الموت على الأرض أو في الشوارع: الولادة وسط الحرب في السودان

طفل يبلغ من العمر يوم واحد يعالج من متلازمة الضائقة التنفسية الحادة في مستشفى الندى بأم درمان (نيويورك تايمز)
طفل يبلغ من العمر يوم واحد يعالج من متلازمة الضائقة التنفسية الحادة في مستشفى الندى بأم درمان (نيويورك تايمز)
TT

الموت على الأرض أو في الشوارع: الولادة وسط الحرب في السودان

طفل يبلغ من العمر يوم واحد يعالج من متلازمة الضائقة التنفسية الحادة في مستشفى الندى بأم درمان (نيويورك تايمز)
طفل يبلغ من العمر يوم واحد يعالج من متلازمة الضائقة التنفسية الحادة في مستشفى الندى بأم درمان (نيويورك تايمز)

أجبرت الحرب في هذا البلد، الواقع في شمال شرق أفريقيا، النساء الحوامل على التحرك «عبر الجحيم» للوصول إلى عدد متضائل من المستشفيات والعيادات، أو اللجوء إلى القابلات المُنهكات من كثرة العمل، لإنجاب أطفالهن في المنزل.

بعد أيام من اندلاع القتال في السودان، تلقت آمنة أحمد نداء استغاثة عاجلاً من امرأة حامل أخبرتها أنها على وشك الموت. قالت السيدة آمنة أحمد، القابلة البالغة من العمر 42 عاماً، إنها ركضت خلال إطلاق النار الذي اجتاح حيها في أم درمان، شمال العاصمة الخرطوم، للوصول إلى منزل المرأة. وعند وصولها في منتصف الليل، أدركت بسرعة أن الطفل كان عالقاً في قناة الولادة الخاصة بالأم. لكن، لم تكن هناك سيارات إسعاف أو سيارات أجرة لنقلها إلى المستشفى.

وقالت القابلة في مقابلة هاتفية: «كنا نختار ما بين الموت على الأرض أو الموت في الشوارع»، مشيرة إلى اختلاط أصوات القصف مع أنين المرأة: «قالت لي السيدة إن الألم قد أجبر روحها على مغادرة جسدها».

بعد ساعات عدة، ساعدت السيدة آمنة أحمد المرأة على ركوب دراجة نارية، وهرعت بها إلى عيادة قريبة، حيث تمكنت من وضع ابنتها.

مستشفى الندى في أم درمان (نيويورك تايمز)

النساء الحوامل ضحايا الحرب

لقد أجبرت الحرب، التي اندلعت في السودان النساء الحوامل، في جميع أنحاء البلاد، على تفادي القصف المدفعي والسير عبر نقاط التفتيش للوصول إلى العدد المتناقص من المستشفيات وأقسام الولادة التي لا تزال مفتوحة. وتقدر الأمم المتحدة أن عشرات الآلاف غيرهن قد نزحن، أو حوصرن في منازلهن، أو أن أطفالهن قد ولدوا على أيدي القابلات، أو أفراد من أسرهن، أو لا أحد على الإطلاق.

يدخل الصراع شهره الثاني، بين الجيش السوداني بقيادة الفريق أول عبد الفتاح البرهان، وقوات «الدعم السريع» شبه العسكرية بقيادة الفريق محمد حمدان دقلو. وقد وافق الجانبان، يوم السبت، على وقف لإطلاق النار لمدة 7 أيام، بدأ سريانه مساء الاثنين، برغم سماع أصوات إطلاق نار وانفجارات متفرقة في أجزاء من العاصمة والمدن المجاورة لها يوم الثلاثاء.

ويقول الأطباء وعمال الإغاثة إن الوضع في السودان، أحد أكبر البلدان الأفريقية، يتجه نحو كارثة إنسانية. وكان السودان قد سجل بالفعل واحداً من أعلى معدلات وفيات الأمهات في العالم قبل اندلاع القتال.

ويُعتقد أن هناك أكثر من 1.1 مليون امرأة سودانية حامل. ومن بين أولئك الذين هن في أمسّ الحاجة إلى المساعدة الإنسانية، 29 ألف امرأة من المتوقع أن يلدن في الشهر المقبل، وفقاً لصندوق الأمم المتحدة للسكان. ويُعتقد أن ما لا يقل عن 4300 امرأة مُعرضة لخطر الوفاة ويحتجن إلى رعاية التوليد الطارئة.

مهام انتحارية لإنقاذ الحوامل

وقال الدكتور محمد فتح الرحمن (33 عاماً)، وهو طبيب أطفال ومدير عام «مستشفى الندى» في أم درمان، ويُشرف على قسم الولادة: «إن الآباء كانوا يقودون سياراتهم عبر الجحيم للوصول إلينا، وكأنهم في مهام انتحارية». و«مستشفى الندى» من بين المرافق القليلة المتبقية في الخرطوم الكبرى التي لا يزال يولد فيها الأطفال، والقاعات فيها مكتظة بالنساء الحوامل.

وقال فتح الرحمن في مقابلة عبر الهاتف: «تأتي السيارات إلى المستشفى عندنا مغطاة بثقوب الرصاص. هؤلاء النسوة قلقات للغاية، ويتعرضن لضغوط شديدة، والعديد منهن في مرحلة متقدمة من المخاض».

وقال إنه أخرج لتوه من المستشفى امرأة وصلت بحالة ولادة معكوسة، بعد أن أمضت ساعات في نقطة تفتيش تسيطر عليها القوات شبه العسكرية، التي كانت تستجوب زوجها. وأضاف الدكتور فتح الرحمن: «بكل أسف، لم تصل إلينا في الوقت المناسب، ولم تُكتب للطفل النجاة».

ممرضة أطفال تقوم بمعالجة مولود جديد في مستشفى الندى بأم درمان (نيويورك تايمز)

ارتفاع عدد المواليد

وأضاف أن عدد الأطفال الذين ولدوا قبل الأوان في المستشفى قد ارتفع بنسبة الثلث تقريباً منذ بدء القتال في 15 أبريل (نيسان) الماضي. وبوجود طاقم ضئيل، قدّر أن قسم الولادة قد ولّد أكثر من 600 مولود جديد خلال الشهر الماضي، أي 20 ضعف العدد المعتاد. وفي الأسابيع القليلة الأولى من الصراع، كانوا يجرون ما يصل إلى 50 عملية قيصرية في اليوم، وغالباً مع طفلين حديثي الولادة يتشاركان الحاضنة نفسها.

وقال فتح الرحمن إنه تمكن من الحفاظ على سير عمل المستشفى عبر التمويل الدولي من جمعية الأطباء الأميركيين السودانيين. وقد موّلت الجمعية كل عملية قيصرية منذ بدء النزاع، وسمحت للدكتور فتح الرحمن بأن يقدم لموظفيه المتبقين أجوراً أعلى لمنعهم من الفرار.

وأيد روايته عمال إغاثة من منظمة الأمم المتحدة، ومنظمة «كير»، و«الهيئة الطبية الدولية»، ومنظمة «أطباء بلا حدود»، و«منظمة إنقاذ الطفولة»، الذين قالوا لصحيفة «نيويورك تايمز» إن الأزمة التي تؤثر على النساء الحوامل تمثل رمزاً لانهيار نظام الصحة العامة في جميع أنحاء السودان منذ بدء القتال.

وقال أديف جوزيف إيجي سيريكي، المستشار العالمي للصحة الجنسية والصحة الإنجابية في «الهيئة الطبية الدولية»، التي تعمل على تدريب العاملين في مجال الرعاية الصحية في جميع أنحاء السودان: «هذا الأمر سوف يزداد سوءاً».

ويترتب على الوضع الصحي المتردي للأمهات عواقب أيضاً على الأطفال المولودين قبل الأوان. وقال سيريكي: «الأطفال المبتسرون أكثر عرضة للإصابة بعيوب تستمر طوال الحياة، بما في ذلك الإعاقات الذهنية، والشلل الدماغي، وضعف السمع والبصر».

وحتى قبل اندلاع النزاع الحالي، كان السودان يعاني من نظام صحي هش يفتقر إلى البنية التحتية والمعدات الكافية، ونقص في المهنيين الصحيين المهرة، وسلسلة إمداد محدودة. ووفقاً للأمم المتحدة، بلغ معدل وفيات الأمهات في السودان نحو 270 حالة وفاة لكل 100 ألف ولادة حية، مقارنة بـ21 حالة وفاة لكل 100 ألف ولادة حية في الولايات المتحدة.

60 في المائة من المستشفيات أغلقت

وفي ولاية الخرطوم، التي يسكنها نحو 10 ملايين شخص، أغلقت نحو 60 بالمائة من مرافق الرعاية الصحية أبوابها الآن، مع 20 في المائة فقط من المرافق العاملة بالكامل، وفقاً للأمم المتحدة. وفي «الجنينة»، عاصمة إقليم غرب دارفور، أغلقت كافة المرافق الصحية أبوابها.

وتحولت المستشفيات نفسها إلى مسارح للقتال العنيف. وطردت الجماعات المسلحة 8 مرضى كانوا يتلقون الرعاية في مركز صحي في الخرطوم من أجل استخدامها قاعدة، حسبما ذكرت «منظمة إنقاذ الطفولة» غير الربحية. وتعرض العديد من الأطباء والممرضين الذين بقوا في البلاد للتهديد والاعتقال.

كما تفشت أعمال السلب والنهب، ونُهبت العديد من المستشفيات والصيدليات والمخازن. وقالت نقابة الأطباء السودانية إن المرضى الذين يعانون من أمراض مزمنة، مثل السرطان أو أمراض القلب أو السكري، لم يتمكنوا من الحصول على الأدوية لأسابيع، في حين أغلقت عشرات مراكز غسيل الكلى أبوابها.

لكنَّ مجالات قليلة من النظام الصحي في السودان تأثرت بنفس الحدة التي تأثرت بها شبكات رعاية الأمومة. فبمجرد بدء القتال، بدأت القابلات في جميع أنحاء البلاد بتلقي نداءات للمساعدة من الأمهات الحوامل.

وقالت رانيا حسن، رئيسة فريق الصحة الإنجابية في منظمة الأمم المتحدة في السودان، التي تساعد في دعم شبكة من 400 قابلة مجتمعية على الأقل في البلاد: «صارت هؤلاء النساء شريان الحياة الحيوي بصورة متزايدة لأولئك النساء العالقات في المنازل». وأضافت أن عملهن «يكتسب أهمية خاصة في المنطقة داخل الخرطوم وحولها، حيث كان القتال أكثر ضراوة، وحيث تفضل العديد من النساء الولادة في مرافق الرعاية الصحية».

وتنتشر القابلات في مختلف المدن والقرى، ويدخلن إلى منازل النساء لتوليد الأطفال حديثي الولادة، وغالباً ما يستجبن لطلبات مجموعات الدردشة في الأحياء أو الخطوط الساخنة للطوارئ.

وتساعد السيدة آمنة أحمد، التي كانت تركب مع المرأة الحامل على الدراجة النارية، في تنسيق فريق من 20 قابلة في أم درمان. وقد ساعدن سوياً في توليد نحو 200 طفل منذ اندلاع القتال.

وأشارت إلى أن القابلات لا يتحدين العنف فحسب، بل غالباً ما يُجبرن على العمل من دون الوصول إلى الهواتف أو الإنترنت، وهي الخدمات التي تدهورت كثيراً بسبب الاشتباكات.

وقالت السيدة آمنة أحمد إنها ولّدت 8 أطفال خلال الصراع، لكن الفوضى جعلت من الصعب الوصول إلى النساء والحصول على الإمدادات الطبية.

وردّد روايتها نساء أخريات، مثل أحلام عبد الله حميد، القابلة البالغة من العمر 27 عاماً، التي ولّدت 6 أطفال في مدينة بحري، شمال الخرطوم.

وقالت حميد في مقابلة هاتفية: «الوضع عسير للغاية»، مضيفة أنها انتقلت للمساعدة بعد أن تابعت سلسلة من الطلبات من النساء الحوامل على قناة «واتساب» في الحي الذي تقيم فيه.

وفي حين أن جميع ولاداتها كانت ناجحة، قالت إنها بدأت تشعر بالقلق إزاء التحرك وسط قتال الشوارع الذي يزداد سوءاً ويصعب التنبؤ به ليلاً، وهو الوقت الذي تستجيب فيه عادة للمكالمات.

لكنها لا تزال مستعدة للمخاطرة، بحسب قولها، مُضيفة أنها تشعر بإحساس قوي بالمسؤولية للمساعدة في كل مرة تسمع فيها نداء من امرأة في حالة حرجة.

وقالت أخيراً إن «دعوات النساء لي بالخير تجعلني أشعر بالحزن»، متسائلة: «كيف يمكنني المغادرة وهن يطلبن المساعدة باستمرار؟».

خدمة «نيويورك تايمز»


مقالات ذات صلة

الحياة تعود إلى سوق الخرطوم المركزية ولكن «لا شيء كما كان»

شمال افريقيا إحدى الأسواق الشعبية في جنوب الخرطوم بعد أشهر من بداية الحرب (أرشيفية - أ.ف.ب)

الحياة تعود إلى سوق الخرطوم المركزية ولكن «لا شيء كما كان»

في سوق الخرطوم المركزيّة، عاد الباعة إلى عرض الفاكهة والخضراوات أمام المارّة في أكوام صغيرة افترش الجزء الأكبر منها الأرض، «ولكن لا شيء كما كان قبل الحرب».

«الشرق الأوسط» (الخرطوم)
شمال افريقيا انتشار المجاعة في شمال دارفور وجنوب كردفان بغرب السودان وجنوبه (أ.ب)

الأمم المتحدة: أكثر من 8 ملايين سوداني يحتاجون للغذاء في 2026

حذرت الأمم المتحدة وشركاؤها من «فجوات حرجة» في خدمات التغذية بالسودان، تتسع باطراد نتيجة استمرار الحرب والنزوح.

أحمد يونس (كمبالا)
شمال افريقيا مكتبة «دار العلوم الحديثة» في العاصمة الخرطوم (الشرق الأوسط)

الخرطوم ترمِّم جراحها بالقراءة والعودة للكتب

بدأ السودانيون يعودون إلى القراءة، تحدياً للإنهاك الذي أصاب العقول والنفوس بسبب الحرب، فأصرت العاصمة الخرطوم على استعادة سيرتها الأولى كمدينة قارئة.

بهرام عبد المنعم (الخرطوم)
شمال افريقيا فولكر تورك يتحدث إلى أحد المراسلين عقب مؤتمر صحافي في مطار بورتسودان يوم 18 يناير 2026 (أ.ب) play-circle

المفوض الأممي لـ«حقوق الإنسان» يدعو إلى مساءلة مرتكبي الجرائم في السودان

حذّر المفوض السامي للأمم المتحدة لحقوق الإنسان، فولكر تورك، يوم الأحد، من ارتفاع وتيرة «عسكرة المجتمع» من قبل طرفي النزاع في السودان.

وجدان طلحة (بورتسودان) «الشرق الأوسط» (لندن)
شمال افريقيا البرهان خلال زيارة إلى بلدة عد بابكر شرق العاصمة الخرطوم الجمعة (مجلس السيادة السوداني) play-circle 00:35

البرهان: معركة «الكرامة» مستمرة حتى انتهاء «التمرد»

قال رئيس مجلس السيادة الانتقالي قائد الجيش السوداني، عبد الفتاح البرهان، إن معركة «الكرامة» لن تنتهي إلا بانتهاء «التمرد» وكل من يدعمه.

محمد أمين ياسين (نيروبي)

المغرب يقبل دعوة ترمب للانضمام إلى «مجلس السلام» لغزة

الملك محمد السادس (رويترز)
الملك محمد السادس (رويترز)
TT

المغرب يقبل دعوة ترمب للانضمام إلى «مجلس السلام» لغزة

الملك محمد السادس (رويترز)
الملك محمد السادس (رويترز)

قالت وزارة الخارجية ​المغربية في بيان اليوم (الاثنين) إن الملك محمد السادس عاهل البلاد، قبِل دعوة ‌من الرئيس ‌الأميركي ‌دونالد ⁠ترمب ​للانضمام بصفته ‌عضواً مؤسساً إلى «مجلس السلام» بقيادة الولايات المتحدة.

وذكرت الوزارة في بيان أن ⁠العاهل المغربي رد ‌بالإيجاب على الدعوة، ‍مضيفة أن المملكة المغربية «ستعمل على المصادقة على الميثاق التأسيسي لهذا المجلس».

الرئيس الأميركي دونالد ترمب في البيت الأبيض بالعاصمة واشنطن يوم 14 يناير 2026 (رويترز)

وتابعت: «تشيد المملكة ​المغربية بالإعلان عن إطلاق المرحلة الثانية من ⁠مخطط السلام الشامل للرئيس ترمب، وكذا الإحداث الرسمي للجنة الوطنية لإدارة غزة كهيئة انتقالية مؤقتة».


«الجنائية الدولية»: «الدعم» حفرت مقابر جماعية لإخفاء «جرائم حرب» في السودان

مقر المحكمة الجنائية الدولية (أ.ف.ب)
مقر المحكمة الجنائية الدولية (أ.ف.ب)
TT

«الجنائية الدولية»: «الدعم» حفرت مقابر جماعية لإخفاء «جرائم حرب» في السودان

مقر المحكمة الجنائية الدولية (أ.ف.ب)
مقر المحكمة الجنائية الدولية (أ.ف.ب)

اتهمت نائبة المدعي العام للمحكمة الجنائية الدولية نزهت شميم خان، الاثنين، «قوات الدعم السريع» بحفر مقابر جماعية لإخفاء «جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية» ارتكبتها في إقليم دارفور بغرب السودان.

ووفقاً لوكالة الصحافة الفرنسية، قالت خان في إحاطة لمجلس الأمن الدولي إن مكتب المدعي العام خلص إلى أن «جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية قد ارتُكبت في الفاشر، ولا سيما في أواخر أكتوبر (تشرين الأول)، مع وصول حصار المدينة من قبل (قوات الدعم السريع) إلى ذروته».

وأوضحت في الإحاطة التي قدمتها عبر الفيديو لعدم حصولها على تأشيرة لدخول الولايات المتحدة، أن المكتب استند إلى مواد صوتية ومرئية ولقطات بالأقمار الصناعية «تشير إلى وقوع قتل جماعي وإلى محاولات إخفاء الجرائم عن طريق حفر مقابر جماعية».

وأطبقت «قوات الدعم السريع» حصارها على الفاشر، عاصمة ولاية شمال دارفور، في مايو (أيار) 2024، إلى أن سيطرت عليها بالكامل في أكتوبر 2025.

وأظهرت صور بالأقمار الصناعية حللتها وكالة الصحافة الفرنسية في ديسمبر (كانون الأول)، آثاراً لما يبدو أنّها قبور، على مساحة 3600 متر مربع.

كما حدد تحليل مماثل لمختبر البحوث الإنسانية في جامعة ييل الأميركية في نهاية نوفمبر (تشرين الثاني) «أكواماً من الأشياء التي تتوافق مع جثث بشرية» تمّ نقلها أو دفنها أو حرقها.

وأفادت شهادات ناجين من معركة الفاشر، بتعرّض المدنيين للاستهداف أثناء فرارهم من المدينة، بما يشمل إعدامات ميدانية وعنفاً جنسياً.

وحذرت خان من أن سكان دارفور يتعرضون لـ«تعذيب جماعي»، مضيفة أن «سقوط الفاشر صاحبه حملة منظمة ومحسوبة لتعريض المجتمعات غير العربية لأعمق أشكال المعاناة».

أضافت: «استناداً إلى تحقيقاتنا فإن العنف الجنسي، بما في ذلك الاغتصاب، يُستخدم كأداة حرب في دارفور»، وأن «الصورة التي تتضح تدريجياً هي صورة مروّعة لجريمة منظمة واسعة النطاق، تشمل عمليات إعدام جماعية وفظائع».

وأكدت أن هذه الجرائم تشمل كل الإقليم الشاسع ولا تقتصر على الفاشر.

وتحدثت عن أدلة على أن «الفظائع التي ارتُكبت في الجنينة عام 2023 تكررت في الفاشر عام 2025، وهذه الجرائم تتكرر في مدينة تلو الأخرى بدارفور»، محذّرة من أنها ستستمر «إلى أن يتم وضع حد لهذا النزاع وللإفلات من العقاب».

ويقدّر خبراء الأمم المتحدة أن «قوات الدعم السريع» قتلت ما بين 10 و15 ألف شخص في مدينة الجنينة بغرب دارفور معظمهم من قبيلة المساليت.

وجددت خان دعوة السلطات السودانية لتسليم الأفراد الذين أصدرت الجنائية الدولية بحقهم مذكرات توقيف، وأبرزهم الرئيس السابق عمر البشير ورئيس الحزب الحاكم في عهده أحمد هارون.

ورأت أن تسليم الأخير يمثّل أولوية؛ إذ يواجه عشرات الاتهامات بارتكاب جرائم ضد الإنسانية وجرائم حرب تتضمن القتل والاغتصاب والتعذيب، إبان قمع السلطات لتمرد في دارفور في مطلع الألفية وفي جنوب كردفان عام 2011.

وينفي هارون هذه التهم.


«العاصمة الطبية»... مشروع مصري لـ«نقلة نوعية» في الخدمات الصحية

وزير الصحة المصري خالد عبد الغفار خلال جولة تفقدية في أحد المستشفيات الحكومية (وزارة الصحة)
وزير الصحة المصري خالد عبد الغفار خلال جولة تفقدية في أحد المستشفيات الحكومية (وزارة الصحة)
TT

«العاصمة الطبية»... مشروع مصري لـ«نقلة نوعية» في الخدمات الصحية

وزير الصحة المصري خالد عبد الغفار خلال جولة تفقدية في أحد المستشفيات الحكومية (وزارة الصحة)
وزير الصحة المصري خالد عبد الغفار خلال جولة تفقدية في أحد المستشفيات الحكومية (وزارة الصحة)

بدأت الحكومة المصرية خطوات إنشاء مشروع «مدينة العاصمة الطبية للمستشفيات والمعاهد التعليمية للبحوث والتدريب»، وسط تطلعات بأن تُحدث نقلة نوعية في المنظومة الصحية.

وخلال اجتماع مع عدد من أعضاء حكومته، الاثنين، أكد رئيس الوزراء مصطفى مدبولي أن المشروع «هو بمثابة حلم نضيفه لمصر في الفترة المقبلة... من شأنه أن يُحدث نقلة نوعية في الخدمات الصحية».

وأوضح في إفادة رسمية أن «هناك توجيهات من الرئيس عبد الفتاح السيسي بالبدء في تنفيذ هذه المدينة، وقد قطعنا بالفعل شوطاً طويلاً في إعداد الدراسات الخاصة بهذا المشروع، وكذلك التصميمات المختلفة»، مشيراً إلى أن مصر تضع على أجندة أولوياتها في هذه المرحلة تحسين الخدمات الصحية والتعليمية.

ويقام المشروع على مساحة تصل إلى 221 فداناً، ويشتمل على 18 معهداً بسعة إجمالية تصل إلى أكثر من 4 آلاف سرير، وتقدم مستشفياته خدمات متنوعة تشمل العناية المركزة، والعناية المتوسطة، ورعاية الأطفال المبتسرين، وكذا خدمات الاستقبال والطوارئ، والعيادات، فضلاً عن إجراء العمليات الجراحية، وفق نائب رئيس الوزراء للتنمية البشرية ووزير الصحة خالد عبد الغفار.

وأورد بيان صادر عن الحكومة، الاثنين، أن المشروع «يتضمن إنشاء الجامعة الأهلية لعلوم الطب والتكنولوجيا الطبية، والتي تضم خمس كليات هي: كلية الطب البشري، وكلية طب الأسنان، وكلية التمريض، وكلية الصيدلة، والكلية التكنولوجية للعلوم الطبية التطبيقية، بالإضافة إلى مركز للأبحاث».

وأضاف البيان أن الطاقة الاستيعابية للجامعة تقدر بنحو 4 آلاف طالب، وتركز على دعم البحث العلمي والتدريب.

وتقام «المدينة الطبية» في العاصمة الجديدة، التي أصبحت مقراً للحكومة والبرلمان والوزارات، والتي من المنتظر أن تستوعب نحو 7 ملايين مواطن، وكان الغرض من إنشائها بالدرجة الأولى تخفيف الضغط على القاهرة التي يسكنها 18 مليون نسمة، إضافة إلى استقبالها ملايين الزوار يومياً.

رئيس الوزراء المصري مصطفى مدبولي خلال اجتماع لبدء إجراءات إنشاء المدينة الطبية (مجلس الوزراء)

ويرى محمود فؤاد، المدير التنفيذي لـ«جمعية الحق في الدواء»، وهي جمعية أهلية، أن إنشاء مدينة طبية متكاملة سيشكل طفرة كبيرة في منظومة الرعاية الصحية بمصر، وقال لـ«الشرق الأوسط»: «المدينة الطبية مشروع طموح سيغير مفهوم الرعاية الصحية بالبلاد، خاصة في مجال البحث العلمي، الذي يمكنه أن يساهم في رسم سياسات صحية مستقبلية بمعايير علمية، بما سيؤدي إلى تحسين الخدمات الصحية المقدمة للمواطن».

وتطرق فؤاد إلى تأثير فكرة المدينة الطبية المتكاملة على التعليم الطبي، قائلاً: «الكثير من كليات الطب ليست لديها مستشفيات، وهو ما يجعل طلابها يبحثون عن مستشفيات أخرى في أماكن بعيدة جغرافياً للتدرّب فيها، كما أن بعض المستشفيات لديها مراكز أبحاث، لكنها تكون في أماكن أخرى بعيدة جغرافياً؛ لذلك ستوفر المدينة الطبية كل عناصر تطوير المنظومة الصحية في مكان واحد، بما في ذلك توفير التدريب لطلاب كليات الطب».

وبحسب إفادة وزير الصحة المصري، تبحث الحكومة عدة مقترحات تتعلق بطريقة إنشاء مدينة العاصمة الطبية، منها أن تتم بشراكة أجنبية بنظام «نموذج الإدارة المشتركة»، عن طريق قيام الجانب المصري بالتشغيل الطبي، الذي يتمثل في الإدارة الطبية الكاملة، من توفير الأطباء والتمريض والسياسات العلاجية ورعاية المرضى، على أن يختص الجانب الأجنبي بإدارة المرافق والخدمات المساعدة، من خلال عقد تشغيل لعدة سنوات، مؤكداً أنه يوجد «عدد من العروض تتعلق بذلك سيتم بحثها مع الجهات المتقدمة».

مساعٍ حكومية في مصر لتطوير المنظومة الصحية (وزارة الصحة)

وتؤكد عضوة لجنة الصحة بمجلس النواب، إيرين سعيد، أن فكرة إنشاء مدينة طبية متكاملة ستشكل «صرحاً طبياً مهماً، ونقلة نوعية في المنظومة الصحية بالبلاد».

وقالت لـ«الشرق الأوسط»: «حتى يتحول مشروع المدينة الطبية إلى إنجاز حقيقي، يجب دراسة مشكلات المنظومة الصحية في مصر وعلاجها جذرياً، حيث تقوم المنظومة على 3 عناصر تتمثل في المستشفيات وتجهيزاتها وبنيتها التحتية وأجهزتها الطبية، ثم العنصر البشري من أطباء وتمريض وطواقم طبية، يليه ملف الأدوية».

وأكدت أن الحكومة «تبذل جهداً كبيراً في تطوير العنصر الأول، وهو المستشفيات، في حين يظل العنصر الثاني يعاني من مشكلات كبيرة، منها تدني أجر الطبيب والطواقم الطبية، كما أن ملف الأدوية يحتاج إلى حلول جذرية لضمان توافرها بالأسواق بشكل مستدام».