* في عام 2013، عندما تم اختيار مدينة بغداد عاصمة للثقافة العربية، تنادت الدعوات لإنتاج وتحقيق أفلام جديدة تكون الواجهة السينمائية المكملة لكل النشاطات الثقافية والفنية الموازية. وأحد الذين لبّوا الدعوة المخرج العراقي المخضرم محمد شكري جميل الذي اختار رواية فؤاد التكرلي «مسرات وأوجاع»، وهي رواية اشتهرت بطولها وبرصدها الوضع العراقي في النصف الثاني من التسعينات وما بعد ولو على نحو ذاتي أكثر مما هو واقعي، لتقديمها لفيلم يعود به إلى السينما بعد طول انقطاع.
محمد شكري جميل كان من عداد السينمائيين الأهم أيام أطلقت مؤسسة السينما والمسرح العراقية بوادرها لإنتاج أفلام كبيرة. كان حقق «الظامئون» سنة 1973 (يحتل الفيلم مكانته الكلاسيكية اليوم)، وعندما قام المخرج مصطفى العقاد بتحقيق «الرسالة» و«عمر المختار» وفّرت المؤسسة للمخرج جميل كل الإمكانيات لتحقيق فيلم بميزانية كبيرة مع الرغبة في توزيعه عالميًا. الفيلم كان «المسألة الكبرى» سنة 1982. وبين هذين الفيلمين يبرز فيلم آخر للمخرج ذاته هو «الأسوار» الذي ربما كان أفضل أعماله. فيها جميعًا، على أي حال، دلالات موهبة خاصة تتطوّر من فيلم لآخر، ولو أنها لم تكن نضجت تمامًا بعد عندما داهمت الأحداث والمتغيرات الحياة السياسية والأمنية العراقية بدءًا من حرب الخليج الأولى وما بعد.
«مسرات وأوجاع» هو، إذن، فيلم العودة للمخرج بعد كل هذه السنوات التي مضت على توقفه عن العمل. والفيلم الوحيد الذي تم تحقيقه بمناسبة اختيار بغداد عاصمة للثقافة العربية لكنه ما زال غير معروض لليوم.
* منظور أوسع
السبب في عدم عرضه لا يخلو من الغرابة. سواء نسبة للعلاقات المتميّزة بين الحكومة العراقية وإيران، أو ربما لعدم رضا المخرج عن مستوى العمل المخبري لعمليات ما بعد التصوير في بغداد، تم اختيار الاستوديوهات الإيرانية لاستكمال التصوير.. و.. هذه كانت آخر مرّة شاهد فيها العاملون نسخًا من الفيلم. فالفيلم دخل المعامل الإيرانية قبل أشهر عديدة وهو ما زال «محبوسًا فيها». السبب غير واضح لأن أحدًا لا يبدو قادرًا إلا على التخمين: البعض يقول إن الميزانية المتوافرة للعمل كانت استنفدت بالكامل قبل وصول الفيلم لمرحلة ما بعد الإنتاج مما يجعل الفيلم مدينًا، والبعض الآخر يقول إن هناك سببًا سياسيًا كون الفيلم يختلف عن عدّة أعمال عراقية أنتجت قبل وبعد عام 2013 من حيث أنه لا يغازل الحكومة الحاضرة ولا ينتقد، إلا بقدر محدود، عراق صدّام حسين.
نقد النظام السابق كان لولب غالبية الأفلام العراقية التي تم إنتاجها منذ سنوات عديدة. لكن في حين أن ذلك النظام حفل بالتعسّف والجور وعانى من التفريق بين الطوائف ومارس حملة عسكرية عنيفة على الأكراد في الشمال، فإن فتح السجل للحديث عن تلك الفترة لم يصاحبه في الوقت ذاته أي نقد للوضع اللاحق. بعض تلك الأفلام تحدّثت عن الجور الذي أصاب طائفة معينة، لكنه لم يأخذ بعين الاعتبار أن الطائفة الأخرى تعرضت كذلك للاعتقال والتعسّف، وأن الشعب بأسره عانى من حجز الحريات وتكميم المعارضات لأي اتجاه انتمت.
نجد في عام 2009 نموذجًا لذلك متمثلاً في فيلم «فجر العالم» لعباس فاضل (فنيًا من بين أفضل ما حققته السينما العراقية منذ ذلك الحين) حيث تحدّث عن الحرب العراقية - الإيرانية من زاوية إدانة الجانب العراقي فيها وتصويرها كما لو كانت وبالا على شيعة العراق وحدهم، في حين أن البلاد بأسرها عانت منها. الفيلم لا يتعامل والمنظور الأوسع لها، إذ كانت تهدف إلى الحد من الخطر المتمثّل بأحلام الإمبراطورية الفارسية في الجوار العربي وهو لب الأزمة التي تعاني منها دول عربية في أكثر من موقع اليوم.
* دعم مادي
الواقع أن اللجوء إلى التاريخ لنقده هو الفعل الوحيد المتاح في أنظمة قامت على قمع الكلمة. أفلام نقدية الجانب مثل «أحلام» و«تحت رمال بابل» لمحمد الدراجي، ومثل «صمت الراعي» لرعد مشتت، و«ألف تفاحة وتفاحة» لطه كريمي، لم يكن لها أن تتحقق بطبيعة الحال خلال تلك الحقبة التي انتقدتها لاحقًا. لذلك ما إن وجد المخرجون الفرصة مواتية حتى انطلقوا ينجزون ما كانوا غير قادرين على إنجازه من قبل بما في ذلك فتح جبهة جديدة من الأفلام لم تكن متوافرة بكاملها من قبل وهي تلك المنتجة والمنفّذة بواسطة سينمائيين أكراد.
والملاحظ اختلاف المعالجات الفنية بالنسبة للأفلام الآتية من شمال العراق عن تلك المستوطنة في بغداد أو في جنوب البلاد. الأفلام الكردية، ومنها في العامين الأخيرين «مريدان» لبه تين قوبادي و«ذكريات منقوشة على حجر» لشوكت أمين كوركي، تميّزت بجماليات الإنتاج وانضباط عناصره. ليس أن بعض الأفلام العراقية الأخيرة لم تحظ بالميزانيات الكبيرة عبر دعم حكومي مباشر، لكن المشاهد لن يستطع مشاهدة آثار تلك الميزانيات مرتسمة على الشاشة. على العكس، في بعض الحالات، تبدو الأفلام كما لو أنتجت بتمويل محدود. أما في الجانب الكردي من العراق، فإن الميزانيات، صغيرة كانت أو كبيرة، تبدو مستخدمة بالكامل سامحة للمخرج بتحقيق ما يرغب تحقيقه ومانحة الفيلم تلك الجماليات الكامنة في الموضوع كما في طريقة صياغته.
وكما في كل الدول العربية (وغير العربية) التي عانت من حروب (لبنان، فلسطين، سوريا، بريطانيا، فيتنام) فإن العديد من الأفلام دارت عنها. الاختلاف الوحيد هو أنها في العراق لم تدر حول أي شيء آخر بعد.
لكن المستقبل لا يبدو واعدًا على الأقل بالنسبة لسينما العاصمة العراقية. التطوّرات الأخيرة هذه السنة ووجود الخطر المدهم للإمارة الإسلامية حتى من قبل أن يتاح للمواطن العراقي الاستقرار الأمني الذي وُعد به بعد الغزو الأميركي، جعل من المستحيل إنجاز ما بدا أن السينما العراقية سائرة في إنجازه. أساسًا لم تنجز الحكومة العراقية في عام 2013 ما وعدت به من تحريك عجلة الصناعة السينمائية. خصصت ميزانيات وتم توزيع بعضها بوفرة على بعض المخرجين، لكن لا هؤلاء حققوا أعمالاً مبهرة ولا امتد الاهتمام لتحديث آليات العمل والإبداع التي تحتاج إليهما صناعة الفيلم في أي مكان.
لذا، فإن الاستقلالية الإدارية التي تمتعت بها السينما الكردية، وتلك المواهب العراقية الآتية من الخارج (مثل المخرج سمير صاحب «أوديسا عراقية» وفيلم عباس فاضل التسجيلي الجديد «هوملاند»، وكلاهما من الأفلام التي تزيد مدة عرضها على ثلاث ساعات) احتلت المقدّمة بين جل ما تم إنتاجه تحت مظلة «السينما العراقية» إلى الآن.





