السلطات النمساوية تعثر على 50 جثة لمهاجرين في شاحنة دواجن

ميركل تدعو إلى العمل بسرعة وبـ«روح أوروبية» لحل الأزمة

مهاجر سوري ينام مع طفله في حديقة في بلغراد (ا.ف.ب)
مهاجر سوري ينام مع طفله في حديقة في بلغراد (ا.ف.ب)
TT

السلطات النمساوية تعثر على 50 جثة لمهاجرين في شاحنة دواجن

مهاجر سوري ينام مع طفله في حديقة في بلغراد (ا.ف.ب)
مهاجر سوري ينام مع طفله في حديقة في بلغراد (ا.ف.ب)

عثر أمس على 20 جثة على الأقل لمهاجرين في شاحنة في النمسا، فيما يلتقي قادة أوروبا وقادة دول غرب البلقان لمناقشة التدفق الهائل للاجئين الذين يحاولون يائسين الوصول إلى بلدان الاتحاد الأوروبي.
ووجدت الشاحنة متوقفة في موقع مخصص للوقوف بجانب الطريق السريع في ولاية «برغنلاند» بالقرب من الحدود النمساوية مع سلوفاكيا والنرويج، في أسوأ مأساة لمهاجرين يحاولون العبور برا، في أزمة تعتبر الأسوأ منذ الحرب العالمية الثانية.
وقالت الشرطة بأنها عثرت داخل الشاحنة التي تحمل شعار شركة دواجن سلوفاكية ولوحات أرقام مجرية، على ما بين 20 و50 جثة. ولم يتضح سبب وفاتهم بعد.
وصرحت وزيرة الداخلية النمساوية يوانا ميكل - ليتنر أن «اليوم هو يوم أسود»، مضيفة أن «هذه المأساة أثرت فينا جميعا بعمق. المتاجرون بالبشر هم مجرمون. كل من لا يزال يعتقد أنهم لطفاء يرغبون في المساعدة يحتاج للمساعدة». وأكدت أن النمسا ستشدد الضوابط على الحدود وتكثف عمليات التفتيش على القطارات الدولية، ودعت دول الاتحاد الأوروبي الأخرى إلى «عدم التساهل مطلقا مع تجار البشر».
ويأتي العثور على الجثث الخميس عقب العثور الأربعاء على جثث 55 مهاجرا على متن ثلاثة مراكب بينهم 51 كانوا في قعر أحدها. وكان أكثر من 2300 شخص آخرين غرقوا أثناء محاولتهم الوصول إلى أوروبا بحرا.
وأعربت المستشارة الألمانية أنجيلا ميركل وعدد من قادة في دول غرب البلقان الذين يجتمعون في فيينا لمناقشة أزمة المهاجرين عن صدمتهم للعثور على الجثث في النمسا. وقالت ميركل: «لقد هزتنا جميعا الأنباء الفظيعة بشأن العثور على ما يصل إلى 50 شخصا فارقوا الحياة (..) رغم أن هؤلاء الأشخاص كانوا قادمين للحصول على الأمان». وأضافت: «إنه تحذير لكي نبدأ العمل ونحل هذه المشكلة بسرعة وبروح أوروبية، أي بروح من التضامن لإيجاد حلول».
وتعرض القادة الأوروبيون إلى انتقادات شديدة بسبب إخفاقهم في معالجة مشكلة وصول مئات آلاف المهاجرين هذا العام، معظمهم من مناطق النزاع مثل سوريا والعراق وأفغانستان. وأصبحت دول غرب البلقان من أهم نقاط عبور عشرات الآلاف من المهاجرين الذين يحاولون الوصول إلى المجر، الدولة العضو في الاتحاد الأوروبي. وبعد ذلك يحاول معظمهم الوصول إلى الدول الأوروبية الأغنى مثل ألمانيا والسويد.
وقال وزير الخارجية الصربي، ايفيتسا داشيش: «نواجه أكبر أزمة للاجئين منذ الحرب العالمية الثانية. إنها هجرة حقيقية للشعوب وصربيا بلد عبور». وأضاف: «أعتقد أنه على الاتحاد الأوروبي اقتراح خطة للتحرك ثم دعوتنا للانضمام إليها». وتابع: «سأتحدث بشكل مباشر: نحن نتحمل عبء المشكلة».
أما نظيره المقدوني، نيكولا بوبوسكي، فقد أشار إلى أن بلاده تستقبل كل يوم ثلاثة آلاف مهاجر قادمين من اليونان المجاورة. وقال: «يجب ألا تكون لدى أحد أوهام بأن الأمر قد يحل (...) ما لم يكن هناك تحرك أوروبي ردا عليها». وقال: «علينا التحرك الآن ويمكننا على الأرجح تحقيق ذلك بهذا المؤتمر في فيينا وإيجاد حل أوروبي».
وجدد وزير الخارجية الألماني فرانك شتانماير دعوته إلى إصلاح اتفاقات دبلن «لتوزيع اللاجئين بشكل عادل على دول الاتحاد الأوروبي»، وقال: إن برلين ستساهم بمليون يورو لمساعدة دول البلقان على التعامل مع المهاجرين، كما ستزودها بإمدادات الغذاء وغيرها. إلا أنه دعا حكومات غرب البلقان كذلك إلى «المساعدة في إفهام مواطنيكم وتقديم صورة واقعية لهم بأن فرصهم بالحصول على اللجوء في ألمانيا شبه معدومة». كما أشار الوزير إلى أن نحو 40 في المائة من طالبي اللجوء في ألمانيا هم من دول غرب البلقان.
وذكرت الشرطة المجرية أن آخر إحصاءاتها تدل على أن نحو ثلاثة آلاف لاجئ يدخلون يوميا أراضيها، من بينهم 700 طفل. ومن المقرر أن يناقش البرلمان المجري الأسبوع المقبل إمكانية نشر قوات من الجيش لوقف تدفق المهاجرين بعد اندلاع العنف لفترة وجيزة في مركز لتجميع اللاجئين بالقرب من مدينة روزكي على الحدود المجرية.
وكان الأمين العام للأمم المتحدة، بان كي مون، قد دعا الأربعاء «الدول في أوروبا وغيرها إلى التعاطف وبذل جهود أكبر بكثير من أجل حل أزمة» الهجرة هذه. ولمواجهة هذا الوضع، دعا وزير الداخلية الفرنسي، برنار كازنوف، ورئيس المفوضية العليا للاجئين التابعة للأمم المتحدة، أنطونيو غوتيريس، إلى إقامة مراكز استقبال وفرز للاجئين تمولها المفوضية الأوروبية.
وفي غياب تحرك أوروبي موحد في مواجهة أزمة اللاجئين، لجأت الحكومات إلى خيارات متنوعة لحل هذه المشكلة. فقد عمدت حكومة المجر اليمينية إلى بناء سياج شائك بطول 175 كيلومترا لمنع اللاجئين من الدخول. ودعا أندريه بابيس أحد نواب رئيس الحكومة التشيكي من جهته إلى «إغلاق» الحدود الخارجية لمجال شينغن من أجل «الدفاع» عن منطقة التنقل الحر هذه.
ولم تتمكن الدول الـ28 الأعضاء في الاتحاد من الاتفاق على توزيع عادل لطالبي اللجوء بينها وتواجه صعوبة في إقامة المراكز التي يفترض أن تخفف من أعباء الدول التي يصل إليها المهاجرون أولا من أجل الفصل بين القادمين لأسباب اقتصادية واللاجئين. إلا أن ألمانيا التي تستعد لاستقبال 800 ألف طالب لجوء هذا العام، سهلت إجراءات التقدم بطلبات بالنسبة للسوريين الفارين من الحرب الأهلية في بلادهم. ولم تلقَ هذه الخطوة استحسانا من جميع الألمان، خاصة في شرق البلاد الذي شهد موجة من الهجمات التي استهدفت مراكز إيواء اللاجئين.



مبادرة ترمب لحرية «هرمز»... إحراج للأوروبيين أم مدخل للعمل المشترك؟

سفن محتجزة بمضيق هرمز كما تظهر في الصورة المأخوذة من منطقة مسندم العماني المطل على المضيق (رويترز)
سفن محتجزة بمضيق هرمز كما تظهر في الصورة المأخوذة من منطقة مسندم العماني المطل على المضيق (رويترز)
TT

مبادرة ترمب لحرية «هرمز»... إحراج للأوروبيين أم مدخل للعمل المشترك؟

سفن محتجزة بمضيق هرمز كما تظهر في الصورة المأخوذة من منطقة مسندم العماني المطل على المضيق (رويترز)
سفن محتجزة بمضيق هرمز كما تظهر في الصورة المأخوذة من منطقة مسندم العماني المطل على المضيق (رويترز)

باستثناء برقية وزعتها وزارة الخارجية الأميركية لسفاراتها عبر العالم، لم تشمل روسيا والصين وبيلاروسيا وكوبا، لم يتوافر كثير من المعلومات حول المبادرة الأميركية المتأخرة لإنشاء ما سمي «مبادرة حرية الملاحة البحرية» في مضيق هرمز المقفل عملياً بسبب الحصار الذي تفرضه إيران على البواخر والناقلات دخولاً وخروجاً، وأيضاً بسبب الحصار المطبق الذي تفرضه البحرية الأميركية على الموانئ الإيرانية.

وبالنظر للإرباك الذي يضرب سلاسل الإمداد في قطاعي النفط والغاز والأزمة الاقتصادية المستفحلة على المستوى العالمي، فإن توفير حرية الإبحار في المضيق تحول إلى تحدٍّ دولي يفرض نفسه على جميع دول العالم. من هنا، جاءت المبادرة الفرنسية - البريطانية لتشكيل «تحالف دولي» يضمن حرية الملاحة - التي كانت قبل نحو الشهر - في مضيق هرمز.

ويوم 17 أبريل (نيسان)، استضافت باريس، حضورياً وعن بعد، قمة موسعة ترأسها الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون ورئيس الوزراء البريطاني كير ستارمر، ضمّت 52 بلداً عبر العالم، بينهم 32 رئيس دولة وحكومة من التحالف الموعود. وبنتيجة المناقشات، فإن المشاركين توافقوا على إطلاق «مهمة متعددة الجنسية ودفاعية الطابع» لضمان حرية الملاحة في المضيق.

وحرص بيان «الإليزيه» على تأكيد أن المشاركين «ليسوا طرفاً» في الحرب بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة، وإيران من جهة ثانية، وأنهم متمسكون بالتوصل إلى «تسوية صلبة وحل مستدام للنزاع عبر الوسائل الدبلوماسية». وحرصت الجهة المنظمة على القول إن الدول الثلاث المعنية بالحرب، لم تُدعَ للمشاركة في الاجتماع، وإن انطلاق المهمة لا يتم إلا بعد انتهاء العمليات الحربية، وبالطبع عبر التفاهم مع إيران والدول المطلة على الخليج.

الرئيس دونالد ترمب يتظاهر بتصويب بندقية قنص أثناء حديثه مع الصحافيين في قاعة المؤتمرات الصحافية بالبيت الأبيض - واشنطن 6 أبريل (أ.ب)

المبادرة الأميركية

في السياق المذكور، يمكن النظر للمبادرة الأميركية الجديدة على أنها «منافسة» للمبادرة الأوروبية - الدولية. ووفق البرقية الصادرة عن «الخارجية» الأميركية، التي كانت صحيفة «وول ستريت جورنال» أول من اطلع عليها، فإنها وليدة تعاون بين وزارتي الخارجية والدفاع، وإنها «تمثل خطوة أولى حاسمة في إنشاء هيكل أمني بحري لما بعد النزاع في الشرق الأوسط». وعدّت البرقية «هذا الإطار ضرورياً لضمان أمن الطاقة على المدى الطويل، وحماية البنية التحتية البحرية الحيوية، والحفاظ على حقوق وحرية الملاحة في الممرات البحرية المهمة».

وتعتبر مصادر دبلوماسية في باريس أن المبادرة الأميركية «يمكن أن تشكل تحدياً بالنسبة للأوروبيين ولأعضاء الحلف الأطلسي» الذين شن عليهم الرئيس ترمب هجمات متكررة، بسبب امتناعهم عن مد يد المساعدة للقوات الأميركية في مضيق هرمز. وثمة سؤالان يطرحان بقوة؛ الأول: هل ثمة إمكانية للدمج بين «المهمتين»؟ والثاني: هل هاتان المهمتان يمكن أن تقوما معاً وفي أي ظروف؟

وفي المؤتمر الصحافي الذي عقده صباح الجمعة بأبوظبي، مع نهاية جولته الخليجية التي قادته إلى المملكة السعودية وعمان والإمارات، سُئل وزير الخارجية الفرنسي جان نويل بارو عن هذا الملف المعقد. وأهم ما قاله بصدده أمران؛ الأول أن باريس تلقت «مؤخراً جداً» معلومات حول المبادرة الأميركية التي وصفها بأنها «ليست من الطبيعة نفسها» للمبادرة التي أطلقها الرئيس ماكرون.

بيد أنها، وبالنظر للمعلومات التي وصلت إلى باريس، رأى بارو أنها «تندرج في إطار من التكامل» مع المبادرة الأولى. أما الأمر الثاني فهو اعتباره أنها «ليست منافسة للمبادرة التي أطلقناها». لكن باريس، رغم ذلك، «تركز اهتمامها الكامل على المبادرة التي أطلقناها».

وزير الخارجية الفرنسي جان نويل بارو متحدثاً بالأمم المتحدة في 27 أبريل بمناسبة الاجتماع المخصص لمعاهدة منع انتشار السلاح النووي (رويترز)

الحذر الفرنسي - الأوروبي

واضح أن الوزير الفرنسي يلتزم موقفاً حذراً؛ إن بسبب «حداثة» المشروع الأميركي، أو بسبب حاجة باريس للتشاور مع القادة الأوروبيين المنخرطين في المبادرة الأولى، التي سعى بارو لتسويقها في العواصم الخليجية الثلاث التي زارها.

وفي أي حال، فإن المبادرة الأميركية بحاجة لمزيد من التوضيح، خصوصاً أن برقية «الخارجية» تدخل عاملاً مبهماً بإشارتها إلى «إدارة مشتركة» بين وزارتي الحرب والخارجية. كذلك، فإنها تدخل عامل إبهام جديداً بتأكيدها أن المبادرة المذكورة «تختلف عن حملة الضغوط القصوى» التي يقودها الرئيس ترمب على إيران، كما أنها غير «مرتبطة بالمفاوضات الجارية» مع طهران.

ويبدو من المستحيل الفصل بين مجريات الحرب في حال استجدت، وتوفير المرور الآمن في مضيق هرمز. كذلك يصعب عزلها عن «المفاوضات الجارية» التي هي عملياً متوقفة، ثم تتعين الإشارة إلى عامل بالغ الأهمية؛ قوامه أن الأوروبيين يصرون على أمرين؛ الأول: الطابع الدفاعي لمبادرتهم، والثاني، وقد شدد عليه بارو في أبوظبي، أن انطلاقتها «سوف تتم بالتنسيق مع الدول المطلة على المضيق». ولمزيد من الإيضاح، ذكر باور أن المهمة الأوروبية «ستعمل على لم شمل الدول التي لم تكن جزءاً من هذه الحرب»، أي بعيداً عن الولايات المتحدة.

وفي أي حال وفي أكثر من مناسبة، أفادت مصادر فرنسية رفيعة المستوى، بأن مروجي المبادرة الأوروبية يودون أن يبقوا بعيداً عما تقوم به الولايات المتحدة. ولعل العنصر الذي من شأنه تغيير المعادلة؛ إشارة البرقية الأميركية إلى أن الهيكل البحري الذي تسعى إليه واشنطن بشراكتها مع دول لم تسمِّها، لن يطلق «إلا بعد انتهاء النزاع في الشرق الأوسط»؛ أي بعد توقف الحرب، وهو ما يتلاقى مع الرؤية الأوروبية. وفي كل مناسبة تتوافر، يركز الأوروبيون على «التقدم» الذي أحرز في المشاورات الخاصة لإطلاق مبادرتهم. ولهذا الغرض، استضافت لندن وباريس مجموعة من الاجتماعات للتعرف على الدول الراغبة والقادرة على توفير الإمكانات العسكرية واللوجستية والمالية. ويشبه الأوروبيون بين المهمة الجديدة وعملية «أسبيدس» التي أطلقوها في عام 2023، لضمان سلامة وحرية الإبحار في البحر الأحمر؛ بدءاً من قناة السويس وحتى باب المندب.

ولأن واشنطن تعي «المنافسة» الأوروبية، ورغبة منها في ضم أكبر عدد ممكن من الأطراف، فإن تصورها للمهمة التي تطلقها جاء فضفاضاً؛ إذ جاء فيها: «نرحب بجميع مستويات المشاركة، ولا نتوقع من دولتكم تحويل الأصول والموارد البحرية بعيداً عن الهياكل والمنظمات البحرية الإقليمية القائمة». وبكلام آخر، فإن واشنطن ترحب بأي طرف يود الانضمام للمبادرة مهما تكن مساهمته فيها، ما يوجد سباقاً بينها وبين المبادرة الأوروبية.

وفي المحطات الثلاث التي زارها، شدد بارو على أهمية اعتماد الحلول الدبلوماسية وتجنب معاودة الحرب، وعلى ضرورة الإسراع في إعادة فتح مضيق هرمز أمام الملاحة الدولية، رافضاً الخطط الإيرانية لفرض رسوم على البواخر وناقلات النفط، معتبراً أن ذلك يخالف قوانين البحار والممرات المائية. وحرص بارو على إبراز التقدم الذي حققه الأوروبيون حتى اليوم، مشيراً إلى أن إحدى مهمات جولته الخليجية كانت لعرض المبادرة الأوروبية.

ولا تخفي باريس رغبتها في انضمام الدول الخليجية إليها، ما من شأنه أن يوفر لها ثقلاً إضافياً في المنافسة القائمة مع واشنطن. وفي أي حال، من الواضح أن أياً من المهمتين لن يرى النور قريباً، طالما لم يحسم مصير أزمة الخليج؛ وهو الشرط الذي يرتهن المبادرتين معاً.


ارتباك في البنتاغون غداة تلويح ترمب بسحب قوات من أوروبا

ترمب برفقة وزير الحرب والخارجية في قمّة للناتو بلاهاي يوم 25 يونيو 2025 (رويترز)
ترمب برفقة وزير الحرب والخارجية في قمّة للناتو بلاهاي يوم 25 يونيو 2025 (رويترز)
TT

ارتباك في البنتاغون غداة تلويح ترمب بسحب قوات من أوروبا

ترمب برفقة وزير الحرب والخارجية في قمّة للناتو بلاهاي يوم 25 يونيو 2025 (رويترز)
ترمب برفقة وزير الحرب والخارجية في قمّة للناتو بلاهاي يوم 25 يونيو 2025 (رويترز)

في لحظة تتقاطع فيها الحرب الأميركية - الإسرائيلية مع إيران مع القلق الأوروبي من روسيا، فتح الرئيس دونالد ترمب جبهة جديدة داخل حلف شمال الأطلسي، ملوّحاً بخفض أو سحب قوات أميركية من ألمانيا، ثم من إسبانيا وإيطاليا، رداً على مواقف أوروبية رافضة أو متحفظة تجاه الحرب. صحيفة «بوليتيكو» قالت في تقرير لها إن تهديد ترمب بخفض القوات في ألمانيا أحدث «صدمة» داخل البنتاغون، حيث قال مساعد في الكونغرس إن وزارة الدفاع «لم تكن تتوقعه» ولم تكن تخطط لأي خفض للقوات في ألمانيا، ولا سيما أنه يخالف مراجعة مطولة للانتشار العسكري الأميركي العالمي لم توصِ بانسحابات كبيرة من أوروبا.

ويقول مراقبون إن خطورة التهديد لا تكمن في احتمال تنفيذه الفوري وحده، بل في أنه يحوّل الوجود العسكري الأميركي في أوروبا من ركيزة استراتيجية للردع إلى أداة ضغط سياسية. فمن وجهة نظر ترمب، لم يعد انتشار القوات مسألة التزام أطلسي أو حسابات أمنية بعيدة المدى، بل ورقة عقابية ضد حكومات ترفض الانخراط في حربه ضد إيران أو تنتقد أداء واشنطن في الشرق الأوسط.

وفي حديث خاص مع «الشرق الأوسط»، قال جون هاردي، الباحث في «مؤسسة الدفاع عن الديمقراطيات»، إن ألمانيا تمثل محوراً حرجاً للعمليات العسكرية الأميركية، بما في ذلك عملية «الغضب الملحمي»، مضيفاً أن تعريض هذا الدور للخطر «سيكون بمثابة إطلاق النار على أقدامنا». ورأى هاردي أنه «بينما تحب إدارة ترمب تذكير الحلفاء بأن (الناتو) طريق ذو اتجاهين، سيكون من الأفضل للبيت الأبيض أن يتذكر ذلك هو أيضاً».

غضب من برلين ومدريد وروما

قال ترمب، الخميس، إنه «على الأرجح» سيسحب القوات الأميركية من إسبانيا وإيطاليا، مُتّهماً روما بأنها «لم تكن مفيدة لنا»، وواصفاً مدريد بأنها كانت «فظيعة... فظيعة تماماً». وهو ما عُدّ رداً على رفض إسبانيا وإيطاليا السماح لطائرات عسكرية أميركية مشاركة في حرب إيران باستخدام قواعدهما.

كما جاء ذلك بعد تهديد مماثل لألمانيا، على خلفية انتقادات المستشار فريدريش ميرتس الذي قال إن الولايات المتحدة تتعرض لـ«إذلال» من إيران في الصراع الدائر في الشرق الأوسط، قبل أن يخفف من حدة انتقاده في الأيام الماضية.

رئيس الوزراء الإسباني بيدرو سانشيز في مؤتمر صحافي بالعاصمة مدريد مارس الماضي (أ.ف.ب)

ويرى بعض الأوروبيين أن هذه التصريحات تشي بأن ترمب يتعامل مع الخلافات داخل «الناتو» كاختبار ولاء مباشر. فإسبانيا بقيادة بيدرو سانشيز سعت إلى تقديم نفسها كقوة أوروبية موازنة لترمب، فيما بدأت رئيسة الوزراء الإيطالية جورجيا ميلوني، رغم قربها السابق منه، تنأى بنفسها عنه مع اقتراب انتخابات 2027. أما برلين، فرغم سماحها باستخدام قاعدة رامشتاين لتنسيق العمليات ضد إيران، وجدت نفسها في مرمى الهجوم بعد تصريحات ميرتس.

صدمة داخل البنتاغون

أبرز ما نقلته «بوليتيكو» أن تهديد ترمب لم يكن ثمرة خطة جاهزة داخل وزارة الدفاع. فقد أكد ثلاثة مسؤولين دفاعيين أن منشوره بشأن ألمانيا كان أول ما يسمعه كثيرون داخل البنتاغون عن احتمال تحريك جديد لسحب مئات أو آلاف الجنود. وقال مساعد في الكونغرس إن الوزارة «لم تكن تتوقع ذلك، ولم تكن تخطط لأي نوع من خفض القوات»، لكنه أضاف أن تصريحات ترمب تُؤخذ بجدية؛ لأنه كان جاداً في ولايته الأولى حين أمر عام 2020 بسحب 12 ألف جندي من ألمانيا، قبل أن يتعثر التنفيذ.

الرئيس الأميركي دونالد ترمب خلال استقباله المستشار الألماني فريدريش ميرتس في البيت الأبيض 3 مارس الماضي (أ.ب)

أما كُلفة التنفيذ فتبدو ضخمة ومعقدة. فألمانيا تستضيف ما بين 35 و40 ألف جندي أميركي، وتوفر أراضي للقواعد من دون مقابل، إضافة إلى قوة عاملة محلية تدعم الوجود الأميركي. كما تضمُّ مقرين أساسيين للقيادة الأميركية: القيادة الأوروبية والقيادة الأفريقية، إلى جانب أكبر مستشفى عسكري أميركي خارج الأراضي الأميركية. ونقلت «بوليتيكو» عن تود هاريسون، مُحلّل ميزانية الدفاع في معهد «أميركان إنتربرايز»، أن الانسحاب يتضمن كلفة نقل، وربما كلفة إنشاءات ضخمة إذا نُقلت القوات إلى أماكن مثل بولندا، حيث لا توجد منشآت جاهزة لإيوائهم.

تهديد يضعف واشنطن

عسكرياً، قد يبدو التهديد مُوجّهاً إلى الأوروبيين، لكنه يطول مصالح الولايات المتحدة نفسها. وهنا تبرز أهمية تعليق جون هاردي. فهو لا يدافع عن ألمانيا من زاوية أوروبية فقط، بل من زاوية المصلحة الأميركية المباشرة.

فقوله إن تعريض الدور الألماني للخطر يُشبه «إطلاق النار على أقدامنا» يختصر المفارقة الأساسية في تهديدات ترمب؛ فالوجود الأميركي في ألمانيا ليس خدمة مجانية تقدمها واشنطن للحلفاء، بل أصل استراتيجي تستخدمه الولايات المتحدة لتوسيع قدرتها على الحركة والردع والعمليات. فالوجود الأميركي في ألمانيا ليس مجرد مساهمة في أمن أوروبا، بل عقدة مركزية في قدرة واشنطن على التحرك عالمياً. القواعد هناك تُستخدم لعبور القوات إلى الشرق الأوسط وأفريقيا، وتدعم الردع النووي، وتوفر مستشفيات ومناطق تدريب واسعة للقوات الأميركية وقوات «الناتو».

الرئيس الأميركي دونالد ترمب يتحدث مع رئيسة الوزراء الإيطالية جورجيا ميلوني في البيت الأبيض (رويترز)

وفي هذا الصّدد، قال مسؤول ألماني لـ«بوليتيكو» إن سياسة ترمب القائمة على «التهديدات الفجة وصلت إلى حدودها»، مضيفاً أن انسحاب القوات الأميركية من ألمانيا «سيضعف الولايات المتحدة نفسها بشدة». ويعكس ذلك تحوّلاً في المزاج الأوروبي، فالعواصم التي اعتادت القلق من الانسحاب الأميركي باتت ترى أن واشنطن تستخدم أمنها الجماعي كرهينة سياسية، في وقت تتهم فيه أوروبا روسيا بالاستعداد لاحتمال تهديد أراضي «الناتو» في السنوات المقبلة.

وتزداد المفارقة أن تهديد ترمب جاء بعد مكالمة مع الرئيس الروسي فلاديمير بوتين، الذي طالما سعى إلى تقليص وجود الناتو في أوروبا، كما تزامن مع اجتماعات لرئيس أركان الدفاع الألماني الجنرال كارستن بروير في واشنطن لبحث استراتيجية دفاعية ألمانية جديدة.

قيود الكونغرس

ورغم نبرة ترمب العالية، لا تبدو الطريق مفتوحة أمام انسحاب سريع. فقانون الدفاع الذي أصبح نافذاً في ديسمبر (كانون الأول) الماضي، يمنع البنتاغون من خفض عدد القوات الأميركية في أوروبا إلى أقل من 76 ألفاً قبل تقييم الأخطار والتصديق على أن ذلك يخدم المصالح الأمنية الأميركية. وهذا يمنح الكونغرس ورقة مهمة لكبح أي قرار متسرع، خصوصاً إذا بدا أقرب إلى عقوبة سياسية منه إلى إعادة تموضع استراتيجية.

الرئيس ترمب يتحدث إلى جنود في قاعدة فورت براغ بنورث كارولاينا يوم 10 يونيو 2025 (أ.ب)

ومع ذلك، بدت ردود الجمهوريين حذرة، حيث قال السيناتور كيفن كرامر إنه يحتاج إلى سماع المزيد عن الاستراتيجية خلف هذا التفكير، مشدداً على أن رامشتاين قاعدة «استراتيجية ومهمة». أما السيناتور مايك راوندز، عضو لجنة القوات المسلحة، فقال إنه لا يرى تحولاً فعلياً في سياسة الولايات المتحدة تجاه أوروبا، معتبراً أن الرئيس كان يرُدّ على تصريحات ألمانية، وأن الأهم هو النظر إلى «الأفعال» لا التعليقات العلنية.

ورغم أن البعض يرى أن ترمب يختبر مرة أخرى حدود العلاقة الأطلسية، لكن التساؤلات تتزايد عمّا إذا كانت القوات الأميركية في أوروبا ستبقى ضمانة ردع مشتركة، أم تتحوّل إلى أداة مقايضة مرتبطة بمواقف الحكومات من حرب إيران؟ ومجرد طرح السؤال يُضعف صورة «الناتو»، ويمنح موسكو وطهران مادة دعائية ثمينة، ويفتح داخل واشنطن سجالاً مُكلفاً بين من يرى في التهديد وسيلة لإجبار الأوروبيين على الاصطفاف، ومن يعتبره مقامرة قد تضُرّ بالقوة الأميركية بقدر ما تربك الحلفاء.


إسبانيا تطالب إسرائيل بالإفراج عن مواطنها الناشط في «أسطول الصمود»

سفن من «أسطول الصمود» العالمي اعترضتها البحرية الإسرائيلية في المياه الدولية راسية قبالة ساحل مدينة إيرابيترا في جزيرة كريت (أ.ف.ب)
سفن من «أسطول الصمود» العالمي اعترضتها البحرية الإسرائيلية في المياه الدولية راسية قبالة ساحل مدينة إيرابيترا في جزيرة كريت (أ.ف.ب)
TT

إسبانيا تطالب إسرائيل بالإفراج عن مواطنها الناشط في «أسطول الصمود»

سفن من «أسطول الصمود» العالمي اعترضتها البحرية الإسرائيلية في المياه الدولية راسية قبالة ساحل مدينة إيرابيترا في جزيرة كريت (أ.ف.ب)
سفن من «أسطول الصمود» العالمي اعترضتها البحرية الإسرائيلية في المياه الدولية راسية قبالة ساحل مدينة إيرابيترا في جزيرة كريت (أ.ف.ب)

طالبت مدريد، اليوم (الجمعة)، إسرائيل بـ«الإفراج الفوري» عن الناشط الإسباني سيف أبو كشك بعدما اعتقلته إثر اعتراضها قبالة سواحل اليونان سفن «أسطول الصمود» العالمي؛ لكسر الحصار على غزة، وفق ما نشرت «وكالة الصحافة الفرنسية».

وقالت وزارة الخارجية الإسبانية في بيان: «بالنظر إلى التقارير التي تفيد باحتجاز المواطن الإسباني سيف أبو كشك، أحد أعضاء الأسطول، واحتمال نقله إلى إسرائيل»، فإن إسبانيا تطالب «باحترام حقوقه... وبالإفراج الفوري عنه».

وأمس (الخميس)، أعلن منظّمو «أسطول الصمود» العالمي، الذي كان متجهاً إلى قطاع غزة لكسر الحصار المفروض عليه، إن الجيش الإسرائيلي «اختطف» 211 ناشطاً، من بينهم مستشارة في بلدية باريس، خلال عملية نفَّذها في المياه الدولية قبالة اليونان، وفق ما نشرت «وكالة الصحافة الفرنسية».

وقالت المتحدثة باسم منظمة «غلوبال صمود - فرنسا»، هيلين كورون، الخميس في مؤتمر صحافي عبر الإنترنت، إنَّ العملية جرت قرب جزيرة كريت، بعيداً من السواحل الإسرائيلية.

ودعت الحكومة الإيطالية، في بيان اليوم، إلى الإفراج الفوري عن جميع الإيطاليين المحتجزين بشكل غير قانوني، الذين كانوا على متن «أسطول الصمود»، وأدانت الاستيلاء على سفن الأسطول.

وكان منظمو هذا الأسطول الذي يضم ناشطين مؤيدين للفلسطينيين يسعون إلى كسر الحصار الذي تفرضه إسرائيل على قطاع غزة، وتوصيل المساعدات إليه، قد أفادوا في وقت سابق بأن سفناً عسكرية إسرائيلية حاصرت قواربهم لدى وجودها قبالة سواحل جزيرة كريت اليونانية.

وكان الأسطول قد أبحر في الأسابيع الأخيرة من مرسيليا في فرنسا، وبرشلونة في إسبانيا، وسيراكيوز في إيطاليا.

وخلال ليل الأربعاء إلى الخميس، قال المنظّمون إن القوارب «حوصرت بشكل غير قانوني» من قبل سفن إسرائيلية.