الذكاء الاصطناعي يخترق كبريات المؤسسات والشركات

تصاميم جديدة تتطلب توازناً حسّاساً لضمان الخصوصية وسرية البيانات

الذكاء الاصطناعي يخترق كبريات المؤسسات والشركات
TT

الذكاء الاصطناعي يخترق كبريات المؤسسات والشركات

الذكاء الاصطناعي يخترق كبريات المؤسسات والشركات

في منتصف هذا العام، من المتوقّع أن يحصل آلاف المستشارين الماليين الذين يعملون في شركة «مورغان ستانلي» على أداة محادثة جديدة مصممة بالذكاء الاصطناعي.

تمنح هذه الأداة، التي بدأ باستخدامها حوالى 600 موظّف، إجابات على أسئلة مثل «هل يمكنك مقارنة حالات الاستثمار لدى آبل، وIBM، ومايكروسوفت؟» ومتابعات مثل «ما هي المخاطر لكلّ واحدة من هذه الحالات؟». يستطيع الاستشاري أيضاً السؤال عمّا يمكن فعله إذا كان الزبون يملك لوحة فنيّة قيّمة مثلا لتزوّده الأداة المعرفية بلائحة من الخطوات التي يمكنه اتباعها، بالإضافة إلى اسم خبير من داخل الشركة للمساعدة.

تحليل وابتكار

يقول جيف ماك ميلان، رئيس قسم التحليل والبيانات والابتكار في قسم إدارة الثروة في «مورغان ستانلي»، إنّ «ما نحاول فعله هو جعل كلّ زبون أو مستشار مالي يتمتع بذكاء أفضل، ويكون من أعلم الخبراء في أيّ موضوع في الوقت الحقيقي».

قد يختلف الخبراء حول ما إذا كان الذكاء الاصطناعي سيؤدي إلى تدمير وظائف أكثر من تلك التي سيؤمّنها مع الوقت، ولكنّ الأكيد أنّه سيغيّر شكل عمل معظم الموظفين في المجالات المعرفية؛ لأنّه سيُدخل تعديلات على المهارات التي يحتاجونها، وعلى الحاجات الوظيفية في معظم الشركات. اليوم، يتوجّب على روّاد الأعمال معرفة كيف سيستفيدون من التقنيات بينما يهيئون الموظفين للعراقيل التي قد تولّدها الأدوات الحديثة في المدى المتوسط.

قد يساهم التحرّك ببطء في خسارة المكاسب على صعيد الإنتاجية وخدمة الزبائن، وأخيرا، في التنافسية كما حصل في الماضي مع الشركات التي لم تستفد من الإنترنت بالشكل الكامل أو بالسرعة الصحيحة. ولكن في الوقت نفسه، يجب على روّاد الأعمال الحذر من الأخطاء والانحياز التي يشتهر بها الذكاء الاصطناعي والتفكير جيّداً بما قد يسبّبه للموظفين.

من جهتها، تقول ألكسندرا موسافيزاده، الرئيسة التنفيذية لشركة «إيفيدنت» الناشئة المتخصصة في تحليل قدرات الذكاء الاصطناعي في الشركات المالية: «يجب عليكم التفكير بشركتكم على أنّها ستصبح من الشركات التي تعتمد على الذكاء الاصطناعي بشكلٍ أساسي مهما كان مجال عملكم».

يُعرف نوع الذكاء الاصطناعي الذي يدعم أداة «مورغان ستانلي» المخصصة للمستشارين بالذكاء الاصطناعي التوليدي، وهو قادرٌ على صناعة المحتوى مثل النصوص، والصور، والمواد الصوتية، والفيديوهات باستخدام المعلومات التي يحلّلها.

وإلى جانب الإجابة عن الأسئلة، يمكن استخدام هذا الذكاء بأشكال أخرى لا تُعدّ ولا تُحصى مثل كتابة الملاحظات والرسائل الإلكترونية، وصناعة شرائح العروض، وتلخيص المستندات الطويلة. وترجّح الدراسات الأولية أنّ الأدوات التي طُوّرت باستخدام الذكاء الاصطناعي التوليدي من شأنها أن تسرّع سير العديد من المهام وزيادة إنتاجية الموظفين.

رفع أداء الموظفين

وقد وجد باحثون من معهد ماساتشوستس للتقنية وجامعة ستانفورد مثلًا أنّ موظفي دعم الزبائن المجهّزين بأداة ذكاء اصطناعي تزوّدهم بالإجابات نجحوا في حلّ 14 في المائة أكثر من مشاكل الزبائن كلّ ساعة.

ولكنّ مكاسب هذه الأداة لم تتوزّع بالتساوي، إذ حقّق الموظّفون قليلو الخبرة قفزات ملحوظة في إنتاجيّتهم لأنّ الأداة «استوعبت ونشرت» ممارسات زملائهم المهرة بفاعلية. ولفت بحثٌ أخير في معهد ماساتشوستس إلى أنّ العاملين الذين لم يكونوا منذ البداية ماهرين في أداء وظائفهم نجحوا في تضييق الفجوة بينهم وبين العاملين الأكثر مهارة، وقدّموا أداءً أفضل وبوقتٍ أقلّ عندما استعانوا بالذكاء الاصطناعي.

اعتبر عظيم أزهر، رئيس مجموعة «إكسبونينشل فيو» البحثية، أنّ نتائج هذه الدراسات توصل إلى خلاصة واحدة مفادها أنّ «المكاسب التي حصل عليها أحدهم في منصبه بفضل أدائه تضاءلت اليوم لأنّ العاملين الأصغر سنا الذين يستخدمون (تشات جي بي تي) يقدّمون أداءً بجودة أولئك الذي راكموا سنوات من الخبرة». وإذا توسّعت الأبحاث لتشمل الممارسة على أرض الواقع، فقد تشجّع بعض الشركات على الاستثمار في موظفين صغار السنّ والاستغناء عن العاملين الأكثر تكلفة الذين يعملون منذ سنوات.

بدأت بعض الشركات حتّى باتخاذ قرارات متعلّقة بالتوظيف بناءً على التأثير المتوقع لأدوات الذكاء الاصطناعي. فقد كشفت IBM أخيراً أنّها أبطأت أو أوقفت التعيين في بعض الوظائف التي قد تُستبدل بواسطة الذكاء الاصطناعي في السنوات القليلة المقبلة مثل الموارد البشرية. يشير بيفيك شارما، مدير التقنية في شركة «بي دبليو سي غلوبال تاكس آند ليغال سيرفس» إلى أنّ السرعة والمكاسب التي يحقّقها الذكاء الاصطناعي ترفع توقعات الزبائن، لافتاً إلى أنّه «يجب الحرص على تجديد مهارات القوى العاملة وتمكينهم من فهم الذكاء الاصطناعي بالسرعة الكافية لتلبية الطلب الواضح عليه».

تعمل شركة «بي دبليو سي» مع شركة «هارفي» الناشئة المتخصصة في الذكاء الاصطناعي التي تطوّر عدة أدوات للمحامين، لطرح أداة محادثة مدعومة بالذكاء الاصطناعي لجميع الاستشاريين القانونيين العاملين فيها في الأشهر القليلة المقبلة. كما تخطّط الشركة لتوسيع تقنيتها لتشمل خبراء الضرائب والموارد البشرية أيضاً.

وكشف شارما أنّ هدف «بي دبليو سي» يذهب أبعد من تزويد موظفيها بإجابات مستقاة من خبرات الشركة، إلى توليد رؤى جديدة ستعتمد أخيرا على تحليل بيانات الزبائن أيضا. يمكن للذكاء الاصطناعي أن يحفظ أخيرا جميع العقود بين شركتين تدرسان فكرة الدمج مثلا، ليتيح لخبراء «بي دبليو سي» التحقيق بأنواع محدّدة من الصلاحيات والمخاطر.

تحتاج الشركات الكبيرة عامّةً للاستثمار في موظفين تقنيين ضليعين بالذكاء الاصطناعي يستطيعون تكييف التقنية مع أعمالهم. وأشارت موسافيزاده إلى أنّ شركات كثيرة لا تستطيع استخدام «تشات جي بي تي» لأنّها ببساطة لا تملك اللبنات الأساسية لتشغيله وهي إدارة المحتوى والبيانات.

تحتاج هذه الشركات أيضا إلى توظيف أو تدريب مختصين في أدوار لا تتطلّب بالضرورة خبرات تقنية. يقول ماك ميلان وتنفيذيين آخرين إنّ منصات الذكاء الاصطناعي تتطلّب «دوزنة» متواصلة بمساعدة البشر المسؤولين عن ضبط المعلومات ومصادر المعلومات لضمان حصول المستخدمين على أفضل النتائج. تُبرز هذه «الدوزنة» الحاجة إلى مجموعة جديدة من العاملين تُعرف باسم «مهندسي الدفع» أو «مهندسي المعرفة».

خصوصية وسرية

تعتبر «مورغان ستانلي» و«بي دبليو سي» من الشركات التي تعمل على تطوير إصداراتها الخاصة من أدوات المحادثة المدعومة بالذكاء الاصطناعي التي تعتمد على مواد من الداخل. دفعت مخاوف الخصوصية، والسرية، والدقة، وحقوق الملكية الفكرية الكثير من الشركات إلى منع وصول موظفيهم إلى «تشات جي بي تي» وأدوات الذكاء الاصطناعي الأخرى رغبة منها بتجنب ما حصل مع سامسونغ، حيث أشارت تقارير إلى أنّ موظفين من قسم أشباه الموصلات شاركوا رمزا حساسا وملاحظات من أحد الاجتماعات باستخدام «تشات جي بي تي». ويخشى مديرو الشركات أيضا من الأخطاء المتكررة والانحياز المتجذّر في بعض أدوات الذكاء الاصطناعي.

ولكنّ فرصة الاستفادة من أدوات الذكاء الاصطناعي التوليدي التي تتيح للمستخدمين طباعة أسئلة أو أوامر باللغة العادية، تتطلّب بجزءٍ منها ضمّ مجموعة أوسع من الموظفين غير التقنيين مهمّتهم تبيان كيف يمكن لهذه الأدوات تغيير شكل عمل الشركة. وأخيرا، يختم أزهر: «يجب على موظفيكم أن يستخدموا هذه الأدوات بانتظام حقيقي ليتمكّنوا من البدء ببناء مهاراتهم ومهارات شركتكم الداخلية».

* خدمة «نيويورك تايمز»


مقالات ذات صلة

«القص السريع» من «أدوبي»: اختصار الطريق من الفكرة إلى الفيديو

تكنولوجيا «أدوبي» تطلق «القص السريع» لاختصار الطريق من الفكرة إلى الفيديو (رويترز)

«القص السريع» من «أدوبي»: اختصار الطريق من الفكرة إلى الفيديو

في سياق تسارع الابتكار داخل أدوات إنتاج المحتوى، تواصل «أدوبي» توسيع قدرات منصتها للذكاء الاصطناعي «فايرفلاي»، عبر تقديم ميزة جديدة تحمل اسم القص السريع (Quick…

عبد العزيز الرشيد (الرياض)
تكنولوجيا نحاس أكد أن الحروب بدأت تنتقل تدريجياً من ساحات القتال الميدانية إلى مراكز البيانات (شترستوك)

خبير دولي لـ«الشرق الأوسط»: الحروب تنتقل تدريجياً من ساحات القتال إلى مراكز البيانات

أكد خبير في الذكاء الاصطناعي أن البشرية تقف اليوم أمام تحول تاريخي يتجاوز تطوير أسلحة تقليدية؛ إذ نشهد انتقالاً عميقاً للحروب من عصر القوة الميكانيكية العنيفة…

غازي الحارثي (الرياض)
يوميات الشرق انتشرت في الصين مؤخراً ظاهرة تعرف بـ«البشر الرقميين» (أ.ف.ب)

الصين تتحرك لضبط ظاهرة «البشر الرقميين» المولدين بالذكاء الاصطناعي

انتشرت في الصين مؤخراً ظاهرة تعرف بـ«البشر الرقميين» تسعى السلطات إلى وضع ضوابط تنظيمية لها.

«الشرق الأوسط» (بكين)
الرياضة روبوت ومهندسوه خلال نصف ماراثون بكين (أ.ف.ب)

شاهد... روبوتات تتفوّق على البشر في نصف ماراثون ببكين

تمكَّن روبوت بشري من الفوز بسباق نصف ماراثون للروبوتات في بكين، اليوم (الأحد)، قاطعاً المسافة بسرعة أكبر من الرقم القياسي العالمي البشري.

«الشرق الأوسط» (بكين)
تكنولوجيا يعكس هذا التوجه سباقاً أوسع بين شركات التقنية للسيطرة على واجهة الاستخدام في عصر الذكاء الاصطناعي «بيربليكسيتي»

«بيربليكسيتي» تطرح رؤية أوسع لدور الذكاء الاصطناعي في الحواسيب الشخصية

«بيربليكسيتي» توسع طموحها من البحث إلى الحوسبة الشخصية، ساعية إلى دور أكبر للذكاء الاصطناعي في الاستخدام اليومي للحاسوب.

نسيم رمضان (لندن)

«القص السريع» من «أدوبي»: اختصار الطريق من الفكرة إلى الفيديو

«أدوبي» تطلق «القص السريع» لاختصار الطريق من الفكرة إلى الفيديو (رويترز)
«أدوبي» تطلق «القص السريع» لاختصار الطريق من الفكرة إلى الفيديو (رويترز)
TT

«القص السريع» من «أدوبي»: اختصار الطريق من الفكرة إلى الفيديو

«أدوبي» تطلق «القص السريع» لاختصار الطريق من الفكرة إلى الفيديو (رويترز)
«أدوبي» تطلق «القص السريع» لاختصار الطريق من الفكرة إلى الفيديو (رويترز)

في سياق تسارع الابتكار داخل أدوات إنتاج المحتوى، تواصل «أدوبي» توسيع قدرات منصتها للذكاء الاصطناعي «فايرفلاي»، عبر تقديم ميزة جديدة تحمل اسم القص السريع (Quick Cut)، ضمن محرر الفيديو على الويب. خطوة تعكس تحولاً واضحاً في فلسفة تحرير الفيديو، من التركيز على «مرحلة التعديل» إلى إعادة هندسة «مرحلة البداية».

الميزة الجديدة لا تستهدف المحترفين فقط، بل تمتد إلى صُنّاع المحتوى، والمسوِّقين، وحتى المستخدمين العاديين، ممن يواجهون التحدي الأبرز في عملية الإنتاج، لكن كيف تبدأ؟

من المقاطع الخام إلى قصة متكاملة بضغطة زر

تعتمد ميزة القص السريع على مبدأ بسيط في ظاهره، عميق في تطبيقه:

تحويل مجموعة من المقاطع غير المرتبة إلى نسخة أولية جاهزة للعمل عليها.

يبدأ المستخدم برفع المحتوى سواء مقاطع فيديو، صور، أو ملفات صوتية، ثم يضيف وصفاً نصياً للفكرة أو نوع الفيديو المطلوب، مثل «مراجعة تقنية» أو «ملخص فعالية». عندها يتولى النظام المدعوم بالذكاء الاصطناعي تحليل مقاطع الفيديو والصور، واختيار أبرز اللقطات، وإعادة ترتيبها ضمن تسلسل بصري مفهوم وبسيط. والنتيجة ليست فيديو نهائياً، بل بنية أولية مكتملة المعالم تختصر ساعات من العمل اليدوي في فرز اللقطات وبناء التسلسل الزمني للمقطع النهائي.

ميزة تحول المقاطع الخام إلى فيديو جاهز عبر ترتيب ذكي بالذكاء الاصطناعي (أدوبي)

كسر «لرهبة التايم لاين الفارغ»

لطالما شكلت بداية المونتاج عقبة نفسية وتقنية في آنٍ واحد، خصوصاً مع وفرة المواد الخام وتعدد الزوايا. وهنا تأتي أهمية (القص السريع)، إذ تنقل المستخدم من حالة «مكتبة ملفات غير مرتبة» إلى «فيديو قابل للتطوير» خلال لحظات.

هذا التحول يعكس توجهاً أوسع داخل صناعة البرمجيات الإبداعية، يقوم على تقليل الاحتكاك في المراحل الأولى، وترك المساحة الأكبر للإبداع البشري في مراحل الصقل والتخصيص.

تحكم ذكي... دون تعقيد

رغم اعتمادها على الأتمتة، لا تُغفل الميزة عنصر التحكم، إذ تتيح للمستخدم ضبط عدد من المتغيرات الأساسية، مثل نسبة العرض (Aspect Ratio)، ومدة الفيديو، وسرعة الإيقاع، إضافة إلى توزيع اللقطات الداعمة. كما يمكن إدخال نصوص أو مخطط مشاهد (Shot List) للحصول على نتائج أكثر دقة، مما يمنح صُنّاع المحتوى مرونة في توجيه المخرجات بدل الاكتفاء بنتائج عشوائية.

ترفع المقاطع وتكتب الفكرة فيرتبها الذكاء الاصطناعي تلقائياً كفيديو متكامل (أدوبي)

أداة تسريع... لا بديل عن المونتير

ورغم ما تقدمه من اختصار للوقت، لا تطرح (القص السريع) نفسها بديلاً عن أدوات التحرير الاحترافية، مثل Adobe Premiere Pro (برنامج تحرير الفيديو الاحترافي)، بل كمرحلة تكميلية تسبقها.

فالفيديو الناتج يظل بحاجة إلى تحسين الإيقاع وإضافة الهوية البصرية وضبط الألوان والصوت وبناء السرد النهائي. بمعنى أدق، تقدم «Adobe» أداة «لبداية ذكية»، لا «نهاية تلقائية».

تأتي هذه الخطوة في وقت تشهد فيه سوق المحتوى الرقمي، خصوصاً الفيديو القصير، نمواً متسارعاً تقوده منصات مثل «تيك توك»، و«إنستغرام»، و«يوتيوب»، وهو ما يفرض على صُنّاع المحتوى إنتاجاً أسرع، دون التضحية بالجودة. ومن هنا، يمكن قراءة ميزة «القص السريع» كاستجابة مباشرة لهذا التحول، عبر تقليل زمن الإنتاج، وتمكين المستخدم من الانتقال بسرعة من الفكرة إلى النشر.


خبير دولي لـ«الشرق الأوسط»: الحروب تنتقل تدريجياً من ساحات القتال إلى مراكز البيانات

نحاس أكد أن الحروب بدأت تنتقل تدريجياً من ساحات القتال الميدانية إلى مراكز البيانات (شترستوك)
نحاس أكد أن الحروب بدأت تنتقل تدريجياً من ساحات القتال الميدانية إلى مراكز البيانات (شترستوك)
TT

خبير دولي لـ«الشرق الأوسط»: الحروب تنتقل تدريجياً من ساحات القتال إلى مراكز البيانات

نحاس أكد أن الحروب بدأت تنتقل تدريجياً من ساحات القتال الميدانية إلى مراكز البيانات (شترستوك)
نحاس أكد أن الحروب بدأت تنتقل تدريجياً من ساحات القتال الميدانية إلى مراكز البيانات (شترستوك)

أكد خبير في الذكاء الاصطناعي أن البشرية تقف اليوم أمام تحول تاريخي يتجاوز تطوير أسلحة تقليدية؛ إذ نشهد انتقالاً عميقاً للحروب من عصر القوة الميكانيكية العنيفة إلى عصر «الخوارزميات الفتاكة»، مشدّداً على أن الانتصار في الميدان لم يعد يعتمد فقط على شجاعة الجنود أو كثافة النيران، بل بات مرتبطاً بسرعة معالجة البيانات، وقدرة الأنظمة الذكية على تحليل المواقف المعقدة في لحظات حاسمة.

تحول السيادة من «الذراع» إلى «العقل»

وأوضح الدكتور محمود نديم نحاس، الخبير في الذكاء الاصطناعي بأكاديمية المستقبل الدولية في لندن، لـ«الشرق الأوسط»، أن الحروب بدأت تنتقل تدريجياً من ساحات القتال الميدانية إلى مراكز البيانات، ومن ضجيج المدافع إلى هدوء الخوارزميات، لتصبح سباقاً بين الأكواد البرمجية، لافتاً إلى أن مفهوم السيادة شهد تغيراً جذرياً، فبعد أن كانت السيادة لقوة «الذراع» البشرية في العصور القديمة، انتقلت إلى «العين» عبر أجهزة الاستشعار والأقمار الاصطناعية، لتستقر اليوم في «العقل الإلكتروني» الذي يدير المشهد من وراء الشاشات، وأن هذا التحول جعل من الممكن لخوارزمية واحدة أن «تشل جيشاً كاملاً دون إطلاق رصاصة واحدة».

استراتيجيات خالد بن الوليد وكلاوزفيتز في عصر الآلة

وفي ربط فريد بين الفكر العسكري الكلاسيكي والتقنية الحديثة، ذكر نحاس أن عبقرية القائد خالد بن الوليد في المباغتة وإرباك العدو واستخدام «الكَراديس» بمرونة عالية، تظل أهدافاً استراتيجية ثابتة حتى اليوم، واستطرد موضحاً أن الذكاء الاصطناعي يسعى لتفتيت ما يسمى «ضباب الحرب» الذي تحدث عنه المنظّر العسكري، كارل فون كلاوزفيتز، وهو حالة عدم اليقين والارتباك في الميدان، عبر تقديم خرائط واقع معزز وبيانات لحظية دقيقة، على حد تعبيره، ومع ذلك، حذّر الدكتور نحاس من مخاطرة نشوء «ضباب رقمي» جديد، حيث قد يؤدي تعقيد الخوارزميات إلى قرارات آلية لا يستطيع البشر تفسيرها أو تبريرها بسهولة.

المنظومة الذكية في قلب المعركة

نحّاس قال خلال حديثه إن الذكاء الاصطناعي ليس مجرد سلاح مستقل، بل منظومة تقنية متكاملة تتغلغل في كل مفاصل العمل العسكري، وذلك عبر (تحليل البيانات الضخمة) حيث تستطيع الخوارزميات تحليل ملايين الصور من الأقمار الاصطناعية والمسيّرات في ثوانٍ لتحديد الأهداف وتصنيفها، وهو ما كان يتطلب أياماً من الجهد البشري، إلى جانب الأنظمة المستقلة، على غرار الغواصات غير المأهولة التي تعمل لأشهر تحت الماء، والآليات البرية التي تعبر تضاريس وعرة، مما يمنح الجيوش قدرة على الوصول إلى مناطق كانت تُصنف سابقاً بأنها «انتحارية».

كما يشمل «التنبؤ الاستراتيجي»، حسب نحّاس، وذلك من خلال بناء نماذج محاكاة تتوقع الخطوة التالية للعدو بدقة، مما يحول الاستراتيجية العسكرية من حالة «رد الفعل» إلى «الاستباق الذكي».

درع الحماية والدفاع فرط الصوتي

وأشار نحاس إلى أن إحدى أهم فوائد الذكاء الاصطناعي هي دوره بوصفه «درعاً» واقياً للقوات، وفصّل ذلك عبر تقنية «الصيانة التنبؤية» التي تتوقع تعطل المحركات أو قطع الغيار قبل وقوع العطل، مما يحافظ على الجاهزية القتالية، مؤكّداً أن ظهور الصواريخ «فرط الصوتية» التي تفوق سرعة الصوت بخمس مرات جعل العقل البشري عاجزاً عن اعتراضها، مما حتم الاعتماد على أنظمة الدفاع الذكي التي تتخذ قرار الاعتراض في أجزاء من الثانية.

ثورة المسيّرات و«ذكاء الأسراب»

وفيما يخص التفوق الجوي، أبان أن «الطائرات المسيّرة» الرخيصة والانتحارية قلبت الموازين التقليدية، فلم يعد التفوق حكراً على الطائرات المقاتلة باهظة الثمن، وشرح مفهوم «ذكاء الأسراب» المستوحى من النحل والطيور، حيث تهاجم مئات المسيّرات كتلةً واحدةً ذكيةً تعيد تنظيم نفسها تلقائياً إذا دُمّر جزء منها، مما «يُغرق» أنظمة الرادار التقليدية، معتبراً أن هذا التحول حوّل الحرب إلى معركة اقتصادية استنزافية، حيث تستنزف مسيّرة رخيصة صاروخاً دفاعياً باهظ التكلفة.

اللوجيستيات: المدير الجديد للميدان

شدّد نحاس على أن «المحترفين يتحدثون عن اللوجيستيات»، معتبراً الذكاء الاصطناعي المدير الجديد لهذا الميدان الحيوي، وجادل بأن «الخوارزميات تدير الآن سلاسل الإمداد المؤتمتة لضمان تأمين الوقود والذخيرة قبل طلبها وبأقل جهد بشري»، وعرّج على تطوير شاحنات وقوارب تموين تعمل بلا سائق لنقل الإمدادات عبر مناطق الخطر، مما يحمي الجنود الذين كانوا يسقطون ضحايا للكمائن على طرق الإمداد.

الروبوتات والمسؤولية الأخلاقية

وتطرّق إلى الروبوتات العسكرية أو «الجنود الذين لا ينامون»، مبدياً قلقه العميق من «الأسلحة الفتاكة ذاتية التشغيل»، وأطلق تحذيراً من أن هذه الأنظمة التي تختار أهدافها دون وجود «إنسان في الحلقة» تثير رعب المنظمات الحقوقية لأنها تلغي مفهوم المسؤولية الأخلاقية عن القتل، وتساءل: مَن هو مجرم الحرب في حال وقوع خطأ؟ هل هو المبرمج أم القائد أم الشركة المصنعة؟

الحروب السيبرانية والنفسية الهجينة

وصف نحاس «الفضاء السيبراني» بساحة الحرب الخامسة، حيث يقود الذكاء الاصطناعي حرباً ناعمة لكنها مدمرة، وحذّر من مخاطر «التزييف العميق» التي يمكنها صناعة فيديوهات مزيفة لقادة عسكريين تأمر بالاستسلام، مما ينهي حروباً عبر انهيار الروح المعنوية، واعتبر أن «التضليل المؤتمت» عبر آلاف الحسابات الآلية التي تنشر الشائعات لزعزعة الاستقرار الداخلي، والهجمات السيبرانية الآلية التي تكتشف الثغرات وتشل البنية التحتية والمفاعلات النووية بسرعة تفوق قدرة البشر على الصد.

سيكولوجية الحرب وتجريدها من الإنسانية

ولفت الدكتور نحاس إلى بُعد نفسي خطير لمواجهة آلة صماء؛ فالجندي الذي يشعر بأنه مراقب دائماً من مسيّرة صامتة قد يعيش ضغطاً نفسياً دائماً يؤدي لانسحابات وهزائم دون اشتباك فعلي، كما حذّر من «تجريد الحرب من الإنسانية»، حيث قد يبدأ الضباط الذين يديرون الحرب من خلف الشاشات برؤية البشر كـ«نقاط» أو «أرقام» في لعبة فيديو، مما يقلل الوازع الأخلاقي ويجعل قرار القتل سهلاً نفسياً وتقنياً.

السيادة التقنية وصراع الرقائق

وخلص نحاس إلى أن الحرب باتت صراع «ميزانيات ذكية» و«تقنيات متطورة» لتصنيع المعالجات، واعتبر أشباه الموصلات (Chips) «سلاحاً استراتيجياً» يعادل الصواريخ النووية، مؤكداً أن الاستقلال البرمجي ضرورة قومية؛ لأن الاعتماد على خوارزميات أجنبية يعني منح «مفتاح السيادة» للدول الأخرى.

وأكد الدكتور محمود نديم نحاس في ختام رؤيته أن دخول الذكاء الاصطناعي لا يمثل مجرد تحسين للأدوات، بل إعادة تعريف للقوة والسيادة، وحذر من أن أخطر لحظة هي التي يبدأ فيها الإنسان بالثقة في الآلة أكثر مما ينبغي، مشيراً إلى أن المستقبل سيكون لمن يمتلك الخوارزمية الأذكى، ولكن البقاء سيكون لمن يمتلك الحكمة الكافية للتحكم في الآلة قبل أن تتحكم هي في مصير البشر، خصوصاً أن الآلة تفتقر إلى الرحمة والتقدير الأخلاقي والسياسي الذي يمتلكه القائد البشري.


«بيربليكسيتي» تطرح رؤية أوسع لدور الذكاء الاصطناعي في الحواسيب الشخصية

يعكس هذا التوجه سباقاً أوسع بين شركات التقنية للسيطرة على واجهة الاستخدام في عصر الذكاء الاصطناعي «بيربليكسيتي»
يعكس هذا التوجه سباقاً أوسع بين شركات التقنية للسيطرة على واجهة الاستخدام في عصر الذكاء الاصطناعي «بيربليكسيتي»
TT

«بيربليكسيتي» تطرح رؤية أوسع لدور الذكاء الاصطناعي في الحواسيب الشخصية

يعكس هذا التوجه سباقاً أوسع بين شركات التقنية للسيطرة على واجهة الاستخدام في عصر الذكاء الاصطناعي «بيربليكسيتي»
يعكس هذا التوجه سباقاً أوسع بين شركات التقنية للسيطرة على واجهة الاستخدام في عصر الذكاء الاصطناعي «بيربليكسيتي»

توسّع «بيربليكسيتي» طموحاتها إلى ما هو أبعد من البحث المدعوم بالذكاء الاصطناعي؛ إذ ترى أن المرحلة المقبلة من الحوسبة الشخصية ستقوم على مساعد أكثر وعياً بسياق المستخدم، وقادر على الاقتراب من نشاطه الرقمي اليومي.

وفي منشور جديد عبر موقعها الإلكتروني بعنوان «The Personal Computer Is Here»، تعرض الشركة هذه الرؤية باعتبارها جزءاً من توجه أوسع لجعل الذكاء الاصطناعي طبقة أكثر حضوراً في التصفح والبحث وتنفيذ المهام، بدلاً من بقائه أداة تُستخدم للإجابة عن الأسئلة المنفصلة فقط. ويتقاطع هذا الطرح مع الاهتمام المتزايد باستراتيجية «بيربليكسيتي» في مجال المتصفح، ومع مساعيها للانتقال من منتج بحث إلى واجهة أوسع للذكاء الاصطناعي الشخصي.

ولا تتمثل أهمية التطور هنا في أن الشركة نشرت بياناً جديداً عن منتجها فحسب، بل في أنها باتت تعرض تقنيتها بوصفها جزءاً من تحول أكبر في طريقة تفاعل المستخدمين مع الحواسيب. فبدلاً من تقديم الذكاء الاصطناعي كإضافة إلى سير العمل القائم، تضعه «بيربليكسيتي» في موقع الطبقة التي يمكن أن يمر عبرها هذا السير نفسه. وهذا يضع الشركة في منافسة أكثر مباشرة ليس فقط مع منافسي البحث بالذكاء الاصطناعي، بل أيضاً مع مطوري المتصفحات والشركات التي تحاول رسم واجهة الاستخدام المقبلة في عصر الذكاء الاصطناعي.

التحول الجديد يشير إلى أن «بيربليكسيتي» تريد أن تؤثر في طريقة استخدام الحاسوب لا في البحث فقط «بيربليكسيتي»

«توسيع دور بيربليكسيتي»

يكتسب هذا التحول أهمية خاصة؛ لأن «بيربليكسيتي» بنت حضورها الأول بوصفها منصة تعتمد على الإجابات المدعومة بالذكاء الاصطناعي والبحث على الويب. أما الآن، فتشير اللغة الجديدة التي تستخدمها الشركة إلى أنها تريد أن تُعرَف بدرجة أقل كوجهة لطرح الأسئلة، وبدرجة أكبر كنظام يفهم سياق المستخدم ويساعده في إدارة أنشطته الرقمية الأوسع. وعملياً، يعني ذلك الاقتراب أكثر من طريقة تصفح الأفراد، ومقارنتهم للمعلومات، واتخاذهم القرارات، وتنفيذهم المهام. وهو ادعاء أكبر بكثير من مجرد تقديم نتائج بحث أفضل.

كما يساعد السياق الصناعي الأوسع في تفسير هذا التوجه؛ فشركات الذكاء الاصطناعي تحاول بشكل متزايد تجاوز واجهات الدردشة المستقلة إلى بيئات برمجية تلتقط قدراً أكبر من النشاط اليومي للمستخدم. وأصبحت المتصفحات ساحة مهمة لهذا التنافس؛ لأنها تحتل بالفعل موقعاً مركزياً في كيفية عمل كثير من الناس على الإنترنت. ومن خلال ربط رسالتها بالحوسبة الشخصية لا بالبحث فقط، تبدو «بيربليكسيتي»، وكأنها تقول إن المتصفح والمساعد الذكي يبدآن في الاندماج.

الانتقال إلى طبقة أكثر التصاقاً بالمستخدم يفرض تحديات تتعلق بالسياق والخصوصية والموثوقية «بيربليكسيتي»

الخصوصية والموثوقية أولاً

لا يعني هذا الانتقال أن الطريق سهل؛ فوجود طبقة ذكاء اصطناعي أكثر التصاقاً بالمستخدم يتطلب الوصول إلى السياق، والاستمرارية عبر المهام، وقدراً كافياً من الثقة حتى يسمح الأفراد للبرمجيات بالاقتراب أكثر من عادات عملهم. وهذه متطلبات أكثر تعقيداً بكثير من مجرد الإجابة عن سؤال أو تلخيص صفحة. كما أنها ترفع سقف التحديات المرتبطة بتصميم المنتج، وتوقعات الخصوصية، والموثوقية. وتوحي الرسائل الأخيرة للشركة بأنها ترى أن هذا التحدي يستحق المخاطرة؛ لأن الميزة التنافسية المقبلة في الذكاء الاصطناعي قد لا تأتي فقط من جودة الإجابة، بل من التغلغل في سير العمل اليومي للمستخدم.

«بيربليكسيتي» توسع موقعها

ما يبرز أكثر من غيره هو اللغة التي باتت «بيربليكسيتي» تستخدمها في تعريف نفسها؛ فالشركة تبدو وكأنها تحاول تثبيت موطئ قدم في فئة تتجاوز البحث، بل حتى تتجاوز الدردشة. إنها تصف مستقبلاً لا يُستشار فيه الذكاء الاصطناعي من حين إلى آخر فحسب، بل يصبح طبقة تشغيل يومية في الحوسبة الشخصية. وهذا إطار استراتيجي أوسع بكثير من ذاك الذي عُرفت به حين ظهرت بدايةً بوصفها شركة ناشئة في البحث المدعوم بالذكاء الاصطناعي.

وبالنسبة إلى «بيربليكسيتي»، فإن دلالة هذا التحول واضحة؛ فالشركة لا تسعى فقط إلى تحسين الطريقة التي يعثر بها المستخدمون على المعلومات، بل تريد أيضاً أن تؤثر في الطريقة التي يتحركون بها داخل العمل الرقمي كله. وما إذا كانت قادرة على تنفيذ هذا الوعد يبقى سؤالاً مفتوحاً، لكن الاتجاه بات واضحاً: «بيربليكسيتي» تريد أن يكون لها دور ليس فقط فيما يسأله الناس للذكاء الاصطناعي، بل أيضاً في كيفية استخدامهم الحاسوب من الأساس.