العراق: البرلمان يشرّع الموازنة ويفجّر خلافاً مع الأكراد

طعون حكومية متوقعة والسوداني أمام خيارات صعبة

البرلمان العراقي أقر فجر الاثنين الموازنة الاتحادية (البرلمان العراقي - رويترز)
البرلمان العراقي أقر فجر الاثنين الموازنة الاتحادية (البرلمان العراقي - رويترز)
TT

العراق: البرلمان يشرّع الموازنة ويفجّر خلافاً مع الأكراد

البرلمان العراقي أقر فجر الاثنين الموازنة الاتحادية (البرلمان العراقي - رويترز)
البرلمان العراقي أقر فجر الاثنين الموازنة الاتحادية (البرلمان العراقي - رويترز)

بعد ثلاثة أشهر مرهقة من التفاوض على أضخم موازنة عراقية منذ 2003، صوّت البرلمان العراقي فجر الاثنين على الموازنة العامة الاتحادية للسنوات 2023 و2024 و2025 التي تتضمن إنفاقاً يتجاوز 150 مليار دولار لكل سنة على مدى ثلاث سنوات. لكن القوى السياسية، لا سيما «الإطار التنسيقي» الحاكم، لا يبدو أنها ستتمكن من الاحتفال بهذا الإنفاق الضخم، ولن تكون قادرة على إطلاق تحضيراتها للانتخابات المحلية، نهاية العام الحالي؛ فالقانون الذي صوّت عليه البرلمان خرج بشق الأنفس، مزروعاً بألغام قد تضرب الاتفاقات السياسية في أي لحظة.

وفي الوقت الحالي، فإن صيغة الموازنة التي صوّت عليها البرلمان، على مدار خمسة أيام، حددت، بطريقة ما، مساراً تشريعياً لإذكاء الخلافات السياسية بين أقطاب الحكومة الثلاثة؛ الإطار التنسيقي الشيعي، إلى جانب القوى الكردية والسنية، وفقاً لتصورات سياسيين ومسؤولين عراقيين.

وصحيح أن الخلافات الرئيسية تتركز على البنود المتعلقة بإقليم كردستان، لكن القضية قد تتحول قريباً إلى «إعصار سياسي» سيجتاح صالونات الأحزاب المتنفذة في بغداد، كما يقول نائبان كرديان، وآخر من حزب شيعي.

والحال، أن بنود الموازنة الخاصة بحصص إقليم كردستان، وآلية تصدير نفطه، تضمنت نصاً يسمح للاتحاد الوطني الكردستاني، الذي يسيطر على مدينة السليمانية (شمال)، بالتعامل مع بغداد، وتحويل حصته من الموازنة مباشرة دون تسليمها إلى حكومة إقليم كردستان.

ويعتقد كثيرون في الحزب الديمقراطي الكردستاني أن هذه الصيغة «سياسية بامتياز»، ويمكن أن تمهّد إلى شطر الإقليم إلى إدارتين، أسرع من أي وقت مضى.

البرلمان العراقي أقر فجر الاثنين الموازنة الاتحادية (البرلمان العراقي - رويترز)

ويقول قيادي في الاتحاد الوطني الكردستاني إن «الظروف الداخلية في إقليم كردستان واضطرار الحزب إلى دعم هذه الصيغة النادرة في الموازنة تمهّد الطريق بالفعل إلى صيغة الإدارتين».

وخرجت ليلة أمس مواقف غاضبة من رئيس الحزب الديمقراطي، مسعود بارزاني، حين شدد على رفض «أي محاولة متهورة لتقويض كيان الإقليم»، وقال إن «كردستان ليست خطاً أحمر فحسب، بل هي خط الموت أيضاً».

وفي السليمانية، أظهر أعضاء في الاتحاد الوطني الكردستاني، تحدثت معهم «الشرق الأوسط»، سعادة بالغة بالصيغة النهائية للموازنة العامة، وقال بعضهم إن «ما حدث انتصار سياسي ساحق، حجّم من احتكار الحزب الديمقراطي الكردستاني للسلطة في الإقليم».

ويعتقد كثيرون أن أطرافاً متنفذة في «الإطار التنسيقي» ودوائر إيرانية تدفع باتجاه إحداث اختراق في البيئة الكردية عبر تعزيز نفوذ الاتحاد الوطني الكردستاني، لكن ذلك ما زال مجرد فرضية سياسية تثير قلق أطراف شيعية من تداعيات مثل هذا المسار على مجمل المعادلة في بغداد.

وترى أطراف كردية أن الموازنة صيغت بحماسة سياسية ضد مصالح الإقليم، وجاءت نتيجة لظاهرة غير مسبوقة شهدتها مفاوضات الموازنة الحالية، تمثلت في «طغيان رغبة أطراف شيعية في احتكار مطلق للصلاحيات» على أساس أن «الحاجة انتفت للاستماع للشركاء السنة والكرد والتفاوض معهم على مصالحهم».

نواب عراقيون خلال جلسات مناقشة وإقرار الموازنة الاتحادية يوم الأحد (البرلمان العراقي - رويترز)

ولا تحظى هذه الرغبة بإجماع داخل «الإطار التنسيقي»، لكن أطرافاً متنفذة، مثل «عصائب أهل الحق« و«دولة القانون»، تتبنى هذا النهج المركزي، ما دام يعزز الحالة الشيعية للدولة.

وقال قيادي في منظمة «بدر»، بزعامة هادي العامري، لـ«الشرق الأوسط»، إن الموازنة الاتحادية بنيت في هذه الأجواء، والتفاوض مع الكرد والسنة بهذه الطريقة منحهما فرصة للتراجع خطوتين إلى الخلف في مسألة الشراكة. وأضاف القيادي، الذي شارك في مفاوضات شاقة بين الأحزاب الشيعية والكردية خلال الأسابيع الماضية، أنه «كان من السهل رؤية القلق في وجوه الشركاء، وأن الخيارات القاسية التي قد يقدم عليها السنة والكرد، لن تكون مستبعدة بعد اليوم».

وكشفت مصادر متطابقة أن أجندة الزيارة التي أجراها قائد «فيلق القدس» الإيراني، إسماعيل قاآني للعراق الأسبوع الماضي، شملت ملفات عدة «مهمة وعاجلة»، كان من بينها «مشاركة العراقيين القلق الإيراني من الأضرار الجانبية لطريقة التفاوض الشيعية على الموازنة مع الآخرين».

وقال مصدر حضر اجتماعاً لقاآني مع قادة عراقيين في الإطار التنسيقي، إن المسؤول الإيراني تحدث عن قلق طهران من «خلل استراتيجي في السياسة التي يتبعها الإطار التنسيقي، قد تنتهي، على المدى المتوسط، بتحويل مناطق الشركاء إلى بؤر توتر من الصعب احتواؤها».

والآن، يواجه الإطار التنسيقي صداعاً شديداً بسبب ضرائب قانونية وسياسية نتجت عن إقرار الموازنة بصيغتها الحالية، أقلها الطعون الكثيرة المحتملة من مكتب رئيس الوزراء ووزارة المالية.

وقال رئيس الوزراء محمد شياع السوداني، في أول بيان له بعد إقرار الموازنة، إن الحكومة ستراجع تعديلات البرلمان على الموازنة، للتحقق من مطابقتها الرؤية الحكومية. وقال رئيس الوزراء في بيان نقلته وكالة الأنباء العراقية (واع): «الموازنة التي صوّت عليها مجلس الوزراء في 13 مارس (آذار) الماضي، أخذت بنظر الاهتمام أولويات تمسّ المتطلبات الأساسية للفرد والعائلة، ومعيشة المواطنين، وتسعى إلى تلبية طموحاتهم في ما ينتظرونه من الحكومة من مشاريع الخدمات والإعمار والبنى التحتية». وتابع: «لقد ارتكزت حكومتنا، بتقديمها الموازنة الثلاثية، على الرؤية الإصلاحية الواضحة التي نتبناها في البرنامج الحكومي، وهي خطوة إجرائية وعلمية تحمل حلولاً لظاهرة تكرار تلكؤ المشاريع أو فشلها، التي رافقت الحكومات طيلة السنوات الماضية»، مؤكداً أن «هذه الرؤية من شأنها تقليل الإنفاق التشغيلي وتنمية الإيرادات غير النفطية ودعم القطاع الخاص». ولفت إلى أن «الحكومة ستعمل على مراجعة البنود التي جرى تعديلها في الموازنة، ودراسة مدى تطابقها مع رؤية الحكومة وأهدافها المعتمدة في المنهاج الوزاري المقر من مجلس النواب».

قوات أمن عراقية في بغداد يوم 5 يونيو الحالي (أ.ف.ب)

مهمة السوداني في هذا الإطار لا يبدو أنها ستكون سهلة، ورغم أنه الآن بحاجة ماسة إلى «تنفيس الأزمة» مع حكومة إقليم كردستان، وحليفه في تحالف «إدارة الدولة»، مسعود بارزاني، لكنه قد لا يتمكن من إطفاء الغضب الكردي، بينما يفتح جبهة توتر جديدة مع الإطار التنسيقي.

ويواجه السوداني، الآن، ما يشبه «التمرد الشيعي» على الاتفاقات السياسية، وصحيح أن نوري المالكي (دولة القانون) يبدو فيها طرفاً محايداً، لكنه حسب سياسيين فاعلين «ما زال يغذي الصراع مع الكرد»، ويهدف إلى تقويض قدرات منافسين له، داخل الإطار التنسيقي، بفتح جبهة في مكان آخر.

لذا، لن تكون الطعون الحكومية في الموازنة هي أسوأ ما قد ينتظر الإطار التنسيقي والحكومة معاً، بل «الألغام المزروعة داخل بيت الإطار التنسيقي»، التي باتت تسمح بانقسامات شيعية متعددة، أكثر من أي وقت مضى.

في هذه الأثناء، فإن مجموعات شيعية داخل الإطار التنسيقي، تخوض «نقاشات عاجلة» لاحتواء تداعيات «موازنة محمولة سياسياً»، وهي تشعر بضغط التيار الصدري الذي يراقب الوضع، وقد يقفز إلى المشهد لاقتناص الارتباك الشيعي، والاستفادة من تذمر الشركاء السنة والكرد.

النفط يشكل 90 في المائة من عائدات العراق (رويترز)

وأشارت وكالة الصحافة الفرنسية إلى أن قيمة النفقات المقترحة في الموازنة الجديدة تبلغ 198 تريليوناً و910 مليارات دينار (نحو 153 مليار دولار) لكلّ عام من الأعوام 2023 و2024 و2025. وتبلغ حصة إقليم كردستان المتمتع بحكم ذاتي، 12.67 في المائة من هذه الموازنة التي تتضمن تغييرات في ما يتعلق بالاتفاق الذي جرى التوصل إليه بين بغداد وأربيل في أبريل (نيسان) لفتح الطريق أمام استئناف تصدير نفط الإقليم عبر تركيا. وقد توقفت الصادرات منذ مارس، بعد قرار هيئة تحكيم دولية أعطت الحق لبغداد في إدارة ملف النفط في الإقليم. ووفقاً لقانون الموازنة، يجب أن تمر صادرات نفط الإقليم حالياً عبر شركة تسويق المنتجات النفطية العراقية (سومو). ولا يقتصر «شحن النفط الخام» على إدارة حكومة الإقليم. إضافة إلى ذلك، يجب على حكومة أربيل تسليم ما لا يقل عن 400 ألف برميل يومياً من النفط إلى بغداد. كما ينبغي إيداع الإيرادات المتأتية من تصدير نفط الإقليم في حساب مصرفي تفتحه وزارة المالية الاتحادية لدى البنك المركزي العراقي. ويبلغ إجمالي إيرادات الموازنة 134 تريليوناً و5 مليارات دينار (103.4 مليار دولار)، بناءً على سعر برميل نفط 70 دولاراً، حيث تشكّل العائدات النفطية نسبة 90% من إيرادات البلاد.

ويقدر العجز بـ49.5 مليار دولار، الرقم الذي يعد قياسياً مقارنة بالموازنة الأخيرة التي جرى التصويت عليها في عام 2021 (ولم يجرِ الاتفاق على ميزانية عام 2022 بسبب عدم الاستقرار)، حيث بلغ العجز حينها 19.8 مليار دولار، وفق الوكالة الفرنسية. وأضافت وكالة الصحافة الفرنسية أنه من المتوقع أن يشهد القطاع العام في العراق نمواً كبيراً ما قد يشكل ضغطاً على الميزانية، وفقاً لمحللين. وتوقع الخبير الاقتصادي أحمد الطبقجلي أن يشهد العراق موجة توظيف لأكثر من 600 ألف شخص، بينما قدّر قوائم أجور ومعاشات القطاع العام بأكثر من 58 مليار دولار. وقال الطبقجلي للوكالة الفرنسية إن «العراق ضعيف لأنه إذا انخفضت أسعار النفط فسيتعين عليه تخفيض الميزانية». وأضاف أنه رغم ذلك وبما «أننا لا نستطيع تقليل النفقات الثابتة، سيتعين علينا تقليل نفقات الاستثمار». وكان صندوق النقد الدولي قد حذّر الشهر الماضي من «الاعتماد» على «الإيرادات النفطية» في العراق، داعياً بغداد إلى «وضع سياسة للمالية العامة أكثر تشديداً». وتشمل النفقات في الموازنة استثمارات بقيمة 49 تريليوناً و350 مليار دينار (37.9 مليار دولار)، ستذهب خصوصاً في بناء الطرقات والمشاريع السكنية والمدارس والمستشفيات، التي تشكّل «أولوية» بالنسبة لرئيس الوزراء محمد شياع السوداني في بلد تعاني بنيته التحتية من التهالك بفعل عقود من الحروب.


مقالات ذات صلة

بغداد تخشى انخراط فصائل في حرب محتملة بين واشنطن وطهران

المشرق العربي عنصران من الأمن العراقي يرفعان علامة النصر في بغداد بمناسبة انسحاب القوات الأميركية 30 سبتمبر الماضي (إ.ب.أ)

بغداد تخشى انخراط فصائل في حرب محتملة بين واشنطن وطهران

تواجه الحكومة العراقية اختباراً لجهودها في حصر السلاح بيد الدولة، مع تزايد المخاوف من تجدد المواجهة بين الولايات المتحدة وإيران، واحتمال انخراط فصائل مسلحة فيها

حمزة مصطفى (بغداد)
شؤون إقليمية عناصر من «حركة النجباء» العراقية خلال تجمع في بغداد يوم 8 أكتوبر 2023 (أ.ف.ب)

مخاوف عراقية من عودة فصائل الظل إلى «وحدة الساحات»

تزداد مخاوف في العراق من أن يكون تمسك الفصائل المسلحة بسلاحها محاولةً لكسب الوقت؛ استعداداً لاحتمال استئناف الحرب مع إيران.

«الشرق الأوسط» (بغداد)
المشرق العربي سفن في مضيق «هرمز» كما تظهر من مسندم بعمان 19 أكتوبر الحالي (رويترز)

بغداد تقلل من تأثير قطع كابلات الإنترنت في «هرمز»

قلل وزير الاتصالات العراقي مصطفى سند من المخاوف المتعلقة باحتمالات استهداف أو قَطع خطوط الكابلات البحرية والإنترنت عبر إيران أو مضيق هرمز.

حمزة مصطفى (بغداد)
المشرق العربي رئيس البرلمان العراقي هيبت الحلبوسي يؤدي اليمين الدستورية وإلى جانبه رئيس الحكومة علي الزيدي وخلفهما وزراء جدد (إعلام حكومي)

مبادرة عراقية تهاجم «توزيع الغنائم» في حكومة الزيدي

ما زالت قضية إكمال الكابينة الحكومية لرئيس الوزراء علي الزيدي، التي صوَّت عليها البرلمان الاتحادي الخميس الماضي، تثير المزيد من مشاعر الإحباط.

فاضل النشمي (بغداد)
المشرق العربي ضباط من الشرطة في الأنبار العراقية يعاينون مقذوفات ومسيَّرات ضُبطت بالمحافظة (إعلام أمني)

كييف تنفي نشر آلاف المسيَّرات في سماء العراق

نفت السفارة الأوكرانية في العراق ما وصفتها بـ«الادعاءات» الإيرانية عن قيام كييف بنشر آلاف الطائرات المسيَّرة في العراق.

فاضل النشمي (بغداد)

انتخابات إسرائيل: حزب «طفل» ينافس على رئاسة الحكومة

رئيس أركان الجيش الإسرائيلي السابق غادي آيزنكوت يعد المنافس الرئيسي لرئيس الوزراء بنيامين نتنياهو (أ.ف.ب)
رئيس أركان الجيش الإسرائيلي السابق غادي آيزنكوت يعد المنافس الرئيسي لرئيس الوزراء بنيامين نتنياهو (أ.ف.ب)
TT

انتخابات إسرائيل: حزب «طفل» ينافس على رئاسة الحكومة

رئيس أركان الجيش الإسرائيلي السابق غادي آيزنكوت يعد المنافس الرئيسي لرئيس الوزراء بنيامين نتنياهو (أ.ف.ب)
رئيس أركان الجيش الإسرائيلي السابق غادي آيزنكوت يعد المنافس الرئيسي لرئيس الوزراء بنيامين نتنياهو (أ.ف.ب)

في السياسة، يمكن لحزب جديد أن ينافس على رئاسة الحكومة. فإن قلت إنه تأسس فقط قبل سنة، فلا يعني ذلك أنه طفل يحبو. لكن أن ينافس وينجح في تخفيض مكانة كل الأحزاب من حوله، بما في ذلك أحزاب عمرها نحو 50 عاماً مثل «الليكود» و«العمل»، ويصبح قائده أقوى المرشحين لرئاسة الحكومة، فهذا ليس أمراً عادياً. والتفسير هو: إما أن يكون قائده عبقرياً ذا كاريزما مميزة، وإما أن وضع الساحة الحزبية في إسرائيل بلغ درجة من الحضيض تجعل أياً كان صالحاً ليتفوق على السياسيين المجربين.

إنه حزب «يشار»، الذي يقوده غادي آيزنكوت، الرئيس الأسبق لهيئة أركان الجيش الإسرائيلي. سر قوة الحزب يكمن أولاً في الاسم الذي اختاره لنفسه. فكلمة «يشار» بالعبرية تعني «مستقيم». ومن اختار له هذا الاسم يدرك أن الإسرائيليين ملوا من السياسة ومن السياسيين الحاليين، لما شابها من انحطاطات وأمراض وفساد. ومن أبرز شعارات الحزب الجديد: «لا يمين ولا يسار بل يشار»، لأن السياسيين السيئين موجودون في اليمين وفي اليسار. سواء في الائتلاف الحكومي أم في المعارضة. وإذا كان رئيس الوزراء، بنيامين نتنياهو، يحاكم بشكل رسمي في ثلاث تهم فساد، فإن من يحاكمونه في الجهاز القضائي ليسوا بريئين من تهم الفساد.

لوحات إعلانية إلكترونية خاصة بالانتخابات تظهر كلاً من رئيس أركان الجيش الإسرائيلي السابق غادي آيزنكوت ورئيس الوزراء بنيامين نتنياهو (د.ب.أ)

لذلك، فإن الشعور السائد في الجمهور هو أن إسرائيل بحاجة ماسة إلى نفض شامل، وهناك من يقول انتفاضة، تهزها من الأساس. وشجع نمو قيادة سياسية تلتزم بقيم أخرى تتسم بنظافة اليد والبعد عن ثقافة الكذب والخداع وتضع المصلحة الوطنية والاستراتيجية فوق المصلحة الشخصية، وهذه كلها تختصر بكلمة واحدة «الاستقامة».

في سجل الأحزاب في التاريخ الإسرائيلي تأسس حزب باسم «يشار» في سنة 2019. أسسه ثلاث شخصيات، لكنه لم يجتز نسبة الحسم، وحصل فقط على 1438 صوتاً، ثم انفرط. وعندما أقامه آيزنكوت من جديد في سبتمبر (أيلول) 2025، أوضح أنه سيكون نواة لتجمع عدة أحزاب وكيانات سياسية. وقد بدأ قادة الأحزاب المعارضة يسعون إلى الشراكة معه، لكن مستشاريه الذين يعملون على أسس مهنية نصحوه بألا يشارك أي شخصية سياسية معروفة معه. قالوا له إن «الجمهور يمقت السياسيين الحاليين، من الحكومة ومن المعارضة، وعليك أن تأتي بجديد». والسياسيون الذين اختارهم شركاء له يعدّون «رماديين»، إذ لم يبرزوا في حلبة المعارك وبقوا في الظل يعملون بهدوء ويبتعدون عن الألاعيب السياسية. وقد تم اختيارهم بعناية، ليكونوا ممثلين عن «المجتمع اليهودي الصهيوني القتالي»، أي من دون عرب (باستثناء مرشح واحد درزي هو اللواء المتقاعد في الجيش الإسرائيلي، كميل أبو ركن، الذي وضع في مكان مضمون (13) في لائحة المرشحين) ومن دون يهود متزمتين (حريديم).

دبابة إسرائيلية تعبر قرب إعلان انتخابي للمرشح غادي آيزنكوت في كريات شمونة قرب الحدود مع لبنان (أ.ب)

أبرز قادة الحزب هم: يورام كوهن، الرئيس الأسبق لـ«الشاباك» (المخابرات العامة)، الذي يجيد اللغة العربية، ويتوجه مباشرة إلى المواطنين العرب داعياً إياهم إلى التصويت للحزب، ويتعهد لهم بالاهتمام بقضاياهم واندماجهم في المجتمع الإسرائيلي بمساواة، ووزيرة الشؤون الاستراتيجية السابقة، أوريت فركش كوهن، والشابة عادي التشولر، والعميد متان كهانا، الوزير السابق الذي يعرفه آيزنكوت من الخدمة العسكرية، إذ تولى قيادة سرب من مقاتلات «إف-16»، وفرقة الكوماندوس النخبوية، والوزير الأسبق حيلي تروبر، والاقتصادي شاؤول مريدور، الذي شغل منصب المحاسب الرئيسي في وزارة المالية وهو نجل القائد السابق في الليكود، دان مريدور، واللواء المتقاعد، العزار شتيرن رئيس دائرة القوى البشرية في الجيش الإسرائيلي سابقاً، والناشط الاجتماعي اليساري رون بركائي وغيرهم.

يوجد بين أول 20 مرشحاً، ثمانية سياسيين ونشطاء ممن ينتمون إلى «الصهيونية الدينية»، وهو التيار الذي يقود الحركة الاستيطانية في الضفة الغربية وغالبيته اليوم من اليمينيين المتطرفين. لكن فيه تياراً معتدلاً نسبياً، يحمل آراء معتدلة سياسياً واجتماعياً.

بنيامين نتنياهو يقدم العزاء لغادي آيزنكوت في مقتل ابنه خلال معارك غزة يوم 8 ديسمبر 2023 (أ.ب)

الطريق السياسي

تمكن حزب «يشار» من اختراق الساحة الحزبية، أولاً وقبل كل شيء بسبب الاحترام الذي يحظى به آيزنكوت. فهو من أصول شرقية، والداه مهاجران من المغرب، لذلك ينجح في سحب يهود شرقيين من الليكود. وهو جنرال مختلف عن زملائه المتغطرسين، ومعروف بوصفه شخصيةً متواضعةً. عندما أراد نتنياهو تعيينه رئيساً للأركان سنة 2011 رفض، وقال إن بيني غانتس أحق منه، وفقط في سنة 2014 وافق على تسلم المنصب. حتى خصومه يعترفون بأنه مستقيم، وبأن هذه الصفة هي أهم موضوع في المعركة الانتخابية.

لكن هذا المستقيم يجد نفسه في بركة تماسيح وأفاعي في السياسة الإسرائيلية، ووسط حرب متعددة الجبهات لا تبدو لها نهاية والقيادة الجديدة التي يقدمها هذا الحزب لا تطرح بديلاً واضحاً عن سياسة نتنياهو، بل تطرح مزيجاً من الأفكار. ومن أبرز نقاط ضعفه أنه يقع في شراك ينصبها له نتنياهو يومياً. وبدلاً من فرض أجندة خاصة به على السياسة الإسرائيلية، تلائم قلق الجمهور، مثل إخفاقات «7 أكتوبر» وإدارة الحرب لأجل مصلحة شخصية يقتل فيها جنود وتكلف ثمناً باهظاً من دون جدوى سياسية، وبدلاً من الحديث عن غلاء المعيشة الفاحش الذي يعدُّ من أبرز هموم الناخبين، يضطر آيزنكوت إلى الرد على اتهامات نتنياهو له، إذ يتهمه نتنياهو بأنه سيُشكّل حكومة مع الأحزاب العربية، فيرد آيزنكوت بأنه لن يقيم حكومة مثل هذه، ويتهمه بالسعي إلى إقامة دولة فلسطينية، فيرد آيزنكوت بأنه لا يؤيد قيام دولة فلسطينية، ويتهمه بأنه يعارض محاربة إيران، فيرد بأنه يؤيد محاربة إيران، ويقول إنه لا يملك خطة لتصفية «حماس» فيرد بالقول إنه خلال 18 شهراً سوف ينهي حكم «حماس».

هذا التوجه يجعل آيزنكوت يظهر ضعيفاً أمام نتنياهو. ويزيد من ضعفه أنه لم ينجح في إقناع رفاقه في المعارضة، نفتالي بنيت ويائير لبيد وأفيغدور ليبرمان، بأنه يناسب لقيادة معسكر التغيير. لكن في الوقت الحاضر، الجمهور الإسرائيلي يفضل آيزنكوت في منصب رئيس الحكومة على كل المرشحين. لكنه لا يمنحه الأكثرية اللازمة لذلك. فيضطر إلى الإعداد لمعركة أخرى بعد الانتخابات لا تقل صعوبة عن المعركة التي خاضها بنجاح جزئي حتى الآن.


الحكومة السورية تتهم «مجموعات خارجة عن القانون» بقطع طريق «السويداء - دمشق» بشكل كامل

جانب من توقف حركة العبور على طريق السويداء - دمشق السبت (متداول)
جانب من توقف حركة العبور على طريق السويداء - دمشق السبت (متداول)
TT

الحكومة السورية تتهم «مجموعات خارجة عن القانون» بقطع طريق «السويداء - دمشق» بشكل كامل

جانب من توقف حركة العبور على طريق السويداء - دمشق السبت (متداول)
جانب من توقف حركة العبور على طريق السويداء - دمشق السبت (متداول)

اتهمت الحكومة السورية «المجموعات الخارجة عن القانون» بقطع طريق السويداء - دمشق بشكل كامل، السبت، في حين أفادت مواقع تابعة للشيخ حكمت الهجري بأن أهالي الموقوفين من أبناء السويداء هم من قطعوا الطريق، مطالبين بالإفراج الفوري عن أبنائهم.

وقال مدير العلاقات الإعلامية في مديرية إعلام السويداء، قتيبة عزام، إن تلك المجموعات أغلقت الطريق في الاتجاهين عند «حاجز أم الزيتون» التابع لها، مشيراً إلى أن قوى الأمن الداخلي تواصل تقديم التسهيلات على «حاجز المتونة».

عناصر من «الحرس الوطني» التابع للشيخ الهجري في السويداء (أرشيفية - السويداء 24)

يُشار إلى أن تلك «المجموعات الخارجة عن القانون»، التابعة لشيخ العقل حكمت الهجري، منعت، الأربعاء الماضي، نحو 100 موظف من الوصول إلى أماكن عملهم في منطقة الصورة الصغرى بالريف الشمالي، بعدما أوقفتهم عند «حاجز أم الزيتون» الخاضع لسيطرتها. كما سبق لها أن منعت، قبل أشهر، الطلاب من التوجه لتقديم امتحانات الشهادة العامة.

وتسود مناطق الجنوب السوري أجواء من التوتر، على خلفية التوغلات والاعتداءات الإسرائيلية، وسط تزايد احتمالات التصعيد بين القوات الحكومية والمجموعات المسيطرة على السويداء.

وأثارت تصريحات المبعوث الأميركي إلى سوريا، توم برّاك، التي انتقد فيه الهجري، استياء اتباعه، وعدّ بيان صدر عما يُسمى «المكتب الإعلامي» لجماعة الهجري، ونشر في معرفاتها الرسمية ليل الجمعة، أن تلك التصريحات «هي استهداف ممنهج ومرفوض»، رافضاً وصم الجبل بأنه «مركز لتصنيع الكبتاغون».

وأضاف: «أن خطوط إنتاج الكبتاغون ورعايتها وحمايتها هي صناعة حصرية لقوى ومنظمات عابرة للحدود، وأجهزة أمنية وميليشيات طائفية وإقليمية معلومة للجميع، استخدمت المخدرات بوصفها سلاحاً لتدمير المنطقة وتمويل الفوضى».

عناصر من المسلحين الموالين للشيخ حكمت الهجري خلال دورية في السويداء (أرشيفية - أ.ف.ب)

وردّاً على ما قاله برّاك بأن الهجري «يستند إلى وهم الدعم الإسرائيلي والتوافق الأميركي»، قال البيان إن «المرجعية الروحية والقيادية لم تطلب يوماً تأييداً من واشنطن أو غيرها». وحذّر من مغبة استخدام تصريحات المبعوث الأميركي «غطاءً سياسياً لتمرير مؤامرات خبيثة تستهدف استقرار الجبل، وتفتيت حاضنته الشعبية».

وكان برّاك قد قال في حديث مع المؤثر ماريو نوفل مساء الجمعة: «ما يقلقني في الجنوب السوري ليس إسرائيل، بل شيخ درزي (ويقصد الشيخ الهجري) يستغل وهم الدعم الإسرائيلي وبعض التوافق مع واشنطن لاضطهاد دروز آخرين»، مؤكداً «أن ادعاء الزعيم الدرزي حصوله على دعم أميركي خاطئ تماماً».

وأشار براك إلى أن «المنطقة الممتدة من السويداء إلى درعا مركز عالمي لتصنيع الكبتاغون والاتجار به». وقال: «تجارة الكبتاغون تتيح لبعض الدروز تمويل تسليح أنفسهم». وبرر التحركات الإسرائيلية في الجنوب السوري «بدافع المخاوف الأمنية والرغبة في حماية المنطقة العازلة»، مشيداً بـ«تحلي سوريا بالصبر لتجنب تصعيد واسع النطاق».

السفير الأميركي لدى تركيا والمبعوث الخاص إلى سوريا والعراق توم براك (أ.ب)

ورأى المبعوث الأميركي أن «التوصل إلى تفاهم بين سوريا وإسرائيل لا يزال ممكناً».

وكان محافظ السويداء، مصطفى البكور، قد صرّح في وقت سابق بأن أهالي ‌‏المحافظة يعانون ضيق المعيشة والانفلات ‏الأمني، في ظل سيطرة «مجموعات خارجة ‏عن ‏القانون»، لافتاً إلى ‏وجود تهديدات وعمليات خطف، متهماً هذه المجموعات ‏بـ«عرقلة ‌‏الحلول حفاظاً على مصالحها».‏


الحكومة الفلسطينية: تصعيد الاحتلال في الضفة يستدعي تدخلاً دولياً عاجلاً

جنود إسرائيليون يتخذون مواقعهم خلال عملية عسكرية في مدينة الخليل بالضفة (أ.ب)
جنود إسرائيليون يتخذون مواقعهم خلال عملية عسكرية في مدينة الخليل بالضفة (أ.ب)
TT

الحكومة الفلسطينية: تصعيد الاحتلال في الضفة يستدعي تدخلاً دولياً عاجلاً

جنود إسرائيليون يتخذون مواقعهم خلال عملية عسكرية في مدينة الخليل بالضفة (أ.ب)
جنود إسرائيليون يتخذون مواقعهم خلال عملية عسكرية في مدينة الخليل بالضفة (أ.ب)

حذرت الحكومة الفلسطينية، اليوم السبت، من خطورة التصعيد الإسرائيلي المتواصل في الضفة الغربية، مشيرة إلى ما تتعرض له محافظة الخليل من إجراءات عقاب جماعي، تشمل تهجير سكان أحياء كاملة، وهدم المنازل والمنشآت، وإغلاق المدن الفلسطينية وحصارها، في إطار سياسة ممنهجة تنتهجها حكومة الاحتلال في الضفة الغربية وقطاع غزة، وفق ما نشرته «وكالة الأنباء الألمانية».

وقالت الحكومة، في بيان، إن ذلك يأتي في وقت لا تزال فيه مخيمات شمالي الضفة الغربية ومدنها تعاني من تداعيات التهجير والهدم، بعد إجبار أكثر من 40 ألف مواطن على ترك منازلهم منذ مطلع عام 2025 وحتى اليوم.

ووصفت الحكومة هذا التصعيد الإجرامي بأنه «عمل عدواني يستهدف الشعب الفلسطيني وأرضه ومقدراته»، محملة «الاحتلال المسؤولية الكاملة عن هذا التمادي الخطير».

وطالبت المجتمع الدولي بالتدخل العاجل والفوري لوقف الاحتلال وحكومته عن الاستمرار في ارتكاب المزيد من الجرائم التي تجري في الضفة الغربية وقطاع غزة.

وأكدت أن «هذا التصعيد الذي طال جميع المحافظات لن يجلب الأمن والسلام لأحد، وأن استمراره لن يؤدي إلا إلى مزيد من التوتر والتصعيد»، مشددة على أن «شعبنا الفلسطيني سيبقى صامداً، ومتمسكاً بأرضه، ومقدساته، وحقوقه التاريخية الثابتة».

وأجبرت القوات الإسرائيلية عشرات المواطنين الفلسطينيين على إخلاء منازلهم في منطقتي الجلدة ودير بحة في مدينة الخليل جنوب الضفة الغربية، وفق مصادر محلية فلسطينية.

وكان الجيش الإسرائيلي وجهاز الاستخبارات الداخلية «شين بيت» قالا إن إسرائيل شنت عملية لمكافحة الإرهاب في منطقة الخليل بالضفة الغربية المحتلة في أعقاب هجوم أسفر عن مقتل جنديين.

وأعلن الجيش الإسرائيلي مقتل جنديين وإصابة ثلاثة آخرين في هجوم بالرصاص قرب الخليل أمس الجمعة، مؤكداً مقتل المهاجمَين الفلسطينيَين واللذين ينتميان إلى مدينة الخليل.