيات المرتبطة بالحرارة خلال الشهور المقبلة.

وقال مايكل جرينستون، الخبير الاقتصادي بجامعة شيكاغو والمؤسس المشارك للمختبر: «يتيح هذا التقرير لصانعي القرار تحديد الأماكن التي يمكن اتخاذ إجراءات طارئة، الآن، فيها لإنقاذ عشرات الآلاف من الأرواح في الشهور المقبلة».