التلوُّث بالمواد البلاستيكية

اتفاق عالمي على الأهداف واختلاف في الحلول

تنظيف أحد الشواطئ من النفايات وقناني البلاستيك الفارغة في كولومبو بسريلانكا (أ.ف.ب)
تنظيف أحد الشواطئ من النفايات وقناني البلاستيك الفارغة في كولومبو بسريلانكا (أ.ف.ب)
TT

التلوُّث بالمواد البلاستيكية

تنظيف أحد الشواطئ من النفايات وقناني البلاستيك الفارغة في كولومبو بسريلانكا (أ.ف.ب)
تنظيف أحد الشواطئ من النفايات وقناني البلاستيك الفارغة في كولومبو بسريلانكا (أ.ف.ب)

يُنتِج العالم حالياً نحو 430 مليون طن من اللدائن البلاستيكية، ومع ذلك لا يُعاد تدوير سوى 9 في المائة منها، فيما تنتهي الكمية المتبقية في مكبّات النفايات والمسطحات المائية والأراضي الزراعية والأماكن المفتوحة. وتُقدِّر الأمم المتحدة أن بين 19 إلى 23 مليون طن من النفايات البلاستيكية تتسرب إلى البحيرات والأنهار والبحار سنوياً. وتُشير التقديرات أيضاً إلى أن كل شخص على هذا الكوكب يبتلع مع الماء والغذاء أكثر من 500 ألف جزيء بلاستيكي دقيق سنوياً، وقد تكون الكمية أكبر بكثير إذا احتُسِبت الجزيئات المعلّقة في الهواء.

ولا تزال المخاطر الصحية والبيئية للمخلّفات البلاستيكية موضع بحث علمي، رغم وجود الكثير من المؤشرات على أضرارها المتزايدة وانتشارها في العديد من الأوساط، حيث جرى العثور على جزيئات بلاستيكية في مناطق نائية مثل قيعان المحيطات وذرى الجبال والمناطق القطبية. ويمكن لابتلاع الجزيئات البلاستيكية واستنشاقها أن يسبب مشكلات صحية للكائنات الحية، تشمل انسداد الأمعاء والاختناق والتسمم والربو والتهاب الشُعب الهوائية. كما أن المركّبات الكيميائية التي تُضاف إلى اللدائن تحتوي مواد سامّة، يسبب بعضها السرطان ومشكلات في الإنجاب والنمو.

وعندما يُحرق البلاستيك تتحرر عنه ملوّثات ضارة في الهواء، مثل الديوكسينات والفيوران، تسبب أمراضاً خطيرة ومصاعب في الجهاز التنفسي. ومن الناحية الفيزيائية، تؤدي المخلّفات البلاستيكية إلى تشويه المنظر العام، وتقيّد حركة الحيوانات، وتعرقل الأنشطة الزراعية. وخلال دورة حياة المنتجات البلاستيكية، من التصنيع إلى التخلُّص أو التدوير، تنتج عنها انبعاثات كربونية تساهم في تغيُّر المناخ العالمي.

وفي مقابل ذلك، لا يمكن إنكار فوائد البلاستيك التي تجعل التخلي عنه أمراً صعب المنال. فهو مادة خفيفة سهلة التشكيل، متينة وزهيدة الثمن. وهو يدخل في الصناعات الطبيّة وتغليف الأغذية لكفاءته في حماية المواد من التلوُّث الخارجي. كما يحافظ البلاستيك على نضارة ونكهة ما يُخزّن به من طعام وشراب، وهو الوسيلة المفضلة لتخزين المنتجات الكيميائية، لا سيما مواد التنظيف. وفوق كل ذلك، تشكّل المنتجات البلاستيكية بدائل عملية تساهم في خفض استنزاف الموارد الطبيعية كالأشجار والثروات المعدنية.

ويمكن اعتبار البلاستيك لاعباً أساسياً في حماية الصحة العامة منذ جرى تسويقه تجارياً قبل أقل من مائة عام. وأظهرت السياسات الصحية التي انتهجتها العديد من الدول المتقدمة خلال جائحة كورونا الدور الهام للمنتجات البلاستيكية في مواجهة انتشار الوباء. ومع ذلك، يبقى الاستخدام غير الرشيد للمنتجات البلاستيكية وتراكم مخلّفاتها في الطبيعية مصدر قلق واهتمام عالمي.

وكانت 193 دولة وافقت في مارس (آذار) 2022 على إنهاء التلوُّث بالبلاستيك، وإجراء مفاوضات حول اتفاقية ملزمة قانوناً بحلول 2024. واستضاف برنامج الأمم المتحدة للبيئة (يونيب) في نهاية مايو (أيار) 2023 جولة مفاوضات ثانية للوصول إلى نهج شامل يعالج دورة الحياة الكاملة للبلاستيك، ويلحظ التلوُّث الذي يطال المحيطات.

أهداف قابلة للتحقيق

وأشار تقرير، صدر مؤخراً عن «يونيب» في إطار التحضير لجولة المفاوضات الثانية، إلى قدرة العالم على خفض التلوُّث البلاستيكي بنسبة 80 في المائة بحلول عام 2040. وأن التغييرات المطلوبة لتحقيق ذلك كبيرة، لكنها عملية وذات تكاليف معقولة. ويقترح التقرير أولاً التخلي عن المواد البلاستيكية غير الضرورية، كمواد التغليف المفرطة. ويدعو إلى زيادة إعادة استخدام المنتجات البلاستيكية، كالعبوات القابلة لإعادة الملء، كما يدعم إعادة تدوير واستبدال بدائل صديقة للبيئة بالبلاستيك.

ويتوقع تقرير «يونيب» أن تجلب التغييرات المقترحة، من الآن وحتى 2040، عوائد إجمالية تبلغ ثلاثة تريليونات دولار، عبر تقليل الأضرار التي تسببها المواد البلاستيكية للصحة والمناخ والبيئة. وتشير التقديرات إلى أن مثل هذا التحوُّل، مدفوعاً بالسياسات الحكومية والتغيُّرات في صناعة البلاستيك، يمكنه خفض التلوُّث البلاستيكي إلى حوالي 40 مليون طن في عام 2040، بدلاً من 227 مليونا إذا لم يتم اتخاذ أي إجراء.

وإلى جانب إعادة الاستخدام وتبنّي مواد بديلة صديقة للبيئة، يقترح التقرير فرض ضرائب على البلاستيك البكر وإلغاء دعم الوقود الأحفوري لجعل إعادة التدوير أكثر جاذبية من الناحية الاقتصادية مقارنة بإنتاج البلاستيك الجديد. ومن المهم أيضاً فرض إرشادات حول التغليف لزيادة قابلية المنتجات لإعادة التدوير.

وفي مجال تغيُّر المناخ، يتوقع التقرير أن الخفض بنسبة 80 في المائة سيمنع انبعاث 500 مليون طن من ثاني أوكسيد الكربون سنوياً، وهي كمية تعادل انبعاثات كندا. وسيؤدي هذا التحوُّل إلى زيادة صافية في قطاعات الأعمال المختلفة تصل إلى 700 ألف وظيفة بحلول عام 2040، معظمها في البلدان المنخفضة الدخل.

ويرى كثيرون أن تقديرات «يونيب» في تقريره الأخير مفرطة بالتفاؤل، وهي تقدّم عدداً من البدائل غير المثبتة، بحيث تبدو عملية وسهلة التطبيق. ويشير «تحالف علماء من أجل معاهدة بلاستيك فعّالة» (SCEPT)، الذي يضم 200 عالِم تمت دعوتهم للتعليق على التقرير قبل نشره، إلى أن مخاوفهم وانتقاداتهم جرى تجاهلها. ومن بين هذه المخاوف ما يتعلّق بإدراج إعادة التدوير الكيميائي كحلّ مؤقت محتمل، رغم عدم الاعتراف به كإدارة سليمة بيئياً بموجب اتفاقية بازل.

وبينما يبني تقرير «يونيب» آماله على تحقيق خفض بنسبة 80 في المائة في التلوُّث البلاستيكي مع «الاقتصاد البلاستيكي الجديد» المقترح، فإن هذا الرقم لا يمثّل انخفاضاً حقيقياً بل تضييقاً لنطاق وتعريف ما يُعد تلوُّثاً بلاستيكياً من منظور دورة الحياة الكاملة. وقد تجاهل التقرير حساب العناصر الأخرى للتلوُّث البلاستيكي، مثل الانبعاثات السامة وانبعاثات غازات الدفيئة خلال مراحل تصنيع المنتجات البلاستيكية الأولى.

كما أصدرت منظمة «غرينبيس» تحذيراً من أن البلاستيك المعاد تدويره قد يكون أكثر سميّة ولا يصلح للاستخدام بسبب تلوُّثه. وتخلص المنظمة الدولية، في تقرير ضمّ مجموعة من الأبحاث حول مخاطر تدوير البلاستيك، إلى أن البلاستيك بطبيعته غير متوافق مع الاقتصاد الدائري.

ويقول التقرير إن البلاستيك المعاد تدويره يحتوي غالباً مستويات أعلى من المواد الكيميائية، مثل مثبطات اللهب السامة والبنزن والديوكسينات والكلور والعديد من الملوّثات البيئية والمواد المسرطنة وعوامل اختلال الغدد الصماء التي يمكنها التسبب بتغيُّرات في مستوى الهرمونات الطبيعية في الجسم. وتقوم الدول الغنية بتصدير نفايات البلاستيك إلى الدول الفقيرة لإعادة تدويرها، وهي ممارسة حاولت التعديلات الأخيرة على اتفاقية بازل وضع شروط صارمة لها وتقييدها.

من المتوقع أن يتضاعف إنتاج البلاستيك عالمياً ثلاث مرات بحلول 2060. وفيما تتباين الآراء حول طرق معالجة التلوُّث البلاستيكي، يتفق الجميع على ضرورة ترشيد استهلاك المنتجات البلاستيكية، وإعادة استخدامها كلّما كان ذلك ممكناً، ودفع عجلة البحث العلمي نحو إيجاد حلول فعّالة ومجدية للتخلص من نفاياتها.


مقالات ذات صلة

مصير سواحل الكوكب مرهون بسرعة ذوبان جليد القارة القطبية

يوميات الشرق باحثون على نهر توتن الجليدي يعيدون ضبط معدات الرصد الميداني (دكتور بن غالتون - فينزي فيسبوك)

مصير سواحل الكوكب مرهون بسرعة ذوبان جليد القارة القطبية

تحتوي بعض مناطق القارة على كميات كافية من الجليد لرفع مستوى سطح البحر بمقدار 15 متراً في حال ذوبانها بالكامل، إلا أن الباحثين لا يزالون يجهلون العواقب الكاملة.

«الشرق الأوسط» (لندن)
أفريقيا يجلس السكان على متن شاحنة عسكرية موزمبيقية تنقلهم عبر مياه الفيضانات التي أغلقت طريقاً في مقاطعة بوان (أ.ف.ب)

الأمطار والفيضانات تقتل أكثر من 100 شخص في الجنوب الأفريقي

سببت الأمطار الغزيرة والفيضانات في 3 دول بمنطقة الجنوب الأفريقي، في مقتل أكثر من 100 شخص.

«الشرق الأوسط» (جوهانسبرغ)
يوميات الشرق النار تأتي من حزن لم يجد مَخرجاً (فيسبوك)

ثلاثية «أفاتار»... سينما تُفكّك العنف

الرماد حين لا يُحتَوى، لا يبرد... هو فقط يُنتج ناراً جديدة يستحيل من بعدها التعامل مع العنف على أنه حدث استثنائي.

فاطمة عبد الله (بيروت)
علوم في الموقع التجريبي النرويجي لتحلية المياه

أول محطة في العالم لتحلية المياه في أعماق البحر

موقع تجريبي على عمق 524 متراً في النرويج.

أوروبا سيارات متضررة جراء الأمطار الغزيرة التي تسببت في حدوث فيضانات على مشارف فالنسيا (أرشيفية - رويترز)

ارتفاع حصيلة فيضانات إسبانيا إلى ثلاثة قتلى

عثرت فرق البحث، الاثنين، على جثتي رجلين فُقد أثرهما بعد أمطار غزيرة تسببت بفيضانات في جنوب إسبانيا، حسب ما أفاد مسؤولون.

«الشرق الأوسط» (مدريد)

2025... ثالث أكثر السنوات حراً على الإطلاق عرفها العالم

سائح يشرب الماء خلال زيارته لمعبد البارثينون في ظل موجة حرّ تضرب أثينا في اليونان يوم 27 يونيو 2025 (رويترز)
سائح يشرب الماء خلال زيارته لمعبد البارثينون في ظل موجة حرّ تضرب أثينا في اليونان يوم 27 يونيو 2025 (رويترز)
TT

2025... ثالث أكثر السنوات حراً على الإطلاق عرفها العالم

سائح يشرب الماء خلال زيارته لمعبد البارثينون في ظل موجة حرّ تضرب أثينا في اليونان يوم 27 يونيو 2025 (رويترز)
سائح يشرب الماء خلال زيارته لمعبد البارثينون في ظل موجة حرّ تضرب أثينا في اليونان يوم 27 يونيو 2025 (رويترز)

أعلن مرصد «كوبرنيكوس» الأوروبي ومعهد «بيركلي إيرث» الأميركي، الأربعاء، أن 2025 كان ثالث أحرّ الأعوام المسجلة على مستوى العالم، متوقعاً أن يبقى 2026 عند مستويات مرتفعة تاريخياً.

وأشار مرصد «كوبرنيكوس» في تقريره السنوي إلى أن درجات الحرارة العالمية لا تزال منذ ثلاث سنوات عند مستويات لم يسبق لها مثيل في التاريخ البشري، إذ تجاوز معدل درجات الحرارة خلال هذه الفترة مستويات ما قبل الثورة الصناعية (1850-1900) بمقدار 1,5 درجة مئوية، وفق ما نقلته «وكالة الصحافة الفرنسية».

وفي سياق منفصل، قال علماء من معهد «بيركلي إيرث» في الولايات المتحدة إن «الارتفاع الحاد المسجل بين عامي 2023 و2025 كان استثنائياً، ويشير إلى تسارع وتيرة الاحترار المناخي».

وأقرّ العديد من علماء المناخ والقادة السياسيين، بالإضافة إلى الأمم المتحدة، علناً منذ العام الماضي بأن الاحترار سيتواصل بمعدل 1,5 درجة مئوية، وهو الحد الذي طمحت اتفاقية باريس الموقعة عام 2015 إلى عدم تجاوزه.

ومع بلوغ هذه العتبة منذ ثلاث سنوات، يرجّح برنامج «كوبرنيكوس» أن يتم الإعلان رسمياً عن تجاوز الحد المستدام بحلول نهاية هذا العقد، أي قبل أكثر من عقد من الموعد المتوقع أساساً.

ويثير هذا التسارع قلقاً متزايداً نظراً لأن الولايات المتحدة، ثاني أكبر مصدر لانبعاثات غازات الدفيئة، تتخلى عن التعاون المناخي العالمي في عهد رئيسها دونالد ترمب.

صورة أرشيفية من طوكيو عاصمة اليابان لأشخاص يحملون الشماسي للوقاية من حرارة الشمس (أ.ف.ب)

منحى مشابه في 2026

في الوقت نفسه، تفقد الجهود المبذولة للجم انبعاثات غازات الدفيئة زخمها في الدول الغنية. ففي فرنسا وألمانيا، تراجعت جهود خفض الانبعاثات مجدداً في عام 2025، وفي الولايات المتحدة، تسبب التوسع الكبير في محطات توليد الطاقة التي تعمل بالفحم في زيادة البصمة الكربونية للبلاد مرة أخرى، ما بدّد سنوات من التقدم.

وقال رئيس وحدة «كوبرنيكوس»، ماورو فاكيني، في مؤتمر صحافي: «الحاجة إلى العمل المناخي باتت ملحّة أكثر من أي وقت مضى».

ولا توجد أي مؤشرات على أن عام 2026 سيخالف الاتجاه المسجل في السنوات الأخيرة.

وتوقعت نائبة مدير قسم تغير المناخ في «كوبرنيكوس»، سامانثا بورغيس، أن يكون عام 2026 من بين أحرّ خمسة أعوام مسجلة على الإطلاق، وقد يكون مماثلاً لعام 2025.

ويتوقع علماء المناخ في «بيركلي إيرث» أيضاً أن يكون 2026 «على الأرجح مشابهاً لعام 2025، مع ترجيح أن يكون رابع أحرّ عام منذ عام 1850».

وفي حال حدوث ظاهرة «إل نينيو» وما يصاحبها من ارتفاع في درجات الحرارة، «قد يجعل ذلك 2026 عاماً قياسياً»، وفق ما أوضح مدير قسم تغير المناخ في المرصد، كارلو بونتيمبو، لـ«وكالة الصحافة الفرنسية».

لكن «سواء كان ذلك في عام 2026 أو 2027 أو 2028، فالأمر لا يهم حقاً. المسار واضح جداً»، حسب بونتيمو.

سكان يراقبون حريقاً كبيراً يقترب من كونغوستا بإسبانيا (رويترز - أرشيفية)

معدلات قياسية في آسيا وأنتركتيكا

عام 2025، فاق معدل درجات حرارة سطح الأرض والمحيطات بـ1,47 درجة مئوية مستويات ما قبل الثورة الصناعية، بعد أن سجل معدل حرارة قياسياً تخطى تلك المستويات بـ1,60 درجة مئوية عام 2024.

ويخفي هذا المتوسط العالمي درجات حرارة قياسية في مناطق معينة، لا سيما في آسيا الوسطى والقارة القطبية الجنوبية ومنطقة الساحل، وفق تحليلات أجرتها «وكالة الصحافة الفرنسية» باستخدام بيانات يومية من الخدمة الأوروبية.

وبذلك، شهد 770 مليون شخص موجات حر قياسية في بلدانهم، حسب حسابات معهد «بيركلي إيرث».

والأربعاء، أفادت المنظمة العالمية للأرصاد الجوية، وهي وكالة تابعة للأمم المتحدة، بأنّ اثنتين من مجموعات البيانات الثماني التي حلّلتها أظهرتا أنّ عام 2025 كان ثاني أكثر السنوات حراً، ولكن المجموعات الأخرى صنّفته في المرتبة الثالثة.

وقدّرت المنظمة العالمية للأرصاد الجوية متوسط الاحترار للفترة 2023-2025 عند 1,48 درجة مئوية، مع هامش خطأ يبلغ زائد أو ناقص 0,13 درجة.

وقالت الأمينة العامة للمنظمة، سيليست سولو، في بيان، إنّه على الرغم من ظاهرة التبريد المناخي «لا نينيا»، فإنّ عام 2025 «يبقى أكثر الأعوام حراً على الإطلاق على مستوى العالم بسبب تراكم الغازات الدفيئة في غلافنا الجوي».

في الوقت نفسه، لم تُسجل أي درجات حرارة منخفضة قياسية في عام 2025، وفق المعهد الأميركي.

شهد عام 2025 العديد من الظواهر الجوية المتطرفة، من موجات حرّ وأعاصير وعواصف عاتية في أوروبا وآسيا وأميركا الشمالية، إلى حرائق غابات مدمرة في إسبانيا وكندا وكاليفورنيا، تفاقمت حدتها أو تواترها بفعل الاحترار العالمي.

وتلعب التقلبات الطبيعية دوراً في الاحترار؛ فعلى سبيل المثال، كانت ظاهرة التبريد المعروفة باسم «لا نينيا» ضعيفة نسبياً في العام الماضي.

لكن كبير العلماء في مركز «بيركلي إيرث»، روبرت رود، يُبدي قلقه إزاء عوامل أخرى غير متوقعة تُفاقم الاحترار، حتى وإن كان ذلك بمقدار أجزاء من عشرة أو من مائة من الدرجة على المستوى العالمي.

وعلى وجه الخصوص، كان للقواعد الدولية التي خفضت محتوى الكبريت في زيت وقود السفن منذ عام 2020 أثر غير مقصود، تمثل في المساهمة في الاحترار من خلال خفض انبعاثات ثاني أكسيد الكبريت. ففي السابق، كانت هذه الجسيمات العالقة تتسبب في نشوء سحب صافية تعكس ضوء الشمس، ما يُساهم في تبريد الأرض.


المحيطات امتصت مستويات قياسية من الحرارة عام 2025

حوت يبحر في المحيط الأطلسي (د.ب.أ)
حوت يبحر في المحيط الأطلسي (د.ب.أ)
TT

المحيطات امتصت مستويات قياسية من الحرارة عام 2025

حوت يبحر في المحيط الأطلسي (د.ب.أ)
حوت يبحر في المحيط الأطلسي (د.ب.أ)

أفاد فريق من العلماء من مختلف أنحاء العالم، الجمعة، بأن المحيطات امتصت كمية قياسية من الحرارة عام 2025، مما زاد من احتمال ارتفاع مستوى البحار وحدوث عواصف عنيفة وموت الشعاب المرجانية.

وقد ارتفعت الحرارة المتراكمة في المحيطات، العام الفائت، بنحو 23 زيتا غول، أي ما يعادل استهلاك الطاقة الأولية العالمية لأربعة عقود تقريباً.

وذكر الباحثون أن هذه النتيجة التي نُشرت في مجلة «أدفانسيس إن أتموسفيريك ساينسز» Advances in Atmospheric Sciences، تُعدّ أعلى قراءة سنوية منذ بدء تسجيل البيانات الحديثة في أوائل خمسينات القرن الماضي.

ولإجراء هذه الحسابات، استخدم أكثر من 50 عالماً من 31 مؤسسة بحثية مصادر متعددة، من بينها مجموعة كبيرة من الروبوتات العائمة التي ترصد تغيرات المحيطات حتى عمق 2000 متر، وفق ما ذكرته «وكالة الصحافة الفرنسية».

مؤشر أدق

وقالت المشاركة في إعداد الدراسة، كارينا فون شوكمان، إن النظر إلى أعماق المحيطات بدلاً من تقلبات سطحها، يقدّم مؤشراً أدق إلى كيفية استجابة المحيطات للضغط المستمر الناتج من انبعاثات البشر.

تُعدّ المحيطات عاملاً أساسياً في تنظيم مناخ الأرض؛ إذ تمتص 90 في المائة من الحرارة الزائدة في الغلاف الجوي الناتجة عن انبعاثات غازات الدفيئة مثل ثاني أكسيد الكربون.

تحمل هذه الطاقة الإضافية تأثيراً كبيراً، فارتفاع درجة حرارة المحيطات يزيد من رطوبة الغلاف الجوي، مما يُوفّر عوامل للأعاصير المدارية والأمطار الغزيرة.

ويسهم احترار المحيطات بشكل مباشر في ارتفاع مستوى البحار؛ إذ تتمدد المياه عند ارتفاع درجة الحرارة، مما يجعل الظروف صعبة جداً للشعاب المرجانية الاستوائية التي تموت خلال موجات الحر البحرية الطويلة.

وقالت شوكمان: «إذا تواصل تراكم الحرارة في الأرض، فستستمر حرارة المحيطات في الارتفاع، وسيرتفع مستوى البحار، وستُسجَّل أرقام قياسية جديدة».

وتيرة أسرع

وترتفع درجة حرارة المحيطات في بعض المناطق بوتيرة أسرع من غيرها.

وكانت المحيطات الاستوائية، وجنوب المحيط الأطلسي، والبحر الأبيض المتوسط، وشمال المحيط الهندي، والمحيط الجنوبي من بين المسطحات المائية التي امتصت كميات قياسية من الحرارة سنة 2025.

وقد سُجّل ذلك رغم انخفاض متوسط درجات حرارة سطح البحر بشكل طفيف سنة 2025، غير أنه ظل ثالث أعلى رقم مسجّل على الإطلاق.

ويُعزى هذا الانخفاض إلى التحوّل من ظاهرة «إل نينيو» القوية التي أدت إلى ارتفاع درجة الحرارة في 2023 - 2024، إلى ظروف شبيهة بظاهرة «لا نينا» التي عادة ما ترتبط بتبريد مؤقت لسطح المحيطات.

وعلى المدى البعيد، يتسارع معدل ارتفاع درجة حرارة المحيطات نتيجة الزيادة المستمرة في تركيزات غازات الدفيئة في الغلاف الجوي، والتي تُعزى أساساً إلى حرق الوقود الأحفوري.


دبة قطبية بكندا تتبنى شبلاً في واقعة نادرة

دب قطبي (أرشيفية- رويترز)
دب قطبي (أرشيفية- رويترز)
TT

دبة قطبية بكندا تتبنى شبلاً في واقعة نادرة

دب قطبي (أرشيفية- رويترز)
دب قطبي (أرشيفية- رويترز)

رصد باحثون في كندا مؤخراً حالة نادرة جداً لدبة قطبية تبنَّت شبلاً لم تلده في شمال البلاد.

وقال الباحث في هيئة البيئة الكندية إيفان ريتشاردسون الذي يجري دراسات بشأن هذا المفترس الأكبر في القطب الشمالي منذ 25 عاماً، لـ«وكالة الصحافة الفرنسية»: «لم تُسجَّل سوى 13 حالة (من هذا النوع) خلال 45 عاماً».

وفي نوفمبر (تشرين الثاني)، تمكن ريتشاردسون وفريقه من الإمساك بدبة مع شبلين لها، يبلغ سن أحدهما 10 أشهر، والآخر 11 شهراً، بالقرب من تشرشل التي تُلقَّب بـ«عاصمة الدببة القطبية في العالم»، والواقعة في شمال مانيتوبا بوسط كندا.

وأضاف: «عندما اقتربنا، لاحظنا أن أحد الشبلين يحمل علامة تعريف، بينما الآخر لا يحملها»؛ مشيراً إلى أن الأم نفسها شوهدت قبل بضعة أشهر مع شبل واحد فقط.

دب قطبي (أرشيفية - أ.ف.ب)

وفي هذه المنطقة الشمالية، يضع الباحثون علامات تعريف على الدببة القطبية ليتسنى لهم تتبعها ودراستها طوال حياتها.

وأكدت عمليات التتبع عبر أطواق مزودة بنظام تحديد المواقع العالمية (جي بي إس) والملاحظات التي أجرتها منظمة «بولار بيرز إنترناشيونال»، وهي مجموعة بحثية معنية بالدببة القطبية، أن الأنثى المعنية احتفظت بالشبلين معها لأسابيع.

وقال إيفان ريتشاردسون: «إنها قصة رائعة. هذه الدببة القطبية تتمتع بحسِّ أمومة مذهل؛ إذ إنها مهيَّئة بطبيعتها لرعاية صغارها».

وقد انخفض عدد الدببة القطبية في غرب خليج هدسون بنسبة 30 في المائة خلال بضعة عقود فقط، من نحو 1200 دب في ثمانينات القرن الماضي إلى 800 دب اليوم. ويعود ذلك جزئياً إلى تسارع ذوبان الجليد الذي يشكل عنصراً ضرورياً لبقائها.

مع ذلك، لا يوجد دليل يربط بين هذا التبني وتغير المناخ، وفق ريتشاردسون.

ويجري حالياً فحص جيني لتحديد الأم البيولوجية للشبل المتبنَّى. وقال العالِم إنَّ ثمة «احتمالاً كبيراً أن نكتشف هويتها».

على مدى 45 عاماً، رُصد أكثر من 4600 دب قطبي في هذه المنطقة من كندا، ما يجعلها، حسب ريتشاردسون: «أفضل مجموعة دببة قطبية دُرست في العالم».