يبدّل المخرج السينمائي فيليب عرقتنجي جلده إلى حدّ يصعب على مشاهده التعرف إليه في مسرحيته «صار وقت الحكي». فانتقاله من وراء الكاميرا مخرج أفلام معروفاً إلى خشبة وفضاء لم يسبق أن وطئهما من قبل، شكّل تجربة فريدة من نوعها.
وبفضل مخرجة العمل لينا أبيض، استطاع عرقتنجي قطع المسافة بين المهنتين بسلاسة. فقد رسم النص وكتبه ومثّله. أما أبيض فتولت عملية الإخراج من ألفها إلى يائها، وأمسكت بيده كي يسير في أولى خطواته التمثيلية. ففتحت الستارة على طاقات جديدة عنده، ترجمت بلغات فنية عدة. كما تبادلا (عرقتنجي وأبيض) خبراتهما بين السينما والمسرح، فولدا عملاً غنياً ومتكامل العناصر.
غنّى فيليب عرقتنجي ورقص، وحاول أن يكون على سجيته مرات عدة، مع بعض الصعوبات. فهو تلميذ الرهبان اليسوعيين والتربية الصارمة. صرامة المدرسة وقوانينها الحياتية القاسية كادت تغلب حرية التعبير ولغة الجسد عنده. ولكن استطاعت لينا أبيض أن تدفع عرقتنجي إلى التحليق في فضاء المسرح، كما رغبت تماماً. وفتحت طاقة عنده كي نطل من خلالها على أفكاره الباطنية والحميمة. وجميعها وضعتها لينا أبيض تحت الضوء ضمن إطار قريب إلى القلب، فتدفع بالمشاهد إلى التماهي مع العمل إلى آخر حد.
يروي عرقتنجي قصة حياته في «صار وقت الحكي» في نحو 80 دقيقة من الوقت. ولكنه في الوقت نفسه يأخذ الحضور من جيله إلى نفس مشواره. فيستعيد معه لحظات مشابهة عاشها وتركت أثرها عنده... وتعلق أبيض: «إن المسرحية تحكي عنا اللبنانيين، وعن حالنا وعن الآخر وبيروت. فهي تتألف من هذا الخليط بين الفردي والجماعي والحميم والعام. وهو ما ولّد هذه المشهدية الجميلة والغنية في الوقت نفسه».

تؤكد لينا أبيض أن الصعوبات والمسرّات حضرت في تعاونها مع عرقتنجي. وتضيف: «هناك صعوبة في التحدث عن حياتنا أمام جمهور واسع. فنحن بالكاد نعترف بها ونرويها لأنفسنا. كنت دائماً أدفعه لإخباري بالمزيد عن حياته. وبالفعل جمعنا قصصاً كثيرة، واضطررنا لإلغاء بعضها بسبب قصر الوقت. فالجمهور اللبناني لا يتحمل السرد الطويل، وإن كان شيقاً».
تصف أبيض عرقتنجي بالشخص الحساس جداً الذي نشأ في أجواء محافظة وملتزمة: «مثلي تماماً، وهو ما سهّل عليّ هذه التجربة معه. كنت أدرك مكامن ضعفه وقوته. وكان من الصعب أن يلعب بنبرة صوته لأنه اعتاد استخدامه بطريقة معينة في الوثائقي. كما كان من الصعب أن يتلفظ بالشتيمة أو أن يستلقي على السرير أمام الناس. لكن رغبته في الخروج مما اعتاده والإفصاح عما يخالجه، جعل أداء المنضبط يتمتع بالحرية أيضاً».
وتشير أبيض إلى أن عرقتنجي الذي يجيد التعبير بالفرنسية أكثر من العربية شكلت عنده اللغة تجربة من نوع آخر: «لقد طلبت منه أموراً كثيرة لم يستطع تنفيذها نظراً للخلفية التربوية والثقافية التي يتمتع بها. ولكن في النهاية فيليب رقص بجدارة وعرف كيف يتعامل مع لغة جسده في هذا الإطار».
تميزت «صار وقت الحكي» بمشهدية بصرية، ربطت أهميتها بين مهنة عرقتنجي الأساسية مخرجاً سينمائياً والمسرح. فبرزت صور على شاشة عملاقة وراء فيليب وهو يروي قصصه، قدمته ضمن إسقاطات صورية مع والده مرات، وفي شوارع بيروت المدمرة مرات أخرى. كما أطلت على فيليب المخرج الوثائقي والسينمائي وغيرها من محطات حياته. وتعلق لينا أبيض: «لقد كان من الضروري إعطاء هذه الناحية مساحتها في العمل. ونجح ريمون أفتيموس في تقديمها بالتقنية والشكل المطلوبين. فكان لا بدّ من الاستفادة من هذه العناصر ومن طاقاته المتنوعة في العمل».

تصف لينا أبيض تعاونها مع فيليب عرقتنجي بالممتع، ولا سيما أنهما تبادلا خبرات جمّة: «إننا فنانان مخضرمان، ومن الجيل والعمر أنفسهما وفرانكفونيان. وعشنا نفس القوانين والقواعد التربوية، ما شكّل لدينا اصطدامات كثيرة». وتتابع المخرجة اللبنانية: «لقد ولدت بيننا صداقة وطيدة، خصوصاً أننا أمضينا ساعات وأيام، ونحن نحضر للمسرحية. فبكينا وضحكنا وأكلنا وتحاورنا معاً. هذا اللقاء الجميل بين السينما والمسرح أكسبنا تجربة ممتعة وجديدة».
لا تتوانى لينا أبيض عن الاعتراف لنفسها بأن المسرحية نجحت بشهادة الجميع من فريق عمل وجمهور وأصدقاء: «من الصعب جداً أن أعترف بذلك، لأن القلق يسكنني دائماً، وأطالب نفسي بالأفضل. ولكن هذا الرضا السائد عندنا فريق العمل، وأيضاً ردود فعل الناس، جاءت لتؤكد ذلك». يستمر عرض المسرحية حتى 2 يوليو (تموز) المقبل على مسرح مونو في الأشرفية. وهي تشهد إقبالاً كثيفاً من قبل هواة المسرح والسينما، الذين وجدوا فيها أحلامهم الضائعة والناجحة معاً، وحياتهم الحلوة والمرة وحقبات من السلم والحرب. فكانت شريط حياة حمل من الذكريات والوجع والفرح والإحباط والأمل ما يتوجها عملاً يخاطبهم بالمباشر. أما محتوى القصة فجاء مؤثراً تفوح منه الإنسانية والنص المحكم. وكذلك تعبق المسرحية بالفنون الإبداعية المختلفة، ما جعلها تتميز، ولا تشبه غيرها.

