مدن دارفور تحت القصف... والأمم المتحدة تتحدث عن «جرائم حرب»

اتساع رقعة الصراع في السودان مع دخول الحرب شهرها الثالث

 جانب من الدمار في مدينة الجنينة عاصمة غرب دارفور (أ.ف.ب)
جانب من الدمار في مدينة الجنينة عاصمة غرب دارفور (أ.ف.ب)
TT

مدن دارفور تحت القصف... والأمم المتحدة تتحدث عن «جرائم حرب»

 جانب من الدمار في مدينة الجنينة عاصمة غرب دارفور (أ.ف.ب)
جانب من الدمار في مدينة الجنينة عاصمة غرب دارفور (أ.ف.ب)

شهدت عدة مدن في ولايات دارفور غربي السودان، الأربعاء، احتدام المعارك، مع تمدد لنطاق الصراع الذي دخل شهره الثالث في البلاد، بينما تجاوز عدد الأشخاص الذين فروا من منازلهم بسبب العنف، مليوني شخص.

وعبر الأمين العام للأمم المتحدة، أنطونيو غوتيريش، عن قلقه البالغ من تزايد البعد الطائفي للعنف، وكذلك من التقارير الخاصة بالعنف الجنسي، فيما أشار موفده إلى السودان، فولكر بيرتس، إلى أن بعض أعمال العنف قد ترقى إلى «جرائم ضد الإنسانية».

وشهدت مدينة «الجنينة»، عاصمة ولاية غرب دارفور، أعنف المعارك، ما أدى إلى فرار السكان. وطالب خميس أبكر، والي ولاية غرب دارفور، المجتمع الدولي بالتدخل لوقف ما وصفه بأنه «إبادة جماعية».

الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش (رويترز)

قتل عشوائي

وقال أبكر: «المواطنون يُقتلون بطريقة عشوائية جداً وبأعداد كبيرة». وأضاف أنه رغم أن قوات «الدعم السريع» والميليشيات المتحالفة معها كانت في البداية تستهدف مناطق في «الجنينة»، يعيش فيها أفراد من قبيلة «المساليت» الأفريقية، فإن هذه الهجمات امتدت الآن إلى المدينة بأكملها. وتابع: «لم نشاهد خروج قوات الشعب المسلحة من ثكناتهم على الأقل للدفاع عن المواطنين».

كما شهدت مدينة «نيالا»، عاصمة ولاية جنوب دارفور، اشتباكات أيضاً. وقالت هيئة محامي دارفور، وهي جماعة محلية تراقب العنف، الأربعاء، إن قصفاً مدفعياً أصاب منازل مدنيين في «نيالا». وقال صلاح الأمين (39 عاماً)، لوكالة «رويترز» إن «الهجوم يمكن أن يبدأ مرة أخرى في أي لحظة، ونحن لا نشعر بالأمان». وأضافت الهيئة أن مدينة «زالنجي»، عاصمة ولاية وسط دارفور، هي حالياً تحت الحصار.

ويسود الهدوء نسبياً مدينة «الفاشر»، عاصمة ولاية شمال دارفور، لكن مدينة «كتم» التي تسيطر عليها قوات «الدعم السريع» تشهد موجة نزوح.

وقال متحدث باسم الأمين العام للأمم المتحدة، أنطونيو غوتيريش، إن الأمين العام «قلق للغاية من تزايد البعد الطائفي للعنف، وكذلك من التقارير الخاصة بالعنف الجنسي».

الأمم المتحدة تحذر

وعبر رئيس بعثة الأمم المتحدة في السودان (يونيتاميس)، فولكر بيرتس، في بيان الأربعاء، عن قلق عميق لاستمرار تدهور الوضع الأمني في دارفور، وبشكل خاص في مدينة «الجنينة»، في أعقاب موجات العنف التي اتخذت أبعاداً عرقية.

وأضاف أن الأمم المتحدة تواصل جمع تفاصيل إضافية بشأن هذه التقارير، مشيراً إلى أن هناك نمطاً ناشئاً من الهجمات واسعة النطاق التي تستهدف المدنيين على أساس هوياتهم العرقية، التي يزعم أنها ارتكبت من قبل ميليشيات عربية وبعض الرجال المسلحين الذين يرتدون أزياء قوات «الدعم السريع».

فولكر بيرتس رئيس بعثة الأمم المتحدة إلى السودان (رويترز)

وقال بيرتس إن هذه التقارير مقلقة للغاية، وإذا تم التحقق منها، فقد ترقى إلى مستوى «جرائم ضد الإنسانية».

وأدان بيان الأمم المتحدة جميع الهجمات التي تستهدف المدنيين والبنية التحتية، مهما كان شكلها وأياً كان مرتكبوها المزعومون، داعياً قوات الأمن والجهات المسلحة غير الحكومية إلى الالتزام بالقانون الدولي الإنساني، واحترام الحق في الحياة والامتناع عن الهجمات ضد المدنيين.

وأشار البيان إلى أنه منذ اندلاع النزاع بين الجيش وقوات «الدعم السريع» استمرت الأوضاع الأمنية وحقوق الإنسان والوضع الإنساني في التدهور في جميع أنحاء البلاد، لا سيما في مناطق الخرطوم الكبرى ودارفور وكردفان.

وذكر البيان أن الأمم المتحدة غير قادرة في هذه المرحلة على التحقق من جميع الانتهاكات المزعومة لحقوق الإنسان، وأن المعلومات الواردة من كيانات المجتمع المدني وشبكات المدافعين عن حقوق الإنسان ترسم صورة واضحة لنطاق التأثير المدمر على السكان.

وأكد فولكر بيرتس أن البعثة الأممية ستواصل جهودها للانخراط مع جميع الأطراف من أجل التوصل إلى حل سلمي للنزاع، بالتنسيق مع الشركاء الإقليميين والدوليين.

وتشهد منطقة دارفور في السودان صراعاً متقطعاً منذ بداية القرن الحالي، وهو الصراع الذي أدى إلى نزوح الملايين ومقتل 300 ألف شخص في هجمات شنتها ميليشيات «الجنجويد» العربية. وولدت قوات «الدعم السريع» من رحم هذه الميليشيات، وأصبحت قوة حكومية قانونية في عام 2017.

ووجّهت المحكمة الجنائية الدولية اتهامات إلى الرئيس المعزول عمر البشير وعدد من مساعديه، بارتكاب إبادة جماعية وجرائم ضد الإنسانية وجرائم حرب في دارفور. وتسبب الصراع بين الجيش وقوات «الدعم السريع» بأزمة إنسانية في العاصمة الخرطوم ومدن أخرى، مثل «الأبيض» و«نيالا» و«الفاشر» و«الجنينة». وتشير تقديرات إلى أن أكثر من 1100 شخص قتلوا في هذه المدن جراء القتال.

ووفقاً لـ«نقابة أطباء السودان»، ارتفع عدد القتلى من المدنيين إلى 958، وأصيب 4746 شخصاً في جميع أنحاء البلاد. وقالت النقابة (غير حكومية) في بيان الأربعاء، إن هذه الإحصائيات لا تشمل الكثير من حالات القتل والإصابات التي تعثر وصولها إلى المستشفيات لصعوبة التنقل والوضع الأمني في جميع أنحاء البلاد.

«وضع كارثي» في غرب دارفور

وذكرت النقابة أن الوضع في مدينة «الجنينة» في ولاية غرب دارفور، كارثي، وهو الأسوأ على الإطلاق، إذ سقط عدد كبير من الضحايا من بينهم أطفال ونساء وكبار في السن جراء الاقتتال.

وأضافت: «تعذر حصر جميع الضحايا لخروج جميع المستشفيات في المدينة عن الخدمة، وانقطاع الاتصالات، وحصارها بالميليشيات المسلحة».

وقالت مصادر محلية إن طيران الجيش السوداني نفذ غارات جوية ضد مواقع لقوات «الدعم السريع» في أطراف مدينة «الأبيض»، عاصمة ولاية شمال كردفان، فيما شهدت مناطق في العاصمة الخرطوم اشتباكات متفرقة بين الطرفين.

وترددت أنباء عن أن ميليشيات مسلحة مدعومة من قوات «الدعم السريع» تقف خلف أعمال القتل والنهب والتدمير التي طالت المدينة، والتي بدورها، اتهمت الجيش بالوقوف وراء تأزيم الوضع في دارفور والدفع إلى مواجهات ذات طابع قبلي.

اتهامات لـ«فلول النظام البائد»

ودعت قوات «الدعم السريع» في بيان إلى تشكيل لجنة عاجلة من الأطراف القبلية المتقاتلة والإدارة الأهلية، للتواصل والتنسيق معها ومع قوات الجيش لتهدئة الأوضاع، وإيصال المساعدات الإنسانية للمدنيين، مطالبة بتكوين لجنة تقصي حقائق لكشف المتورطين في الأزمة.

وأكد البيان وقوف قوات «الدعم السريع» على الحياد في الأزمة في غرب دارفور، ووفقاً لذلك أصدرت توجيهات صارمة لعناصرها بعدم التدخل والبقاء في مناطق سيطرتها.

وقال البيان: «لا نستبعد قيام أذرع النظام البائد بتوزيع أزياء الدعم السريع على عناصرهم التخريبية لكسر مخازن الأسلحة وتوزيع السلاح لأحد طرفي الصراع من أجل تأجيج المعارك».

وأشارت قوات «الدعم السريع» في بيانها إلى أن وفدها المفاوض في المحادثات الجارية في مدينة جدة السعودية تقدم بطلب للحصول على موافقة الجيش على فتح مطار «الجنينة» لتسيير جسر جوي لتوصيل المساعدات الإنسانية إلى مدن دارفور كافة، بالتنسيق مع المجتمعات المحلية.

وقال سكان في مدينة «الأبيض»، التي تقع بين الخرطوم ودارفور، إن الجيش بدأ في شن ضربات جوية وقصف مدفعي على مواقع تابعة لقوات «الدعم السريع». وتسيطر قوات «الدعم السريع» على الطرق المتفرعة من المدينة، واتفقت مع زعماء القبائل المحلية على تأمين المنطقة من العصابات المسلحة.

الدخان يتصاعد في الخرطوم بعد قصف جوي خلال اشتباكات بين طرفي النزاع (رويترز)

وداخل الخرطوم، تحدث سكان عن وقوع ضربات جوية ومدفعية في الأحياء الجنوبية والشرقية من المدينة، اليوم الأربعاء.

استمرار الهجرة

وقالت الأمم المتحدة في وقت متأخر، الثلاثاء، إن نحو 1.7 مليون شخص نزحوا داخلياً، بينما غادر البلاد أكثر من 500 ألف شخص.

وتخضع مدينة بورتسودان لسيطرة الجيش. وتطل المدينة على البحر الأحمر، ويسودها الهدوء، وهي إحدى الوجهات التي يقصدها الفارون من منازلهم. وبدأت اختبارات المدارس الإعدادية في مدينة بورتسودان الأربعاء، وشرع الحجاج في المغادرة إلى مكة لأداء فريضة الحج.

طلاب من الذين فروا من القتال يؤدون امتحاناتهم في مدرسة بمدينة بورتسودان الاثنين (رويترز)

وقال أحمد طه، أحد سكان الخرطوم، لوكالة الصحافة الفرنسية، الأربعاء: «أصبحنا بلا طعام ولا شراب ولا دواء... الرصاص والقذائف في كل مكان». وأضاف: «أي منطقة في السودان الآن أصبحت منكوبة». وقال مواطن في الخرطوم، لوكالة الصحافة الفرنسية، الأربعاء: «لا نعرف ما هي نهاية هذه الحرب... فقط ندعو الله أن يرفع البلاء».

وقالت السودانية سهى عبد الرحمن، التي تقيم في العاصمة: «نحن نعاني. نعاني من ويلات الحرب، ولا يعلم بحالنا إلا الله».

يُشار إلى أن الاتصالات صعبة مع السودان بشكل عام، والمعلومات عما يجري على الأرض غير متوافرة بدقة من مصادر مستقلة، لا سيما في دارفور في غرب البلاد. ويعاني السودانيون من أزمات متعددة من نقص في الوقود والمواد الغذائية والسيولة.

المسيرات على الخط

وفي الخرطوم، قال مسؤول عسكري، طلب عدم الكشف عن اسمه، لوكالة الصحافة الفرنسية، إن قوات «الدعم السريع» استخدمت في هجومها الثلاثاء على سلاح المدرعات «طائرات من دون طيار، ما يثير شكوكاً حول من أين حصلوا عليها؟».

في المقابل، قال مصدر من قوات «الدعم السريع» لوكالة الصحافة الفرنسية: «حصلنا عليها من مراكز الجيش التي سيطرنا عليها».

ويرى خبير عسكري أن هذا التطور «سيكون له أثر على سير الحرب»، متوقعاً أن تكون قوات «الدعم السريع» قد «حصلت عليها من مصنع اليرموك للصناعات العسكرية» في جنوب الخرطوم.



«سد النهضة»: السيسي يرفض «الأمر الواقع» ويضع شروطاً للتعاون مع إثيوبيا

الرئيس السيسي أكد أن مصر تحترم حق جميع دول حوض النيل في التنمية وتدعمه (الرئاسة المصرية)
الرئيس السيسي أكد أن مصر تحترم حق جميع دول حوض النيل في التنمية وتدعمه (الرئاسة المصرية)
TT

«سد النهضة»: السيسي يرفض «الأمر الواقع» ويضع شروطاً للتعاون مع إثيوبيا

الرئيس السيسي أكد أن مصر تحترم حق جميع دول حوض النيل في التنمية وتدعمه (الرئاسة المصرية)
الرئيس السيسي أكد أن مصر تحترم حق جميع دول حوض النيل في التنمية وتدعمه (الرئاسة المصرية)

وسط توترات متصاعدة بين القاهرة وأديس أبابا بسبب نزاع «سد النهضة» الإثيوبي، جدد الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي التأكيد على رفض بلاده سياسة «الأمر الواقع»، وحدد شروطاً للتعاون مع إثيوبيا، مؤكداً أن التعويل على تفريط مصر في أمنها المائي «رهان خاسر».

وقال السيسي في كلمة مسجلة خلال افتتاح «أسبوع القاهرة التاسع للمياه»، الأحد، إن مصر «اختارت طريق التعاون والحوار، اختياراً واعياً، يستند إلى الثقة في عدالة قضيتها وقانونية موقفها (في إشارة إلى سد النهضة)، وتوقن بأن حماية مصالح شعبها مسؤولية لن تتهاون في الوفاء بها».

وتابع: «أقول بوضوح إن أي رهان على قبول مصر بفرض الأمر الواقع أو التفريط في أمنها المائي... هو رهان خاسر».

وبحسب بيان المتحدث باسم الرئاسة المصرية محمد الشناوي، أشار الرئيس السيسي إلى أنه «من هذا المنطلق؛ تظل يد مصر ممدودة لأشقائها لتعاون يقوم على قواعد القانون الدولي والتشاور والتنسيق، وحسن الجوار وعدم الإضرار، فنحن أسرة واحدة يجمعها النيل، ومصالحنا المشتركة أكبر من خلافاتنا، وحوضنا يمتلك موارد وإمكانات واسعة، يمكن بحسن إدارتها وتنميتها، أن تلبى احتياجات شعوبنا وتطلعاتها».

وانطلق «أسبوع القاهرة التاسع للمياه»، الأحد، تحت عنوان «المياه حافزاً للسلام والازدهار المشترك وكوكب مستدام»، ويستمر حتى 29 أكتوبر (تشرين الأول) الجاري بحضور وفود دولية ومنظمات أممية.

ويمتد النزاع بين مصر وإثيوبيا لنحو 15 عاماً بشأن «سد النهضة» الذي افتتحته أديس أبابا على رافد نهر النيل الشرقي، وتخشى مصر أن يؤثر على حصتها المائية، ومنذ تجميد المفاوضات عام 2024 توترت العلاقات بين البلدين.

جانب من «أسبوع القاهرة للمياه» الأحد (وزارة الري المصرية)

وقال السيسي في كلمته، إن «مصر تحترم حق جميع دول حوض النيل في التنمية وتدعمه، وقد ترجمنا هذا الموقف عملياً من خلال التعاون مع أشقائنا بشأن المشروعات المطروحة، ضمن برامج الاستثمار بدول حوض النيل الجنوبي، في مجالات الطاقة والزراعة والري».

وأكد أن هذه التجربة أثبتت أن «الإخطار المسبق وتبادل الدراسات والتشاور، أدوات عملية، تدعم المضي قدماً في حشد التمويل للمشروعات، وتبنى الثقة، وتحفظ مصالح الجميع»، وليست «وسيلة لتعطيل التنمية، أو فرض الوصاية على أي دولة، وهي تجربة تؤكد أن التعاون الحقيقي ممكن... متى توفرت الإرادة».

عضو «المجلس المصري للشؤون الخارجية»، مساعد وزير الخارجية الأسبق، رخا أحمد حسن، يرى أن كلمة الرئيس السيسي تحمل «رسائل سياسية هامة»، وقال لـ«الشرق الأوسط» إن «الرسائل من حيث النظرة الكلية تؤكد على تمسك مصر بالمسار الدبلوماسي وفق شروط، وأنها تدعم حق دول حوض النيل في التنمية، وأن القاهرة لن تتهاون في حقوقها المائية».

وفي كلمته بالجلسة الافتتاحية لـ«أسبوع القاهرة»، أكد رئيس الوزراء مصطفى مدبولي أن مصر «تعتز بانتمائها الأفريقي، وتعتز على وجه الخصوص بانتمائها إلى أسرة حوض النيل، التي تجمع شعوبها روابط تاريخية ومصالح مشتركة»، مشيراً إلى «أننا لا نريد أن تُختزل علاقاتنا في الخلافات المائية أو أن يتحول الحوض إلى ساحة للتنافس بين دول المنبع والمصب، وإنما نريده مجالاً للشراكة والتنمية واحترام مصالح الجميع».

مصطفى مدبولي خلال كلمته في «أسبوع القاهرة للمياه» (مجلس الوزراء المصري)

وشدد مدبولي على أن «مصر لم تحجر يوماً على حق أي دولة في تحقيق التنمية والاستفادة من مواردها الطبيعية، بل على العكس كانت سباقة دوماً إلى مد يد العون والمُساعدة إلى أشقائها الأفارقة».

ويعتقد مساعد وزير الخارجية المصري الأسبق للشؤون الأفريقية محمد حجازي، أن الرسائل المصرية تؤكد على محددات ثابتة لموقف القاهرة، ويؤكد لـ«الشرق الأوسط»، أن «كلمة الرئيس السيسي شاملة ومحددة للموقف الراهن»، موضحاً أنه «على إثيوبيا أن تعي دلالات الرسائل والشروط المصرية، وأنه لا بديل عن التعاون وفق اتفاق قانوني شامل وملزم».

«سد النهضة» الإثيوبي (رويترز)

من جهته، أكد وزير الري المصري هاني سويلم، في كلمته، الأحد، أن مصر «تمد يدها إلى أشقائها في دول الحوض لتبادل الخبرات وتعزيز فرص التنمية المشتركة»، مشيراً إلى أهمية «مواصلة الحوار والتشاور لبناء إطار توافقي جامع يراعي مصالح جميع الدول».

وتطرقت مديرة «البرنامج الأفريقي» في «مركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية» أماني الطويل، إلى الهدف من «الرسائل المصرية»، وقالت لـ«الشرق الأوسط» إنه «رغم أن الرسائل المصرية التقليدية نفسها، فإنها تهدف إلى التأكيد على أن القاهرة تحترم القانون الدولي وتلتزم بالمسار الدبلوماسي»، مؤكدة أن الرسائل أعادت «تسويق الموقف المصري سياسياً في (قضية السد الإثيوبي) أمام الوفود الدولية والإقليمية المشاركة بـ(أسبوع القاهرة للمياه)».


ليبيا تتأهب لموجة أمطار جديدة وسط مخاوف

صورة أرشيفية نشرتها «وكالة الأنباء الليبية» لأحد السدود
صورة أرشيفية نشرتها «وكالة الأنباء الليبية» لأحد السدود
TT

ليبيا تتأهب لموجة أمطار جديدة وسط مخاوف

صورة أرشيفية نشرتها «وكالة الأنباء الليبية» لأحد السدود
صورة أرشيفية نشرتها «وكالة الأنباء الليبية» لأحد السدود

تستعد السلطات الليبية لموجة جديدة من الأمطار قد تكون غزيرة في مناطق متفرقة من البلاد، مع تشديد إجراءات مراقبة السدود ومجاري الأودية، ورفع جاهزية فرق الإنقاذ والطوارئ، في اختبار لقدرة المؤسسات الخدمية على التعامل مع تداعيات التقلبات الجوية، بعد أيام من فيضانات شهدتها العاصمة طرابلس أودت بحياة شخصين.

وأمرت إدارة السدود بوزارة الموارد المائية بحكومة «الوحدة الوطنية» المؤقتة، برفع درجة الاستعداد، وتعزيز أعمال القياس والرصد في سدود المنطقة الغربية، تحسباً لتدفق مياه الأمطار من مناطق التجميع العليا إلى بحيرات التخزين أمام السدود.

وقال مدير إدارة السدود المكلف، محمد الديلي، وفق ما نقلته «وكالة الأنباء الليبية»، إن هذه الإجراءات تأتي استجابة للتوقعات الجوية التي تشير إلى احتمال هطول أمطار متوسطة إلى غزيرة وجريان الأودية، مع التشديد على التنسيق المستمر بين الفرق الفنية والجهات المختصة وغرفة متابعة السدود.

وتأتي هذه الاستعدادات وسط مخاوف من تكرار ما حدث في طرابلس مؤخراً، في وقت يتوقع فيه «المركز الوطني للأرصاد الجوية» استمرار التقلبات الجوية على مناطق شمال ليبيا، مع ازدياد احتمالات هطول أمطار غزيرة محلياً، يومي الاثنين والثلاثاء، نتيجة امتداد منخفض جوي متمركز جنوب إيطاليا.

اختناق مروري وتعطل حركة السير وسط طرابلس بسبب السيول (أرشيفية - أ.ف.ب)

وتشمل المناطق المتوقع تأثرها بالأمطار، الساحل الغربي الممتد من رأس إجدير إلى سرت، ومناطق الجبل الغربي، إلى جانب مناطق الخليج وسهل بنغازي وأجزاء من الشمال الشرقي.

وحذر «المركز الوطني للأرصاد الجوية»، من احتمال تجمع المياه في المناطق المنخفضة وعلى الطرق وجريان الأودية المحلية، ودعا المواطنين إلى تجنب عبور الأودية والطرق المغمورة بالمياه.

تمركز صهاريح شفط المياه بطرابلس (وزارة الموارد المائية بحكومة «الوحدة«)

وفي إطار الاستعدادات الميدانية، رفع «جهاز الإسعاف والطوارئ» درجة التأهب إلى القصوى، ووجّه فروعه ومكاتبه بتفعيل فرق الرصد لمراقبة ارتفاع مناسيب المياه في السدود والأودية، وإحالة المعلومات الميدانية إلى غرفة العمليات المركزية لضمان سرعة الاستجابة لأي طارئ.

كما بحثت مديرية أمن طرابلس، بمشاركة جهات أمنية وخدمية وفنية، إجراءات مواجهة تداعيات الحالة الجوية، واتُّفق على تشكيل لجنة مشتركة لتنفيذ جولات ميدانية على مجاري الأودية، والتأكد من خلوها من العوائق التي قد تعرقل تصريف المياه.

وكثفت «الشركة العامة للمياه والصرف الصحي»، الأحد، جولاتها الميدانية في مواقع حيوية بطرابلس للتأكد من جاهزيتها للتعامل مع تجمعات المياه المحتملة.

وسبق ذلك تمركز صهاريج لشفط مياه الأمطار في نقاط مختارة بالعاصمة وتاجوراء، إلى جانب جولة للجنة الطوارئ والأزمات بمديرية أمن طرابلس على «سد وادي المجنين» ومجرى الوادي والعبارات المرتبطة به، بمشاركة جهات أمنية وخدمية وفنية للتحقق من جاهزيتها لاستقبال مياه الأمطار.

وتعيد التحذيرات الحالية إلى الواجهة تداعيات الأمطار الغزيرة التي ضربت طرابلس في 13 من الشهر الحالي، عندما غمرت المياه طرقاً وشوارع ومساكن، وتسببت في تعطل حركة المرور واحتجاز مركبات، وسط صعوبات في تصريف المياه؛ ما أسفر عن وفاة شخصين.

أرشيفية لإغلاق طريق بني وليد - ترهونة بسبب السيول (مديرية أمن بني وليد)

وأظهرت تلك التداعيات حجم التحديات التي تواجهها خدمات تصريف مياه الأمطار والبنية التحتية في العاصمة، وهو ما دفع السلطات إلى بحث جاهزية المرافق الخدمية وآليات التنسيق بين البلديات والجهات التنفيذية.

وكانت حكومة «الوحدة» قد وجهت الجهات المختصة إلى رفع درجة الجاهزية، وتجهيز مضخات سحب المياه ووضعها في النقاط الحرجة، وتنظيف الشوارع، وفتح مسارات التصريف، فضلاً عن رفع استعداد فرق الطوارئ التابعة للشركة العامة للكهرباء، وتجهيز فرق الإنقاذ والإخلاء.


البرلمان الجزائري يجيز نشر قوات في النيجر وسط تساؤلات بشأن الأهداف الاستراتيجية

عرض عسكري نظمه الجيش الجزائري في 2024 (وزارة الدفاع)
عرض عسكري نظمه الجيش الجزائري في 2024 (وزارة الدفاع)
TT

البرلمان الجزائري يجيز نشر قوات في النيجر وسط تساؤلات بشأن الأهداف الاستراتيجية

عرض عسكري نظمه الجيش الجزائري في 2024 (وزارة الدفاع)
عرض عسكري نظمه الجيش الجزائري في 2024 (وزارة الدفاع)

صوّت البرلمان الجزائري، الأحد، على «التماس رئاسي» يجيز إرسال وحدة عسكرية إلى النيجر، بعد أن كان الرئيس عبد المجيد تبون قد أكد، مطلع الشهر الحالي، أن هذا البلد «يواجه تهديداً من جماعة مسلحة» تموّلها، بحسب قوله، «دولة من خارج منطقة الساحل».

وجرى التصويت خلال جلستين مغلقتين منفصلتين، خُصّصت إحداهما لكل غرفة من غرفتي البرلمان، وسط تكتم شديد، إذ مُنعت وسائل الإعلام من متابعة الحدث. وفي حين أيّدت أحزاب الموالاة هذه الخطوة، التزمت أحزاب المعارضة الصمت.

وقال برلمانيون إنهم صوّتوا على «إخطار» وصلهم من الرئيس تبون يخص إرسال وحدة من الجيش إلى النيجر قصد حماية المشروعات الاستثمارية لـ«شركة سوناطراك الدولية للاستكشاف والإنتاج»، وذلك بناءً على طلب من السلطات النيجرية.

من جلسة سابقة لمجلس الأمة (البرلمان)

وأكد صحافيون تجمعوا خارج «مجلس الأمة» (الغرفة البرلمانية العليا) وسط العاصمة، أنهم شاهدوا وزير الخارجية أحمد عطاف، وهو يدخل إلى المبنى صباحاً، حيث ألقى خطاباً شرح فيه أسباب التفويض الذي طلبه الرئيس من النواب، بخصوص إيفاد الجيش خارج الحدود، وتحديداً إلى النيجر، بحسب ما ذكرته مصادر برلمانية لـ«الشرق الأوسط»، دون تقديم تفاصيل عن مضمون خطاب عطاف.

وأفادت المصادر بأن كل النواب تسلموا، قبل 24 ساعة من جلسة التصويت، «أرضية، تتضمن الخطوط العريضة لقرار محتمل يخص تحرّك القوات المسلحة لشن أو المشاركة في عملية عسكرية في النيجر».

غطاء دستوري

وغادر أعضاء «مجلس الأمة» المكان بمجرد أن انتهت عملية التصويت، التي تمت بإجماع الكتل الحزبية وكتلة «الثلث الرئاسي» المؤيدة لرئيس البلاد، حيث أظهروا حرصاً واضحاً على تفادي طلبات الصحافيين للتصريح. وشهد «المجلس الشعبي الوطني» (الغرفة السفلى)، نفس «السيناريو» بعد الظهر، حيث أيدت الأغلبية قرار إيفاد قوات إلى النيجر.

وبتصويت الغرفتين باتت الخطوة تحظى بغطاء قانوني يتماشى مع «المادة 91» من الدستور التي تعطي لرئيس البلاد، بوصفه القائد الأعلى للقوات المسلحة ووزير الدفاع الوطني، صلاحية إرسال وحدات من الجيش الوطني الشعبي إلى خارج البلاد، بعد مصادقة البرلمان بأغلبية ثلثي أعضاء كل غرفة.

رئيس النيجر يستقبل من طرف نظيره الجزائري منتصف فبراير 2026 (الرئاسة الجزائرية)

وإن كانت السلطات لم تذكر بشكل رسمي سبب نقل وحدة من الجيش إلى الجارة الجنوبية، ولا الإعلان عن هذه الخطوة، فقد لمّح إلى هذه القضية عمار بلاني المتحدث باسم وزارة الخارجية وسفير الجزائر ببروكسل سابقاً، المحال على التقاعد قبل أشهر قليلة، حيث ذكر، في منشور بحسابه بالإعلام الاجتماعي، أن الجزائر استجابت لـ«طلب سيادي من السلطات النيجرية، وضمن إطار اتفاق ثنائي للتعاون الأمني».

ولفت بلاني إلى أنه من «المرتقب أن تتمركز القوات الجزائرية في قاعدة ماداما العسكرية، الواقعة شمال النيجر بالقرب من الحدود الليبية». موضحاً أن هذه القاعدة كانت نقطة ارتكاز عسكرية فرنسية جرى تطويرها في إطار عملية عسكرية شنّتها فرنسا عام 2013 ضد معاقل جماعات دينية متشددة في مالي.

وتكتسي هذه المنشأة أهمية استراتيجية لمراقبة منطقة الساحل والمحاور العابرة للحدود، حسب الدبلوماسي السابق.

رسم بياني للحدود و«قاعدة ماداما» النيجرية (متداولة)

وتقع قاعدة «ماداما» العسكرية في شمال النيجر على بُعد نحو 263 كيلومتراً بخط مستقيم من قاعدة «الويغ» في إقليم فزّان الليبي، وهي موقع عسكري مرتبط بقوات المشير خليفة حفتر، ويُستخدم نقطة إسناد في جنوب غربي ليبيا.

وعلى إثر هذا الخيار غير المألوف في تعامل الجزائر مع التحديات الواقعة خارج حدودها، تُطرح تساؤلات عدة بشأن أهداف نشر قوات من جيشها على امتداد الحدود المشتركة مع النيجر وموريتانيا.

دوافع التموضع الاستباقي

ويأتي ذلك في سياق إقليمي معقّد، خصوصاً في ظل الخلاف الحاد بين الجزائر والمشير خليفة حفتر، الذي لا تعترف به الجزائر سلطةً شرعية في ليبيا، وتتعامل رسمياً مع الحكومة في طرابلس.

حول هذا التطور اللافت في السياسية الخارجية الجزائرية، قال وزير سابق مفضلاً عدم نشر اسمه لـ«الشرق الأوسط»: «بلادنا لم تعد تكتفي بملء الفراغ الدبلوماسي الذي خلّفه الانسحاب الفرنسي بالمنطقة، بل تسعى إلى بلورة تموضع استباقي على المستويات العسكرية والأمنية والاستثمارية، بما يحول دون تحوّل حزامها الجنوبي إلى مجال نفوذ استراتيجي لقوى إقليمية ودولية منافسة».

في أواخر أغسطس (آب) الماضي، أرسلت الجزائر 4 طائرات مقاتلة تابعة للقوات الجوية، عقب محاولة انقلاب فاشلة في نيامي. وكانت هذه المهمة الأولى من نوعها منذ الاستقلال عام 1962.

وصرّح الرئيس تبون مطلع الشهر الحالي أن محاولة الانقلاب التي استهدفت الرئيس عبد الرحمن تشياني نهاية أغسطس الماضي، عدّتها بلاده «استفزازاً، لأنها جاءت مباشرة بعد زيارة رئيس الوزراء النيجري، علي محمد لمين زين، إلى الجزائر». مؤكداً أن «لدينا مصالح، وقد أبرمنا اتفاقيات في مجالات النفط والمناجم وغيرها. ثم يأتي أحدهم ليُفسد كل شيء في ليلة واحدة. لا ينبغي، مع ذلك، الاستهانة بالأمور إلى هذا الحد. نحن قادرون على الدفاع، أولاً عن أصدقائنا، ثم عن المصالح المشتركة التي تجمعنا». وكان تبون يلمّح إلى جهة أجنبية عن المنطقة، من دون أن يذكر من هي.

رئيس أركان الجيش الجزائري سعيد شنقريحة ووزير الدفاع النيجري (وزارة الدفاع)

وأطلقت الجزائر العديد من مشروعات التعاون مع النيجر، انطلاقاً من رؤيتها القائمة على أن الاستقرار والأمن في منطقة الساحل يمران أساساً عبر التنمية الاقتصادية. ومن أبرز هذه المشروعات إنجاز أنبوب الغاز العابر للصحراء، الذي يُفترض أن ينقل الغاز من نيجيريا إلى أوروبا عبر النيجر والجزائر، إلى جانب الاستغلال المشترك، بين شركة «سوناطراك» الجزائرية وشركة النفط النيجرية «سونيديب»، لحقل «كافرا» النفطي الواقع شمال النيجر.