مدن دارفور تحت القصف... والأمم المتحدة تتحدث عن «جرائم حرب»

اتساع رقعة الصراع في السودان مع دخول الحرب شهرها الثالث

 جانب من الدمار في مدينة الجنينة عاصمة غرب دارفور (أ.ف.ب)
جانب من الدمار في مدينة الجنينة عاصمة غرب دارفور (أ.ف.ب)
TT

مدن دارفور تحت القصف... والأمم المتحدة تتحدث عن «جرائم حرب»

 جانب من الدمار في مدينة الجنينة عاصمة غرب دارفور (أ.ف.ب)
جانب من الدمار في مدينة الجنينة عاصمة غرب دارفور (أ.ف.ب)

شهدت عدة مدن في ولايات دارفور غربي السودان، الأربعاء، احتدام المعارك، مع تمدد لنطاق الصراع الذي دخل شهره الثالث في البلاد، بينما تجاوز عدد الأشخاص الذين فروا من منازلهم بسبب العنف، مليوني شخص.

وعبر الأمين العام للأمم المتحدة، أنطونيو غوتيريش، عن قلقه البالغ من تزايد البعد الطائفي للعنف، وكذلك من التقارير الخاصة بالعنف الجنسي، فيما أشار موفده إلى السودان، فولكر بيرتس، إلى أن بعض أعمال العنف قد ترقى إلى «جرائم ضد الإنسانية».

وشهدت مدينة «الجنينة»، عاصمة ولاية غرب دارفور، أعنف المعارك، ما أدى إلى فرار السكان. وطالب خميس أبكر، والي ولاية غرب دارفور، المجتمع الدولي بالتدخل لوقف ما وصفه بأنه «إبادة جماعية».

الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش (رويترز)

قتل عشوائي

وقال أبكر: «المواطنون يُقتلون بطريقة عشوائية جداً وبأعداد كبيرة». وأضاف أنه رغم أن قوات «الدعم السريع» والميليشيات المتحالفة معها كانت في البداية تستهدف مناطق في «الجنينة»، يعيش فيها أفراد من قبيلة «المساليت» الأفريقية، فإن هذه الهجمات امتدت الآن إلى المدينة بأكملها. وتابع: «لم نشاهد خروج قوات الشعب المسلحة من ثكناتهم على الأقل للدفاع عن المواطنين».

كما شهدت مدينة «نيالا»، عاصمة ولاية جنوب دارفور، اشتباكات أيضاً. وقالت هيئة محامي دارفور، وهي جماعة محلية تراقب العنف، الأربعاء، إن قصفاً مدفعياً أصاب منازل مدنيين في «نيالا». وقال صلاح الأمين (39 عاماً)، لوكالة «رويترز» إن «الهجوم يمكن أن يبدأ مرة أخرى في أي لحظة، ونحن لا نشعر بالأمان». وأضافت الهيئة أن مدينة «زالنجي»، عاصمة ولاية وسط دارفور، هي حالياً تحت الحصار.

ويسود الهدوء نسبياً مدينة «الفاشر»، عاصمة ولاية شمال دارفور، لكن مدينة «كتم» التي تسيطر عليها قوات «الدعم السريع» تشهد موجة نزوح.

وقال متحدث باسم الأمين العام للأمم المتحدة، أنطونيو غوتيريش، إن الأمين العام «قلق للغاية من تزايد البعد الطائفي للعنف، وكذلك من التقارير الخاصة بالعنف الجنسي».

الأمم المتحدة تحذر

وعبر رئيس بعثة الأمم المتحدة في السودان (يونيتاميس)، فولكر بيرتس، في بيان الأربعاء، عن قلق عميق لاستمرار تدهور الوضع الأمني في دارفور، وبشكل خاص في مدينة «الجنينة»، في أعقاب موجات العنف التي اتخذت أبعاداً عرقية.

وأضاف أن الأمم المتحدة تواصل جمع تفاصيل إضافية بشأن هذه التقارير، مشيراً إلى أن هناك نمطاً ناشئاً من الهجمات واسعة النطاق التي تستهدف المدنيين على أساس هوياتهم العرقية، التي يزعم أنها ارتكبت من قبل ميليشيات عربية وبعض الرجال المسلحين الذين يرتدون أزياء قوات «الدعم السريع».

فولكر بيرتس رئيس بعثة الأمم المتحدة إلى السودان (رويترز)

وقال بيرتس إن هذه التقارير مقلقة للغاية، وإذا تم التحقق منها، فقد ترقى إلى مستوى «جرائم ضد الإنسانية».

وأدان بيان الأمم المتحدة جميع الهجمات التي تستهدف المدنيين والبنية التحتية، مهما كان شكلها وأياً كان مرتكبوها المزعومون، داعياً قوات الأمن والجهات المسلحة غير الحكومية إلى الالتزام بالقانون الدولي الإنساني، واحترام الحق في الحياة والامتناع عن الهجمات ضد المدنيين.

وأشار البيان إلى أنه منذ اندلاع النزاع بين الجيش وقوات «الدعم السريع» استمرت الأوضاع الأمنية وحقوق الإنسان والوضع الإنساني في التدهور في جميع أنحاء البلاد، لا سيما في مناطق الخرطوم الكبرى ودارفور وكردفان.

وذكر البيان أن الأمم المتحدة غير قادرة في هذه المرحلة على التحقق من جميع الانتهاكات المزعومة لحقوق الإنسان، وأن المعلومات الواردة من كيانات المجتمع المدني وشبكات المدافعين عن حقوق الإنسان ترسم صورة واضحة لنطاق التأثير المدمر على السكان.

وأكد فولكر بيرتس أن البعثة الأممية ستواصل جهودها للانخراط مع جميع الأطراف من أجل التوصل إلى حل سلمي للنزاع، بالتنسيق مع الشركاء الإقليميين والدوليين.

وتشهد منطقة دارفور في السودان صراعاً متقطعاً منذ بداية القرن الحالي، وهو الصراع الذي أدى إلى نزوح الملايين ومقتل 300 ألف شخص في هجمات شنتها ميليشيات «الجنجويد» العربية. وولدت قوات «الدعم السريع» من رحم هذه الميليشيات، وأصبحت قوة حكومية قانونية في عام 2017.

ووجّهت المحكمة الجنائية الدولية اتهامات إلى الرئيس المعزول عمر البشير وعدد من مساعديه، بارتكاب إبادة جماعية وجرائم ضد الإنسانية وجرائم حرب في دارفور. وتسبب الصراع بين الجيش وقوات «الدعم السريع» بأزمة إنسانية في العاصمة الخرطوم ومدن أخرى، مثل «الأبيض» و«نيالا» و«الفاشر» و«الجنينة». وتشير تقديرات إلى أن أكثر من 1100 شخص قتلوا في هذه المدن جراء القتال.

ووفقاً لـ«نقابة أطباء السودان»، ارتفع عدد القتلى من المدنيين إلى 958، وأصيب 4746 شخصاً في جميع أنحاء البلاد. وقالت النقابة (غير حكومية) في بيان الأربعاء، إن هذه الإحصائيات لا تشمل الكثير من حالات القتل والإصابات التي تعثر وصولها إلى المستشفيات لصعوبة التنقل والوضع الأمني في جميع أنحاء البلاد.

«وضع كارثي» في غرب دارفور

وذكرت النقابة أن الوضع في مدينة «الجنينة» في ولاية غرب دارفور، كارثي، وهو الأسوأ على الإطلاق، إذ سقط عدد كبير من الضحايا من بينهم أطفال ونساء وكبار في السن جراء الاقتتال.

وأضافت: «تعذر حصر جميع الضحايا لخروج جميع المستشفيات في المدينة عن الخدمة، وانقطاع الاتصالات، وحصارها بالميليشيات المسلحة».

وقالت مصادر محلية إن طيران الجيش السوداني نفذ غارات جوية ضد مواقع لقوات «الدعم السريع» في أطراف مدينة «الأبيض»، عاصمة ولاية شمال كردفان، فيما شهدت مناطق في العاصمة الخرطوم اشتباكات متفرقة بين الطرفين.

وترددت أنباء عن أن ميليشيات مسلحة مدعومة من قوات «الدعم السريع» تقف خلف أعمال القتل والنهب والتدمير التي طالت المدينة، والتي بدورها، اتهمت الجيش بالوقوف وراء تأزيم الوضع في دارفور والدفع إلى مواجهات ذات طابع قبلي.

اتهامات لـ«فلول النظام البائد»

ودعت قوات «الدعم السريع» في بيان إلى تشكيل لجنة عاجلة من الأطراف القبلية المتقاتلة والإدارة الأهلية، للتواصل والتنسيق معها ومع قوات الجيش لتهدئة الأوضاع، وإيصال المساعدات الإنسانية للمدنيين، مطالبة بتكوين لجنة تقصي حقائق لكشف المتورطين في الأزمة.

وأكد البيان وقوف قوات «الدعم السريع» على الحياد في الأزمة في غرب دارفور، ووفقاً لذلك أصدرت توجيهات صارمة لعناصرها بعدم التدخل والبقاء في مناطق سيطرتها.

وقال البيان: «لا نستبعد قيام أذرع النظام البائد بتوزيع أزياء الدعم السريع على عناصرهم التخريبية لكسر مخازن الأسلحة وتوزيع السلاح لأحد طرفي الصراع من أجل تأجيج المعارك».

وأشارت قوات «الدعم السريع» في بيانها إلى أن وفدها المفاوض في المحادثات الجارية في مدينة جدة السعودية تقدم بطلب للحصول على موافقة الجيش على فتح مطار «الجنينة» لتسيير جسر جوي لتوصيل المساعدات الإنسانية إلى مدن دارفور كافة، بالتنسيق مع المجتمعات المحلية.

وقال سكان في مدينة «الأبيض»، التي تقع بين الخرطوم ودارفور، إن الجيش بدأ في شن ضربات جوية وقصف مدفعي على مواقع تابعة لقوات «الدعم السريع». وتسيطر قوات «الدعم السريع» على الطرق المتفرعة من المدينة، واتفقت مع زعماء القبائل المحلية على تأمين المنطقة من العصابات المسلحة.

الدخان يتصاعد في الخرطوم بعد قصف جوي خلال اشتباكات بين طرفي النزاع (رويترز)

وداخل الخرطوم، تحدث سكان عن وقوع ضربات جوية ومدفعية في الأحياء الجنوبية والشرقية من المدينة، اليوم الأربعاء.

استمرار الهجرة

وقالت الأمم المتحدة في وقت متأخر، الثلاثاء، إن نحو 1.7 مليون شخص نزحوا داخلياً، بينما غادر البلاد أكثر من 500 ألف شخص.

وتخضع مدينة بورتسودان لسيطرة الجيش. وتطل المدينة على البحر الأحمر، ويسودها الهدوء، وهي إحدى الوجهات التي يقصدها الفارون من منازلهم. وبدأت اختبارات المدارس الإعدادية في مدينة بورتسودان الأربعاء، وشرع الحجاج في المغادرة إلى مكة لأداء فريضة الحج.

طلاب من الذين فروا من القتال يؤدون امتحاناتهم في مدرسة بمدينة بورتسودان الاثنين (رويترز)

وقال أحمد طه، أحد سكان الخرطوم، لوكالة الصحافة الفرنسية، الأربعاء: «أصبحنا بلا طعام ولا شراب ولا دواء... الرصاص والقذائف في كل مكان». وأضاف: «أي منطقة في السودان الآن أصبحت منكوبة». وقال مواطن في الخرطوم، لوكالة الصحافة الفرنسية، الأربعاء: «لا نعرف ما هي نهاية هذه الحرب... فقط ندعو الله أن يرفع البلاء».

وقالت السودانية سهى عبد الرحمن، التي تقيم في العاصمة: «نحن نعاني. نعاني من ويلات الحرب، ولا يعلم بحالنا إلا الله».

يُشار إلى أن الاتصالات صعبة مع السودان بشكل عام، والمعلومات عما يجري على الأرض غير متوافرة بدقة من مصادر مستقلة، لا سيما في دارفور في غرب البلاد. ويعاني السودانيون من أزمات متعددة من نقص في الوقود والمواد الغذائية والسيولة.

المسيرات على الخط

وفي الخرطوم، قال مسؤول عسكري، طلب عدم الكشف عن اسمه، لوكالة الصحافة الفرنسية، إن قوات «الدعم السريع» استخدمت في هجومها الثلاثاء على سلاح المدرعات «طائرات من دون طيار، ما يثير شكوكاً حول من أين حصلوا عليها؟».

في المقابل، قال مصدر من قوات «الدعم السريع» لوكالة الصحافة الفرنسية: «حصلنا عليها من مراكز الجيش التي سيطرنا عليها».

ويرى خبير عسكري أن هذا التطور «سيكون له أثر على سير الحرب»، متوقعاً أن تكون قوات «الدعم السريع» قد «حصلت عليها من مصنع اليرموك للصناعات العسكرية» في جنوب الخرطوم.



قمة مصر و«ثلاثي القرن الأفريقي»... رسائل لدعم الاستقرار وسط توترات متصاعدة

قمة رباعية في العلمين تؤكد على دعم الاستقرار في القرن الأفريقي (الرئاسة المصرية)
قمة رباعية في العلمين تؤكد على دعم الاستقرار في القرن الأفريقي (الرئاسة المصرية)
TT

قمة مصر و«ثلاثي القرن الأفريقي»... رسائل لدعم الاستقرار وسط توترات متصاعدة

قمة رباعية في العلمين تؤكد على دعم الاستقرار في القرن الأفريقي (الرئاسة المصرية)
قمة رباعية في العلمين تؤكد على دعم الاستقرار في القرن الأفريقي (الرئاسة المصرية)

قمة هي الأولى من نوعها بين مصر و3 دول من منطقة القرن الأفريقي، هي السودان وإريتريا والصومال، انعقدت في مدينة العلمين المصرية الأحد، بعد تصعيد إثيوبي شمل تبادل قطع العلاقات مع أسمرة وطرد دبلوماسي مع القاهرة.

تلك القمة حملت رسائل ردع لإثيوبيا، بحسب خبير في الشؤون الأفريقية تحدث لـ«الشرق الأوسط»، خصوصاً في ملفات النيل والسودان والبحر الأحمر، مع التمسك بثوابت الاستقرار في منطقة القرن الأفريقي.

وفي أكتوبر (تشرين الأول) 2024، عقدت قمة ثلاثية، جمعت قادة مصر وإريتريا والصومال، إلا أن هذه أول مرة بمشاركة قائد الجيش السوداني الفريق أول عبد الفتاح البرهان.

وبحسب «إعلان العلمين المشترك» الصادر عن القمة الرباعية التشاورية التي جمعت الرئيس عبد الفتاح السيسي مع نظيريه الإريتري، أسياس أفورقي، والصومالي حسن شيخ محمود، ورئيس «مجلس السيادة الانتقالي» في السودان عبد الفتاح البرهان، فإنها تناولت القضايا الإقليمية والدولية الراهنة وتعزيز التعاون والتنسيق.

وأكّد القادة ضرورة احترام السيادة واستقلال ووحدة أراضي دول المنطقة، وإعلاء قيم حسن الجوار، ورفض التدخلات في الشؤون الداخلية لدول المنطقة تحت أي ذريعة، والعمل على دعم المؤسسات الوطنية وتعزيز الحلول السياسية والسلمية للنزاعات.

وتوافق المشاركون على «دعم وحدة السودان ورفض إنشاء أي كيانات موازية، وتشجيع استئناف العملية السياسية بملكية وقيادة سودانية، ودعم المؤسسات الوطنية، إضافة إلى الرفض الكامل لأي دعم للمرتزقة».

وشددت القمة على «دعم وحدة وسيادة الصومال، ورفض أي تدخل أو إجراءات تستهدف وحدة أراضيه وسيادته الوطنية، كما ترفض أي اعتراف أو دعم لما يسمى بأرض الصومال، باعتبار أن ذلك يعتبر مساساً بسيادة الجمهورية الفيدرالية ووحدة أراضيها».

وأكد القادة «مبدأ حرية الملاحة، وأن حوكمة البحر الأحمر مسؤولية حصرية للدول المشاطئة»، مشددين على «الرفض الكامل لأي إجراءات أحادية تضرّ بالاستخدامات المائية القائمة لدولتي مصب نهر النيل (مصر والسودان)».

واتفقوا على «إنشاء آلية لمتابعة مخرجات هذه القمة التشاورية، التي سيتم عقدها بشكل دوري، وكلما استدعى الأمر، لتعزيز التشاور والتنسيق فيما بينهم».

وجاء الإعلان المصري عن القمة السبت، عقب لقاءين منفصلين جمعا السيسي برئيس إريتريا أسياس أفورقي، ونظيره الصومالي حسن شيخ محمود، تطرقا إلى التطورات في منطقة القرن الأفريقي وتعزيز أمن البحر الأحمر، وسط تأكيدات على رفض التدخل في الشؤون الداخلية للدول.

قمة سابقة بين رؤساء مصر والصومال وإريتريا في العاصمة أسمرة (الرئاسة المصرية)

ووصل حسن شيخ محمود إلى القاهرة السبت، بعد أيام من زيارتين لجيبوتي وإثيوبيا بحث خلالهما تعزيز العلاقات وتطور المنطقة.

وجاءت القمة بعد تصعيد «جبهة تحرير تيغراي»، أواخر سبتمبر (أيلول) الماضي، ضد الحكومة الفيدرالية بعد أيام من تشكيل تحالف سباعي، يهدف لإسقاط حكومة آبي أحمد، وتلاها تصعيد إثيوبي بتبادل قطع العلاقات مع إريتريا وطرد دبلوماسي مع مصر بدعوى التدخل في الشؤون الداخلية للبلاد رغم نفي أسمرة والقاهرة ذلك.

رسائل ردع

ويرى خبير الشؤون الأفريقية بـ«المركز القومي لدراسات الشرق الأوسط» حسين البحيري، أن القمة تحمل «رسالة ردع» لإثيوبيا بوجود دول حريصة على حفظ الاستقرار الأمني في منطقة القرن الأفريقي، رافضة التصعيد الدبلوماسي والسياسي الذي تقوم به أديس أبابا في الوقت الراهن ضد إريتريا والسودان، في محاولة لإشعال المنطقة بحروب إقليمية للتغطية على الأزمات الداخلية الإثيوبية، وعلى رأسها الصراع في إقليم تيغراي.

وتهدف القمة إلى الحفاظ على توازنات القوى في منطقة القرن الأفريقي، خاصة أنها تأتي عقب اجتماع رئيس حكومة إثيوبيا مع كل من رئيس جيبوتي إسماعيل عمر جيله، ومن بعده مع رئيس الصومال قبل أيام، بحسب البحيري.

وأوضح أنه يمكن للصومال أن تلعب دوراً موازناً ووسيطاً بين إثيوبيا والسودان وإريتريا ومصر، في ضوء التقارب السياسي الملحوظ بين رئيس الصومال حسن شيخ محمود ورئيس وزراء إثيوبيا آبي أحمد.

ورغم أنها قمة عنوانها الدفع نحو الاستقرار والتهدئة، فإن المؤشرات، بحسب البحيري، ترجح اتجاه منطقة القرن الأفريقي نحو مزيد من التصعيد والتوتر السياسي والدبلوماسي في الأجل القريب، وفي ظل إصرار إثيوبيا على منفذ بحري ذي طبيعة عسكرية في البحر الأحمر، رغم الرفض المصري والإقليمي.

وفي هذا الإطار، لا يستبعد البحيري السيناريو الخاص باندلاع مواجهات مسلحة بين إثيوبيا وإريتريا بهدف استعادة ميناء عصب الإريتري، وأيضاً مواجهات عسكرية بين إثيوبيا والسودان بسبب التدخلات الإثيوبية في الشأن الداخلي السوداني وتورطها في تأجيج الصراع بدعم «ميليشيات الدعم السريع»، بخلاف عدم انتهاء مواجهات إقليم تيغراي.


الدبيبة يصالح قادة تشكيلات الزاوية المسلحة بعد تعهده بتفكيكها

الدبيبة رئيس حكومة «الوحدة» الليبية في «ملتقى الزاوية مصراتة» يوم 3 أكتوبر (مكتب الدبيبة)
الدبيبة رئيس حكومة «الوحدة» الليبية في «ملتقى الزاوية مصراتة» يوم 3 أكتوبر (مكتب الدبيبة)
TT

الدبيبة يصالح قادة تشكيلات الزاوية المسلحة بعد تعهده بتفكيكها

الدبيبة رئيس حكومة «الوحدة» الليبية في «ملتقى الزاوية مصراتة» يوم 3 أكتوبر (مكتب الدبيبة)
الدبيبة رئيس حكومة «الوحدة» الليبية في «ملتقى الزاوية مصراتة» يوم 3 أكتوبر (مكتب الدبيبة)

بدا أن رئيس حكومة «الوحدة الوطنية» الليبية المؤقتة، عبد الحميد الدبيبة، يسعى إلى احتواء التشكيلات المسلحة في الزاوية بغرب البلاد، بينما صعّد لهجته تجاه مؤسسات رقابية ورئيس مجلس النواب، متوعداً بوقف مرتبات العاملين في ديوان المحاسبة وهيئة الرقابة الإدارية، وإعادتها إلى جدول المرتبات الموحد.

واستغل الدبيبة مشاركته في لقاء جمعه، مساء السبت، في «ملتقى أبناء الوطن» بأعيان وحكماء وقيادات اجتماعية وعسكرية من الزاوية ومصراتة، لمهاجمة مؤسستي الرقابة الإدارية وديوان المحاسبة، في مؤشر على استمرار الصراع السياسي بين حكومته والمؤسسات المرتبطة بالسلطات المنافسة في شرق ليبيا.

جانب من فعاليات «ملتقى أبناء الوطن» بمدينة مصراتة يوم 3 أكتوبر (مكتب الدبيبة)

وقال الدبيبة: «الرقابة الإدارية وديوان المحاسبة لا يتبعاننا»، وأضاف: «من الغد سأقوم بإيقاف مرتباتهم وإعادتهم للجدول الموحد»، وأورد أيضاً في حديثه اسم رئيس مجلس النواب عقيلة صالح.

وتعكس تصريحات الدبيبة استمرار الخلاف حول صلاحيات المؤسسات الرقابية وترتيبات الإنفاق والرواتب بين السلطات المتنافسة في شرق ليبيا وغربها، بينما يحاول تعزيز موقعه السياسي في مواجهة الدعوات إلى تشكيل سلطة تنفيذية جديدة تقود البلاد إلى الانتخابات.

كما دعا الدبيبة في الملتقى الذي حضره قادة بارزون من التشكيلات المسلحة في الزاوية، بينهم حسن بوزريبة رئيس «جهاز دعم الاستقرار»، وعثمان اللهب آمر «الكتيبة 103 مشاة» المعروفة باسم «السلعة»، إلى إنهاء خلافاتهم فوراً، في خطوة حملت عنوان المصالحة وتوحيد الصف، لكنها جاءت أيضاً في أعقاب سلسلة من الاتصالات واللقاءات أجراها الدبيبة مع قادة تشكيلات مسلحة من المدينة، بينهم شخصيات كان قد تعهد في وقت سابق بإنهاء نفوذهم وبسط سلطة الدولة.

وجاء اللقاء في وقت تشهد فيه الزاوية توترات أمنية وخلافات بين تشكيلات مسلحة متنافسة، وبعد سلسلة من الاتصالات واللقاءات التي أجراها الدبيبة مع قادة من المدينة.

وقال الدبيبة إن وحدة ليبيا ونبذ الفُرقة بين أبنائها هما أساس أي مسار يؤدي إلى الاستقرار والانتخابات، داعياً أبناء الزاوية إلى «تعزيز التفاهم» و«تغليب لغة الحوار»، وتوجيه جهودهم إلى بناء المدينة وتنميتها ومعالجة احتياجات سكانها.

وأشاد بما قدمته الزاوية للدولة، مؤكداً دعم حكومته للمدينة وأهلها، ومشدداً على أن الحوار والمصالحة ورفض العودة إلى الصراعات والاقتتال تمثل الطريق إلى الاستقرار والانتخابات.

ودعا الدبيبة بوزريبة واللهب إلى إنهاء الخلافات والنزاعات بينهما، قائلاً إن الزاوية يجب ألا تصبح طاردة للمشروعات.

وتكشف هذه الدعوة عن طبيعة مختلفة للتعامل الحكومي مع القوى المسلحة في الزاوية، إذ لم يتحدث الدبيبة عن تفكيك تشكيلاتها أو إنهاء نفوذ قادتها، وإنما دعاهم إلى تسوية خلافاتهم، والحفاظ على الاستقرار داخل المدينة.

ويأتي ذلك بعد أشهر من تعهدات علنية له بتفكيك التشكيلات المسلحة وبسط سلطة الدولة، ففي يوليو (تموز) الماضي، قال إن حكومته «ماضية في خطتها الأمنية»، ولن تتراجع عن تفكيك الميليشيات والتشكيلات المسلحة، مضيفاً أنه يريد تمهيد الطريق أمام الحكومة المقبلة حتى لا تجد «العصابات مسيطرة على الدولة».

ويرى الباحث في الشأن الليبي جلال حرشاوي أن قراءة تحرك الدبيبة بوصفه مجرد عودة إلى التحالف مع التشكيلات المسلحة ليست دقيقة.

وقال لـ«الشرق الأوسط» إن الدبيبة «يستثمر الفرصة»، ويوظف التطورات الأخيرة في محاولة «لانتزاع قبيلتي الزاوية الرئيسيتين، (أولاد أبو حميرة) و(أولاد الصقر)، من حضن عائلة (المشير خليفة) حفتر (قائد الجيش الوطني المتمركز في شرق البلاد)، سعياً إلى ربطهما بتحالف وثيق مع مصراتة المؤيدة للدبيبة».

ولفت إلى أن الدبيبة كان يعمل على هذا المسعى منذ أشهر، لكن المهمة أصبحت، بحسب تقديره، أسهل بعد القبض على خلية تخريب في عين زارة قبل نحو شهر.

وأوضح أن الدبيبة، عندما كان يتحدث في الآونة الأخيرة عن «الميليشيات» في الزاوية، كان يشير بصورة أساسية إلى جماعات الجريمة المنظمة الأخرى في المنطقة، مشيراً إلى أنه «لم يتحدث بشكل سلبي عن الجماعات المسلحة المسؤولة عن أمن المصفاة والمناطق الحيوية الأخرى، على الأقل خلال العامين الماضيين».

واستطرد قائلاً: «ربما كانت لديه مشكلات معهم في عامي 2023 و2024، لكن ليس منذ العام الماضي».

وذهب البيان الختامي لملتقى «أبناء الوطن» إلى ما هو أبعد من المصالحة الاجتماعية، إذ أعلن المشاركون دعم استمرار حكومة «الوحدة الوطنية» إلى حين إجراء الانتخابات الرئاسية والبرلمانية، ودعوا إلى عقد لقاء وطني موسع في المنطقة الغربية بحضور الدبيبة.


خلافات «النواب» الليبي تضع رئاسة عقيلة صالح على المحك

رئيس مجلس النواب الليبي عقيلة صالح (المركز الإعلامي لصالح)
رئيس مجلس النواب الليبي عقيلة صالح (المركز الإعلامي لصالح)
TT

خلافات «النواب» الليبي تضع رئاسة عقيلة صالح على المحك

رئيس مجلس النواب الليبي عقيلة صالح (المركز الإعلامي لصالح)
رئيس مجلس النواب الليبي عقيلة صالح (المركز الإعلامي لصالح)

تضع خلافات متصاعدة داخل مجلس النواب الليبي رئاسة عقيلة صالح للمجلس على المحك، بعدما فتح اجتماع 65 نائباً مع المشير خليفة حفتر القائد العام لـ«الجيش الوطني» الباب أمام تحركات لتعديل اللائحة الداخلية وإعادة انتخاب قيادة المجلس.

وعقب اجتماع حفتر والنواب تصاعدت التكهنات بشأن مصير صالح، وامتلأت منصات التواصل بتسريبات متباينة حول ما دار خلاله؛ بين من تحدث عن ضوء أخضر لإزاحته، ومن رجّح قرب استقالته، ومن رأى أنه لا يزال قادراً على احتواء الموقف، مستنداً إلى ثقله القبلي وعلاقاته الإقليمية.

وكان النائب عصام الجهاني، الذي حضر اجتماع النواب وحفتر، تحدث عن أنه «تم التوافق في الاجتماع على دعم توحيد البرلمان من أجل الإصلاحات، وعلى رأسها تعديل اللائحة واختيار رئاسة جديدة، واستمرار دعم اتفاق (4+4) والتعديل الدستوري».

وجرى تداول منشور الجهاني، أحد أبرز أصوات الكتلة البرلمانية المناوئة لصالح، بكثافة، ما دفع بعضهم إلى وصف الاجتماع بأنه ليلة «سقوط عقيلة صالح»، وطرحوا أسماء لخلافته، مثل النائبين جلال الشويهدي وسعد البدري.

في المقابل، أكد عضو مجلس النواب الليبي علي التكبالي أن «اسم عقيلة لم يُردد خلال الاجتماع»، وأن «تعديل اللائحة الداخلية - وهو المطلب الذي طرحه بعض النواب خلال كلمتهم - سيمهد لانتخابات لاختيار رئاسة جديدة، لا لإزاحة صالح فوراً». وأشار إلى أن «التوتر بين كتلة نيابية واسعة وصالح يشكك في قدرة المجلس على العمل تحت رئاسته مستقبلاً».

أما المحلل السياسي الليبي عبد الحكيم فنوش، فيرى «تضخيماً» في الحديث عن مصير صالح على مدار اليومين الماضيين، رغم عدم انعقاد جلسة التعديل بعد، وعدم وجود إشارة واضحة من حفتر بشأن مطالب إزاحته.

واتفق فنوش، في تصريح لـ«الشرق الأوسط»، مع آراء ترى أن «تأخر صالح في التعاطي وإقرار اتفاق (4+4) برلمانياً ربما أوجد توتراً بينه وبين قيادة (الجيش الوطني)؛ كونها أحد الأطراف الموقعة عليه»، وأشار إلى لقاء صالح مع رئيس المجلس الأعلى للدولة محمد تكالة في تركيا وإعلانهما استئناف التواصل حول قوانين لجنة «6+6»، وهو مسار بعيد عن اتفاق «4+4».

ويرى فنوش أن ذلك «رجح قراءات بوقوف صدام حفتر، نجل ونائب القائد العام، خلف الكتلة الساعية لإزاحة صالح، وتباين في الرأي بينه وبين شقيقه خالد، رئيس الأركان العامة».

ووفقاً لاتفاق «4+4» الذي أُبرم نهاية أغسطس (آب) برعاية أممية بين حكومة «الوحدة» و«الجيش الوطني»، ستشكل سلطة جديدة من مجلس رئاسي وحكومة موحدة تمهد لانتخابات خلال عامين.

ويعتقد فنوش أن «قرار إزاحة صالح لم يُتخذ بعد؛ إذ لم تروج وسيلة إعلامية، بما في ذلك المحسوبون على (القيادة العامة)، لشخصية برلمانية محددة تخلفه». وأشار أيضاً إلى «استمرار وجود أصوات برلمانية تدعم بقاءه، وإلى علاقاته الوطيدة بدول إقليمية ربما تتحفظ مثله على اتفاق (4+4) لغموض تفاصيله، أو إبرامه بعيداً عن دوائر صنع القرار فيها».

ووفقاً لأحاديث نواب حضروا الاجتماع، يرى المحلل السياسي الليبي عمر أبو أسعيدة أنه خلص إلى ضمان عقد جلسة بنصاب يتجاوز 120 نائباً، ما يتيح تضمين اتفاق «4+4» في تعديل للإعلان الدستوري المنظم للمرحلة الانتقالية، وتغيير اللائحة تمهيداً لانتخابات تجديد رئاسة المجلس، مرجحاً انعقادها الاثنين المقبل.

وانتقد أبو أسعيدة، في حديثه لـ«الشرق الأوسط»، سعي أصوات في غرب ليبيا إلى إقحام أبناء حفتر في أي حدث أو تطور بالشرق والجنوب، والحديث عن تنافس في النفوذ بينهم.

ورغم إقراره بأن تزامن الخلاف الداخلي بالبرلمان مع إبرام اتفاق «4+4» قدم مؤشرات توحي بوجود تباين بالمواقف، فإنه يرى أن أصحاب هذا الطرح «يتجاهلون انتقادات سابقة لعدد من النواب حول انفراد صالح بالقرارات تحت قبة البرلمان، واحتكاره الصفقات السياسية مع المجلس الأعلى للدولة، فضلاً عن أن طول بقائه شجع على إزاحته طمعاً في خلافته».

وأشار إلى أن هناك من يدفع حالياً باسم «النائب الصالحين عبد النبي لانتمائه مثل صالح إلى قبيلة العبيدات تفادياً لاعتراض هذا الثقل القبلي».

وانتهى إلى أن «السيناريوهات لا تزال مفتوحة»، وأن «صالح قد يحاول استقطاب أصوات في الجلسة القادمة تؤهله، إن لم يتنحَّ، للترشح مجدداً لرئاسة المجلس»، مشيراً إلى حملة ترويج يقودها مناصروه على منصات التواصل «تذكّر بدوره في دعم (الجيش الوطني) عامَي 2014 و2015».

في حين اعتبر الناشط المدني أحمد التواتي، متحدثاً لـ«الشرق الأوسط»، أن الزخم حول مصير رئاسة النواب لا ينفصل عن «ضجر الليبيين من المجالس والسلطات ودورها في تعميق الانقسام والتشَبُّث بالكراسي، وعرقلة الانتخابات وتجاهل معيشتهم».

وتعيش ليبيا منذ سنوات انقساماً بين حكومتين، هما «الوحدة الوطنية» المؤقتة برئاسة عبد الحميد الدبيبة في طرابلس، وحكومة أسامة حماد المكلفة من البرلمان والمدعومة من خليفة حفتر، وتدير الشرق وبعض مدن الجنوب.