«الأيادي الصامتة»... فنون تستنطق قصص العُمال المنسيين

في معرض بجدة يجمع 7 فنانين ويسرد أوضاع الهجرة والجندر والاستقلال المالي

عمل خير الله رحيم (بوروكو) (الشرق الأوسط)
عمل خير الله رحيم (بوروكو) (الشرق الأوسط)
TT

«الأيادي الصامتة»... فنون تستنطق قصص العُمال المنسيين

عمل خير الله رحيم (بوروكو) (الشرق الأوسط)
عمل خير الله رحيم (بوروكو) (الشرق الأوسط)

للفن قدرة على استنطاق الواقع الاجتماعي والسلوك المهني، وهو ما يرتكز عليه معرض «الأيادي الصامتة» الذي افتتح هذا الأسبوع في حي جميل بجدة، ويستكشف دراسات التأثير الاجتماعي والاقتصادي والنفسي والثقافي للأعمال التي لا تحظى بالتقدير الكافي، خصوصاً في أساليب العمل الافتراضية الجديدة، ومساحات عمل النساء، وحالات الهجرة وتوظيف العمالة المهاجرة.

يُركز «الأيادي الصامتة» على سرديات الأفراد والمجتمعات، ويُبرز مساحات العمل الأمامية وتشابكها مع الحياة المنزلية وأوقات الفراغ في آسيا وحالة تشتت الجالية الآسيوية، إذ يتشارك الفنانون معاً في عرض قصص عن البرغماتية والرغبة والنضال، ليستكشفوا الصدام مع تقنيات المراقبة، والأعمال المخفية في قطاع الضيافة داخل المنزل وخارجه.

تتحدث روتا شاكر القيّمة الفنية للمعرض، لـ«الشرق الأوسط» موضحة أن معرض «الأيادي الصامتة» ينظر لمساحات العمل ككل وليس للعمال فقط، سواء واقعياً أو افتراضياً، ويستكشف الفنانون خلاله علاقة هذه المساحات مع الجندرة، والاستقلال المالي، وتعزيز الوضع الاجتماعي، والقدرة على التنقل، والهجرة.

وعن شريحة واسعة من العُمال المهمشين في المجتمعات المعاصرة، تقول: «ربما لا نراهم ونعتقد أنهم غير مرئيين، أو أن الأماكن التي يعملون بها غير ظاهرة أو قد تكون مخفيّة»، مبينة أن كل هذه الاحتمالات لا تنكر حقيقة وجودهم التي أظهرها الفنانون السبعة المشاركون بأعمالهم، في المعرض الذي يستمر إلى 16 أكتوبر (تشرين الأول) المقبل.

تتابع شاكر حديثها موضحة أن العاملين على البنية التحتية الرقمية كثيراً ما يُنسوا، وقد يعتقد الكثيرون أن هذه الإجراءات تكون مؤتمتة بينما في الواقع هناك أناس يقفون خلف هذا العمل، وتردف: «هناك الكثير من الأفكار الفنية المختلفة حول ماهية العمل، بصورة متنوعة لفنانين من دول الشرق الأوسط وآسيا، بما يشبه القصص الفردية والمجتمعية».

عمال الياقات الزرقاء

الفنان الإماراتي محمد كاظم يقدم عمله «حتى ظلهم لا ينتمي لهم»، المتمثل في سلسلة من اللوحات اللونية التي تصور العمال المهاجرين الذين يعملون في مواقع البناء في جميع أنحاء بلاده، وتعكس الصورة التي التقطها الفنان الأشكال المرسومة بطلاء أكریلیك ومغمورة بالحبر، مما يجعل من الصعب قراءة المشهد الذي يعنيه بوضوح. وتعكس طريقة معالجته عبر اللوحات لقاء عاماً مع عمال يرتدون الياقات الزرقاء، الذين على الرغم من تواجدهم في جميع أنحاء المدينة إلا أنهم لا يشكلون جزءاً واضحاً من المشهد الحضري اليومي.

عمل باستيا آباد (فلبينيات في هونغ كونغ) (الشرق الأوسط)

أما الفنانة باستيا أباد، فتسرد خلال لوحتها «فلبينيات في هونغ كونغ» جزءاً من تجربة الهجرة، التي تستكشف الواقع الذي يعيشه المهاجرون أمام المباني الشاهقة التي تحمل علامات تجارية معروفة لمؤسسات كبيرة، مثل «بنك هونغ كونغ» و«شانيل» وغيرها. كما يصور العمل الفني رحلة العاملات الفلبينيات في يوم إجازتهن الوحيد، وهن يحتشدن في شوارع المدينة وممرات مترو الأنفاق.

يتخلل ذلك، ظهور مراكز التسوق على خلفية أفق المدينة الجاذبة للعلامات التجارية الاستهلاكية العالمية، والتجارب التي غالباً ما تكون بعيدة عن متناول العديد من هؤلاء النساء. مع الإشارة إلى أن الفنانة آباد هي رسامة لديها العديد من الأعمال الفنية، وتعمل بتقنية أطلقت عليها اسم «ترابونتو»، وهي كلمة مشتقة من كلمة إيطالية تعني «الحشو والتبطين».

النسوة العاملات

وتصوّر الفنانة أنهار سالم في عملها «ما شاء الله، لماذا عبرتِ المحيط الهندي؟» مقابلتين جماعيتين مع والدتين وبناتهن من حضارم الهند اللاتي يعشن في جدة، حيث اعتادت النسوة على الاجتماع في غرفة معيشة (أم سالم) باعتبارها موقعاً للتجارة غير الرسمية للنساء القادمات من الدائرة المجتمعية نفسها للفنانة، حيث يشترين ويبعن مختلف السلع والأشغال اليدوية والمأكولات.

وفي هذا العمل، تتم المقابلات بطريقة مرحة، إذ تجلس النساء لتناول وجبة الطعام معاً وأثناء ذلك يسردن تجاربهن في رحلة الهجرة إلى جدة، وبالتالي يكشفن عن ثقافة جديدة، ومن ثم يدعمن الرفاهية الاقتصادية والعاطفية والجسدية لأسرهن، مع الحفاظ على قيمهن وتقاليدهن الأمومية والتمسك بها.

وفي عمل آخر لأنهار سالم أسمته «سعر كويس»، تركز على مفهوم الأمومة الذي يربط بين أجيال عدّة، وهي ترسم أنماطاً على قطعة قماش تسمى بينغكونغ، شاع استخدامها في الثقافة الإندونيسية، إذ تستخدمها المرأة للف جسمها بعد الولادة. وتشير الأنماط والحروف الملونة في العمل إلى السلع المباعة في منزل والدة الأم، ومنها ملصقات من عبوات الأدوية الشعبية، وطبعات الباتيك على الملابس.

عمل هانغاما أميري (بهار، صالون تجميل)

يحمل عمل الفنانة هانغاما أميري اسم «بهار، صالون تجميل»، وهو عبارة عن قطعة نسيج كبيرة الحجم تصور المناطق الداخلية لصالون تجميل في أفغانستان، اتخذت منه العميلات ملاذاً ومجتمعاً، باعتباره مكاناً يستمتعن فيه بالجمال ويجدن العناية والصداقة الحميمة. حيث تملك النساء غالباً الشركات وتديرها وتحمل أسماء ملاكهن، فإن هذه الصالونات تشير أيضاً إلى مساحة السلطة والنفوذ النسائي. كما تركز تركيبة هذا العمل على عروس ترتدي الزي التقليدي وتتزين على يد اختصاصي تجميل، في حين تأتي الفاتورة المسعرة بالدولار الأميركي التي تضعها العروس في حجرها لترمز إلى مكانتها الرفيعة، وتعكس الظروف الاجتماعية والاقتصادية لأفغانستان في فترة ما بعد الغزو. ومن هنا تخيط أميري أشياء مرجعية أخرى في عملها، مثل صور مغنية أفغانية شهيرة سميت على اسمها.

عمل مها ملوّح (غذاء للفكر) (الشرق الأوسط)

الفنانة السعودية مها ملوّح تشارك في المعرض بعملها الشهير «غذاء للفكر»، المكوّن من أطباق الشينكو التي كانت تستخدم غالباً في الطهي المنزلي، حيث يأخذ هذا العمل شكل المعلقات، وهو جزء من سلسلة أشمل تبحث في الطبيعة المتغيرة للحياة المجتمعية والعائلية في جميع أنحاء المملكة العربية السعودية.

وتستكشف الفنانة في هذه المنحوتة من خلال استخدام الأطباق في أغراض أخرى لتمثيلها علاقتنا المتغيرة بالأشياء بسبب ضخامة الإنتاج، وكثرة السلع المستوردة، وعدة الطبخ في المنازل بكثرة كالمعتاد. وتشير إيماءة الفنانة المتمثلة في التجميع والتكديس إلى محاولة الحفاظ على التقاليد وسط موجات التحوّل.

الطبقة العاملة

الفنانة خير الله رحيم تشارك في العمل «بوركو» المتمثل بتركيب فني متعدد الوسائط، مكوّن من بنية من السقالات المزينة بأقنعة على شكل رؤوس حمام وفواكه بلاستيكية وشاشات فيديو مدمجة. ويهتم هذا التركيب بمراقبة أجساد الطبقة العاملة والفصل بين واقع حياتهم وصورة سنغافورة المزخرفة.

ويشير عنوان العمل إلى نداء من طائر الحجل، في حين صوّر الفنان معظم هذا الفيديو في بون لاي، وهو أحد أحياء سنغافورة ذات الدخل المنخفض، وتظهر صور الحمام أكثر من مرة في مقاطع الفيديو، ويعتبر هذا الحمام آفة منتشرة يتخلص منها سكان ضواحي سنغافورة بعنف، لذا استخدم الفنان الحمام هنا كاستعارة مؤثرة يشير بها إلى الطبقة العاملة.

عُمال التكنولوجيا

وأخيراً، تقدم الفنانة آرتي ساندر عملها «النسخة الشبحية» الذي يلقي نظرة على برنامج الواجهة الخلفية لشركة أمازون ميكانيكال تورك، مستعينة في ذلك بالحوار مع عمال الشركة، حيث تكشف الفنانة كيف يعالج ملايين العاملين في مجال التكنولوجيا الخلفية التكنولوجيا الرقمية، مما يخلق وهماً بالتعلّم الآلي الذي يتسم بالسلاسة والسرعة.

ويصوّر الفيديو هنا مساحات العمل من المنزل، التي يصممها العاملون في منازلهم، حيث يأتي العمل بمثابة الوسيط الذي يجمع بين أسلوب السرد الوثائقي والخيال التأملي، مما يدفع إلى مناقشة كيف يمكن للذكاء الاصطناعي والأتمتة الآلية تغيير مساحات وإيقاعات العمل التي اعتدنا عليها.



المتحف المصري الكبير ضمن قائمة عالمية لأفضل المعالم السياحية في 2026

المتحف المصري الكبير (وزارة السياحة والآثار)
المتحف المصري الكبير (وزارة السياحة والآثار)
TT

المتحف المصري الكبير ضمن قائمة عالمية لأفضل المعالم السياحية في 2026

المتحف المصري الكبير (وزارة السياحة والآثار)
المتحف المصري الكبير (وزارة السياحة والآثار)

جاء المتحف المصري الكبير ضمن الأماكن التي اختارها تقرير عالمي للزيارة خلال 2026، وفقاً لما نشرته مجلة «Time»، مسلطة الضوء على أفضل المعالم السياحية والأثرية على مستوى العالم التي يُنصح بزيارتها خلال عام 2026، وكان المتحف ضمن هذه القائمة.

ووفق بيان لوزارة السياحة والآثار، السبت، أشاد التقرير بالمجموعات الأثرية التي تُعرض بالمتحف، ووصفها بـ«الاستثنائية التي تجسّد عراقة الحضارة المصرية عبر آلاف السنين»، مشيراً إلى أن هذا الصرح الثقافي يمثّل إضافة نوعية وداعماً رئيسياً لقطاع السياحة في مصر.

وأضاف التقرير الذي نشرته «تايم»، أن المتحف يُجسّد نقلة نوعية في أساليب حفظ الآثار وصونها، حيث تم تزويد قاعاته بأحدث تقنيات التحكم البيئي بما يضمن الحفاظ الأمثل على القطع الأثرية، لافتاً إلى كنوز الملك توت عنخ آمون التي تُعدّ من أبرز ما يميّز المتحف.

وأشار التقرير إلى أن جاذبية المتحف بالنسبة للعديد من الزائرين تكمن في تقديم تجربة فريدة تجمع بين البساطة والعمق، حيث يتيح لهم فرصة مشاهدة أشهر كنوز الحضارة المصرية في موطنها الأصلي.

افتتاح المتحف المصري الكبير (وزارة السياحة والآثار)

ويُعدّ المتحف المصري الكبير أكبر متحف في العالم مخصص لحضارة واحدة «حضارة مصر القديمة»، ويمتد على مساحة 490 ألف متر مربع، ويضم أكثر من 57 ألف قطعة أثرية تروي تاريخ مصر عبر العصور، وتعود أقدم قطعة أثرية فيه إلى 700 ألف عام قبل الميلاد، في حين يرجع تاريخ أحدث قطعة إلى عام 394 ميلادياً. ويضم بهواً رئيسياً به تمثال للملك رمسيس الثاني، بالإضافة إلى الدرج العظيم الذي يمتد على مساحة نحو 6 آلاف متر مربع، بارتفاع يعادل 6 طوابق، وفق بيان سابق لرئاسة مجلس الوزراء المصري.

كما يضم المتحف 12 قاعة عرض رئيسية بمساحة نحو 18 ألف متر مربع، وقاعات عرض مؤقتة بمساحة نحو 1700 متر مربع، وكذلك قاعات لعرض مقتنيات الملك توت عنخ آمون على مساحة تقارب 7.5 ألف متر مربع، وتشمل أكثر من 5 آلاف قطعة من كنوز الملك تُعرض مجتمعة لأول مرة، بالإضافة إلى متحف الطفل بمساحة نحو 5 آلاف متر مربع، ومن المتوقع أن يجذب المتحف نحو 5 ملايين زائر سنوياً.

وعدّ الخبير الأثري والمتخصص في علم المصريات، أحمد عامر، المتحف المصري الكبير «صرحاً متكاملاً يجمع بين الآثار والحضارة والتاريخ والعراقة والتصميم الحديث»، مضيفاً لـ«الشرق الأوسط» أن المتحف «يمثّل نقلة حضارية لعرض الآثار به، ويتفرد ويتميز بأسلوب العرض المتحفي. كما يضم المجموعة الكاملة للملك توت عنخ آمون، بالإضافة إلى ما يقرب من 20 ألف قطعة أثرية تُعرض لأول مرة».

وأشار عامر إلى أن المتحف قد حصد العديد من الجوائز منها جائزة «فيرساي» العالمية في عام 2024، إذ تم تصنيفه ضمن أجمل 7 متاحف في العالم خلال احتفالية نظمتها «اليونيسكو» في باريس، تقديراً لتميزه المعماري الذي يدمج التراث المصري بالمعايير البيئية العصرية، بالإضافة إلى جائزة الاتحاد الدولي للمهندسين الاستشاريين (فيديك) عام 2024، وأحدث انتعاشة كبيرة للسياحة الثقافية في مصر منذ افتتاحه.

وافتتح المتحف المصري الكبير في نوفمبر (تشرين الثاني) 2025 في حفل أسطوري حضره 119 وفداً دولياً تضمّن رؤساء وملوك وأمراء عدد من الدول، وشهدت الأيام الأولى لافتتاح المتحف أمام الجمهور زخماً كبيراً في الحضور، بمعدل نحو 19 ألف زائر يومياً، وفق ما أعلنه في ذلك الوقت الرئيس التنفيذي لهيئة المتحف. في حين توقعت وزارة السياحة والآثار أن يزور المتحف يومياً نحو 15 ألف زائر.


رحيل سمير غريب مؤرخ السريالية المصرية

سمير غريب (وزارة الثقافة المصرية)
سمير غريب (وزارة الثقافة المصرية)
TT

رحيل سمير غريب مؤرخ السريالية المصرية

سمير غريب (وزارة الثقافة المصرية)
سمير غريب (وزارة الثقافة المصرية)

عن عمر يناهز 72 عاماً، غيّب الموت في القاهرة مؤرخ السريالية المصرية، وأحد أبرز قيادات وزارة الثقافة المصرية سابقاً الكاتب سمير غريب، صاحب البصمات الواضحة ومؤسس العديد من المؤسسات الثقافية المصرية مثل صندوق التنمية الثقافية الذي شهدت فترة إدارته ازدهاراً، كما أسس جهاز التنسيق الحضاري ووضع إطار عمله، ولم يتمكن من تفعيل دوره بسبب قلة الإمكانات، وفق قول الفنان التشكيلي محمد عبلة، الذي أضاف لـ«الشرق الأوسط» أن «سمير غريب أول من كتب عن السريالية في مصر، ووضعها في بؤرة الاهتمام. فحين كان في باريس تعرف على أعمال عدد من فنانيها، وكتب مجموعة من المقالات أصدرها في كتاب فيما بعد، كان وقتها ما زال عدد من فناني السريالية المصريين على قيد الحياة مثل أنور كامل، وكامل التلمساني، وهو ما ساعده في سبر أغوار كثير من الأمور لإصدار كتاب (السريالية في مصر) الذي يعد أهم وثيقة عن السريالية المصرية».

وقام سمير غريب بتنظيم معرض خلال شهري نوفمبر (تشرين الثاني) وديسمبر (كانون الأول) من عام 1987 بعنوان كتابه «السريالية في مصر» في المركز المصري للتعاون الثقافي الدولي بوزارة الثقافة بالقاهرة. وكان هذا المعرض هو الوحيد الذي جمع أعمالاً فنية ووثائق ومتعلقات شخصية لرواد السريالية في مصر، حصل عليها غريب من أُسر الفنانين رمسيس يونان، وفؤاد كامل، وكامل التلمساني، وسمير رافع، وإنجي أفلاطون، وبن بهمان، وإيمي نمر.

ونعت الدكتورة جيهان زكي، وزيرة الثقافة المصرية، الكاتب سمير غريب، الرئيس الأسبق لجهاز التنسيق الحضاري، وقالت في بيان أصدرته الوزارة، السبت، إن مسيرة الكاتب الراحل حافلة بالعطاء الثقافي والفكري. وكان أحد القامات الثقافية البارزة، وصاحب إسهامات مهمة في دعم الحركة الثقافية في مصر، وأسس وأدار صندوق التنمية الثقافية، وتولى رئاسة دار الكتب والوثائق القومية، قبل أن يُكلَّف برئاسة الأكاديمية المصرية في روما، وصولاً إلى تأسيسه ورئاسته لجهاز التنسيق الحضاري.

وأشارت وزيرة الثقافة إلى أن «سمير غريب كان مثقفاً متفرداً جمع بين الفكر والنقد والعمل المؤسسي، وأثرى الثقافة بعدد كبير من المؤلفات، وكرّس جهده لخدمة الثقافة المصرية، والدفاع عن الهوية الحضارية، ما يجعله واحداً من الرموز التي ستظل حاضرة في الوجدان الثقافي».

سمير غريب خلال مناقشة كتابه «السريالية في مصر» (صفحته على «فيسبوك»)

ولد سمير غريب عام 1954 بمدينة منفلوط بمحافظة أسيوط، وتلقى تعليمه في مدارسها، قبل أن يلتحق بكلية الإعلام بجامعة القاهرة، حيث حصل على بكالوريوس الصحافة في مايو (أيار) 1975، وبدأ حياته العملية صحافياً في جريدة الأخبار، وفي منتصف الثمانينات كتب مقالات نقدية في الفن التشكيلي عن السريالية في مصر بمجلة الكواكب، ثم أصدرها في كتاب، قبل أن ينتقل للعمل بوزارة الثقافة التي تقلد فيها مناصب عديدة منها وكيل وزارة الثقافة ورئيس قطاع مكتب الوزير، ثم أسس صندوق التنمية الثقافية وتولى رئاسته في أهم فترات ازدهاره، وتولى خلال مسيرته منصب رئيس دار الكتب والوثائق القومية، ورئيس الجهاز القومي للتنسيق الحضاري، ومدير الأكاديمية المصرية للفنون في روما، وعضو مجلس إدارة اتحاد كتاب مصر في مجلس الكاتب الكبير سعد الدين وهبة 1997.

وقال مدير مهرجان الإسكندرية السينمائي، الأمير أباظة، إنه عرف الراحل سمير غريب في منتصف الثمانينات عندما كان يكتب مقالاته عن «السريالية في مصر»، مضيفاً لـ«الشرق الأوسط»: «التقينا خلال هذه المرحلة وتوثقت علاقتنا إلى أن جاء الفنان فاروق حسنى وزير الثقافة الأسبق وعينه وكيلاً للوزارة، ثم رئيساً لصندوق التنمية الثقافية، وقتها بدأ اهتمامه الحقيقي بدعم السينما حيث أسس أرشيفاً للصور السينمائية، وقام بشراء نيجاتيف هذه الصور، ودعم مهرجان القاهرة السينمائي الدولي ومهرجان الإسكندرية السينمائي لدول البحر المتوسط».

و«أعاد سمير غريب مهرجان الإسماعيلية الدولي للأفلام الوثائقية والروائية القصيرة بعد توقف سنوات، وعين الناقد السينمائي سمير فريد رئيساً له، كما أشرف على طباعة بانوراما السينما المصرية الروائية التي كانت حجر الأساس في حفظ تاريخ السينما المصرية والتي قام بها الناقد والمؤرخ السينمائي أحمد الحضري والناقد محمد عبد الفتاح، كما أنه قام بإعادة المهرجان القومي للسينما ودمجه مع المهرجان القومي للأفلام القصيرة»، وفق قول أباظة.

وأصدر الكاتب الراحل العديد من المؤلفات النقدية خلال مشواره انصب معظمها على الفن التشكيلي منها «السريالية في مصر» 1986، و«راية الخيال» 1993، و«نقوش على زمن: صفحات من تاريخ الفن التشكيلي» 1997، و«في تأريخ الفنون الجميلة» 1998، و«كتاب الفن» 2003.


هشام سلام: «مصريبثيكس» يُعيد رسم خريطة تطوّر القردة... ومدرسة مصرية تُنافس عالمياً

هشام سلام وعدد من طلابه في مركز جامعة المنصورة للحفريات الفقارية (سلام لاب)
هشام سلام وعدد من طلابه في مركز جامعة المنصورة للحفريات الفقارية (سلام لاب)
TT

هشام سلام: «مصريبثيكس» يُعيد رسم خريطة تطوّر القردة... ومدرسة مصرية تُنافس عالمياً

هشام سلام وعدد من طلابه في مركز جامعة المنصورة للحفريات الفقارية (سلام لاب)
هشام سلام وعدد من طلابه في مركز جامعة المنصورة للحفريات الفقارية (سلام لاب)

بينما يرى البعض في الصحراء مجرّد رمال شاسعة، يُنقّب أستاذ علم الحفريات الفقارية ومؤسِّس مركز جامعة المنصورة للحفريات الفقارية، الدكتور هشام سلام، وفريقه في «سلام لاب»، عن صفحات مطوية من تاريخ الأرض، يعود بعضها إلى أكثر من 300 مليون سنة.

ولم يكن سلام، العائد من جامعة أكسفورد عام 2010، يحمل معه مجرّد شهادة دكتوراه، بل كان يحمل رؤية واضحة لتوطين علم الحفريات في مصر، وتحويل البلاد من «ميدان للبعثات الأجنبية» إلى موطن للباحثين المصريين؛ لذلك أسَّس مركز دراسة الحفريات الفقارية، الأول من نوعه في الشرق الأوسط، المعني بدراسة التراث الطبيعي والكائنات التي عاشت قبل ظهور الإنسان.

هشام سلام وأعضاء من فريقه في معمل مركز جامعة المنصورة للحفريات الفقارية (سلام لاب)

وأثبت سلام أنّ النجاح الحقيقي لا يُقاس بما تُحققه وحدك، وإنما بما تتركه في عقول الآخرين، ومن قلب جامعة المنصورة، انطلقت تجربة «سلام لاب» لتكسر القواعد التقليدية للبحث العلمي، مُغلَّفة بروح الإصرار بأن العودة من الخارج ليست نهاية المطاف، بل بداية لبناء مدرسة علمية مصرية خالصة في علم الحفريات الفقارية، قادرة على منافسة المؤسّسات الكبرى عالمياً.

وعلى مدار السنوات الماضية، أنجز فريق «سلام لاب» سلسلة من الاكتشافات البارزة في الحفريات الفقارية بمصر، أبرزها اكتشاف نوع جديد من الحيتان البرمائية التي عاشت قبل نحو 43 مليون سنة، وبقايا ثدييات عمرها 30 مليون سنة، وديناصور «منصوراسورس»، أول ديناصور من العصر الطباشيري في أفريقيا عاش قبل 75 مليون سنة، بالإضافة إلى حفريات أسماك قديمة تعود إلى 56 مليون سنة. كما توَّج الفريق جهوده باكتشاف «مصريبثيكس»، الذي يعيد رسم خريطة تطور القردة العليا، ويضع مصر على خريطة تطوّر الرئيسيات عالمياً.

هشام سلام واثنان من أعضاء فريقه خلال معسكر ميداني في صحراء مصر (سلام لاب)

وفي حديث لـ«الشرق الأوسط»، يقول سلام إنّ اكتشاف «مصريبثيكس» يُعد محورياً، لأنه يمثل أقرب الأسلاف المشتركة للقردة العليا الحالية، مثل الشمبانزي وإنسان الغاب، ويقترح أنّ أصول هذه القردة قد تعود إلى شمال أفريقيا والمنطقة العربية، ممّا يعيد تشكيل فهم تطوّر الرئيسيات عالمياً.

ويضيف أنّ أهمية الاكتشاف لم تقتصر على القيمة العلمية فقط، بل تضاعفت بنشره في مجلة «ساينس»، إحدى أكثر المجلات العلمية تنافسية، إذ لا تتجاوز نسبة قبول البحوث فيها 6 في المائة. كما يحمل الاسم «مصريبثيكس» دلالة وطنية واضحة، إذ استُلهم من اسم مصر ليعكس الارتباط العميق لهذا الاكتشاف بهويتنا الوطنية.

بالنسبة إليه، يمثّل هذا الإنجاز فخراً على المستويين الشخصي والوطني، فهو تتويج لحلم بدأ منذ سنوات ببناء مدرسة علمية مصرية في مجال الحفريات الفقارية، قادرة على المنافسة عالمياً.

ويؤكد أنّ أي نجاح فردي يظلّ محدوداً، بينما المدرسة العلمية الحقيقية تستمر وتكبر عبر الأجيال، ومنذ وقت مبكر، وضع هدفاً واضحاً يتمثّل في بناء جيل جديد من الباحثين يحمل الشغف والمسؤولية نفسيهما، وينقل الخبرة، ويخلق بيئة تدعم تطورهم العلمي، لأنّ الاستدامة الحقيقية لأي إنجاز علمي تعتمد على استمرارية الأجيال وتكاملها.

رسم تخيّلي لـ«مصريبثيكس» (سلام لاب)

ويرى سلام أنّ فكرة «سلام لاب» نشأت من إيمانه العميق بأنّ العمل الجماعي هو أساس أي إنجاز حقيقي، وما يميّز الفريق هو وضوح هدفه: العمل من أجل العلم، ومن أجل بعضهم البعض، ولرفع اسم مصر في المحافل العلمية الدولية، وهذه الروح المشتركة تجعل كلّ عضو يشعر بأنه جزء من رسالة أكبر، وليست وظيفة أو مشروعاً بحثياً.

ويشير سلام إلى أنه استطاع من خلال عمل الفريق إعادة تشكيل حضور مصر في علم الحفريات، بعدما كان هذا المجال يعتمد لمدّة طويلة على بعثات أجنبية، واليوم أصبح للباحثين المصريين دور قيادي، ويبرز اسم مصر بقوة في البحوث والمنشورات العلمية العالمية، ويُعترف بهذا الدور في المؤتمرات والمحافل الدولية.

من احتفالية جامعة المنصورة بإنجاز فريق هشام سلام بعد نشر بحثه الأخير في «ساينس» (سلام لاب)

ويصف سلام «سلام لاب» بأنه عائلة قبل أن يكون مختبراً؛ فالفريق ليس مجرّد مكان للعمل، بل مساحة تجمع أشخاصاً يحملون الحلم والشغف نفسه بالعلم. ومع الوقت والعمل الحقلي، والتحدّيات، والنقاشات العلمية، تتكوَّن روابط أقوى بكثير من الزمالة، ويصبح كلّ فرد سنداً للآخر، ويشعر الجميع بأنهم جزء من حلم أكبر.

وعن قدرته في إدارة فريق علمي متعدّد الأجيال، يشير إلى أن السرّ يكمن في إرساء فكرة واضحة لكلّ عضو. فلكلّ شخص دور مهم، وكل إسهام، مهما بدا بسيطاً، يمكن أن تصنع فرقاً. فكلّ جيل يتحمّل مسؤولية تمهيد الطريق للجيل التالي وتخفيف الصعوبات عنه، وعندما يدرك الفريق أنهم شركاء في النجاح، يصبح نجاح أيّ فرد نجاحاً للجميع، ويظل الفريق قوياً ومستداماً.

جزء من الفك السفلي لـ«مصريبثيكس» مع الضرس الثالث الأيمن لحظة الاكتشاف (سلام لاب)

ويرى سلام أنّ الباحث المصري يمتلك الذكاء والاجتهاد والطموح للوصول إلى العالمية، وما يحتاج إليه غالباً هو البيئة الداعمة من إمكانات أفضل، ومعامل متخصّصة، ودعم مؤسّسي مستمر. ويشير إلى أنّ جامعة المنصورة أحرزت خطوات مُشجِّعة في هذا الاتجاه، من خلال دعم المشروعات البحثية وتوسيع هذا الدعم بما يبعث على التفاؤل.

الدكتور هشام سلام وأحد أعضاء فريقه خلال معسكر ميداني في صحراء مصر (سلام لاب)

ويؤكد للشباب الباحثين أنّ الإحباط لا ينبغي أن يطفئ الشغف؛ فطريق الإنجاز ليس سهلاً، وكلّ تجربة ناجحة تمرّ بلحظات من التعب أو التعثُّر أو فقدان الأمل، لكنها ليست فشلاً، بل جزء من الطريق الصحيح نحو تحقيق الحلم، وتجربة «سلام لاب» تثبت أنّ الإصرار والصبر والإيمان قادرة على تحويل المستحيل إلى واقع، بشرط الاستمرار في التعلُّم وعدم الخوف من المحاولة من جديد.

ويختتم سلام حديثه بالتأكيد على أنّ حلمه العلمي مستمر ويتّسع مع كلّ إنجاز جديد، وكلّ خطوة نحو الأمام، مؤمناً بأنّ طموحات «سلام لاب» لا سقف لها.

Your Premium trial has endedYour Premium trial has endedYour Premium trial has endedYour Premium trial has endedYour Premium trial has endedYour Premium trial has ended