أحجار الصحراء العربية تكشف أقدم الخطط المعمارية في العالم

«طائرات ورقية» منحوتة في تلال السعودية والأردن

هيكل حجري لطائرة ورقية صحراوية منقوشة قبل 7 - 9 آلاف سنة في شمال السعودية
هيكل حجري لطائرة ورقية صحراوية منقوشة قبل 7 - 9 آلاف سنة في شمال السعودية
TT

أحجار الصحراء العربية تكشف أقدم الخطط المعمارية في العالم

هيكل حجري لطائرة ورقية صحراوية منقوشة قبل 7 - 9 آلاف سنة في شمال السعودية
هيكل حجري لطائرة ورقية صحراوية منقوشة قبل 7 - 9 آلاف سنة في شمال السعودية

من المملكة العربية السعودية إلى كازاخستان، حيّرت الهياكل الحجرية العملاقة، التي تعود إلى حقبة ما قبل التاريخ، علماء الآثار لعشرات السنوات، إذ يمتدّ الواحد منها لبضعة أمتار، وتشبه في معظمها الطائرة الورقية بذيولها الرفيعة.

«طائرات ورقية صحراوية» عريقة القدم

أجمعت الدراسات الأخيرة على أنّ ما يُعرف بـ«الطائرات الورقية الصحراوية (desert kites)» استُخدمت كشرك للإيقاع بقطعان الحيوانات البريّة وقتلها، إلّا أن العلماء لم يتمكّنوا بعدُ من تحديد كيف خرج الصيّادون بهذه الفكرة التي بقيت بمثابة اللغز. وقال ريمي كراسارد، عالم آثار من «المركز الفرنسي الوطني للبحث العلمي»، إنّ «هذه الطائرات تُرى من الجوّ فقط، حتّى إن الوسائل الحديثة، التي تُستخدم اليوم لتصوير المناظر الطبيعية، لم تُتِح لعلماء الآثار، والعلماء، والخبراء، رسم خرائط واضحة ودقيقة لها».

شعر كراسارد وزملاؤه بسعادة غامرة، عام 2015، عندما وجدوا حجري مونوليث بنقوشٍ واضحة ودقيقة لطائرات ورقية صحراوية في الأردن والسعودية.

تعود النقوش إلى ما بين 7 و9 آلاف عام، وتعد أقدم الخرائط المعمارية المسجّلة في التاريخ البشري، وفق ما كشف عنه الفريق البحثي، في تقرير نشرته دورية «بلوس وان»، الشهر الفائت، الذي تحدّث أيضاً عن دقّة تخطيط الطائرات الورقية الصحراوية، التي صنعها واستخدمها القدماء.

صورة جوية لشرَك على شكل طائرة ورقية بجبل الزيليات في السعودية

واعتبر كراسارد أنه «أمرٌ مذهل أن يتمكّنوا من معرفة وإثبات أنّ القدماء كانوا يتمتّعون بالقدرة العقلية المطلوبة لتصوّر مساحات بهذا الحجم، ورسمها على أسطح أصغر».

في إطار مشروع «غلوبال كايتس»، استخدم كراسارد وفريقه، على مدار العقد الماضي، التصوير بالأقمار الصناعية، لتعريف أكثر من 6 آلاف طائرة ورقية صحراوية من أشكال وأحجام مختلفة على امتداد الشرق الأوسط وغرب ووسط آسيا. وكان باحثون آخرون قد اكتشفوا، خلال عمليات مسح وتنقيب سابقة، نقوشاً حجرية لهذه الألغاز التي صنعها البشر.

لفت كراسارد إلى أنّ النقوش، التي عُثر عليها في السابق، «لم تُتِح للعلماء تحديد رابط بطائرة صحراوية معيّنة».

تعود النقوش الحجرية إلى ما بين 7 و9 آلاف عام، وتعد أقدم الخرائط المعمارية المسجّلة في التاريخ البشري وتُظهر دقّة تخطيط الطائرات الورقية الصحراوية التي صنعها واستخدمها القدماء.

لكن عندما وجد الفريق صورتين لطائرتين ورقيتين صحراويتين في الأردن والمملكة العربية السعودية، عرف علماء الآثار أنّهما مميّزتان.

صورة جوية لشرَك على شكل طائرة ورقية منقوشة في حرة الشام بالأردن

3 مزايا للطائرة الورقية الصحراوية العربية

في البداية، لاحظ الباحثون 3 مزايا واضحة للطائرة الورقية. لقد كانت «سلاسل الذيل tail strings»، الممثّلة في شكل خطوط تفصل بينها مسافات مختلفة، وتلتقي بعدها في مساحةٍ مسوّرة أشبه بـ«هيكل» الطائرة الورقية، الذي تظهر على امتداه حفرٌ صغيرة. اشتبه علماء الآثار بأنّ مجموعة من الحيوانات كالغزلان تبعت هذه الخطوط الحجرية، أو تعرّضت للمطاردة على طولها، قبل حصرها في المساحة المسوّرة، حيث قتل الصيّادون الحيوانات، واستخدموا الحفر الإستراتيجية لحبس الحيوانات التي حاولت الهرب منها.

وتمكّن الفريق بسرعة من تعريف هذه النقوش، ومطابقتها في الشكل والهيكل مع طائرات ورقية صحراوية أخرى رُصدت في مواقع قريبة كجنوب شرقي الأردن.

من جهته، قال محمد طراونة، عالم آثار في جامعة الملك حسين بن طلال بالأردن، وأحد الباحثين المشاركين في الدراسة: «عندما ننظر إلى صور الأقمار الصناعية الجوية المأخوذة للحقل، نلحظ أنّها تشبه الطائرات الورقية الحقيقية في المنطقة».

حجر في جبل الزيليات بالسعودية نقشت عليه «طائرتان ورقيتان» صحراويتان

نقوش وآثار مبهرة

وأكّدت النماذج الرياضية أن الطائرات الورقية الصحراوية في المنطقة الأردنية السعودية؛ حيث عمل الفريق البحثي، كانت الأقرب إلى التطابق من خلال مقارنة هندسية أجراها الباحثون بين الشكلين المكتشَفين حديثاً مع 69 طائرة ورقية من مناطق مختلفة. وكشفت المقارنة أيضاً أن الصور كانت قابلة للتقدير، حيث عمل الباحثون على تقدير عمر هذه النقوش باستخدام أدوات التأريخ الجيولوجي؛ لتحديد متى بُنيت هياكل الطائرات الورقية في تلك المنطقة.

حجر منقوش في جبل الخشبية بالأردن

ومع ذلك لم يتمكّن الباحثون بعدُ من معرفة ما إذا كانت هذه الصور قد حُضّرت بوصفها خرائط مساعدة لبناء الطائرات الورقية، أم أنّها استُخدمت بوصفها خرائط من قِبل الصيادين. من جهته، رأى وائل أبو عزيزة، عالم آثار من «المعهد الفرنسي للشرق الأدنى» في الأردن، والباحث المشارك في الدراسة، أنّ هذه النقوش قد تكون تخليداً رمزياً للطائرات الورقية التي قد تشكّل جزءاً مهماً من هوية الشعوب القديمة التي صنعت واستخدمت هذه الطائرات.

وأخيراً وصف يوركي روان، عالم آثار من جامعة شيكاغو لم يشارك في الدراسة، النقوش المذكورة في الورقة البحثية، بالاكتشاف العظيم، معبراً عن انبهاره بقدرة القدماء العالية الدقة على رسم أشياء على الأرض لا نستطيع رؤيتها، اليوم، إلّا من الأعلى. وتجدر الإشارة إلى أنّ اكتشاف هذه المهارة العقلية في مجال المساحة يفتح باباً جديداً لاستكشاف العقول التي ملكها هؤلاء الصيّادون القدامى.

خدمة «نيويورك تايمز»


مقالات ذات صلة

اكتشاف علمي لأحد «محركات» سرطان البروستاتا... يمهد لعلاجات أكثر دقة

علوم طبيب يتناقش مع مريض حول صحة البروستاتا

اكتشاف علمي لأحد «محركات» سرطان البروستاتا... يمهد لعلاجات أكثر دقة

يفتح الباب لتطوير أدوية موجهة للمراحل المقاوِمة للعلاج الهرموني

د. وفا جاسم الرجب (لندن)
يوميات الشرق أربع مراحل تصنع طريقة تفكيرنا (شاترستوك)

ماذا يحدث داخل دماغك عند 9 و32 و66 و83 عاماً؟

تتشكَّل أفكارنا وأذواقنا وقدراتنا على الابتكار والإبداع خلال مراحل العمر المختلفة، وقد حدّد العلماء مراحل معيّنة لتطوّر بناء المخّ من الطفولة حتى الشيخوخة.

«الشرق الأوسط» (لندن)
تكنولوجيا الأوتار الاصطناعية قد تصبح وحدات قابلة للتبديل لتسهيل تصميم روبوتات هجينة ذات استخدامات طبية واستكشافية (شاترستوك)

أوتار اصطناعية تضاعف قوة الروبوتات بثلاثين مرة

الأوتار الاصطناعية تربط العضلات المزروعة بالهياكل الروبوتية، مما يرفع الكفاءة ويفتح الباب لروبوتات بيولوجية أقوى وأكثر مرونة.

نسيم رمضان (لندن)
صحتك وفقاً للباحثين من «مركز تشارلز بيركنز» في جامعة سيدني يتميّز هذا الجزيء بقدرته العالية على الالتصاق ببروتينات «النتوء» الموجودة على سطح فيروسات كورونا (بيكسلز)

جزيء «لزج» يفتح الباب لاستراتيجية لقاح جديدة ضد فيروس كورونا

كشفت دراسة حديثة دور جزيء طبيعي في الأوعية الدموية يفتح الباب لاستراتيجية لقاح جديدة ضد فيروس كورونا.

«الشرق الأوسط» (سيدني)
شمال افريقيا لقاء سعودي - مصري يوم الأربعاء يؤكد على تعزيز التعاون في التعليم العالي والبحث العلمي (مجلس الوزراء المصري)

السعودية ومصر لتعزيز التعاون في التعليم العالي والبحث العلمي

أكّد وزير التعليم العالي والبحث العلمي المصري أيمن عاشور «عمق العلاقات التي تجمع بين مصر والسعودية».

«الشرق الأوسط» (القاهرة)

كيف تستخدم الذكاء الاصطناعي لتحفيز الإبداع بدلاً من إخماده

كيف تستخدم الذكاء الاصطناعي لتحفيز الإبداع بدلاً من إخماده
TT

كيف تستخدم الذكاء الاصطناعي لتحفيز الإبداع بدلاً من إخماده

كيف تستخدم الذكاء الاصطناعي لتحفيز الإبداع بدلاً من إخماده

تذكّرنا خبرات الحياة أن التجربة جزءٌ لا يتجزأ من التعلّم؛ فأنا أعتبر نفسي خبيرة في تحضير الصلصة. ولم أكن لأصبح خبيرة لو أنني سألت برنامج «تشات جي بي تي» عن كيفية تحضير الصلصة في كل مرة، كما كتبت أيتكين تانك(*).

ويتضح جلياً أن الذكاء الاصطناعي قادر على تخفيف عبء المحاولة المتكررة إذ إنه يجعل من السهل جداً أخذ شيء موجود وطلب نسخة جديدة منه

التعامل كشريك لا بديل

يمكن للذكاء الاصطناعي أن يعزز التفكير الإبداعي، أو أن يقضي عليه تماماً. وبصفتي الرئيس التنفيذي لشركة تعتمد على الأتمتة، وجدتُ أن المفتاح هو التعامل مع الذكاء الاصطناعي كشريك إبداعي، لا كبديل.

وإليك بعض القواعد الأساسية لتحقيق التوازن الأمثل:

1. استخدم الذكاء الاصطناعي لتوليد الأفكار، لا لاتخاذ القرارات النهائية: عندما أصبح الذكاء الاصطناعي التوليدي متاحاً على نطاق واسع، أثيرت ضجة كبيرة حول آثاره. فقد خشي المحترفون، من العاملين في مجال المعرفة إلى المؤلفين وغيرهم، من أن يحل الذكاء الاصطناعي محل وظائفهم، إذ بدا أن الذكاء الاصطناعي مُقدّر له أن يستمر في التطور، متجاوزاً مهارات وذكاء نظرائه من البشر.

في الآونة الأخيرة، أصبحت حدود هذه التقنية أكثر وضوحاً. فبينما تظل أدوات الذكاء الاصطناعي أدوات قوية في مكان العمل، فمن غير المرجح أن يكون تقدمها متسارعاً بلا حدود. ويجادل النقاد بأن «التكنولوجيا مهمة، لكنها ليست مهيأة لإحداث تغيير جذري في حياتنا؛ فقد لا تتحسن بشكل ملحوظ أكثر عما هي عليه اليوم».

شريك في شحذ الأذهان

الذكاء الاصطناعي لن يكتب الرواية العظيمة الجديدة، ولن يؤلف سيمفونيات تنافس باخ، لكنه شريك ممتاز في الشحذ الذهني. وقد أوضح البروفسور كريستيان تيرويش من كلية وارتون، الذي اختبر قدرة «جي بي تي» على توليد الأفكار مقارنة بقدرات طلاب الجامعات: «إنها رخيصة (الثمن)، وسريعة، وجيدة. ما الذي لا يمكن أن يُعجبك فيها؟ أسوأ ما قد يحدث هو أن ترفض جميع الأفكار (التي تولدها) وتعتمد على أفكارك الخاصة. لكن بحثنا يؤكد بقوة أن مخزون أفكارك سيتحسن باستخدامها».

وتساعدك أدوات الذكاء الاصطناعي في توليد المزيد من الأفكار الأفضل. ابدأ بأفكارك الخاصة. لذا استخدم الذكاء الاصطناعي لتوليد بدائل. ثم استخدم حكمك البشري لصقلها واختيار أفضل مسار للمضي قدماً.

الحوار بدلاً من الأوامر

2. تعامل مع الأوامر الموجهة كأنها محادثة. وليس أوامر: إحدى نقاط قوة أدوات الذكاء الاصطناعي التوليدية، مثل «جي بي تي» هي طبيعتها الحوارية. اعتبر سؤالك الأول بمثابة تمهيدٍ لبدء الحوار.

مع أنني أنصحك بأن تكون دقيقاً قدر الإمكان، أي أن تُزوّد ​​الأداة بسياقٍ كافٍ لتوليد ردودٍ قوية ودقيقة، يمكنك دائماً تحسين التوجيهات أثناء العمل. ولتوضيح ذلك بصرياً، تخيّل حوارك مع الذكاء الاصطناعي كقُمع: واسع من الأعلى ويضيق كلما اتجهت نحو الأسفل.

يمكنك البدء بطلب أفكارٍ لحملة تسويقية من «جي بي تي». وبمجرد أن يُنتج قائمة، اطلب منه تحسين تلك الأفكار لتناسب فئة مستهدفة محددة، مثل رواد الأعمال التقنيين في العشرينات والأربعينات من العمر، أو الآباء والأمهات في الضواحي. استمر في التكرار حتى تصل إلى النتيجة الأنسب لك.

على القادة تهيئة بيئات عمل يزدهر فيها الإبداع والتجريب

3. أفسح المجال للتجربة: في الواقع، سيُعزز وجود حسٍّ صحي من حب الاطلاع بين الموظفين نمو التجربة وتوسعها. وتظهر الأبحاث أن الفوائد هنا تشمل: زيادة الابتكار، وتقليل الصراعات الجماعية، وتقليل أخطاء اتخاذ القرارات، وتحسين التواصل.

بينما يدّعي القادة غالباً تقديرهم لحب الاطلاع، إلا أنهم يميلون إلى كبته، مفضلين التزام الموظفين بالقواعد. بدلاً من ذلك، ينبغي على القادة منح الموظفين حرية الاستكشاف. خصصوا وقتاً كافياً في جداولهم الزمنية ليتمكنوا من اختبار أدوات الذكاء الاصطناعي وتجربتها دون ضغط إثبات عائد استثمار فوري.

كونوا قدوة: شاركوا تجاربكم الخاصة، سواءً أكانت تجربةُ ميزةٍ جديدة للذكاء الاصطناعي أو سرداً لحادثة أتمتة لم تسر على ما يرام. حتى الأخطاء قد تكون مفيدة.

اطلبوا آراء الموظفين لاكتشاف ما يثير فضولهم: أنظمة أو أدوات جديدة يرغبون في تجربتها، أو طرق أفضل لإدارة الشركة. قد يبدو الأمر غير فعال، وكأنه إهدار لوقت وجهد الموظفين، لكن في عصر الذكاء الاصطناعي، يعتمد الحفاظ على القدرة التنافسية على الفضول الصحي والتجريب. يجب على القادة تهيئة بيئات عمل يزدهر فيها الإبداع والتجريب.

مجلة «فاست كومباني» - خدمات «تريبيون ميديا»


حين يعجز الذكاء الاصطناعي عن فهم الفرد

من يقرّر؟ الإنسان أم الآلة
من يقرّر؟ الإنسان أم الآلة
TT

حين يعجز الذكاء الاصطناعي عن فهم الفرد

من يقرّر؟ الإنسان أم الآلة
من يقرّر؟ الإنسان أم الآلة

في عيادة حديثة، قد يقدّم الذكاء الاصطناعي تشخيصاً خلال لحظات، ويضع أمام الطبيب احتمالات محسوبة بعناية. لكن المريض، حين يجلس قبالته، لا يحمل أرقاماً مجردة، بل حكاية كاملة: تاريخاً صحياً، وأسلوب حياة، وقلقاً دفيناً، وتفاصيل لا مكان لها في قواعد البيانات. عند هذه النقطة يبرز السؤال الجوهري: هل يمكن للذكاء الاصطناعي، مهما تعاظمت قدرته الحسابية، أن يفهم الإنسان الفرد؟

على امتداد السنوات الماضية، سجَّل الذكاء الاصطناعي الطبي قفزات لافتة: نماذج تتدرّب على ملايين السجلات، تحلّل الصور الطبية بدقة قد تتجاوز العين البشرية أحياناً، وتنتج تنبؤات صحية على مستوى المجتمعات. بدا وكأن الطب يخطو نحو عصر جديد تقوده الخوارزميات. غير أن هذا التقدُّم ذاته فجَّر سؤالاً أعمق: هل التفوّق مع الجماعة يضمن الفهم الحقيقي للإنسان الواحد؟

ذكاء اصطناعي يفكر وإنسان يقرر

ذكاء يفهم الملايين... ويتعثّر أمام الفرد

تعتمد «النماذج العالمية» في الطب الذكي على التعلّم من كتل هائلة من البيانات الصحية، تمتد عبر مؤسسات ودول وسنوات طويلة. وبهذا، تنجح في رصد الأنماط العامة للأمراض، ومسارات تطورها، واستجاباتها العلاجية. غير أن الطب، في جوهره العميق، لا يُمارس أعماله على «المستويات المتوسطة».

القرار العلاجي «الصائب حسابياً» قد يتحوَّل إلى قرار خاطئ إنسانياً

إن الدواء الذي يثبت نجاحه إحصائياً لدى الغالبية قد لا يلائم مريضاً بعينه. والقرار العلاجي «الصائب حسابياً» قد يتحوّل إلى قرار خاطئ إنسانياً. هنا تتجلى المفارقة: الذكاء الاصطناعي يتقن التنبؤ، لكنه يعجز غالباً عن تفسير لماذا يحدث ذلك لهذا الشخص تحديداً.

بحث حديث يضع المرآة أمام الذكاء

في يناير (كانون الثاني) 2026، نُشر بحث علمي لافت على منصة «أركايف» العلمية (arXiv)، وهي مستودع بحثي مفتوح تُنشر فيه الدراسات الأولية قبل تحكيمها النهائي. أعدّ البحث فريق دولي من مختصي الذكاء الاصطناعي الطبي وعلوم البيانات الصحية، وناقش بشكل مباشر حدود ما يُعرف بـ«النماذج العالمية» (Foundation Models)، وهي نماذج ذكاء اصطناعي ضخمة تُدرَّب على كميات هائلة من البيانات لتكوين فهم عام قابل للتطبيق في مجالات متعددة. وتعكس الدراسة، التي لم تصدر بعد في مجلة علمية مُحكَّمة، مساراً بحثياً متقدِّماً في الأوساط الأكاديمية الغربية، وتطرح سؤالاً غير مريح: هل صُمّمت هذه النماذج أساساً لفهم الإنسان الفرد، أم لإدارة صحة الجماعات فقط؟

ويشير الباحثون إلى أن النماذج العالمية، رغم قوتها الحسابية واتساع نطاقها، ليست مهيّأة بطبيعتها لاتخاذ قرارات علاجية دقيقة على مستوى الفرد الواحد.

اقتراح تطوير نماذج هجينة

لذلك يقترحون التوجَّه نحو نماذج هجينة، تمزج بين الذكاء الاصطناعي واسع النطاق وتجارب فردية من نوع N-of-1، أي دراسات تُصمَّم خصيصاً لمريض واحد، تُراقَب فيها استجابته للعلاج عبر الزمن بدل مقارنته بمتوسطات جماعية، بما يعيد الاعتبار للمريض بوصفه وحدة القرار الأساسية، لا مجرّد رقم ضمن معادلة إحصائية.

فرد واحد خارج الحساب

المريض ليس نقطة بيانات

هذا النقاش لا يتعلّق بالتقنية وحدها، بل يمسّ جوهر فلسفة الطب. من هو المريض في زمن الذكاء الاصطناعي؟ هل هو سجلّ رقمي تُحلَّل معطياته؟ أم إنسان يخوض تجربة المرض داخل سياق نفسي واجتماعي وزمني لا يمكن ضغطه في خوارزمية؟

في الطب التقليدي الحديث، لم يكن الطبيب يعالج عضواً منفصلاً، بل كياناً إنسانياً متكاملاً. واليوم، تعيد الخوارزميات طرح السؤال ذاته، ولكن بلغة رقمية حديثة: هل نفهم الجسد فقط... أم نفهم الإنسان؟

القرار الطبي... من يملك الكلمة الأخيرة؟

مع دخول الذكاء الاصطناعي إلى فضاء القرار السريري، يطفو سؤال أخلاقي لا يمكن القفز فوقه: من صاحب القرار؟ الخوارزمية التي تقترح؟ أم الطبيب الذي يتحمّل المسؤولية؟ أم المريض الذي يعيش نتائج هذا القرار؟

وتشير الأبحاث الرصينة اليوم إلى إجابة متوازنة: الذكاء الاصطناعي أداة للرؤية لا للحُكم. يوسّع مساحة الفهم، لكنه لا يمتلك سلطة القرار. فالقرار الطبي ليس معادلة حسابية فحسب، بل لحظة توازن دقيقة بين العلم والخبرة... وقيم الإنسان نفسه.

ذكاء يعرف متى يتراجع

المفارقة أن نضج الذكاء الاصطناعي في الطب لا يعني مزيداً من الهيمنة، بل قدراً أعلى من التواضع: أن يعرف متى يتقدّم، ومتى يتراجع خطوة إلى الخلف. فالقيمة الحقيقية لهذه النماذج لا تكمن في أن تحلّ محل الطبيب، بل في أن تعينه على الرؤية الأبعد، دون أن تنتزع منه سلطة القرار.

قد يبرع الذكاء الاصطناعي في قراءة صحة الملايين، لكن الطب لا يستعيد إنسانيته إلا حين يتوقّف أمام إنسان واحد، ويُنصت إلى قصته... لا إلى متوسطٍ إحصائي.

وأخيراً، فإن المستقبل الصحي لا يحتاج إلى ذكاءٍ يُفكّر بدل الطبيب، بل إلى ذكاءٍ يعيد إليه صفاء الرؤية، ويترك له - وللمريض - حق الاختيار. وحين يتعلّم الذكاء الاصطناعي الاعتراف بحدوده، يبدأ الطب في استعادة جوهره الأصيل: علمٌ يقوده العقل... ورعايةٌ تحفظ إنسانية الإنسان.

وكما قال الفيلسوف الألماني إيمانويل كانط: «الإنسان غاية في ذاته، وليس مجرّد وسيلة». عندها فقط، يصبح الذكاء الاصطناعي أداة في خدمة الإنسان... لا العكس.


كيف تتذكر الخلايا ماضيها؟ ابتكار علمي يحفظ تاريخ النشاط الجيني

خلايا جذعية تحت المجهر
خلايا جذعية تحت المجهر
TT

كيف تتذكر الخلايا ماضيها؟ ابتكار علمي يحفظ تاريخ النشاط الجيني

خلايا جذعية تحت المجهر
خلايا جذعية تحت المجهر

طوّر علماء جامعة هارفارد الولايات المتحدة الأميركية أداة علمية مذهلة تتيح للخلايا الحية الاحتفاظ بذكريات من ماضيها على غرار كبسولة زمنية بيولوجية. وقد يساعد هذا الابتكار في فهم كيفية مقاومة الخلايا السرطانية للعلاج، وكيف تتطور الخلايا الجذعية، وكيف تؤثر الأحداث المبكرة في سلوك الخلية لاحقاً.

«خزائن الزمن»

تصف الدراسة التي نُشرت في مجلة Science في 15 يناير (كانون الثاني) 2026 تقنية جديدة تُعرف باسم خزائن الزمن Vaults Time، وهي وحدات تخزين دقيقة داخل الخلايا تجمع وتحفظ سجلات جزيئية لنشاط الجينات عبر الزمن.

ويكمن سر هذا الاكتشاف في تراكيب خلوية غامضة تُسمّى «الفُولْتات» Vaults، وهي هياكل أسطوانية الشكل موجودة بالآلاف داخل معظم الخلايا البشرية. وعلى الرغم من اكتشافها في ثمانينات القرن الماضي، فإن دورها ظل غير معروف حتى اليوم. والآن وجد الباحثون طريقة لمنحها وظيفة جديدة وقوية.

كيف تعمل «خزائن الزمن»؟

تتواصل الجينات داخل الخلية عبر إنتاج جزيئات تُسمّى الحمض النووي الريبي الرسول (mRNA) التي تحمل التعليمات اللازمة لصنع البروتينات. لكن هذه الجزيئات قصيرة العمر؛ ما يجعل من الصعب على العلماء معرفة ما كانت تفعله الخلية في الماضي.

ولحل هذه المشكلة؛ أعاد الباحثون تصميم أحد بروتينات الهياكل الأسطوانية أو «الفُولْت» بحيث يتمكن من التعرّف على جزيئات الحمض النووي الريبي الرسول والتقاطها أثناء إنتاجها. وبمجرد التقاطها تُخزَّن هذه الجزيئات داخل «الفُولْت» لتشكّل سجلاً محفوظاً لنشاط الجينات في وقت سابق.

ويمكن تشغيل عملية التسجيل أو إيقافها ببساطة عبر إضافة دواء معيّن أو سحبه تماماً مثل زر التسجيل. وأظهرت التجارب أن خزائن الزمن قادرة على جمع الحمض النووي الريبي الرسول خلال فترة 24 ساعة والاحتفاظ به لمدة لا تقل عن أسبوع من دون إلحاق أي ضرر بالخلية أو تغيير سلوكها.

ويقول قائد الدراسة فيي تشين من قسم الخلايا الجذعية وعلم الأحياء التجديدي جامعة هارفارد، إن الخلايا كانت طبيعية تماماً ولم يتغير شكل الفولتات أو حجمها. بل كانت سعيدة بحمل هذا المحتوى.

طريقة جديدة لدراسة الخلايا عبر الزمن

وتقليدياً، يدرس العلماء الخلايا بطريقتين، إما بمراقبتها مباشرة تحت المجهر أو بتحليل محتواها في لحظة زمنية واحدة. ولكلتا الطريقتين حدودها؛ إذ تتيح الأولى تتبع عدد محدود من الجزيئات بينما قد تفشل الأخرى في كشف ما حدث في السابق.

وخلال العقد الماضي طُوّرت أدوات تسجيل جينية تعتمد غالباً على «تقنية كريسبر» تُحدث علامات دائمة في الحمض النووي لتوثيق أحداث معينة. غير أن هذه الأدوات تتطلب من العلماء تحديد ما يريدون تتبعه مسبقاً.

أما خزائن الزمن، فتقدّم نهجاً مختلفاً؛ إذ تحتفظ بعينة واسعة وغير متحيزة من جزيئات الحمض النووي الريبي الرسول؛ ما يمنح صورة أشمل عن تاريخ نشاط الخلية.

ويقول راندال بلات، مهندس بيولوجي في المعهد التقني الفيدرالي العالي في زيوريخ، غير المشارك بالدراسة، إن هذه التقنية تقرّبنا كثيراً من القدرة على تسجيل ما تفعله الخلايا البشرية باستمرار عبر الزمن.

تسليط الضوء على مقاومة السرطان للعلاج

ومن أكثر التطبيقات الواعدة، أبحاث السرطان. فقد استخدم الفريق هذه التقنية لدراسة ما يُعرف بـ الخلايا السرطانية العنيدة أو المستعصية Persister cells، وهي مجموعة صغيرة من الخلايا التي تنجو من العلاج رغم عدم امتلاكها طفرات جينية تفسّر هذه المقاومة. وتصبح مقاومة للمضادات الحيوية أيضاً عن طريق التحول إلى حالة من الخمول أو السكون.

وبفحص جزيئات الحمض النووي الريبي الرسول المخزّنة داخل خزائن الزمن، اكتشف الباحثون أن مئات الجينات كانت نشطة بشكل غير طبيعي في هذه الخلايا قبل بدء العلاج. وعندما تم تثبيط بعض هذه الجينات أصبحت أدوية السرطان أكثر فاعلية في قتل الخلايا.

وقد يساعد هذا الاكتشاف في تفسير سبب عودة بعض أنواع السرطان بعد العلاج، ويفتح المجال أمام تطوير استراتيجيات تمنع ظهور المقاومة من الأساس.

آفاق جديدة في أبحاث الخلايا الجذعية

كما بدأ الباحثون أيضاً في استخدام خزائن الزمن لدراسة كيفية تحوّل الخلايا الجذعية إلى خلايا متخصصة، وهي عملية تدريجية يصعب تتبعها بالوسائل التقليدية.

ويرى الخبراء أن هذه التقنية قد تصبح أداة مكمّلة مهمة للأدوات الجينية الحالية، حتى إن بعضهم يتوقع إمكانية تطوير الفولتات مستقبلاً لتخزين بروتينات أو جزيئات أخرى وليس الحمض النووي الريبي فقط.

ويقول عالم الجينوم جاي شندور من جامعة واشنطن إن تحويل هذه الهياكل الغامضة إلى كبسولات زمنية خلوية يتطلّب قدراً كبيراً من الإبداع، وهو يفتح الباب أمام أنواع جديدة تماماً من التجارب البيولوجية.

ومع استمرار استكشاف إمكانات خزائن الزمن، فقد تساعد هذه الذاكرة الخلوية العلماء على كشف كيف تشكّل التجارب الماضية المحفوظة في أعماق خلايانا الصحة والمرض ومستقبل الطب.