تكاد تكون فترة منسيّة من تاريخ الرسم المعاصر. مرحلة تتراوح تجلياتها ما بين اللوحة المفهومة واللوحة اللغز. هذا ما يدعوك لاكتشافه معرض يستضيفه حالياً متحف «مارموتان مونيه» في باريس. 100 لوحة تعود للفترة من 1926 حتى 1972. وهي مرحلة ليست بعيدة جداً.
جاءت الأعمال من مقتنيات ومجموعات خاصة ومن متاحف عامة. وهي تواكب ما شاع يومذاك من مدرسة فنية معاصرة تنادي بالتجريد. كان الرسام يصور البشر والحيوانات والأشجار والبحيرات كما يراها، أو بتدخل طفيف، ومن ثَم جاء فن يقدم تلك الأشكال لا كما تراها العين بل كما هي مضمرة في مشاعر الفنان. إذاً فإن ما سُمّيت «الرومانسية الجديدة» كانت ردة فعل على ما شاع من تجريد. وهي، بشكل ما، عودة للفن التشخيصي الذي لا تفقد فيه الأشكال ملامحها.

من رواد تلك الموجة رسامون من جنسيات عدّة: الفرنسي كريستيان بيرار، والروسيون بافيل تشيليتشيف ويوجين وليونيد بيرمان، والهولندي كريستيانس توني. كل هؤلاء ورفاق لهم اجتمعوا أول الأمر في باريس خلال عشرينات القرن الماضي، وانتقلت أعمالهم إلى المشهد الفني في الولايات المتحدة وفي بريطانيا وإيطاليا، بحيث إنهم شكّلوا جسراً بين بيكاسو والسوريالية، وبين التشخيص الذي كان سائداً من قبل، وصولاً إلى أعمال توصف بالفن الحي الذي قدموا منه نماذج مبهرة.
في بدايات 1926، أُقيم في صالة «درويه» في العاصمة الفرنسية معرض شكّل حدثاً فنياً واجتماعياً في حينه. لقد قدّم مجموعة من رسامين شبان فاض بهم الكيل من التيارات الموجودة ووجدوا أن المدرسة التجريدية الحديثة قد استوفت عمرها. إنهم يقترحون العودة إلى شكل جديد من الواقعية. وكان ممن لفت المعرض نظرهم الناقد الفرنسي البولوني الأصل، فالديمار جورج. لقد أدرك على الفور اختلاف تلك الأعمال عمّا هو سائد وبادر إلى تسميتها «الرومانسية الجديدة»، أو «الإنسانية الجديدة».

بعد 10 سنوات نشر جامع اللوحات الأميركي ثرال سوبي، كتاباً ما زال الأساس والوحيد الذي يوثّق لذلك التيار حتى اليوم. وهو قد اختار لكتابه عنواناً مثيراً: «ما بعد بيكاسو». فقد كانت أعمال تلك المجموعة من الفنانين تحمل تأثيرات الرسام الإسباني الشهير، لا سيما في فترتيه الزرقاء والوردية، إلى جانب الرغبة شبه المستحيلة في تجاوزه وشقّ طرائق جديدة غير مطروقة. وهي وجهة نظر أكثر منطقية، حيث رأى المؤلف في تلك اللوحات أسلوباً جديداً مثل الذي كان قد اقترحه مؤرخ الفن الفرنسي أندريه كاستيل، أي الخروج من مأزق الرسامين الذين اضطروا إلى تحمل الإرث الساحق لليوناردو دافنشي ومايكل أنغلو.
رغم الصداقة التي جمعتهم، لم يرتبط أولئك الفنانون بمدرسة محددة. لقد مضى كلٌّ منهم في دربه الخاص خصوصاً بعد نشوب الحرب العالمية الثانية. بقي بيرار في باريس حيث فارق الحياة في سن مبكرة، وانتقل الأخوان بيرمان ومعهم تشيليتشيف إلى الولايات المتحدة حيث عاشوا سنوات طوالاً قبل أن يعودوا إلى أوروبا، وبالتحديد إلى روما التي واصلوا فيها مسيرتهم الفنية. وفي روما برزوا أسماء مهمة في المشهد الفني الإيطالي خلال ستينات القرن الماضي، وانضم إليهم شيريكو الذي كان فناناً بارزاً وكذلك شقيقه ألبيرتو سافينيو.
وبسبب تلك النزعة الكوزموبوليتية التي كانت وليدة العيش في أكثر من بلد، جمع تاريخ «الرومانسية الجديدة» بين شخصيات قد لا يجمع بينها رابط، مثل صديقة الفنانين الكاتبة الأميركية غرترود شتاين التي تحدثت عن أعمالهم في كتابها «سيرة أليس توكلا»، والمخرج والراقص الجورجي جورج بالانشين، والناقد والمؤلف الموسيقي الأميركي فيرجيل طومسون. كما التحق بهم البريطانيان فنان الحفر البريطاني لوسيان فرويد والرسام فرنسيس بيكون.
كان مجتمع باريس يحتفي بالتجديد، وبهذا فقد ارتبط فنانو «الرومانسية الجديدة» بأسماء نبغت في مجالات أخرى، مثل مصمم الأزياء كريستيان ديور، وزميلته إلزا سكياباريلي، وصاحبة شركة مستحضرات التجميل هيلينا روبنشتاين التي تولّى تشيليتشيف التصميم الداخلي لشقتها في «جزيرة سان لوي»، الحي العتيق الذي يجمع النخبة. وبهذا الامتداد فإن «الرومانسية الجديدة» لم تشكل وسيطاً بين تيارات في الفن التشكيلي فحسب بل جمعت تحت خيمتها فنون الأوبرا والباليه والموسيقى والأزياء. وكان من ثمار ذلك التجمع استعراضات مسرحية رائعة استقرت في ذاكرة باريس.

