لم تعرف روسيا انقلابات عسكريّة بشكل مباشر ومعتاد. انقلبت كاترين الكبرى على القيصر زوجها بطرس الثالث، وتسلّمت مقاليد الحكم، لكنها أبدعت. تمرّد يميليان بوغاتشيف بدوره على كاترين الكبرى في العام 1773، فاعتقل وأعدم في ساحة بولوتنايا في موسكو.
في العام 1991، حاول المتشدّدون الشيوعيّون الانقلاب على الرئيس غورباتشوف. فشل الانقلاب لكنه أوصل الرئيس يلتسين إلى الحكم. وعليه قد يمكن القول إن سبل التغيير في الكرملين قد اتبعت النمط التاليّ: بعد كلّ فشل عسكريّ، حصل تغيير في السلطة السياسيّة في موسكو. خسرت روسيا المعركة البحريّة ضد اليابان في العام 1904. أدّت الخسارة إلى الثورة البولشيفيّة ومن ثمّ تأسيس الاتحاد السوفياتيّ.
بعد الفشل السوفياتي في أفغانستان، أطيح بالزعيم ليونيد بريجنيف.
فما المنتظر من الفشل الروسي في أوكرانيا، ومن تمرّد مموّل شركة «فاغنر» يفغيني بريغوجين على الكرملين؟ الأكيد، أنه لا مكان للضعفاء في الكرملين.

تمرّد بريغوجين
يعد تمرّد بريغوجين على أنه نقطة تحوّل، مع أن الأمور لا تزال في بداياتها، وضبابيّة المسرح كثيفة جدّا. لكن تصريحات بريغوجين الأخيرة، كانت قد ضربت كلّ المنطق الذي اعتمد عليه الرئيس بوتين لتبرير عمليته العسكريّة الخاصة. فالحرب حسب رئيس «فاغنر»، كانت فقط من أجل توزيع الغنائم بين المتحكمين بالسلطة. فهل يعتقد بريغوجين أن تمرّده سينجح؟ أم أنه شعر أن نهايته قد اقتربت فقرّر الاستباق؟
لكن في كلتا الحالتين، لقد وقع الضرر، إن كان على بريغوجين نفسه، أو على الرئيس بوتين، وضمنا على الحرب الدائرة في أوكرانيا. لكن كيف؟
ضُربت صورة الرئيس بوتين الرجل القويّ. كما ضُربت صورة الجيش الروسيّ، الذي من المفروض أن يكون جيشا حديثا لقوّة عظمى، تنافس الولايات المتحدة الأميركيّة.
بتمرّد بريغوجين، تحقّقت أهداف أوكرانيا، وذلك عبر نقل الفوضى إلى الداخل الروسيّ، وعلى أعلى المستويات. فبعد قصف الداخل الروسيّ، واستهداف الكرملين بالمسيّرات، كما دخول الميليشيات الروسيّة المعارضة للرئيس بوتين إلى الداخل الروسيّ. تمرّد بريغوجين على معلّمه الرئيس بوتين، وانتقل الخلاف إلى المؤسسة العسكريّة.

بدأ الرئيس بوتين ردّا على التمرّد، بتفعيل القوانين الروسيّة التي تتعامل مع هكذا حالات. لكنه مضطّر لاحقا، أي بوتين، إلى التعامل مع حالة بريغوجين باستعمال القوة العسكريّة. فمن أين سيأتي بها؟ فهل سيسحب قوى من المسرح الأوكرانيّ؟ أم سيستعمل قوى من الداخل الروسيّ؟ وفي الحالتين، سيكون القرار على حساب المسرح الأوكرانيّ.
ولو سلّمنا جدلا، أنه جمع القوى وقرّر الحرب على بريغوجين، فكم من الوقت سيستلزم القضاء على قوى «فاغنر»؟ والا تعد إلهاءً عما يجري على الساحة الأوكرانيّة، خاصة في ظلّ بدء الهجوم الأوكراني المعاكس؟
هل يعتمد بريغوجين على وحدات عسكريّة من خارج «فاغنر»؟ أين هي؟ وما إمكاناتها العسكريّة من عديد وعتاد؟ وهل هناك متعاونون معه من داخل الكرملين، أو من داخل المؤسسة العسكريّة؟
يعترف بريغوجين أن لديه ما يقارب الـ 25 ألف مرتزق؟ أغلبهم موجود في إقليمي لوغانسك، ودونتسك. كما قال إنه يريد السيطرة على مركز القيادة والسيطرة التابع لوزارة الدفاع والموجود في إقليم روستوف الروسيّ، كما التقدّم نحو إقليم فورونيز، وذلك على الخطّ الدوليّ إم-4، الذي يصل إلى موسكو. فهل تكفي قوات «فاغنر» (25 ألف مقاتل) للوصول إلى موسكو من روستوف؟ مع التذكير بأن المسافة بين روستوف وموسكو هي بحدود الـ 1000 كلم؟ كذلك الأمر لا بد من طرح بعض الأسئلة حول تجهيزات فاغنر.

فهل تكفي لعمليات عسكريّة على مساحات كبيرة؟ أم أنها ستعتمد على ما تستحصل عليه من القوات الروسية الموجودة في الداخل الروسيّ؟ أو من القواعد العسكرية الروسيّة التي قد تسيطر عليها؟
هل سيساعد هذا التمرّد الرئيس بوتين على إجراء عملية تطهير ضمن المؤسسة العسكريّة؟ وحتى ضمن المؤسسات الأمنيّة الاستخباراتيّة؟ هل سيُجبر هذا التمرّد الرئيس بوتين على التصعيد في أوكرانيا للإيحاء بأن الأمور والأهداف الاستراتيجيّة في أوكرانيا لا تزال كما كانت، بالرغم من تمرّد بريغوجين؟ والى أي مدى قد يذهب بالتصعيد؟ وألم يُصعّد حتى الآن إلى الحدّ الأقصى بالوسائل التقليديّة - أقل بدرجة من النوويّ؟
ماذا لو أعلن الرئيس بوتين حالة الطوارئ؟ وماذا لو غيّر التسميّة، من «عمليّة عسكريّة خاصة» إلى إعلان الحرب؟ ألا يسمح له هذا الأمر بحشد المزيد من القوات؟ وتحويل الاقتصاد الروسي إلى اقتصاد حرب؟
يبقى الأمر في كيفيّة استغلال أوكرانيا والغرب للفوضى الروسيّة. فهل ستزيد وتيرة العمليات العسكريّة على الجبهات؟ وهل ستنفّذ أوكرانيا مزيدا من العمليات العسكريّة في الداخل الروسيّ، مع القدرة على النكران بسبب الفوضى؟
الأكيد أنها فرصة ذهبيّة لأوكرانيا إذا ما اُحسن استغلالها. إذ لا بد من الاستمرار بالضغط الهجوميّ، كما زيادة الوتيرة، خاصة في مواقع الضعف على الجبهة. ففي حال تحقيق نصر محدود في مكان ما. يقول بعض الخبراء إن الجبهة الروسيّة قد تشهد ما يُسمّى بالدينامو المتساقط (Domino’s Effects). لكن مع هذا السيناريو، قد يلجأ الرئيس بوتين إلى استعمال النوويّ، ليس لأن أوكرانيا بدأت تربح. لا بل، بسبب خوفه من تفتّت روسيا. في الختام، أسّس تمرّد بريغوجين لمرحلة جديدّة في كلّ من روسيا وأوكرانيا. ففي روسيا لن يبقى الكرملين كما هو. وفي أوكرانيا لن تتّبع الحرب نفس الديناميكيّة القديمة. وإن غدا لناظره قريب.
