خالد الفرج... هوية المثقف الخليجي ودوره

أسس المطابع وألّف الكتب وأسهم في نشر الوعي الوطني والقومي

خالد الفرج
خالد الفرج
TT

خالد الفرج... هوية المثقف الخليجي ودوره

خالد الفرج
خالد الفرج

ترافق مع التكوين السياسي لدول منطقة الخليج العربي في العقود الأولى من القرن العشرين تبلور تدريجي لدور فاعل اضطلع به أبناء المنطقة وغيرهم من أبناء الدول العربية في تحقيق ذلك التكوين ودعمه بصور مختلفة، كان منها الدور الاستشاري والمؤازرة المعنوية وشغل الوظائف المختلفة التي احتاجتها الحكومات الناشئة، وهي تكافح من أجل نهوضها ورسم معالم هويتها على الصعيد السياسي وغيره، والتخلص كذلك من الهيمنة الأجنبية بكل صورها.

أحد الذين قاموا بدور لافت، بل استثنائي، في تلك المرحلة وأثناء تلك العملية، هو خالد الفرج، الكويتي ولادةً ونشأة، والخليجي عملاً ونشاطاً وتطلعات. ومع أن الفرج لم يعِشْ أكثر من ستة وخمسين عاماً ما بين 1898 و1954، فإن منجزه الثقافي والإداري وعدد المهام التي اضطلع بها تتجاوز تلك العقود القليلة إلى أثر أعمق وأوسع. استطاع ذلك الرجل أن يؤسس المطابع ويؤلف الكتب ويتولى مهام الإدارة التنموية، ويسهم في نشر الوعي الوطني والقومي بوصفه مناضلاً ضد الهيمنة الأجنبية، البريطانية في حالة الخليج، دون هوادة وبإيمان واضح بما يتعين عليه القيام به.

«المطبعة العمومية»

كان الفرج من أوائل أبناء المنطقة الذين تعلموا تعليماً حديثاً نسبياً، حين دخل المدرسة المباركية في الكويت عند إنشائها عام 1911، وهي المدرسة الحديثة الأولى في الكويت، وربما في الجزيرة العربية والخليج، ثم جاءت رحلاته المبكرة للهند على عادة أهل الخليج آنذاك في التواصل التجاري مع الهند لتفتح له أفقاً أوسع على المستوى الثقافي؛ فتعلم الإنجليزية وقيل الأوردية أيضاً، واكتشف إلى جانب ذلك أهمية المطبعة في بعث الحياة الثقافية، فأسس هناك مطبعة سماها «المطبعة العمومية» نشر من خلالها كتباً تُنشر لأول مرة، وحين عاد أسس مطبعة بالاسم نفسه في مدينة الدمام السعودية أسهمت في نهضة الصحافة الأهلية هناك؛ وهي الصحافة التي قامت بمهمة ضخمة في التوعية والتنمية.

هذه المعلومات وغيرها متاحة لمن يريد معرفتها في بعض ما أُلّف حول الفرج، كما في مواقع كثيرة على الإنترنت، ولا أريد هنا أن أعيد نشرها. ما أود التوقف عنده هو طبيعة الدور الذي قام به، وكيف أدى ذلك الدور إلى صياغة مفهوم مبكر للمثقف في منطقة الخليج العربي، بل في الجزيرة العربية كلها، لكن قبل الدخول في صلب تلك الملاحظات، أشير إلى أن استيعاب ما قام به خالد الفرج في مناطق الخليج المختلفة التي عاش وعمل فيها (البحرين والسعودية بصفة خاصة) وقع ضمن سياق نهضوي عام، عاصر فيه الفرج رصفاء عرباً في مصر والشام والعراق وغيرها. فما كان مثقفو الخليج آنذاك يفعلونه إلى جانب الفرج (مثل إبراهيم العريض في البحرين، ومحمد حسن عواد في الحجاز، وغيرهما في الجهات المختلفة من الجزيرة العربية)، كان يفعل ما يشبهه مثقفو مصر والشام وغيرهما من أجزاء الوطن العربي؛ فسعيه لتسهيل تعلم اللغة العربية ومحو الأمية، مثلاً، يذكّر بجهود طه حسين في جعل التعليم مجانياً في مصر في الفترة نفسها تقريباً، لكن من المهم تذكر التفاوت الكبير بين مناطق عربية سبقت في التأسيس الحضاري مثل مصر والشام لقربهما من أوروبا، ومنطقة الخليج التي لم يأتها التفاعل الحضاري مع مراكز العلوم والمعارف المعاصرة إلا في مرحلة تالية نسبياً.

سياق تاريخي

البعد التاريخي مهم لمعرفة طبيعة المهام التي اضطلع بها مثقفو المنطقة، ومنهم الفرج؛ ذلك أننا إزاء كيانات سياسية واجتماعية واقتصادية كانت لا تزال في طور التشكل، وطاقات بشرية توازيها في ذلك الطور. الكيانات تتأسس، والمثقفون يتأسسون أو يتنامون في عملية متوازية إلى حد بعيد. فالمثقف في ضوء ذلك التزامن يرى نفسه مسؤولاً عن أشياء كثيرة تحتاجها عملية التأسيس والنمو تلك: إنشاء المجلات والصحف، وتأسيس المطابع، ونشر المقالات التوعوية، والمطالبة بنشر التعليم وتحديثه وتسهيل الوصول إليه، كل ذلك وغيره مما رأت النخب المثقفة آنذاك أن عليها الاضطلاع به.

إن طبيعة المهام التي كانت توكل إلى مثقفي المرحلة مؤشر بحد ذاته إلى طبيعة المرحلة نفسها؛ فالمتوقع من المتعلم أو المثقف أن يكون قادراً على إدارة ما يوكل إليه، وإن كان بعيداً عما اشتهر به من نشاط يعد تخصصاً أو قريباً من التخصص. ومما يدل على ذلك، أن الفرج الذي عُرف بالشعر والتأليف في المقام الأول كلفه الملك عبد العزيز حين جاء؛ أي الفرج، من البحرين إلى السعودية، بتأسيس وإدارة بلدية القطيف؛ فنشط في ذلك، فشق الطرق واستحدث التنظيمات، ليُكلف بعد ذلك بإدارة بلدية الدمام، ثم كلفه الملك بالإشراف على الإذاعة السعودية عند تأسيسها.

هذه المهام وغيرها لم تُعِق الفرج عن تأسيس المطبعة في الدمام، ولا عن تأليف المطولات أو الملاحم الشعرية التي كان موضوعها تاريخ الدولة السعودية ومنجزات العهد السعودي. وإذا كان العمل البلدي مما يُحمد عليه أبناء المنطقة، فإن التقرب من الملوك مما يثير عادة شبهة التملق والسعي للمصلحة الشخصية؛ لذلك حرص الفرج على الإعلان أنه لم ينظم قصائده للمديح، وإنما للتأريخ وإحقاق الحق؛ أي إنه كان قلقاً من سوء فهم الناس وتأثر سمعته بوصفه مثقفاً نزيهاً؛ لذا كتب يدافع عن نفسه:

«والذي يقرأ هذه القصيدة يضعها - دون شك - في أبواب المديح، ولا يلام على ذلك؛ لأن الناس اعتادوا أن يقرأوا آيات الثناء البراق في من يستحق ومن لا يستحق، ولا يهتمون بعد ذلك بحقيقة ما قيل إن صدقاً وإن كذباً... وليس في هذه القصيدة من المديح - المصطلح عليه - إلا مطلعها، وإلا فكل ما فيها حقائق لا غبار عليها يعرفها كل من درس تاريخ نجد وكان من المنصفين».

هذا الوعي يستدعي التساؤل عن هوية المثقف وطبيعة دوره في تلك المرحلة من تاريخ المنطقة ودولها الناشئة. نحتاج إلى التساؤل، بتعبير آخر، عن هوية المثقف: مَن هو وبأي دور اضطلع. وفي ظني أن من القراء من ستقفز إلى ذهنه أسماء مفكرين تناولوا هذه المسألة واشتهروا بتعريفاتهم أو تحديداتهم للمثقف وطبيعة دوره. ولعل أشهر تلك الأسماء المفكر الإيطالي غرامتشي الذي عرف بمفهوم المثقف العضوي، لكن ذلك المفهوم الذي تأسس على الظروف التاريخية والرؤية الماركسية وعلاقات المثقف الطبقية والحزبية، لا يعيننا كثيراً على فهم ما قام به مثقف مثل الفرج لم تحكمه علاقات طبقية ولا حزبية بالصورة التي استنبط منها غرامتشي تصوره وتحليله.

جانب نضالي

تصور آخر نجده لدى المؤرخ المغربي عبد الله العروي في تحليله لشخصية المثقف بمصر في النصف الأول من القرن العشرين، حين تحدث عن الداعية الديني ورجل السياسة وداعية التقنية، ووجد أنهم يختصرون هوية المثقف أو أنواع المثقفين في تلك المرحلة من تاريخ مصر والنهضة العربية فيها إبان تلك المرحلة. وهذا التصور وإن كان أقرب من تصور غرامتشي إلى هوية مثقف عربي خليجي، فإنه أيضاً لا ينطبق، في أي نوع من أنواعه، على الفرج ولا على كثير من مثقفي المنطقة آنذاك. لم يكن الفرج داعية دين، مثل محمد عبده، ولا رجل سياسة، مثل محمد حسين هيكل، ولا كان داعية تقنية يرى أن النهضة العربية تكون بتبني الصناعة الغربية، كما فعل سلامة موسى، حسب العروي. كان الفرج مناضلاً ضد الجهل والهيمنة الأجنبية استجابة للظروف التي عاشها وعاشتها البلاد التي عرفها وأسهم في تنميتها وتوعية أهلها. كان متديناً، لكنه لم يكن داعية، وكان قريباً من السلطة، لكنه لم يتحول إلى رجل سياسة.

الجانب النضالي التوعوي من شخصيته، وهو الجانب الواضح، يتكفل به تصور طرحه المفكر والمناضل المارتينيكي فرانتز فانون، الذي حارب مع الجزائريين ضد الاستعمار الفرنسي ووضع نظريات في المقاومة أسست لاحقاً لما يُعرف بنظرية ما بعد الاستعمار، أو ما بعد الكولونيالية. في كتابه «المعذبون في الأرض»، المنشور في ستينات القرن الماضي، يرى فانون أن من مهام المثقف توعية مجتمعه بمساوئ الاستعمار والحاجة إلى الاعتماد على الذات... يقول: «بعد أن يكون [أي المثقف] قد جرب إدماج نفسه في الشعب ومع الشعب، سيقوم على النقيض من ذلك بهز الشعب. بدلاً من أن يبدي إعجابه بحالة السبات التي يعيشها الشعب، يحول نفسه إلى موقظ للشعب... ». هذا التعريف مفيد في تحديد جانب مهم مما قام به الفرج، لكنه لا يستوعب كل المهام التي اضطلع بها.

يعني هذا كله أننا بحاجة إلى قراءة أكثر استيعاباً لهوية المثقف في منطقة الجزيرة العربية والخليج وطبيعة المهام التي تحملها، وهو ما يعني تحليلاً أكثر شمولية لأصناف المثقفين والسياقات الثقافية والسياسية والاجتماعية التي تشكلوا وعملوا ضمنها. القراءة الجاهزة ضمن المفاهيم الشائعة، على أهميتها، تظل إسقاطية، فإما أن تخطئ أو تكون فضفاضة؛ لأنها لا تلم بكثير من التفاصيل والسمات الخاصة بالبيئة الثقافية واشتباكاتها الاجتماعية والسياسية.


مقالات ذات صلة

صلاح أبو سيف... 30 عاماً على سينما لا يغيب صاحبها

يوميات الشرق صلاح أبو سيف... الغائب الحاضر في السينما المصرية (الطريق.كوم)

صلاح أبو سيف... 30 عاماً على سينما لا يغيب صاحبها

براعة المخرج في معالجة تدمج الحكاية وشخصياتها في لُحمة طبيعية وواقعية واحدة...

محمد رُضا (لندن)
يوميات الشرق أعمال كميل سلامة تركت أثرها في ذاكرة المُشاهد اللبناني («فيسبوك» الفنان)

كميل سلامة: تأثّرتُ بجائزة «المونو» لأنها أكّدت أنّ جيلاً جديداً يعرفني

رغم مسيرته الطويلة، يرى كميل سلامة أنّ هناك آخرين من الجيل القديم يستحقون التكريم...

فيفيان حداد (بيروت)
يوميات الشرق كانت ترى العالم يتكاثر أمام عينيها... فرسمته (إ.ب.أ)

رحيل اليابانية يايوي كوساما... سيدة النقاط واللانهاية

دار عملها الفنّي حول مفهوم اللانهاية، وفكرة «محو الذات»؛ وقد استلهمتها من الهلوسات التي اجتاحتها...

«الشرق الأوسط» (لندن)
يوميات الشرق جاك تاتي يعرف كم يلزم من الفوضى كي تستقيم الحياة (متروبوليس)

أفلام جاك تاتي في بيروت... «أولو» يعبُر زمن الحداثة

أهم ما في «أولو» أنه خارج المقاس؛ طويلٌ أكثر ممّا يلزم، ومتأخّر عن إيقاع المكان، وغير بارع في تقديم نفسه...

فاطمة عبد الله (بيروت)
يوميات الشرق ابن سينا... في الوجه شيء من سهر المعرفة (منتظر صالح)

منتظر صالح يرسم وجوهاً لذاكرة عربية غابت عنها الصور

اللوحة الواحدة قد تتطلَّب شهراً من البحث والرسم، وهو ما يدفع العراقي منتظر صالح إلى التمييز بين تجربته والصور التي ينتجها الذكاء الاصطناعي خلال ثوانٍ

فاطمة عبد الله (بيروت)

«التوحش الرقمي» أو «كتب بلا قراءة» في العدد الجديد من «القافلة»

«التوحش الرقمي» أو «كتب بلا قراءة» في العدد الجديد من «القافلة»
TT

«التوحش الرقمي» أو «كتب بلا قراءة» في العدد الجديد من «القافلة»

«التوحش الرقمي» أو «كتب بلا قراءة» في العدد الجديد من «القافلة»

في العدد 718 (سبتمبر/أيلول - أكتوبر/تشرين الأول 2026) من مجلة «القافلة» السعودية التي تصدرها شركة «أرامكو»، يتأمل الدكتور عبد الله المطيري معنى السياحة بوصفها حالةً وجودية تتجاوز التنقل، والترفيه، مستكشفاً جذورها اللغوية، والفلسفية.

كما يتتبّع الكاتب محمود مبشر، نشأة صناعة الورق في سمرقند، مستعرضاً الجدل حول أصولها، وتطورها، وكيف أسهمت تحسينات الصُنّاع السمرقنديين في إنتاج الورق الذي أصبح ركيزةً لازدهار التأليف، والنسخ، وانتشار المعرفة في الحضارة الإسلامية.

الإرهاق الوظيفي

وتطرح قضية العدد مسألة «الإرهاق الوظيفي»؛ عن جذوره، وتداعياته، وطرق تشخيصه، وسبل الوقاية منه، والتعافي. كما يتتبّع فريق «القافلة» جذور المفهوم منذ ظهور «الوهن العصبي»، وصولاً إلى تبلور مصطلح (Burnout)، والاعتراف به من منظمة الصحة العالمية، مستعرضاً أسبابه النفسية، والاقتصادية، والمهنية. حيث يميّز هادي الدخيل بين ضغوط العمل الطبيعية والاستنزاف المزمن، ويتحدث عن العلامات الخفية للإرهاق، وتطوّرها التدريجي. ويناقش الدكتور أحمد الخلف آثار الإرهاق الوظيفي في الصحة النفسية، والجسدية، والحياة الشخصية، وسبل الوقاية، والتعافي. أما نايف الفهد، فإنه ينظر إلى المشكلة من زاوية المنظمات، مؤكداً ارتباطها بثقافة العمل، وأساليب الإدارة، وتوزيع الأعباء.

عالم التوحش الرقمي

في أدب وفنون، تناقش بثينة العيسى حال النشر في عالم التوحش الرقمي، وكيف أسهمت الفيديوهات القصيرة واقتصاد الانتباه في تراجع القراءة.

وتشير العيسى إلى دراسةٍ أميركية امتدت من 2003 حتى 2023، وجد فيها الباحثون أنَّ «القراءة من أجل المتعة» بين الشَّباب قد انخفضت بنسبة 40 في المائة خلال عشرين عاماً. وربطت هذه الدِّراسة بوضوحٍ بين تطوُّر البيئة الرقمية وتراجع القراءة.

وقالت: ليس من المبالغة القول إنَّ شركات التكنولوجيا قد نجحت في توجيه الضربة الأقسى للكتاب عبر التاريخ، ووحده المستقبل سيكشف إن كانت ضربةً قاصمة أم لا، وإن كان الكتاب قادراً على النَّجاة هذه المرة أم لا، وبأي شكلٍ؟ وما الثمن؟ لكن الضربة أسوأ من (...) إلقاء مخطوطات «بيت الحكمة» في نهرِ دجلة على يد المغول؛ إذ لم ينجح أيٌّ من هؤلاء في التسبّب في نكوصٍ قرائي بنسبة 40 في المائة، مهما أرادوا ذلك.

وتقول الكاتبة: الكتاب كائنٌ مشاغب، رعوي، ولا يمكن ضبطه، ينجو باستمرارٍ من المنع، والحرق، والغرق، ويتحالف مع الورّاقين من حفظة الذاكرة، ومع القراصنة، والمهرِّبين، والصعاليك إن اقتضى الأمر. تمتَّع الكتاب، عبر التاريخ، بمرونة قتالية مدهشة، وقد انتصر غالباً أمام الفاشية، لكنه اليوم يحاربُ خصماً مختلفاً تماماً، وفي معركةٍ مختلفة تماماً، وبأدواتٍ مختلفة تماماً، فهل سينجو؟ ومرَّة أخرى: بأي شكل؟ وما الثَّمن؟

وتضيف: هذا شيءٌ لم نتخيل أن نقوله في يومٍ من الأيام، لكننا لو خُيّرنا بين الرقابة الكلاسيكية والعيش في مناخ رقمي مملوء بالكتب التي لا يقرأها أحد، لاخترنا الرقابة في شكلها الأوَّل، الواضح، والصريح؛ لأن محاربتها أسهَل، ولأنها لا تخفي آثارها بهذه البراعة، ولا تجعل الواحد منّا يشعرُ بفشله الشخصي بسبب اعتلالٍ بُنيوي في المنظومة. ففي حين تستهدف الرقابة الكلاسيكية منع الكتب نفسها، تعمل المنصات الرقمية على تقويض قدرتنا على القراءة، من دون أن تضطر إلى منع كتابٍ واحد، أو شيطنته. وقد وجدت نبوءة راي برادبيري في روايته «451 فهرنهايت» فرصةً للتحقق أخيراً: «لست مضطراً إلى حرق الكتب لتدمير الثقافة، كل ما عليك فعله أن تُوقف الناس عن قراءتها».

وتقول العيسى: لقد نجح رأس المال الحر، في الشمال العالمي «المتحضّر»، في تحقيق ما لم تنجح الرقابة في تحقيقه قط. وتضيف: من الواضح أننا لا نعيش في عالم أورويل القائم على القمع الصريح، بل في عالم هكسلي الذي يرتكز على التخدير، والترفيه المتواصل، فما الذي حدث فعلاً؟ وأين نحن من نبوءة أورويل في رواية «1984»، بأن وسيلة التحكّم في الأفراد هي الألم، ونبوءة هكسلي في رواية «عالم جديد شجاع» التي تصوّر المتعة وسيلةً للتحكّم في الأفراد؟ وبعبارة موجزة: خشي أورويل أن يدمِّرنا ما نكرهه، وخشي هكسلي أن يدمِّرنا ما نحبُّه.

آداب وفنون

وفي هذا العدد من «القافلة» يتتبّع بدر الدين عرودكي المسيرة الإبداعية للكاتبة الفرنسية نيللي آلار، من التمثيل، وكتابة السيناريو، إلى الرواية. وفي زاوية شعر نقرأ نصًّا للشاعرة جيهان عمر. ويناقش ياسر مدخلي إدارة المشاريع الإبداعية، والتحوّل الذي يشهده القطاع الثقافي السعودي من نشاط إبداعي إلى صناعة اقتصادية. ويستعرض خليل صويلح سيرة أبي خليل القباني، رائد المسرح العربي الحديث، ورحلته من دمشق إلى القاهرة، وشيكاغو. ويتتبّع يوسف الحربي تحوّل العمل الفني من منجز جمالي إلى أصلٍ استثماري، ودور المزادات والإعلام ورأس المال في صناعة قيمته السوقية. ويناقش حمادي كيروم محاولات اقتباس رواية «مدام بوفاري» سينمائياً، واختلاف رؤى جان رونوار وكلود شابرول وفنسنت مينيلي في نقل عالم فلوبير إلى الشاشة. ويتحدث الدكتور فراس طرابلسي عن تطوّر الموسيقى التصويرية من إضافة جمالية إلى شريكٍ أساسي في بناء السرد السينمائي، وصناعة المعنى. فيما يعرّفنا طاهر الزهراني على تجربة الفنانة السعودية زهرة الغامدي، التي تستلهم أعمالها التركيبية من الأرض، وذاكرة المكان، والطبيعة الجنوبية.

علوم وآفاق

وفي علوم، تناقش الدكتورة ندى الأحمدي تطوّر فهم الأحلام في أبحاث علم الأعصاب الحديثة، وإمكانات «هندسة الأحلام»، وحدودها الأخلاقية. ويتحدث علاء حليفي عن «المدن الإسفنجية»، بوصفها نموذجاً عمرانياً يتعايش مع دورة الماء، ويسهم في الحد من الفيضانات. ويتأمل محمد سناجلة تطورات الحوسبة العاطفية، وإمكان إنشاء «متحف للعواطف» يحفظ آثار المشاعر الإنسانية. فيما يتناول الدكتور فهد المرشدي الفيتامينات، ومصادرها، ومخاطر نقصها، أو الإفراط فيها، مؤكداً أنها ليست بديلاً عن نمط الحياة الصحي. ويتناول محمد الصيعري رهان الحوسبة الكمّية، والتجربة السعودية في هذا المجال، مسلطاً الضوء على إطلاق أول حاسوب كمّي في المملكة، وأول منصة تجارية للحوسبة الكمّية في الشرق الأوسط.

وفي آفاق، يكتب عبد الله الضامن عن «فخ الغضب»، وكيف تستثمر المنصات الرقمية الانفعال والسخط لزيادة التفاعل، فيما يناقش الدكتور خالد حنفي أثر الخوارزميات في صعود الشعبويات الرقمية، وتشكيل الوعي، والسلوك، والهوية. وتتحدث مهى قمر الدين عن تحوّل الهدوء من حاجة إنسانية فطرية إلى سلعة وامتياز في عالم يزداد ضجيجاً. ويأخذنا هشام الحميد إلى كوبا، مستعرضاً ملامحها التاريخية، وعمارتها، وسياراتها الكلاسيكية، وثقافتها النابضة بالموسيقى، والفنون.

وفي «فكرة العدد»، تستعرض مهى قمر الدين تجربة اللوحات البنية على الطرق السريعة في فرنسا، وكيف تحوّلت من أدوات إرشادية إلى وسائط بصرية وثقافية تجمع بين التصميم، والفن، والسياحة، والسلامة المرورية.

ويتحدث ملف العدد عن «النسيان»، بوصفه وظيفةً بيولوجية ضرورية، لا مجرد خلل في الذاكرة. حيث يتناول الدكتور عبد الله العقيبي دور النسيان في التكيّف، واتخاذ القرار، والفرق بين النسيان الطبيعي والمرضي، كما يستعرض حضوره في الأدب، والفنون، والذاكرة الجمعية، ومحاولات الإنسان مقاومته بالكتابة، والتقنية، وصولاً إلى دوره في تشكيل التجربة الإنسانية، والهوية الفردية.


الملك تشارلز وماكرون يتفقدان نسيج بايو التاريخي في المتحف البريطاني

تُظهر هذه الصورة التي التُقطت في 18 سبتمبر 2019 نسيج بايو الذي يعود إلى القرن الحادي عشر والذي يؤرخ للغزو النورماندي لإنجلترا في بايو في نورماندي بفرنسا (أ.ب)
تُظهر هذه الصورة التي التُقطت في 18 سبتمبر 2019 نسيج بايو الذي يعود إلى القرن الحادي عشر والذي يؤرخ للغزو النورماندي لإنجلترا في بايو في نورماندي بفرنسا (أ.ب)
TT

الملك تشارلز وماكرون يتفقدان نسيج بايو التاريخي في المتحف البريطاني

تُظهر هذه الصورة التي التُقطت في 18 سبتمبر 2019 نسيج بايو الذي يعود إلى القرن الحادي عشر والذي يؤرخ للغزو النورماندي لإنجلترا في بايو في نورماندي بفرنسا (أ.ب)
تُظهر هذه الصورة التي التُقطت في 18 سبتمبر 2019 نسيج بايو الذي يعود إلى القرن الحادي عشر والذي يؤرخ للغزو النورماندي لإنجلترا في بايو في نورماندي بفرنسا (أ.ب)

سيزور الملك تشارلز ملك بريطانيا والرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، اليوم الأربعاء، المعرض الذي يضم نسيج بايو التاريخي، وهو عمل مطرز يعود إلى ما يقرب من 1000 عام ويصوّر غزو وليام الأول، وهو من أجداد الملك، لإنجلترا في عام 1066.

وبموجب اتفاق مع الحكومة الفرنسية، تمت إعارة النسيج، الذي يبلغ طوله 70 متراً، إلى المتحف البريطاني من مقره في شمال فرنسا ليُعرض على الأراضي الإنجليزية لأول مرة منذ صنعه.

ويروي هذا النسيج المطرز الأحداث التي قادت إلى معركة هيستنغز الشهيرة وهزيمة الملك الأنغلوسكسوني هارولد الثاني على يد النورمان. ويعتقد المؤرخون أن الأسقف أودو شقيق وليام أمر بصنع النسيج وأن خياطات إنجليزيات في منطقة كنت تولين تطريزه.

وينحدر جميع ملوك إنجلترا منذ ذلك الحين، بمن فيهم الملك تشارلز، من نسل وليام. ويمثل غزوه لإنجلترا آخر غزو ناجح للبلاد، ويعتبر عام 1066 من أشهر الأعوام في تاريخها.

وكان الإقبال كبيراً على مشاهدة هذه التحفة الفنية التي تعود إلى العصور الوسطى لدرجة أن الدفعة الأولى من التذاكر، التي قد يصل سعرها إلى 33 جنيهاً إسترلينياً، نفدت بالكامل، مما حقق إيرادات تقارب 2.5 مليون جنيه إسترليني (3.4 مليون دولار) ليصبح هذا أكثر معارض المتحف بيعاً للتذاكر.

وقال قصر بكنغهام إن الملك تشارلز وزوجته الملكة كاميلا سينضم إليهما ماكرون وزوجته، إلى جانب رئيس الوزراء البريطاني آندي بورنهام، لتفقد النسيج الطويل ودراسة أبرز مشاهده، مثل تتويج هارولد غودوينسون وواقعة قتله الشهيرة بسهم خلال المعركة.

وجرى تأكيد إعارة النسيج في يوليو (تموز) خلال زيارة رسمية أجراها ماكرون إلى بريطانيا، وتعد الخطوة رمزاً لتعزيز العلاقات بين البلدين بعد الخلاف الذي أعقب تصويت بريطانيا في 2016 لصالح الخروج من الاتحاد الأوروبي. وتربط الملك والرئيس علاقة ودية.

وقال بورنهام، الذي من المقرر أن يجتمع مع ماكرون في داوننغ ستريت غداً، الخميس، في بيان «تمثل عودة نسيج بايو إلى إنجلترا لحظة تاريخية لبلدينا، وأريد أن يتمكن الناس في كل أنحاء البلاد من الاستمتاع به».

وأضاف: «بينما نحتفل بتراثنا المشترك، سنواصل أنا والرئيس ماكرون تعزيز العلاقة بين بلدينا».

ووصل النسيج إلى بريطانيا في يوليو في رحلة نظمتها فرنسا بعناية، إذ نقل داخل صندوق مكيف ومقاوم للاهتزاز تحت حراسة الشرطة.

ومن المقرر أن يفتح المعرض أبوابه أمام الجمهور في المتحف البريطاني في العاشر من سبتمبر (أيلول) حتى يوليو من العام المقبل.


حين تتحول الغنائية في الشعر إلى تهمة

بدر شاكر السياب
بدر شاكر السياب
TT

حين تتحول الغنائية في الشعر إلى تهمة

بدر شاكر السياب
بدر شاكر السياب

يردد بعض النقاد المنحازين للحداثة وما بعدها، وصف الشعراء الذين تطفح قصائدهم بالعاطفة بالشعراء الغنائيين، ويبدو أن هذه الصفة ليست مدحاً، بل هي جزء من مؤاخذتهم على القصيدة الغنائية. وكأن الغنائية، في هذه الرؤية، قد أصبحت تهمة نقدية ينبغي للشاعر الحديث أن يتخلص منها، أو على الأقل أن يخفف من حضورها في قصيدته، حتى لا يُحسب على الشعر الذي ينتمي إلى مرحلة شعرية تجاوزتها الحداثة في نظرهم.

وليس الاعتراض هنا على مصطلح «الغنائية» في ذاته، فهو مصطلح نقدي أصيل، وله حضوره في تاريخ الشعر العربي والعالمي، وإنما على الحمولة التي أُضيفت إليه في بعض التصورات النقدية الحديثة؛ إذ لم يعد يدل على طبيعة التجربة الشعرية وارتباطها بالذات والانفعال والموسيقى، بل صار يُستعمل أحياناً بوصفه علامة على تقليدية القصيدة وذاتيتها، ولم يبلغ ـ في تصور بعض النقاد ـ درجة كافية من التعقيد أو الانفتاح أو التشظي.

والغريب أن العاطفة، التي كانت في تاريخ الشعر واحدة من أهم عناصر الشعرية، أخذت تُعامل في بعض القراءات الحديثة بحذر شديد، وكأن حضورها الكثيف يهبط بالنص من مرتبة الشعر إلى مرتبة البوح. وهنا يقع خلط واضح بين العاطفة بوصفها مادة إنسانية، والتعبير الساذج عنها بوصفه ضعفاً فنياً. فليست المشكلة أن يكون الشاعر عاطفياً، وإنما المشكلة في كيفية تحويل العاطفة إلى بناء شعري قادر على تجاوز الانفعال الشخصي إلى تجربة إنسانية قابلة للتلقي والتأويل.

فامرؤ القيس والمتنبي وأبو تمام وأبو فراس والمعري، وغيرهم من كبار الشعراء، لم يكونوا غرباء عن ذواتهم ومشاعرهم، بل إن جانباً كبيراً من خلود شعرهم جاء من قدرتهم على تحويل التجربة الخاصة إلى لغة تتجاوز صاحبها. وحتى في الشعر الحديث، لا يمكن فهم كثير من التجارب الشعرية الكبرى من دون الاعتراف بمركزية الذات والانفعال والحنين والحزن والحب والاغتراب. إن قصيدة السياب، مثلاً، لا تفقد حداثتها لأنها مشبعة بالعاطفة، كما أن شعر محمود درويش لا يصبح أقل حداثة لأن الذات والحب والوطن والذاكرة حاضرة فيه بقوة.

محمود درويش

المشكلة إذن ليست في الغنائية، وإنما في اختزال الشعر إليها. فإذا كانت القصيدة مجرد انفعال مباشر، فقد تكون معرضة للفقر الفني مهما كان موضوعها. أما إذا استطاع الشاعر أن يصوغ انفعاله في صورة ورمز وإيقاع وتركيب لغوي ودلالي، فإن الغنائية تصبح عنصراً من عناصر الشعرية، لا نقيضاً لها.

واللافت أن بعض النقاد الحداثيين بالغوا في الاحتفاء بالتجريب واللغة المنفلتة من المرجع، وجدوا أنفسهم أحياناً أسرى ثنائية مصطنعة: قصيدة غنائية قديمة في مقابل قصيدة حداثية، وذات شاعرة في مقابل نص مستقل، وموسيقى في مقابل تفكيك، ووضوح في مقابل غموض. وكأن الحداثة لا تتحقق إلا بإقصاء ما سبقها، لا بإعادة قراءته واستثماره وتجاوزه بصورة إبداعية.

والحقيقة أن الشعر لا يتقدم بإلغاء خصائصه الأولى، وإنما بإعادة تشكيلها. فالقصيدة الحديثة تستطيع أن تكون غنائية وتجريبية في الوقت نفسه، وأن تحتفظ بالعاطفة من دون أن تقع في المباشرة، وأن تستثمر الإيقاع من دون أن تكون أسيرة النموذج الموروث، وأن تجعل من الذات منطلقاً لرؤية تتجاوز الذات.

ومن هنا تبدو تسمية الشاعر بـ«الغنائي» بحاجة إلى قدر من التروي النقدي. فإن أريد بها وصف طبيعة شعره، فهي تسمية مشروعة لا تحمل ذماً ولا مدحاً في ذاتها. أما إذا أريد بها إدانة الشاعر لأنه يمنح العاطفة والذات مساحة واسعة في تجربته، فإن الأمر يتحول من توصيف نقدي إلى حكم مسبق تحكمه ذائقة آيديولوجية أو حداثية معينة.

ولعل أخطر ما في هذه النظرة أنها تنقل مركز الحكم من النص إلى التصنيف؛ فيُقرأ الشاعر أولاً بوصفه غنائياً أو حداثياً أو ما بعد حداثي، ثم يُقرأ شعره على ضوء التصنيف، بدل أن يكون النص نفسه هو الذي يفرض أدوات قراءته. وهنا يفقد النقد شيئاً من وظيفته الأساسية؛ لأن الناقد لا يعود مكتشفاً لجماليات النص وطرائق اشتغاله، بل يصبح موظفاً في منظومة تصنيفية جاهزة.

إن الشعر في جوهره لا يُقاس بكمية العاطفة فيه، ولا بكمية العقل، ولا بدرجة اقترابه من الحداثة أو ابتعاده عنها، وإنما بقدرته على تحويل التجربة الإنسانية إلى لغة ذات قيمة جمالية ودلالية. ولذلك لا ينبغي أن تكون الغنائية تهمة، كما لا ينبغي أن تكون الحداثة شهادة جودة تلقائية.

فقد تكون القصيدة غنائية، لكنها عميقة ومركبة ومفتوحة على أسئلة الإنسان والوجود، وقد تكون حداثية في شكلها ومصطلحاتها، لكنها فقيرة في التجربة والانفعال. وفي الحالتين لا تنقذ التسمية النص من الحكم النقدي، ولا تدينه. وحده النص هو الذي ينبغي أن يكون في قفص الاتهام، لا الشاعر بسبب انتمائه إلى طريقة شعرية أو حساسية جمالية معينة.

إن النقد الحقيقي لا يسأل الشاعر: لماذا كنت غنائياً؟ بل يسأل: ماذا صنعت بغنائيتك؟ وكيف حولت عاطفتك إلى شعر؟ هنا فقط يصبح الحكم جمالياً وفنياً، بعيداً عن المحاكمات المسبقة التي تجعل من بعض خصائص الشعر العربي تهماً ينبغي التخلص منها لمجرد أنها لا تنسجم مع ذائقة نقدية عابرة.