يوماً بعد يوم، يتعاظم الاهتمام الثقافي بالفلسفة: موضوعاً وقضايا ومناهج. يتضح ذلك في النشر الثقافي الجاد، والترجمة لأمهات الكتب وحديثها من مختلف المدارس الفلسفية، والأنشطة والفعاليات الثقافية المتنوعة، والتي لم يكن آخرها مؤتمر الرياض الدولي الثاني للفلسفة في ديسمبر (كانون الأول) الماضي. حيث تنوع الحضور والمشاركون، وتشكلت القضايا لتتجاوز تلك التقليدية إلى ما تثيره تقنيات الذكاء الاصطناعي، واستكشافات الفضاء من أسئلة ومعالجات فلسفية ووجودية. ومع كل هذا الحراك، لا تزال الفلسفة باسمها الصريح غائبة عن تعليمنا العالي، وأقول باسمها الصريح، لأنها وجدت بعض المنافذ للتداول من خلال بعض المقررات الدراسية هنا وهناك، من أكاديميين آمنوا بأهمية السؤال الفلسفي ومركزيته في العملية التعليمية، وتعلقاته المختلفة مع جميع التخصصات «الثقافية» والعلمية والتطبيقية.
خطوات إصلاحية
وهنا لا بد من الإشادة بما تم مؤخراً من قبل وزارة التعليم في تدريس التفكير الناقد وإدراجه ضمن المقررات الدراسية، والذي يعد من أهم الخطوات الإصلاحية، في تحديث مناهج التعليم، وإرساء معالمه الوطنية وثقافته المدنية ورسالته الحضارية، وعلامة فارقة في مسيرة استرجاعه من محاولة اختطافه من براثن التطرف والتشدد، التي حاولت الاستحواذ عليه لفترة طويلة. كما أنها من ناحية أخرى إحدى الممارسات الدولية المميزة. فحسب دراسة مطولة أجرتها منظمة الأمم المتحدة للتربية والثقافة والعلوم (اليونيسكو)، فإن تدريس مقرر مدخل إلى الفلسفة يعد جزءاً أساسياً من الخطة الدراسية للمرحلة الثانوية في أكثر دول غرب أوروبا، وبعض الدول في أميركا اللاتينية مثل البرازيل وعدد من الدول العربية، بينما تقدمه دول أخرى مثل كندا وبريطانيا وبعض الإدارات التعليمية في الولايات المتحدة كمقرر اختياري متقدم في المرحلة الثانوية، أو تدرج بعض مفاهيمه الأساسية ضمن مقررات أخرى في الدراسات الاجتماعية والتربية الوطنية كما في سنغافورة.
ومع التأكيد على أهمية هذه الخطوة الإصلاحية، إلا أنه لا يقل أهمية أن يتم هذا التفعيل لمقررات التفكير الناقد من خلال تقديمها من أساتذة متخصصين أو مدربين تدريباً أكاديمياً كافياً، فقد اشترطت على سبيل المثال الجمعية الأميركية للفلسفة - إحدى أقدم الجمعيات العلمية في هذا المجال والتي تأسست عام 1900 - لإسناد مقررات الفلسفة والتفكير الناقد إلى المعلمين غير المتخصصين في الفلسفة، الحصول على تدريب مكثف في أسس التفكير الفلسفي في حدود 12-18 ساعة أكاديمية على الأقل، وتنصح الجمعية في هذا الإطار الإدارات التعليمية في الولايات المتحدة بالتأكد من توفر هذا الحد الأدنى قبل إدراج مقررات من هذا النوع في مدارسها وإلزامها على طلبتها. ومن المفروغ منه أن هذا التأهيل والتدريب يتم في الجامعات في أقسام متخصصة في الفلسفة، وهذا ما تؤكده دراسة «اليونيسكو» المشار إليها والمنشورة في تقارير بين عامي 2009-2011، أن جميع الدول المذكورة تقدم الفلسفة كتخصص أكاديمي ومقررات إجبارية واختيارية في كثير من جامعاتها ومؤسسات التعليم العالي لديها.
ومن هنا فإن إنجاح هذه الخطوات المهمة في تطبيق مقررات جديدة في تخصصات غير مسبوقة في التعليم السعودي كالفلسفة والتفكير الناقد، يتطلب استجابة سريعة - على الأقل - من قبل مؤسسات التعليم العالي وتحديداً كليات الآداب والتربية في استحداث برامج أكاديمية في الفلسفة بتخصصاتها المختلفة، واستقطاب كفاءات علمية من أبناء الوطن أو من الخارج للتدريس في هذه الأقسام والبرامج. أقول «استجابة سريعة على الأقل» لأنه من المفترض أن تكون الجامعات قد تقدمت مسبقاً بإنجاز هذه المهمة من سنوات - خصوصاً بعد تخلصها من مخلفات التسلط الصحوي على مناهجها وبرامجها وانفتاحها «المتفاوت» على دورها المجتمعي والتنموي. هذا التسلط الذي تجسد في عدم وجود أقسام علمية أو برامج أكاديمية في تخصصات مثل الفلسفة، أو فلسفة العلوم، وتاريخ الفلسفة، والتي تعد ركناً أساسياً في كثير من الجامعات حول العالم. فهذه الاستجابة مهمة أولاً من ناحية استكمال الهياكل الأكاديمية التقليدية للجامعات، وثانياً لتلبية الطلب المتوقع على معلمي ومعلمات هذا التخصص الجديد.
تقديم الفلسفة
ولكن هناك عددا من النقاط المهمة التي يجب الإشارة إليها ومعالجتها في إطار العمل على تقديم الفلسفة في الجامعات:
* إدراج التفكير الناقد كمهارة سواء على مستوى التعليم العام أو العالي، لا يعني بالضرورة الوفاء بواجب أو وعد إدراج الفلسفة. وهذا لا يعني التقليل من أهمية هذه الخطوة وأثرها، ولكن الفلسفة كمعارف وأسئلة وقضايا، لا يمكن اختزالها في إحدى المهارات الأساسية الناتجة عنها والمقررة لها.
* مأسسة الفلسفة في الجامعات هي خطوة أساسية من خطوات معالجة إهمال الإنسانيات عموماً، فتحت دعوى حصر دور الجامعة في الإعداد لسوق العمل، جرت عملية إهمال واسعة للتخصصات الإنسانية. فليست القضايا والمستجدات التي تشغل المجتمع، وتساهم في تنميته اقتصادياً وتحديثه اجتماعياً، هي ذات طابع هندسي أو تقني. كما أن أمراضه وآفاته وما قد ينقض عليه من جوائح ليست كلها مما يتم مدارسته في كليات الطب ومعالجته في المستشفيات، بل هناك الكثير والكثير من القضايا والمشكلات والأمراض والجوائح التي تتطلب عودة الإنسانيات إلى الساحة مرة أخرى.
* هذه العودة الموعودة لتأسيس الفلسفة كمجال أكاديمي، ضمن إعادة الاعتبار لموقع الإنسانيات في التعليم الجامعي، تتطلب بالضرورة إعادة النظر في أساليب التقويم الحالية. فعلى الرغم من كل دعوات الاهتمام بالمهارات، وتعزيز المهارات الناعمة والتفكير الناقد، فإن أساليب التقويم تكاد تنحصر في الاختبارات الموضوعية، مع غياب شبه كامل لأساليب التقويم المبنية على الكتابة المستطردة، أو المناقشة الشفهية. فمن أهم معالم الجامعات الحديثة هو تلك المقررات الخاصة بالكتابة والتحرير writing composition، ومن أهم الخدمات التي تقدمها المكتبات الجامعية، هو ما يسمى مراكز الكتابة writing centers التي تساعد الطلبة في تحرير مقالاتهم وأبحاثهم القصيرة، التي هي متطلب أساس في كثير من المقررات الإنسانية التي يدرسها جميع الطلبة كمتطلبات عامة.
* أخيراً، ومع التأكيد المتكرر على أهمية مأسسة الفلسفة في الهياكل الجامعية من خلال تأسيس الكليات والمعاهد أو الأقسام المتخصصة على الأقل، فهذا لا يعني كذلك، تعميم هذه الأقسام على جميع الجامعات الحكومية، كما حصل للأسف في مرحلة سابقة، عندما تم استنساخ نموذج الجامعات القائمة في جميع الجامعات الناشئة. المطلوب هو وجود حاضنة أكاديمية مرجعية في بعض الجامعات تؤسس لهذه العلوم الفلسفية، وتؤطر لمناهجها، وتتابع تطوير مقررات عامة تطبق في مختلف الجامعات، وتساهم مع الأقسام العلمية الأخرى - سواء في الإنسانيات أو خلافها من علوم البيانات والذكاء الاصطناعي والتقنية الحيوية والفضاء - في مدارسة القضايا الأخلاقية المتعلقة بها.
لعل مناقشة هذه القضية بأبعادها المختلفة تكون فرصة للعمل على «خلع» الباب تماماً - ولا أقول فتح الباب - للجامعات لتطوير طرقها وآلياتها لتحقيق ذلك باستقلالية كاملة، بما يضمن التنوع والتمايز بين هذه المؤسسات في تحقيق أهدافها، وذلك بدلاً من طريقة المقاس الواحد للجميع. حضور الفلسفة في الجامعة كمنهج تعليمي وثقافة مؤسسية يعني فيما يعني التأكيد على قيم جامعية وثيقة الصلة مثل الاستقلالية الأكاديمية، وحريتها في طرق كل الموضوعات بمنهجية علمية، ومسؤوليتها في نقد المعرفة وتطويرها، وتحفيز الحراك الاجتماعي بما يخدم أهداف التنمية.
* رئيس هيئة تقويم التعليم في السعودية سابقاً.


