تتزايد الدلائل، يوماً بعد يوم، على أن «الهجوم الأوكراني» المضاد، قد بدأ بالفعل. بيد أن التدرج الذي تشهده العمليات العسكرية المتفرقة، يشير إلى غموض مقصود، يراد من خلاله استكشاف مكامن الضعف الروسية، في ظل تقارير تشير إلى أن موسكو، ربما تكون قد استفادت جزئياً من أخطائها السابقة التي ارتكبتها منذ بداية الحرب وحتى اليوم.
ولتعزيز قدرات أوكرانيا على إنجاح هذا الهجوم، أكد وزير الخارجية الأميركي أنتوني بلينكن إن واشنطن واثقة من أنه «سيحرز تقدماً»، عبر زيادة «دعمها الأقصى» له. وكشف تقرير في صحيفة «وول ستريت جورنال»، عن أن إدارة بايدن تستعد لتزويد أوكرانيا بقذائف يورانيوم مستنفد، لاستخدامها في دبابات «أبرامز» التي ستتسلمها كييف في الخريف المقبل.

لا عقبات لتسليم اليورانيوم المستنفد
ونقلت الصحيفة عن مسؤولين أميركيين قولهم، إنه بعد أسابيع من «المناقشات الداخلية»، لا يبدو أن هناك عقبات كبيرة للموافقة على تجهيز تلك الدبابات بهذه الذخائر. وحث البنتاغون على تزويد تلك الدبابات بهذا النوع من الذخائر، التي عادة ما يستخدمها الجيش الأميركي؛ لضمان فاعلية دبابة «أبرامز» ضد الدبابات الروسية، في معارك الدبابات المتوقعة بين الجيشين الأوكراني والروسي، والتي لم تبدأ بعد، حيث يمكن لتلك القذائف أن تخترق الدروع الأمامية للدبابات الروسية من مسافات بعيدة.

وأضافت الصحيفة أن الاقتراح نوقش في البيت الأبيض، حيث أعرب بعض المسؤولين عن قلقهم من أن إرسال تلك القذائف قد يعرض واشنطن لانتقادات بأنها تقدم سلاحاً قد يحمل أخطاراً صحية وبيئية. ويقول كبار مسؤولي إدارة بايدن إن هدف الولايات المتحدة هو تمكين أوكرانيا من تحقيق أكبر قدر ممكن من التقدم في ساحة المعركة، ووضع كييف في موقف تفاوضي قوي إذا تم إجراء محادثات سلام في نهاية المطاف. وقال الوزير بلينكن، الاثنين، خلال مؤتمر صحافي مشترك مع وزير الخارجية الإيطالي، أنطونيو تاجاني، في واشنطن: «إن النجاح في الهجوم المضاد من شأنه أن يؤدي إلى شيئين: تعزيز موقف كييف على أي طاولة تفاوض، والتأثير أيضا في جعل الرئيس الروسي فلاديمير بوتين يركز أخيرا على التفاوض لإنهاء «الحرب التي بدأها». وأضاف أنه يمكن توقع حزمة دعم «قوية» في القمة المقبلة لحلف «الناتو» في ليتوانيا يومي 11 و12 يوليو (تموز) المقبل. وقال: «بهذا المعنى، يمكن أن يقرب السلام فعلياً، وليس إبعاده أكثر»، مضيفاً أن واشنطن «ستزيد من دعمها لأوكرانيا الآن، حتى تتمكن من تحقيق النجاح في ساحة المعركة». ولا يزال الدعم السياسي لأوكرانيا في الكونغرس الأميركي قوياً، لكن بعض المشرعين يقولون إن الدعم قد يبدأ في التلاشي إذا فشل هجوم كييف المضاد، وإن البيت الأبيض يجب أن يكون أكثر دعماً لطلبات الأسلحة الحالية لأوكرانيا.
ويعد اليورانيوم المستنفد، نتيجة ثانوية لعملية تخصيب اليورانيوم، ولا يولد تفاعلاً نووياً. ورغم ذلك، قال برنامج الأمم المتحدة للبيئة في تقرير العام الماضي إن «السمّية الكيميائية» للمعادن تمثل أكبر خطر محتمل، و«يمكن أن تسبب تهيج الجلد والفشل الكلوي وتزيد من أخطار الإصابة بالسرطان». ومع ذلك، اتهم الرئيس الروسي فلاديمير بوتين بريطانيا بنشر «أسلحة ذات مكون نووي»، وردت عليه بريطانيا باتهام موسكو بتقديم معلومات مضللة. وقال جون كيربي، منسق مجلس الأمن القومي، في مارس (آذار)، إن الحجة الروسية كانت مخادعة، وإن قلق موسكو الرئيسي هو التهديد المتزايد لدباباتها. وقال: «هذا النوع من الذخيرة شائع إلى حد ما»، مضيفاً أن الدراسات تشير إلى أنها ليست تهديداً إشعاعياً. لكن في ذلك الوقت لم تكن الولايات المتحدة تزود أوكرانيا بأي قذائف من اليورانيوم المستنفد.
ذخائر عنقودية
ولا يزال البيت الأبيض يناقش ما إذا كان سيوفر أسلحة أخرى لأوكرانيا، بما في ذلك الذخائر العنقودية، التي طلبتها كييف. لكن كان هناك خلاف داخل إدارة بايدن حول أفضل السبل لدعم القوات الأوكرانية، بما في ذلك ما إذا كان سيتم توفير هذه الذخائر العنقودية. وفيما يفضل بعض مسؤولي البنتاغون توفير الذخائر العنقودية، المعروفة باسم الذخائر التقليدية المحسنة ثنائية الغرض، للقوات الأوكرانية لمساعدتها في مواجهة القوات الروسية، قاوم المسؤولون في مجلس الأمن القومي ووزارة الخارجية تقديم الذخائر العنقودية. وخلال جلسة استماع في الكونغرس، قال القائد الأعلى لحلف شمال الأطلسي، الجنرال كريستوفر كافولي، إن مثل هذه الأسلحة يمكن أن تكون «فعالة للغاية» ضد تجمعات القوات والمعدات الروسية. لكن نشطاء حقوق الإنسان وبعض الدول المتحالفة أثاروا مخاوف من أن الذخائر غير المنفجرة، يمكن أن تؤدي إلى خسائر في صفوف المدنيين بعد فترة طويلة من انتهاء الصراع.
روسيا تعلمت من أخطائها

في هذا الوقت، ذكرت وكالة «أسوشيتدبرس» أن القوات الأوكرانية تجس نبض الدفاعات الروسية، حيث تواجه عدوا ارتكب أخطاء وعانى من انتكاسات في الحرب المستمرة منذ 15 شهرا. لكنّ محللين يقولون إن روسيا تعلمت أيضا من أخطائها الفادحة وطورت أسلحتها ومهاراتها. وأوضحت الوكالة أن روسيا قامت ببناء دفاعات شديدة التحصين على طول خط المواجهة الذي يبلغ طوله ألف كيلومتر، وشحذت أسلحتها الإلكترونية لتقليل التفوق الأوكراني في الطائرات من دون طيار، وحولت القنابل الثقيلة في ترسانتها الضخمة، التي تعود إلى حقبة الحرب الباردة، إلى ذخائر انزلاقية موجهة بدقة قادرة على ضرب الأهداف من دون تعريض طائراتها الحربية للخطر. وترى الوكالة أن التكتيكات الروسية المتغيرة باستمرار، بالإضافة إلى زيادة أعداد القوات وتحسين الأسلحة، قد تجعل من الصعب على أوكرانيا تحقيق أي نوع من النصر الحاسم السريع، ما يهدد بتحويلها إلى معركة استنزاف طويلة.

وقال رئيس هيئة الأركان المشتركة الأميركية، الجنرال مارك ميلي، في مقابلة مع الوكالة، الثلاثاء، إنه في حين أن الجيش الأوكراني مستعد بشكل جيد، فإنه مع مرور الوقت، «ستستمر هذه المعارك لفترة طويلة من الوقت من دون حسم». وقال الجنرال المتقاعد ريتشارد بارونز، قائد القوات المشتركة في المملكة المتحدة، إن الجيش الروسي أنشأ خطوطاً دفاعية «حسب الأصول» وعدّل تكتيكاته بعد انسحابه المتسرع من مناطق واسعة، من خاركيف وخيرسون، الخريف الماضي، تحت وطأة نيران حملة أوكرانية خاطفة.
وأشار بارونز إلى تحسن القدرة الروسية على مواجهة واستخدام الطائرات من دون طيار، موضحا أيضا أن موسكو تعلمت إبقاء المواقع المهمة مثل مقر القيادة ومخازن الذخيرة خارج نطاق المدفعية. ورغم ذلك، أشارت الوكالة إلى أنه لا تزال هناك نقاط ضعف أساسية، ولا تزال القوات الروسية تعاني من معنويات منخفضة، ونقص في الذخيرة، كما يبقى التنسيق بين الوحدات ضعيفاً. وأشارت إلى أن العامل الرئيسي الذي لا يزال يحد من قدرة روسيا، هو قرارها منع قواتها الجوية من التوغل في عمق أوكرانيا، بعد أن تكبدت خسائر فادحة في المراحل الأولى من الحرب. وفشلت محاولاتها لتدمير الدفاعات الجوية الأوكرانية. وبفضل إمدادات الأسلحة الغربية، تشكل أوكرانيا الآن تحدياً أكبر للطائرات الروسية.
