خبراء: الأسواق الآسيوية أكثر كفاءة في التعاطي مع المصاعب الاقتصادية من نظيرتها الغربية

{الناشئة} تعالج تراجع صادرات السلع وهروب رأس المال بتعزيز الطلب المحلي

جانب من بورصة إندونيسيا
جانب من بورصة إندونيسيا
TT

خبراء: الأسواق الآسيوية أكثر كفاءة في التعاطي مع المصاعب الاقتصادية من نظيرتها الغربية

جانب من بورصة إندونيسيا
جانب من بورصة إندونيسيا

تشهد أرصفة السفن في الموانئ الإندونيسية الكبيرة مثل ميناء سورابايا هدوءا أكثر هذه الأيام بعد انخفاض الطلب على المواد الخام من قبل الصين.
بينما نجد أن شركة «كارغيل»، عملاق المواد الغذائية، تسابق الزمن لإنهاء مصنع معالجة حب الكاكاو، في حين أن هناك مصنعا كبيرا للمعكرونة المجففة يعمل بكامل طاقته لتلبية الطلب على الأطعمة من قبل قطاع كبير ومتزايد من الطبقة المتوسطة في إندونيسيا. ويقول تجون سوليستيو، المدير العام لمصنع المعكرونة الذي تديره شركة «PT. Suprama»: «يعتبر عامل الوقت لدينا مسألة صعبة للغاية للاستمرار في هذا الأمر».
ويعتبر التناقض الموجود في العديد من الأسواق الناشئة ما بين إرهاصات أزمة العملة التي تلوح في الأفق والطلب المحلي الشديد أمرا جليا في أرجاء العالم. انخفضت أسواق المال وقيمة العملات في الأشهر الأخيرة في بعض الأماكن مثل بوينس آيرس وجاكرتا وإندونيسيا ومانيلا وإسطنبول، حيث كانت لدى المستثمرين مخاوف بشأن النمو الضعيف للصين والاحتياطي الفيدرالي الأميركي الذي يضخ نسبة أقل من الدولارات، مما سيتسبب في حدوث حالة تعثر عالمية في العديد من الدول النامية.
إن الوضع الذي نحن بصدد الحديث عنه يعد مماثلا لراقصي الليمبو الذين يصارعون ويمشون بتثاقل ليمروا من تحت عصا منخفضة قبل الوقوف مجددا. فيجب على الأسواق الناشئة أن تتماشى مع ما يتعلق بقلة صادرات السلع وهروب رأس المال، قبل أن تتمكن من استعادة توازنها لتستفيد من الطلب المحلي الشديد على بعض المنتجات مثل السيارات والإلكترونيات والمعكرونة المجففة بغرض تحقيق إنجاز اقتصادي مرة أخرى. ويتمثل السؤال الذي يطرح نفسه الآن فيما إذا كان المستهلكون والشركات في تلك الأسواق ستستمر في الإنفاق أم أن المشاكل الدولية ستنتشر لتؤثر على الاقتصاديات المحلية من خلال طرق لا يمكن التحكم فيها.
ويقول جاكوب سورنسن، رئيس الغرفة التجارية الأوروبية للتجارة في إندونيسيا «لا نريد أن تزداد المشاكل سوءا، فكلما ازداد الموقف تعقيدا سيكون من الصعب التعامل معه».
وهناك أسباب تدعو للتفاؤل، حيث حققت الكثير من أسواق الأوراق المالية في الاقتصادات الناشئة طفرة جديدة في الأسبوع الماضي. لم تؤثر المشاكل الدولية على عملية إدارة البنك والهروب الكبير للمستثمرين الدوليين، بالشكل الذي جعل الأزمات السابقة أكثر حدة، مثل الأزمة المالية الآسيوية في عامي 1997 و1998.
تخلت البنوك المركزية في الأسواق الناشئة عن طريقتها باتباع نظام تراكم الكثير من الأموال، بما في ذلك الدولارات والعملات الأجنبية الأخرى. ومع الاستثناء الواضح للصين، فرض أيضا القائمون على وضع اللوائح بالبنوك في الأسواق الناشئة لوائح تنظيمية أشد صرامة في ما يخص الاقتراض مع الحفاظ على تقييد عمليات الظل المصرفي.
وفي حين أن الأسواق الناشئة قد تواجه متاعب من الخارج، فقلما يكون الإنفاق قويا للغاية في العديد منها على المستوى الداخلي، حتى إن العديد من الشركات تصارع من أجل إيجاد العمالة الكافية.
وفي الفلبين، نجد الآن سلسلة مشهورة من مطاعم الدجاج تقدم وجبات مجانية للموظفين الجدد وعائلاتهم في غضون خمس دقائق من مشاركتهم في العمل. وعلاوة على ذلك، قدمت بعض المطاعم التي تتمتع بحق امتياز «ماكدونالدز» عروضا لمنح وجبات مجانية بمجرد ملء استمارة طلب الحصول على وظيفة.
وفي مقابلة أجريت معه في القصر الرئاسي في مانيلا الأسبوع الماضي، قال بينينو سيمون أكينو الثالث، رئيس الفلبين «لم أشاهد مثل هذا النوع من لافتات الوجبات المجانية على الإطلاق».
عانت الهند وإندونيسيا انخفاضا كبيرا في قيمة العملية والبورصة الصيف الماضي، واستمرت تلك الأزمة حتى بداية فصل الخريف بعد ما حدث في شهر مايو (أيار) حينما أوضح بن برنانكي، رئيس الاحتياطي الفيدرالي الأميركي (البنك المركزي) في ذلك الوقت، أن البنك سيبدأ سياسة التخفيف بالاعتماد على الإجراءات التي ساعدت في الحفاظ على معدلات الأسعار على المدى الطويل في أقل مستوياتها على مدار التاريخ. وكان لتحذيرات برنانكي تأثير على جذب أموال المستثمرين في الخارج ودخولها إلى الولايات المتحدة.
ومنذ ذلك الحين، قامت كل من الهند وإندونيسيا بتقليل العجز بشكل كبير في ما يخص حساباتها الجارية، فضلا عن وضع إجراءات أكثر توسعا بالنسبة للتجارة والتمويل. وبالإضافة إلى ذلك، سمحت الدولتان بحدوث انخفاض ملحوظ في قيمة عملتيهما الصيف الماضي، مما جعل وارداتهما أغلى سعرا وصارت صادراتهما أكثر تنافسية.
ونتيجة لذلك، انخفض احتياج هاتين الدولتين إلى المزيد من الاستثمار الأجنبي في أسواقهما المالية على الرغم من استمرار إمكانية تعرضهما للضرر في حال سحب المستثمرين الأجانب لأموالهم التي جرى وضعها هناك بالفعل.
ويقول ساوغاتا بهاتاشاريا، عالم الاقتصاد البارز في بنك «أكسس» (Axis Bank) في مومباي «من المؤكد وجود تأثير للانخفاض التدريجي للبنك المركزي الأميركي وكذلك الصين، بيد أن الهند مستعدة للتعامل مع هذه الصدمات الخارجية في الوقت الحالي بشكل أفضل مما كانت عليه قبل تسعة أشهر».
لعبت المشاكل السياسية دورا في هبوط أسعار السوق في بعض الدول مثل تركيا والأرجنتين، كما لعبت دورا أيضا في آسيا، لا سيما في تايلاند عندما اكتظت شوارع بانكوك بالمتظاهرين لعدة أسابيع.
ومع ذلك، يبدو أن قطاع السياحة التايلاندي يتعامل مع الصعوبات بشكل جيد بما يثير الدهشة حتى الآن. ويقول بورنثيب هيرانياكيج، العضو المنتدب لشركة السياحة «ديستينشن آسيا (Destination Asia)» إنه «على الرغم من أن الجميع يقول بأن الاقتصاد في الصين والهند يواجه مشاكل، فإننا ما زلنا نرى زيادة في أعداد السياح هناك».
ويتمثل السؤال الرئيس الذي يطرح نفسه الآن في معرفة مدى طول فترة تباطؤ النمو في الصين. لن يؤدي الانخفاض الخطير في طلب الصين إلى الإضرار بعمليات الشحن الموجهة مباشرة إلى الصين في الأسواق الناشئة فحسب، بل إنه سيتسبب أيضا في تدهور أكثر للأسعار العالمية التي انخفضت بالفعل في الأسواق الناشئة بالنسبة لأسعار الفحم والنحاس وزيت النخيل والسلع الأخرى.
وخلال الأسبوع الماضي، اعتبر جيانغوانغ شين، عالم الاقتصاد في مكتب هونغ كونغ للأوراق المالية (Mizuho Securities)، أن المشاكل التي يعاني منها القطاع المسمى بالظل المصرفي في الصين تعد أكبر تهديد محتمل للنمو الاقتصادي في البلاد هذا العام.
لقد تمكنت الصين من احتواء الأزمات المالية الخطيرة في قطاع الظل المصرفي في القليل من المدن حتى الآن. بيد أن تلك الأزمات كانت دراماتيكية في الأماكن التي حدثت فيها مثل شينمو في منطقة الشمال الغربي، عندما أخفقت جميع وكالات بيع السيارات، باستثناء وكيل واحد، الصيف الماضي، فضلا عن إغلاق عشرات الشركات الأخرى.
واعتبر بنك «إتش إس بي سي» العالمي أن نمو اقتصاد الصين زاد الآن بمعدل الضعف في ضوء إضافة دولارات إلى الطلب العالمي السنوي ليعادل نمو اقتصاد الولايات المتحدة الأميركية، بل ويتفوق على الكثير من الاقتصادات الضعيفة في الاتحاد الأوروبي. وقال فريدريك نيومان، الرئيس المشارك لقسم الأبحاث الاقتصادية الآسيوية بالبنك «إما أن تحتاج الصين إلى مواصلة النشاط، أو أن معدل النمو للولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي سيحتاج إلى مضاعفته بشكل واضح لإحداث فارق».
وتعد عملية استبدال المنتجين الصينيين - الذين تكون تكلفتهم عالية بصورة متزايدة من منتجي الفحم والألمنيوم والمعادن الأخرى - إحدى الطرق التي يمكن أن تتبعها الدول النامية في جنوب آسيا وجنوب شرقي آسيا للحيلولة دون التأثر بالمشاكل المتعلقة بقلة صادرات السلع. وقد حدث بالفعل بعض من هذه الأمور حينما أعلنت الصين يوم الأربعاء عن حدوث طفرة في حجم الواردات أثناء شهر يناير (كانون الثاني) الماضي.
* خدمة «نيويورك تايمز»



السعودية تفتح باب التملك العقاري للأجانب


جانب من العاصمة السعودية الرياض (رويترز)
جانب من العاصمة السعودية الرياض (رويترز)
TT

السعودية تفتح باب التملك العقاري للأجانب


جانب من العاصمة السعودية الرياض (رويترز)
جانب من العاصمة السعودية الرياض (رويترز)

دخلت السعودية، أمس (الخميس)، حقبة اقتصادية تاريخية بدخول نظام تملك غير السعوديين للعقار حيز التنفيذ، مُحوّلة سوقها المحلية إلى منصة استثمارية عالمية.

ويمثل هذا الحدث حجر زاوية في منظومة التشريعات العقارية الهادفة إلى إعادة صياغة ملامح السوق العقارية السعودية.

ويستهدف النظام، المنسجم مع «رؤية 2030»، تعزيز الاستثمار الأجنبي المباشر ورفع جودة الحياة، من خلال تمكين الأفراد والشركات من التملك عبر رحلة رقمية ميسرة من بوابة «عقارات السعودية». ويمنح النظام مرونة واسعة في مختلف المدن كالرياض وجدة، مع وضع ضوابط سيادية خاصة لمكة المكرمة والمدينة المنورة، تحصر التملك فيهما على المسلمين والشركات السعودية.

ومن المتوقع أن يساهم هذا التحوّل في تنشيط القطاعات الرديفة، مع ضمان أعلى مستويات الموثوقية القانونية عبر الربط بنظام التسجيل العيني، ترسيخاً لبيئة استثمارية شفافة وآمنة.


دافوس... «هندسة الأثر» تضع السعودية في قلب الاقتصاد العالمي الجديد

جلسة خاصة بالاقتصاد السعودي في دافوس (الشرق الأوسط)
جلسة خاصة بالاقتصاد السعودي في دافوس (الشرق الأوسط)
TT

دافوس... «هندسة الأثر» تضع السعودية في قلب الاقتصاد العالمي الجديد

جلسة خاصة بالاقتصاد السعودي في دافوس (الشرق الأوسط)
جلسة خاصة بالاقتصاد السعودي في دافوس (الشرق الأوسط)

في وقتٍ يبحث فيه العالم عن بوصلة وسط «ضبابية» المشهد الاقتصادي، قدمت السعودية من فوق جبال دافوس السويسرية نموذجاً فريداً في «هندسة الأثر» الاقتصادي. ومن المنتدى الاقتصادي العالمي في دافوس، رسم وزراء ومسؤولون خريطة طريق لمرحلة قوامها «الذكاء التشغيلي»، حيث لم يعد الطموح مجرد تحقيق النمو، بل جودة هذا النمو وتكلفته المستدامة. وبينما كان العالم يترقب صدمات جديدة، كانت الرياض تعلن انتقالها من مرحلة «التخطيط الهيكلي» إلى مرحلة «تعظيم النتائج»، محولةً الاستقرار من مجرد حالة سياسية إلى «فرصة تنافسية» نادرة تجذب رؤوس الأموال العالمية في زمن التجزؤ.

وقد عُقدت جلسة حوارية خاصة في المنتدى تحت عنوان «نظرة على الاقتصاد السعودي»، بمشاركة وزير المالية محمد الجدعان، ووزير الاقتصاد والتخطيط فيصل الإبراهيم، ورئيس البنك الدولي أجاي بانغا، وعدد من المسؤولين.

الجدعان و«ضريبة الغموض»

أطلق وزير المالية، محمد الجدعان، مصطلحاً جوهرياً بوصفه «ضريبة الغموض» كأكبر تحدٍّ يواجه المستثمرين عالمياً. وأكد أن دور المملكة يتجاوز صياغة التشريعات إلى استئصال آفة هذا الغموض.

وشدد الجدعان على أن «المالية العامة هي مرساة الاقتصاد»، معلناً بوضوح: «لا نساوم على استدامة المالية من أجل الاقتصاد»، في إشارة إلى الموازنة الدقيقة بين تسريع المشاريع والحفاظ على متانة المركز المالي للدولة.

وأوضح أن «إبطاء» بعض المشاريع أحياناً ليس تراجعاً، بل هو إجراء ضروري لمنع «سخونة الاقتصاد» وضمان قدرة القطاع الخاص على المواكبة، وصولاً إلى جعل فلسفة الإصلاح «سلوكاً مؤسسياً» يتجاوز لغة الأرقام والمستهدفات.

البيئة الاستثمارية

وأكد وزير المالية السعودي، محمد الجدعان، أن المشهد الاقتصادي العالمي بات محكوماً بقاعدة «عدم اليقين»، وهو الواقع الذي ترفضه قطاعات الأعمال وتتحاشاه الشركات الكبرى.

وشرح الجدعان فلسفة المملكة في إدارة البيئة الاستثمارية، مشيراً إلى أن الشركات تمتلك القدرة والخبرة لتحديد أسعار تجارتها بناءً على التعريفات الجمركية الواضحة أو الضرائب الإضافية المعلنة، إلا أنها تقف عاجزة أمام غياب الرؤية والتقلبات غير المتوقعة. ومن هنا، شدد على أن الدور الجوهري لصنّاع السياسات يكمن في استئصال شأفة هذا الغموض، وضمان توفير «ملاذ آمن»، وبيئة مستقرة تتيح للأعمال النمو دون مفاجآت تشريعية أو إجرائية.

الجدعان يتحدث خلال جلسة خاصة في منتدى دافوس عن الاقتصاد السعودي (الشرق الأوسط)

القطاع الخاص

وفي سياق تعزيز جاذبية السوق السعودية، أكد الوزير أن المملكة تعمل جاهدةً على بناء «المرونة» في مفاصل اقتصادها الوطني، ومنح القطاع الخاص أهم أداة يحتاج إليها للنجاح، وهي «القدرة على التنبؤ».

وأوضح أن استقرار عملية صنع القرار ووضوح مساراتها يمثلان التزاماً سعودياً لضمان أن تكون العوائد الاستثمارية متسقة ومجزية، ومناسبة لحجم المخاطر التي يتحملها المستثمر، بما يعزز من ثقة الشركاء الدوليين في استدامة النهضة الاقتصادية التي تشهدها المملكة.

وشدد الجدعان على أن مرساة الاقتصاد هي المالية العامة، قائلاً: «لا نساوم عليها من أجل الاقتصاد». وأضاف: «نوازن بين نمو الاقتصاد والتنوع ونحافظ على هذا التوازن بدقة».

العجز والدين

بدوره، قال وزير الاقتصاد والتخطيط، فيصل الإبراهيم، إن الاقتصاد السعودي انتقل إلى مرحلة «التوظيف الأمثل لرأس المال»، موضحاً أن المنظومة الاقتصادية اليوم تمتلك «ذكاءً تشغيلياً» يُمكّنها من التمييز بدقة بين توقيت تسريع النمو وتوقيت ضبط الإيقاع.

وأشار إلى ارتفاع العجز أو الدين وأنه لم يعد مجرد أرقام حسابية، بل أصبح «إنفاقاً استراتيجياً» موجهاً إلى قطاعات ذات قيمة مضافة وعوائد اقتصادية واضحة ومستدامة.

وحسب الإبراهيم، فإن الزخم الاقتصادي قوي في عدد كبير من القطاعات، وإن الأنشطة غير النفطية تمثل اليوم 56 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي الحقيقي وذلك للمرة الأولى، وبيَّن أن هذا التحول لم يحدث بشكل مفاجئ، بل جاء نتيجة نمو تدريجي خلال السنوات الماضية، حيث يبلغ معدل نمو الأنشطة غير النفطية نحو 5 في المائة.

وأضاف أن التوقعات تشير إلى نمو الأنشطة غير النفطية خلال السنوات الثلاث المقبلة بمعدل يتراوح بين 4.5 و5.5 في المائة مع وجود حوكمة واضحة لإقرار هذه التقديرات، وذكر أن 74 نشاطاً غير نفطي شهدت نمواً سنوياً بنسبة 5 في المائة أو أكثر خلال السنوات الخمس الماضية، فيما سجل 38 نشاطاً نمواً تجاوز 10 في المائة، مؤكداً أن هذا يعكس جودةً وتنوعاً في الأداء الاقتصادي.

وزير الاقتصاد والتخطيط يتحدث خلال جلسة خاصة عن الاقتصاد السعودي في دافوس (الشرق الأوسط)

الإصلاحات الهيكلية

ولفت إلى أن المؤشرات الداعمة لهذا التوجه تشمل نمو الصادرات غير النفطية، وزيادة عدد المصانع قيد التأسيس أو التشغيل، واتساع مشاريع قطاع السياحة، إضافةً إلى تحول ميزان تجارة الخدمات إلى فائض خلال فترة زمنية قصيرة، مما يعكس فاعلية السياسات الاقتصادية المتبعة.

وواصل الوزير أن السؤال لم يعد مرتبطاً بجدوى النمو أو زخمه بل بتكلفته، مؤكداً أهمية ضمان استمرار الزخم الاقتصادي بأثر أمثل وتكلفة مناسبة، وأن المرحلة السابقة استلزمت إنفاقاً مرتفعاً لتعويض عقود من الإمكانات غير المستغلة، غير أن المرحلة المقبلة ستركز على: لماذا يتم الإنفاق مقروناً بإصلاحات هيكلية مدروسة تحقق النتائج المطلوبة مع ضبط مستويات الصرف؟

وفيما يتعلق بالقطاعات، أوضح الوزير أن مجالات مثل الطاقة بمفهومها الواسع بما في ذلك حلول التحول الطاقي والرعاية الصحية وتقنيات الدفاع والذكاء الاصطناعي والتعدين ستواصل لعب دور محوري في النمو، مشيراً إلى أن الطلب على الرعاية الصحية يزداد، في ظل أن 70 في المائة من السكان دون سن 35 عاماً، مع توقعات ببدء مرحلة الشيخوخة بعد نحو 18 إلى 20 عاماً.

في سياق آخر، أشار الوزير إلى أن العالم يشهد حالة متزايدة من التجزؤ، معتبراً أن الوفاء بالالتزامات أصبح عملة نادرة، وأن الثقة باتت عنصراً أساسياً في استمرارية التجارة وكفاءة الأسواق، وأكد أن الاستقرار في هذا السياق أصبح قيمة نادرة وفرصة تنافسية.

وبيَّن أن السعودية تتعامل مع الاستقرار بوصفه نهجاً مؤسسياً يشمل السياسات والتنظيم والتنفيذ، مشيراً إلى أنه في عام 2024 وبينما انخفض الاستثمار الأجنبي المباشر عالمياً بنسبة 11 في المائة، ارتفع في المملكة بنحو 24 في المائة.

سوق العمل

من جانبه، قدّم رئيس مجموعة البنك الدولي، أجاي بانغا، خلال الجلسة نفسها، خريطة طريق للفصل بين التقلبات العابرة والأزمات الهيكلية الجسيمة. وبينما أبدى بانغا تفاؤلاً حذراً بقدرة القوى الكبرى على الصمود، أطلق صرخة تحذير تجاه «قنبلة موقوتة» تتعلق بسوق العمل في الدول الناشئة، معتبراً أن العالم اليوم يقف أمام مفترق طرق: إما صناعة الأمل وإما مواجهة عدم الاستقرار العالمي.

رئيس البنك الدولي يتحدث في جلسة خاصة بالاقتصاد السعودي في دافوس (الشرق الأوسط)

وأبدى بانغا دهشته من مرونة الاقتصاد العالمي، مشيراً إلى أن الولايات المتحدة والصين والهند حققت معدلات نمو تجاوزت التوقعات. وعزا هذا التفوق إلى الاستثمارات الضخمة في قطاعات الذكاء الاصطناعي، والبيانات، والبنية التحتية، مؤكداً أن هذه الاقتصادات تمتلك أنظمة مؤسسية مكَّنتها من تجاوز الظروف الصعبة؛ إذ سجلت الصين نمواً بنحو 5 في المائة، فيما لامست الهند حاجز الـ8 في المائة.

في المقابل، لفت بانغا إلى واقع مؤلم يواجه ربع الاقتصادات الناشئة، إذ لا يزال نصيب الفرد من الناتج المحلي أقل بنسبة 10 في المائة ممّا كان عليه قبل «كوفيد-19». وأرجع هذا التعثر إلى مشكلات متراكمة تتعلق بالديون والسيولة وسوء الإدارة المالية، منتقداً الإفراط في الاقتراض خلال حقبة الفائدة المنخفضة التي جعلت الاستدانة تبدو خياراً سهلاً ومغرياً لكنها أصبحت اليوم عبئاً ثقيلاً.

وسلَّط بانغا الضوء على تحدٍّ بشريّ هائل يواجه العالم في السنوات الـ15 المقبلة، إذ سيصل نحو 1.2 مليار شاب في الأسواق الناشئة إلى سن العمل. وحذر من فجوة مرعبة في الفرص، إذ تشير التقديرات إلى توفر 400 مليون وظيفة فقط، مما يترك 800 مليون شاب دون مسار مهني واضح، وهو تحدٍّ يراه بانغا أكثر إلحاحاً من النقاشات الدائرة حول الذكاء الاصطناعي.

وختم رئيس البنك الدولي تصريحاته بتحذير من أن الفشل في خلق فرص عمل لهؤلاء الشباب سيقود العالم إلى دفع ثمن باهظ يشمل الهجرة غير الشرعية، والانقلابات العسكرية، والاضطرابات الاجتماعية، مبيناً أنه في حال إحسان التعامل مع هذا الملف، سيتحول هؤلاء الشباب إلى محرك نمو عالمي يمتد لأربعين عاماً، أما الإخفاق فيعني تقويض الاستقرار العالمي لعقود قادمة.

التكنولوجيا والتعدين

وفي جلسة أخرى من المنتدى، كشف وزير الصناعة والثروة المعدنية السعودي، بندر الخريف، عن وجود «علاقة تكافلية» بين التكنولوجيا والتعدين؛ ففي حين يقود الذكاء الاصطناعي الطلب على المعادن، توفر التكنولوجيا الحلول لتأمين هذا الإمداد.

ووفق الخريف، فإن التكنولوجيا تقدم للقطاع التعديني الكفاءة والسلامة، من خلال المساعدة في تسريع استكشاف المعادن، وفهم أنواعها، ومكامن تركيزها، فضلاً عن معالجتها والمساهمة في تصنيع منتجاتها النهائية بطرق كالطباعة ثلاثية الأبعاد.

في المقابل، لفت إلى أن التوسع الهائل في تقنيات الذكاء الاصطناعي ومراكز البيانات يمثل المحرك الأكبر للطلب على المعادن الحرجة.

الخريّف يتحدث خلال جلسة خاصة في دافوس (الشرق الأوسط)

الذكاء الاصطناعي

من ناحية أخرى، أكد وزير الاتصالات وتقنية المعلومات السعودي، المهندس عبد الله السواحه، أن بلاده تتبنى طموحات عالمية لقيادة عصر الذكاء الاصطناعي، مشيراً إلى أن «الاستراتيجية الوطنية لا تستنسخ تجارب الآخرين، وتهدف إلى المساهمة في إضافة 100 تريليون دولار للقيمة الاقتصادية العالمية المقبلة».

السواحه يتحدث في إحدى الجلسات في دافوس (الشرق الأوسط)

وفي رده على تساؤلات بشأن طبيعة التوجه السعودي مقارنةً بالنموذجين الأميركي والصيني، أوضح السواحه، خلال جلسة حوارية في «المنتدى الاقتصادي العالمي» في دافوس، أن توجيهات الأمير محمد بن سلمان، ولي العهد رئيس مجلس الوزراء، «تدفع دائماً نحو مضاعفة الأهداف 3 مرات سنوياً».


وزير الصناعة السعودي من دافوس: علاقة التكنولوجيا والتعدين «تكافلية»

الخريّف يتحدث في إحدى الجلسات التي استضافها «البيت السعودي» على هامش اجتماعات دافوس (الشرق الأوسط)
الخريّف يتحدث في إحدى الجلسات التي استضافها «البيت السعودي» على هامش اجتماعات دافوس (الشرق الأوسط)
TT

وزير الصناعة السعودي من دافوس: علاقة التكنولوجيا والتعدين «تكافلية»

الخريّف يتحدث في إحدى الجلسات التي استضافها «البيت السعودي» على هامش اجتماعات دافوس (الشرق الأوسط)
الخريّف يتحدث في إحدى الجلسات التي استضافها «البيت السعودي» على هامش اجتماعات دافوس (الشرق الأوسط)

شدد وزير الصناعة والثروة المعدنية السعودي، بندر الخريّف، على وجود «علاقة تكافلية» بين التكنولوجيا والتعدين؛ قائلاً إنه في حين يقود الذكاء الاصطناعي الطلب على المعادن، توفر التكنولوجيا الحلول لتأمين هذا الإمداد.

وأوضح الخريّف، خلال جلسة في المنتدى الاقتصادي العالمي، أن التكنولوجيا تقدم للقطاع التعديني الكفاءة والسلامة، من خلال المساعدة في تسريع استكشاف المعادن، وفهم أنواعها، ومكامن تركيزها، فضلاً عن معالجتها والمساهمة في تصنيع منتجاتها النهائية بطرق كالطباعة ثلاثية الأبعاد.

وفي المقابل، أشار إلى أن التوسع الهائل في تقنيات الذكاء الاصطناعي ومراكز البيانات يمثل المحرك الأكبر للطلب على المعادن الحرجة.

وقال الوزير إن عائد التكنولوجيا في الكفاءة والسلامة شجع السعودية للجوء إليها، مضيفاً: «نحن جريئون جداً في السعودية بشكل عام تجاه التكنولوجيا، ليس فقط في التعدين بل في كل شيء».

وأكد الخريّف أنها قدمت إمكانية رؤية مستقبل المناجم، خاصة المناجم تحت الأرض، مما عزز السلامة، وقلل التكلفة، ووفر استهلاك الطاقة، ومكّن من إدارة المناجم عن بُعد.

وعلى صعيد الاستثمار، أكد الخريّف أن نقص الاستثمار يمثل عائقاً رئيسياً أمام نمو القطاع، مشدداً على ضرورة تغيير «المفاهيم القديمة» لدى شركات الاستثمار والمصرفيين حول تخصيص الأصول في التعدين.

وفي هذا الإطار، أوضح الوزير أن «منتدى مستقبل المعادن»، الذي انطلق من الرياض قبل خمس سنوات، تحول إلى آلية دولية لفهم قيود شركات الاستثمار والمصرفيين، سعياً لتعزيز الاستثمار والابتكار في القطاع.