الذكاء الاصطناعي بين الضوابط الغائبة والتطور المتسارع

هل ستضلّل التكنولوجيا الناخب الأميركي؟

تطور متسارع للذكاء الاصطناعي قد يضلّل الناخب الأميركي (رويترز)
تطور متسارع للذكاء الاصطناعي قد يضلّل الناخب الأميركي (رويترز)
TT

الذكاء الاصطناعي بين الضوابط الغائبة والتطور المتسارع

تطور متسارع للذكاء الاصطناعي قد يضلّل الناخب الأميركي (رويترز)
تطور متسارع للذكاء الاصطناعي قد يضلّل الناخب الأميركي (رويترز)

مع التطور المتسارع للذكاء الاصطناعي، تتصاعد التحذيرات من احتمالات تأثيره على الانتخابات الأميركية. ففي موسم انتخابي حام، بدأت صور مزيفة للمرشحين بالظهور إلى العلن، بالإضافة إلى تصريحات مفبركة لبعض السياسيين، الأمر الذي زاد من مخاوف التضليل. وهذا ما تحدث عنه من المدير التنفيذي لشركة «أوبن إيه آي» سام ألتمان، في جلسة استماع مفتوحة أمام الكونغرس الأميركي، قال فيها: «هذا من أكثر الأمور التي تقلقني، فهذه النماذج في التكنولوجيا تتطور من حيث التلاعب والإقناع وتوفير معلومات كاذبة بشكل تفاعلي. نحن على مشارف انتخابات العام المقبل، وهذه النماذج تتحسن بشكل مستمر».

يستعرض برنامج «تقرير واشنطن»، وهو ثمرة تعاون بين «الشرق الأوسط» و«الشرق»، طبيعة تضليل الذكاء الاصطناعي للناخب الأميركي، والمساعي لفرض ضوابط عليه، إضافة إلى سهولة نشر الأخبار المزيفة عبر هذه التكنولوجيا.

تضليل وتزوير

صورة مزيَّفة تم إنشاؤها بالذكاء الاصطناعي تُظهر إلقاء القبض على ترمب (متداولة على مواقع التواصل)

تشير هودان عمر، كبيرة المحللين في مؤسسة تكنولوجيا المعلومات والابتكار، إلى أن المعلومات الخاطئة والمضلّلة الممكّنة من الذكاء الاصطناعي هي مشكلة فعلية تجب مواجهتها. وتطرح هودان عمر هذه المشكلة بشقين، فتقول: «من جهة أولى، سوف تعطي الشرعية لأمور غير صحيحة، أي إنها تدفع الأشخاص لتصديق أمور لم تحدث. لكن من جهة أخرى، يمكن أن تعطي صفة غير شرعية لأمور صحيحة وتدفع الناس إلى عدم تصديق أمور حدثت بالفعل»، وتعطي هودان عمر مثالاً مرتبطاً بالحملات الانتخابية، مشيرةً إلى أن الإعلام المولَّد من الذكاء الاصطناعي قد يغيّر من تصريحات المرشحين بطريقة مقنعة.

وتوافق رافيت توتان، المستشارة في أخلاقيات الذكاء الاصطناعي مع مقاربة هودان عمر، محذرةً من الأضرار التي يمكن أن تُلحقها المعلومات الكاذبة في الموسم الانتخابي. وتحدثت توتان عن مثال نشر صور كاذبة للرئيس الأميركي السابق دونالد ترمب خلال عملية اعتقال وهمية في شوارع نيويورك، فقالت: «لو كنت رأيت هذه الصور قبل خمس سنوات، لكنت صدقتها بالتأكيد. هناك العديد من الأشخاص الذين لا يدركون قدرة هذه التكنولوجيا وقوتها وعندما يرون هذه الصور، وأنا متأكدة أنه سيتم توليد صور مماثلة، فهي ستؤثر على حكمهم وهذا ما سيسمح بزعزعة مؤسساتنا السياسية من الداخل بغضّ النظر عمّا قد يقوم به العملاء الخارجيون». وشدّدت توتان على أهمية فرض ضوابط بسرعة للسيطرة على التداعيات السلبية لهذه التكنولوجيا، مضيفة: «لا يمكننا الجلوس على الهامش، والأمل بالأفضل مع التكنولوجيا ثم فرض ضوابط لاحقاً».

صورة مزيفة لانفجار في البنتاغون (متداولة على مواقع التواصل)

بالإضافة إلى التلاعب بصور السياسيين وتصريحاتهم، برزت مشكلة أخرى الأسبوع المنصرم في واشنطن. فقد أدّى تداول صورة مزيفة لتفجير في البنتاغون إلى نشر الهلع، وتدهور أسهم البورصة الأميركية. وتحدّث رايان تانيللي، مراسل الشؤون القانونية في موقع «رول كول»، عن المشكلات المرتبطة بالبرامج التقنية التي حسّنها الذكاء الاصطناعي، مثل «فوتوشوب». بالإضافة إلى خطورة سرعة تداول الأخبار الكاذبة على وسائل التواصل الاجتماعي من دون التحقق من مصداقيتها. وأشار تارينيلي إلى تحذيرات مؤسس «شات جي بي تي» سامويل ألتمان، من هذه النزعة في جلسة الاستماع، فقال: «شاهدنا ألتمان يشير إلى هذه المسائل، حيث ذكر برنامج فوتوشوب. وكان هناك قلق حول أن الناس لن يمكنهم التمييز بين الحقيقة والكذب في ما يتعلّق ببرامج تقنية مثل فوتوشوب. لكنه بدا متفائلاً بقدرة الجمهور على التمييز بين ما هو حقيقي وما هو غير حقيقي، إلا أن المشرعين يشككون بهذا، ويسعون لفرض ضوابط».

ضوابط وحلول

مؤسس «تشات جي بي تي» سامويل ألتمان أمام الكونغرس في 16 مايو (أ.ف.ب)

أتت الدعوة لفرض ضوابط حكومية على لسان ألتمان بنفسه، إذ التمس المساعدة من المشرعين في جلسة الاستماع التي عقدتها اللجنة القضائية الفرعية في مجلس الشيوخ. وأشار تارينيلي إلى أن اللافت في جلسة الاستماع كان سعي المشرعين لإيجاد بعض الحلول. ومن هذه الحلول، إنشاء وكالة حكومية مستقلة لتنظيم وضبط الذكاء الاصطناعي، كما يتداول المشرعون مشروع قانون يضع علامات بيانية واضحة على الإعلانات السياسية التي أنتجت بواسطة الذكاء الاصطناعي.

وتشير توتان إلى طرح قد يحلّ جزءاً من المشكلة، وهو الإشارة إلى المحتوى الاصطناعي بطريقة تساعد على التأكد من صحة النص أو الصورة. وتفسّر توتان الحل قائلة: «اعتدنا على رؤية إعلانات من سياسيين خلال فترة الانتخابات، وفي نهاية الإعلان يصرح المرشح: أنا أوافق على ذلك. وأعتقد أننا بحاجة إلى ما يشبه ذلك للنصوص والصور، ويجب أن تكون مدمجة في التكنولوجيا نفسها، أي في الكاميرات مثلاً. ماذا لو تضمنت البيانات الوصفية للصورة مثلاً إشارة تقول: هذه الصورة التقطتها بواسطة هاتفي؛ فأضيف توقيعي عليها نوعاً ما. إذا يصبح لدينا معلومات عن مصدر الصورة».

ورأت توتان أن الطريقة الأنسب لمواجهة تزييف المحتوى هي عبر وضع علامة على المحتوى الحقيقي، بدلاً من وضع إشارة على المحتوى المزيف، مشيرةً إلى أنه إذا ما تبين مصدر الصورة أو الخبر، يصبح من الأسهل تحديد صدقيته.

زعيم الأغلبية الديمقراطية تشاك شومر طرح مشروعاً لفرض ضوابط على الذكاء الاصطناعي (أ.ف.ب)

وفي حين ينظر المشرعون في حلول وطروحات لفرض ضوابط، منها طرح لزعيم الأغلبية الديمقراطية تشاك شومر، لا يزال قيد الإنشاء، يتخوف البعض من أن السرعة الفائقة لتطور هذه التكنولوجيا تتخطى قدرة المشرعين على التصرف. وهذا ما تحدث عنه تارينيلي، الذي يغطي أخبار الكونغرس بشكل دوري، فقال: «هناك إدراك بأن مجلس الشيوخ هو مؤسسة بطيئة، خصوصاً حيال مسائل التكنولوجيا. وهذا ما يضعه في موقف ضعيف مقارنةً بالتكنولوجيا المتفاعلة». وذكّر تارينيلي بإجماع الكونغرس على ضرورة إصلاح وسائل التواصل الاجتماعي، لكن من دون أن يُتخذ أي قرار في هذا الشأن حتى الساعة.

ومن بين الطروحات المعروضة، طرح لإيلون ماسك يقضي بتجميد برامج الذكاء الاصطناعي لفترة 6 أشهر لإفساح المجال أمام سَنّ ضوابط وفرضها. لكنّ هودان عمر رفضت هذا الطرح، معتبرة أنه غير عملي. فسألت: «ما الذي سنقوم به في تلك الأشهر الستة؟ صحيح أن السياسات تتحرك بوتيرة بطيئة، لكن ما هدف الأشهر الستة؟ لماذا هذا الإطار الزمني؟ لذا من وجهة نظر عملية، لا أرى أن ذلك سيقرّبنا من النتيجة التي نرغب برؤيتها، أي وضع ضوابط هادفة تعالج الأضرار الحقيقية».

ولعلّ أبرز المشكلات التي ولّدها التلاعب بالأخبار من خلال الذكاء الاصطناعي، هو أنه ولّد شكوكاً في الأخبار الحقيقية. وتتحدث توتان عن تجربتها الشخصية في هذا الإطار قائلة: «هذا بدأ بالحصول فعلاً، فبالنسبة إليّ كفرد وكمستهلك مطّلع يعلم مدى تطور هذه التقنيات، أصبحتُ أشكّك الآن بكل صورة أراها وبكل رسالة نصية أقرأها. وأعتقد أنه يجب أن نشكك، كوننا أشخاصاً مسؤولين، وهذا ما يغيّر اللعبة في ما يتعلّق بنظام الانتخابات».

خسارة وظائف

الذكاء الاصطناعي قد يؤدي إلى خسارة وظائف كثيرة (أ.ف.ب)

ترجّح شركة «أوبن إي آي» التي تملك «تشات جي بي تي» أن 80% من القوة العاملة الأميركية ستتأثر بنسبة 10% بتطور الذكاء الاصطناعي، فيما ستتأثر 19% من القوة العاملة الأميركية بنسبة 50%. وقد أعرب أعضاء الكونغرس عن قلقهم من تأثير التكنولوجيا على الوظائف. ويشير تارينيلي إلى أن هذا القلق بات واضحاً في جلسة الاستماع التي استضافت ألتمان، قائلاً: «هو قلق طبيعي في أي نوع من الثورة الصناعية وتأثيرها المحتمل على الوظائف».

وتحدث تارينيلي عن تصريحات ألتمان التي اعترف فيها بخسارة وظائف، لكنه تحدث من الجانب الآخر عن وظائف جديدة ستخلقها هذه التكنولوجيا، مضيفاً: «يؤكد المشرفون على قطاع التكنولوجيا على الجانب الإيجابي من خلال خلق فرص عمل جديدة، لكن مما لا شك فيه أن هذه القضية ستكون عاملاً رئيسياً في المستقبل، خصوصاً في تحديد السياسات التنظيمية».

جوانب إيجابية

الذكاء الاصطناعي قد يضلِّل الناخب الأميركي (رويترز)

وفي خضم النقاش والتساؤلات حول تأثير الذكاء الاصطناعي السلبي، تُذكر هودان عمر بأوجهه الإيجابية في الأبحاث والحياة اليومية، قائلة: «بالطبع، هناك عدة أوجه إيجابية للذكاء الاصطناعي، وأعتقد أننا كمستهلكين قد لا نعلم بوجود أمور مثيرة للاهتمام يمكن استخدام الذكاء الاصطناعي فيها. مثلاً ونحن نمشي في الشارع، لا نفكر بأن وزارة النقل تستخدم الذكاء الاصطناعي لتحديد الحفرات في الشارع وإصلاح البنى التحتية. أعتقد أن أحد أسباب وجود نقاش محتدم حول سلبيات الذكاء الاصطناعي هو وجود تطبيقات تستهدف المستهلكين مثل «تشات جي بي تي»، وهي أمور يمكن أن نراها ونتفاعل معها على عكس الأمور الإيجابية التي لا يمكننا أن نراها».


مقالات ذات صلة

صحتك النظام الجديد يعتمد على تقييم سلوكيات الإدمان الأساسية (جامعة سينسيناتي)

طريقة ذكية لتشخيص إدمان المخدرات بسرعة وكفاءة

نجح باحثون في جامعة سينسيناتي الأميركية في تطوير نظام ذكاء اصطناعي مبتكر يساعد على تشخيص اضطراب تعاطي المواد المخدرة بدقة تصل إلى 84 في المائة.

«الشرق الأوسط» (القاهرة )
الولايات المتحدة​ علامة «مواد مشعة» على جانب إحدى الحاويات التي تحوي نفايات مشعة بمحطة «دونري» في اسكوتلندا (رويترز)

أميركا تريد متطوعين لاستضافة النفايات النووية إلى الأبد

تعتمد خطة إدارة الرئيس الأميركي، دونالد ترمب، لتشييد مجموعة من المفاعلات النووية الصغيرة في المستقبل؛ لتوفير الطاقة لعصر الذكاء الاصطناعي، على استراتيجية قديمة.

«الشرق الأوسط» (لندن - واشنطن)
الاقتصاد تمثيلات للعملة الرقمية «بتكوين» في هذا الرسم التوضيحي (رويترز)

بعد ملامسة الـ60 ألف دولار... البتكوين ترتد من أدنى مستوى في 16 شهراً

ارتفع سعر البتكوين، يوم الجمعة، بعد وصوله إلى أدنى مستوى له في 16 شهراً عند 60 ألف دولار، مع ظهور بوادر تراجع الضغوط العالمية على أسهم شركات التكنولوجيا.

«الشرق الأوسط» (سنغافورة )
الاقتصاد أوراق نقدية من الدولار الأميركي (رويترز)

الدولار يستقر قرب أعلى مستوى له في أسبوعين

استقر الدولار الأميركي قرب أعلى مستوى له في أسبوعين يوم الجمعة، مدعوماً بعزوف المستثمرين عن المخاطرة بعد تراجع حاد في أسواق الأسهم.

«الشرق الأوسط» (سنغافورة)

«خطوة غير مألوفة»... ترمب يستعين بعسكريين في الجهود الدبلوماسية بشأن إيران وأوكرانيا

الرئيس ‌الأميركي ‌دونالد ‌ترمب (أ.ف.ب)
الرئيس ‌الأميركي ‌دونالد ‌ترمب (أ.ف.ب)
TT

«خطوة غير مألوفة»... ترمب يستعين بعسكريين في الجهود الدبلوماسية بشأن إيران وأوكرانيا

الرئيس ‌الأميركي ‌دونالد ‌ترمب (أ.ف.ب)
الرئيس ‌الأميركي ‌دونالد ‌ترمب (أ.ف.ب)

استعان الرئيس الأميركي دونالد ترمب بقادة عسكريين في جهود دبلوماسية رفيعة المستوى، حيث أوفد القائد الأعلى للقوات الأميركية في الشرق الأوسط إلى المحادثات بشأن البرنامج النووي الإيراني، وجعل وزير الجيش مفاوضاً رئيسياً لإنهاء الحرب الروسية الأوكرانية.

وعدت شبكة «إيه بي سي نيوز» الأميركية قرار ترمب بمشاركة العسكريين في الجهود الدبلوماسية «خطوة غير مألوفة»، وقالت إن الأدميرال براد كوبر، قائد القيادة المركزية الأميركية، انضم لأول مرة إلى المحادثات الأميركية الإيرانية غير المباشرة، يوم الجمعة، في سلطنة عُمان، وظهر بزيّه العسكري الرسمي في إشارة إلى تعزيز الولايات المتحدة لقدراتها العسكرية في المنطقة.

قائد «سنتكوم» الأميرال براد كوبر خلال زيارة إلى إسرائيل بدعوة من رئيس الأركان إيال زامير لتعزيز التنسيق العسكري والشراكة الدفاعية بين الجانبين الأحد (الجيش الإسرائيلي - إكس)

وبينما استأنف وزير الجيش دان دريسكول دوره في المحادثات الروسية الأوكرانية، هذا الأسبوع، عمل على استمرار الحوار مع المسؤولين الأوكرانيين خلال فترات الراحة بين الجلسات.

وقالت إن تولي المبعوث الخاص ستيف ويتكوف وصهر ترمب، جاريد كوشنر، زمام المفاوضات الشائكة، واختيار إشراك قادة عسكريين - سواء لخبرتهم أو علاقاتهم أو للإشارة إلى خيارات أكثر صرامة - يعكس كيف قلبت الإدارة الجمهورية السياسة الخارجية والدبلوماسية الأميركية التقليدية رأساً على عقب.

وقالت إليسا إيورز، التي شغلت مناصب في الأمن القومي في إدارتي جورج دبليو بوش وأوباما، إن وضع قادة عسكريين في الخدمة الفعلية، مثل كوبر، في مناصب دبلوماسية يُظهر كيف قللت إدارة ترمب من شأن الدبلوماسيين المهرة وأدوات الدبلوماسية لصالح الاعتماد المفرط على الجيش في محاولة حل تحديات السياسة الخارجية.

وأضافت إيورز، الباحثة في شؤون الشرق الأوسط في مركز الأمن الأميركي الجديد: «غالباً ما يتطلب الأمر وقتاً وجهداً واستثماراً هائلين للوصول إلى مرحلة يمكن فيها القول إن الدبلوماسية قد نجحت».

وفي المقابل، أشارإليوت كوهين، الذي شغل منصب مستشار وزارة الخارجية في إدارة جورج دبليو بوش، إلى مشاركة جنرالات أميركيين في محادثات الحد من التسلح مع الاتحاد السوفياتي خلال الحرب الباردة.

وقال كوهين إن خطوة ترمب بإرسال دريسكول، القائد المدني الأعلى للجيش، كانت غير معتادة، لكنه أضاف: «الرؤساء يفعلون هذا النوع من الأمور».

وأوضح كوهين: «هناك تقليد عريق للرؤساء الأميركيين في استخدام شخصيات غير تقليدية كمبعوثين إذا كانوا يثقون بهم، ويعتقدون أنهم قادرون على إيصال الرسالة».

وهدفت المحادثات في سلطنة عُمان إلى تهدئة التوترات المتصاعدة بين إيران والولايات المتحدة، والتي تُبقي المنطقة على حافة الهاوية.

ووصف ترمب المحادثات بأنها «جيدة للغاية»، وأنه من المقرر عقد المزيد منها مطلع الأسبوع المقبل. لكنه حذر من أنه إذا لم تتوصل إيران إلى اتفاق بشأن برنامجها النووي، «فستكون العواقب وخيمة للغاية».

وقد هدد ترمب مراراً باستخدام القوة لإجبار إيران على التوصل إلى اتفاق، وأرسل حاملة الطائرات أبراهام لينكولن وسفناً حربية أخرى إلى المنطقة خلال حملة طهران الدموية لقمع الاحتجاجات في جميع أنحاء البلاد.

وقال مايكل أوهانلون، محلل الشؤون الدفاعية والسياسة الخارجية في معهد بروكينغز، إن حضور كوبر يهدف إلى «إظهار العزم والترهيب»، وكتب أوهانلون في رسالة بريد إلكتروني: «إن إشراك قائد القيادة المركزية الأميركية أمر غير معتاد، ويبدو أنه يهدف إلى توجيه رسالة أكثر من تعزيز قوة فريق التفاوض في المحادثات نفسها».

وأضاف أوهانلون: «لكن العلاقات متوترة وسيئة للغاية لدرجة أنني أشك في أن ذلك سيحدث فرقاً كبيراً، ما لم يجرِ الإيرانيون مراجعة جذرية لبرنامجهم النووي».

وقال مايكل سينغ، الذي شغل منصب مدير أول لشؤون الشرق الأوسط في مجلس الأمن القومي بالبيت الأبيض في عهد إدارة جورج دبليو بوش، إنه يرى أن حضور كوبر مرتبط أكثر بخبرته.

وأوضح سينغ أن ويتكوف وكوشنر ليسا خبيرين في الشأن الإيراني، بل هما شخصيتان عامتان تشاركان في محادثات دبلوماسية حول العالم، بينما يمتلك كوبر معرفة بالمنطقة وإمكانية الوصول إلى خبراء عسكريين قادرين على تقييم أي تنازلات مقترحة لبرنامج إيران النووي.

وتحدث كوبر بإسهاب عن القدرات النووية والعسكرية الإيرانية خلال جلسة استماع ترشيحه في يونيو (حزيران)، بعد وقت قصير من شن الولايات المتحدة ضربات على مواقع نووية رئيسية إيرانية.

وقال سينغ، المدير الإداري لمعهد واشنطن لسياسة الشرق الأدنى: «هذه قضايا فنية للغاية نتعامل معها. إنها ليست قضايا يمكن التعامل معها بشكل غريزي. سيتمكن الأدميرال كوبر من الوصول إلى هذه الخبرة بطريقة قد لا يمتلكها ويتكوف وكوشنر أو قد لا يختاران الوصول إليها».

و قال كوهين: «يجلب كوبر المعرفة والتهديد الضمني باستخدام القوة، وهو جزء من المفاوضات».

وفي نوفمبر(تشرين الثاني)، تم اختيار دريسكول فجأة للمفاوضات في محاولة لإنهاء الحرب الروسية المستمرة منذ ما يقرب من 4 سنوات في أوكرانيا، وكانت المحادثات آنذاك قد تعثرت، واستغل دريسكول رحلةً إلى أوكرانيا للقاء الرئيس فولوديمير زيلينسكي ومسؤولين حكوميين وعسكريين رفيعي المستوى ومنذ ذلك الحين، شارك دريسكول في عدة جولات تفاوضية أخرى، بما في ذلك جولة أبوظبي هذا الأسبوع.

وقال مصدر مُطّلع على المفاوضات إن دور دريسكول تمحور حول التنسيق بين الأوكرانيين ومسؤولي إدارة ترمب، مثل ويتكوف وكوشنر.

الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي (يسار) يصافح وزير الجيش الأميركي دان دريسكول (أ.ف.ب)

وأوضح المصدر أن العلاقة مع الأوكرانيين كانت ثمرة قدرة دريسكول على استمرار الحوار بين جولات التفاوض، فضلاً عن خبرته العسكرية كقائد وضابط سابق في الجيش.

وخدم دريسكول كضابط مدرعات لأكثر من 3 سنوات، وحصل على رتبة ملازم أول. خدم في العراق من أكتوبر (تشرين الأول) 2009 إلى يوليو (تموز) 2010.

في أبوظبي، انضم إليه الجنرال الأميركي أليكسوس غرينكويتش، قائد القوات الأميركية وقوات حلف شمال الأطلسي في أوروبا، والذي أسهم في التفاوض على إعادة إطلاق حوار عسكري رفيع المستوى بين الولايات المتحدة وروسيا لأول مرة منذ 4 سنوات وجاء في بيان عسكري أميركي أن هذا الحوار «سيوفر اتصالاً عسكرياً مستمراً بين الطرفين في إطار مساعيهما لتحقيق سلام دائم».


لماذا تبدو عتبة النووي العالمي أخطر مما كانت عليه؟

الرئيس الأميركي باراك أوباما ونظيره الروسي دميتري ميدفيديف يتصافحان بعد توقيع معاهدة «نيو ستارت» في براغ يوم 8 أبريل 2010 (أ.ب)
الرئيس الأميركي باراك أوباما ونظيره الروسي دميتري ميدفيديف يتصافحان بعد توقيع معاهدة «نيو ستارت» في براغ يوم 8 أبريل 2010 (أ.ب)
TT

لماذا تبدو عتبة النووي العالمي أخطر مما كانت عليه؟

الرئيس الأميركي باراك أوباما ونظيره الروسي دميتري ميدفيديف يتصافحان بعد توقيع معاهدة «نيو ستارت» في براغ يوم 8 أبريل 2010 (أ.ب)
الرئيس الأميركي باراك أوباما ونظيره الروسي دميتري ميدفيديف يتصافحان بعد توقيع معاهدة «نيو ستارت» في براغ يوم 8 أبريل 2010 (أ.ب)

لم يكن حديث الرئيس الأميركي دونالد ترمب عن إعادة النظر في «التزامات» أميركا النووية مجرَّد سجال داخلي حول تكلفة الردع أو «لياقة» التعهدات. الجديد هذه المرة أن مسؤولين أميركيين انتقلوا من لغة التحذير إلى لغة الإجراء: اتهامٌ مباشر للصين بإجراء تفجير نووي سري عام 2020، وتأكيدٌ على أن واشنطن تستعد لاستئناف أنشطة/ اختبارات نووية «أسوة بالآخرين»، في لحظة يتفكك فيها آخر قيدٍ تعاقدي كبير على أكبر ترسانتين نوويتين في العالم، بعد انتهاء «نيو ستارت» في 5 فبراير (شباط) 2026.

هذه التطورات لا تعني تلقائياً أن العالم يتجه غداً إلى سلسلة تفجيرات نووية فوق الأرض على غرار الخمسينيات. ولكنها تعني، وبشكل ملموس، أن «القواعد غير المكتوبة» التي خفَّضت أخطار سوء التقدير خلال نصف قرن تتآكل بسرعة، وأن فكرة «العودة إلى التجربة» تُستخدم الآن كأداة ضغط تفاوضي وكإشارة ردعية في آن واحد. وهو خليط شديد الحساسية في بيئة استراتيجية مزدحمة بالشكوك والحروب بالوكالة، وتنافس القوى الكبرى.

اتهامات واشنطن

في مؤتمر نزع السلاح بجنيف، قال توماس دي نانو، إن الحكومة الأميركية «تدرك» أن الصين نفَّذت «اختباراً نووياً تفجيرياً» بعائدٍ مُنتِج في 22 يونيو (حزيران) 2020. واتهم بكين أيضاً بالتحضير لاختبارات بعوائد «في حدود مئات الأطنان»، وبالتلاعب ببيئة الرصد الزلزالي لإخفاء آثارها، مبرراً ذلك بالحاجة إلى «خطوات موازية» مع روسيا والصين، مع تآكل وقف التجارب غير الرسمي.

في المقابل، ردَّت منظمة معاهدة الحظر الشامل للتجارب النووية، بأن منظومة الرصد الدولية التابعة لها لم تسجل حدثاً يطابق خصائص تفجير نووي في التاريخ الذي حددته واشنطن، وأن التحليلات اللاحقة لم تغيِّر تلك الخلاصة.

من مناورات صينية قرب تايوان في 25 ديسمبر 2025 (رويترز)

حسب محللين، هذا التباين مهم؛ لأنه يكشف جوهر المعضلة: حتى لو وُجد نشاط منخفض العائد أو «مناطق رمادية» تقنية، فقد لا يكون قابلاً للحسم علناً بالأدلة المتاحة للجمهور، ما يفتح الباب أمام توظيف الاتهامات في السياسة والردع، ويقلص مساحة الثقة الضرورية لأي ضبط تسلح. ويؤكد هؤلاء على أن الخطاب الدائر يخلط أحياناً بين ثلاثة مستويات:

التفجير النووي الكامل: يولِّد تفاعلاً متسلسلاً ذاتي الاستدامة، وعائداً تفجيرياً واضحاً. هذا هو جوهر ما تحظره معاهدة الحظر الشامل للتجارب إذا دخلت حيز النفاذ، وهو أيضاً ما تحاول الأعراف الدولية منعه منذ التسعينيات.

أرشيفية لصاروخ باليستي عابر للقارات روسي من طراز «توبول إم» يعبر الساحة الحمراء خلال عرض عسكري في موسكو (أ.ف.ب)

اختبارات منخفضة العائد/ شديدة الانخفاض: وقد تكون أصعب كشفاً، ويمكن -حسب خبراء- التحايل على رصدها عبر ظروف جيولوجية، أو غرف معدنية، أو تقنيات «فك الارتباط» التي تخفف الإشارة الزلزالية. هذا ما يجعل الاتهام الأميركي للصين شديد الحساسية، حتى لو لم تُعلن واشنطن أدلة تفصيلية.

شي في الذكرى الثمانين لانتصار الصين (روسترز)

اختبارات «دون حرجة»: تُجرى دون الوصول إلى تفاعل متسلسل ذاتي الاستدامة، وتعدُّها بعض الدول ضمن «المنطقة الرمادية»؛ لأنها لا تنتج عائداً تفجيرياً نووياً قابلاً للرصد بالمعايير نفسها. هنا تكمن مساحة التلاعب السياسي؛ حيث يمكن لحكومة ما أن تقول إنها «عادت للاختبار» بينما تقصد توسيع نشاطات دون حرجة، ويمكن لخصومها أن يقرأوا ذلك ككسرٍ للمحظور وتوطئة لتفجيرات حقيقية.

لذلك، عندما يقول مسؤولون إن واشنطن «ستبدأ أنشطة الاختبارات النووية»، يبقى السؤال العملي: هل نتحدث عن تفجيرات نووية فعلية لأول مرة منذ 1992؟ أم عن توسيع أنشطة تحت العتبة؟ الغموض قد يكون مقصوداً؛ لأنه يمنح الردع مرونة، ولكنه يرفع أيضاً أخطار سوء الفهم.

شي وبوتين في الذكرى الثمانين لانتصار الصين على اليابان (إ.ب.أ)

فراغ ما بعد «نيو ستارت»

انقضاء «نيو ستارت» يعني فقدان سقفٍ مُتحقق على الرؤوس الحربية الاستراتيجية المنشورة، وفقدان ما تبقى من قابلية التنبؤ المتبادل بين واشنطن وموسكو. والأهم: أنه يخلق «فراغاً تعاقدياً» تتسابق داخله ثلاث قوى (الولايات المتحدة، وروسيا، والصين) على تحديث الترسانات وقدرات الإيصال والأنظمة الجديدة التي لم تُصمم لها معاهدات العقدين الماضيين.

في هذا السياق، يدفع فريق إدارة ترمب نحو «اتفاق أوسع» يشمل الصين، بينما ترفض بكين الانضمام، بحجة أن ترسانتها أصغر بكثير من ترسانتَي واشنطن وموسكو، رغم نموها السريع.

الأرقام تُظهر لماذا يعتقد كل طرف أنه محق: تقديرات معهد استوكهولم الدولي لبحوث السلام تشير إلى أن الولايات المتحدة وروسيا تمتلكان معاً نحو 90 في المائة من الرؤوس النووية العالمية، بينما تملك الصين ما لا يقل عن 600 رأس، وتُعد الأسرع نمواً.

أرشيفية من القوات الجوية الأميركية لصاروخ «مينيوتمان 3» الباليستي العابر للقارات خلال إطلاقه من قاعدة «فاندنبرغ» في كاليفورنيا (أ.ف.ب)

التداعيات على «التوازن» والسلام العالمي

عودة الحديث عن التجارب النووية لم تعد مسألة تقنية، بقدر ما هي رسالة سياسية بأن قيود الضبط تتآكل، وأن القوى الكبرى تريد مساحة أوسع لتحسين التصاميم، ورفع موثوقية الترسانات، وربما تطوير أنظمة جديدة. في هذا المناخ يصبح الردع أقرب إلى التخمين؛ لأن الغموض حول قدرات الخصم يزداد، فتغدو التجارب أو التلويح بها عامل تصعيد. ومع انحسار قنوات التحقق والمعايير المشتركة ترتفع أخطار سوء التقدير، وسوء تفسير المناورات والحوادث، وهو ما حذَّر منه أنطونيو غوتيريش، أمين عام الأمم المتحدة، مع اقتراب انقضاء «نيو ستارت». كما يضغط ذلك على نظام عدم الانتشار عبر إضعاف «المحرّم» الأخلاقي للاختبار، ويهز ثقة الحلفاء في الردع الموسّع، ما قد يطلق سباق ضمانات وتسليح متعدد المحاور.

الزعيم الكوري الشمالي يشرف على تجارب صاروخية (إ.ب.أ)

المدافعون عن نهج إدارة ترمب يجادلون بأن إدخال الصين في أي إطار جديد ضرورة واقعية، وأن الحديث عن التجارب والقدرات يهدف إلى منع «التحايل السري» وإجبار الخصوم على طاولة تفاوض أكثر شمولاً.

في المقابل، ينتقد آخرون فكرة ترك اتفاق قائم وقابل للتحقق مقابل هدف تفاوضي قد يكون بعيد المنال، ويحذرون من أن الاتهامات غير المدعومة علناً؛ خصوصاً مع نفي منظومة الرصد الدولية، قد تتحول إلى ذريعة لسباق غير مضبوط.


لماذا يصرّ ترمب على إعادة تسمية المعالم؟

الرئيس الأميركي دونالد ترمب (أ.ف.ب)
الرئيس الأميركي دونالد ترمب (أ.ف.ب)
TT

لماذا يصرّ ترمب على إعادة تسمية المعالم؟

الرئيس الأميركي دونالد ترمب (أ.ف.ب)
الرئيس الأميركي دونالد ترمب (أ.ف.ب)

في آخر جهود الرئيس الأميركي دونالد ترمب لوضع اسمه على بعض المعالم التاريخية، نقلت وسائل إعلام أن ترمب أبلغ زعيم الأقلية في مجلس الشيوخ، السيناتور الديمقراطي تشاك شومر، الشهر الماضي أنه مستعد أخيراً لرفع التجميد عن تمويل فيدرالي ضخم لمشروع نفق القطارات «غايت واي» تحت نهر هدسون، لكن بشرطٍ غير مألوف: أن تُسمّى محطة بنسلفانيا في المدينة ومطار واشنطن دالاس الدولي باسمه.

رُفض الطلب سريعاً، لكن في الأسابيع التي تلت ذلك، استمر ترمب في حجز أكثر من 16 مليار دولار، وتحوّل الملف إلى نزاع قضائي بين ولايتي نيويورك ونيوجيرسي والإدارة الأميركية. وحذرت اللجنة المسؤولة عن النفق من أنها ستضطر قريباً لوقف العمل في المشروع وتسريح نحو ألف عامل إذا لم تُفرج إدارة ترمب عن التمويل اللازم.

يعود تاريخ بناء النفق إلى ما قبل عودة ترمب إلى منصبه، حيث تلتزم الحكومة الفيدرالية بتغطية جزء كبير من التمويل اللازم لإكماله. لكن ترمب تحرك لوقف المشروع أواخر العام الماضي، وهو قرار جادل مسؤولون ديمقراطيون في نيوجيرسي ونيويورك بأنه كان بدوافع سياسية.

الرئيس دونالد ترمب محاطاً بعدد من المشرعين في البيت الأبيض بواشنطن (أ.ف.ب)

لعب السيناتور شومر منذ ذلك الحين دوراً مركزياً في محاولة التفاوض لفك تجميد الأموال. ومع ذلك، وعلى الرغم من تلك الأولوية، لا يوجد الكثير مما يمكن للديمقراطي فعله بمفرده لوضع اسم ترمب على المحطة أو المطار.

وبينما قدم بعض المشرعين المحافظين بالفعل تشريعاً لإعادة تسمية مطار دالاس ليصبح «مطار دونالد جي ترمب الدولي»، فإن المقترح لم يلقَ زخماً كبيراً حتى الآن؛ حيث لم يتقدم التشريع في الكونغرس الذي يسيطر عليه الجمهوريون، وبالتالي لا يزال من غير المرجح تمريره.

ترمب وسياسة «الاسم»

قصة «المحطة والمطار» لا تبدو حادثة يتيمة، بل حلقة ضمن نمط أوسع منذ عودته إلى البيت الأبيض: دفعٌ منهجي لإلصاق اسمه بمؤسسات عامة وبرامج وسياسات، كأن العلامة التجارية امتدادٌ للدولة. فخلال الأشهر الماضية ظهر اسمه على مبادرات حكومية تحمل ختماً تسويقياً واضحاً مثل «ترمب آر إكس»، وهو الموقع الذي تقول الإدارة إنه يسهّل الوصول إلى أسعار أقل للأدوية، وعلى برنامج إقامة/هجرة استثماري تحت مسمى «ترمب غولد كارد»، وبارجة جديدة من «طراز ترمب» تهدف إلى ترسيخ حقبة سياسته الخارجية القائمة على «السلام من خلال القوة» لسنوات قادمة.

الرئيس الأميركي دونالد ترمب متحدثاً خلال إطلاق موقع طبي يحمل اسمه (إ.ب.أ)

وفي الأشهر الأخيرة، وضع ترمب عينيه على أهداف أكبر، متجهاً إلى «جوائز» رمزية: إضافة اسمه إلى المعهد الأميركي للسلام عبر إعادة تسميته رسمياً بقرار/إعلان من الإدارة، في خطوة أثارت جدلاً حول الصلاحيات والمعنى السياسي للتسمية. كما اندلع جدل مشابه بعد إضافة اسمه إلى مركز كينيدي الشهير في واشنطن، وسط اعتراضات ديمقراطية وتساؤلات قانونية حول حاجة أي تغيير رسمي لتشريع من الكونغرس.

لماذا يصرّ على تغيير الأسماء؟

تقليدياً، تُسمّى المطارات والجسور والمراكز الرئاسية بأسماء رؤساء بعد مغادرتهم المنصب، وبعد توافقٍ تشريعي أو مجتمعي. الجديد هنا ليس حبّ الخلود، بل محاولة «تعجيل» الخلود وهو في السلطة، وبأسلوبٍ تبادلي: اسمٌ مقابل قرار أو مال. محاولة ربط اسم الرئيس بتمويل مشروع عام تبدو، في نظر خصومه، إعادة تعريف لفكرة الخدمة العامة بوصفها رافعةً لشخصنة الدولة.

وحين يطلب من خصومه أو حتى من حلفائه مجاراة مطلب غير مألوف، فهو يدفعهم إلى أحد خيارين: إما الرضوخ (فيبدو أنه قادر على «إخضاع النظام»)، وإما الرفض (فتتحول المعركة إلى عرضٍ سياسي يقدمه لجمهوره: «هم يعرقلون، وأنا أبني»). في ملف النفق، يتحول الخلاف على التسمية إلى بندٍ إضافي يشرعن إبقاء الضغط على حكومات الولايات والديمقراطيين في نيويورك ونيوجيرسي.

زعيم الأقلية الديمقراطية في مجلس النواب الأميركي حكيم جيفريز يتحدث خلال مؤتمر صحافي في مبنى الكابيتول الأميركي (أ.ف.ب)

التسمية قضية سريعة الاشتعال، تجرّ الإعلام والمعارضة إلى سجال رمزي (هل يحق؟ هل هو لائق؟)، بينما تبقى الأسئلة الأثقل: التمويل، الأولويات، أثر التجميد على الوظائف... أقل حضوراً في المشهد اليومي. ومع ذلك، هذه الاستراتيجية تحمل مخاطرة: عندما يصبح «الاسم» شرطاً لإطلاق «البنى التحتية»، يسهل على الخصوم تأطير القصة كابتزازٍ سياسي.

أنصاره يرون فيها تحدياً «للنخب»

«سياسة الاسم» ليست تفصيلاً شكلياً. إنها اختبارٌ لطبيعة السلطة: هل تُستخدم أدوات الدولة لبناء ذاكرة وطنية مشتركة، أم لبناء لوحة اسمٍ واحدة تُعلّق فوق الجميع؟

ما يريد إثباته، وفق هذا النمط، هو أن الدولة يمكن أن تُدار بمنطق العلامة التجارية: إنجازاتٌ تُعنون باسمه كي تُقرأ تاريخياً بوصفها «عصر ترمب»، لا مجرد سياسات جمهورية. وما قد «يخفيه» هي هشاشة الإنجاز حين يفتقر للتوافق، الاسم يصبح بديلاً رمزياً عن إجماعٍ مؤسسي، أو غطاءً لمعركة نفوذ مع الكونغرس والولايات والمحاكم.

هذه المعارك قد تعمل على مستوى القاعدة كوقود تعبوي، أنصاره يرون فيها تحدياً «للنخب» واستعادة للهيبة. وعلى مستوى المستقلين والمعتدلين، قد تبدو كفائض نرجسية أو تسييس للخدمات العامة، خصوصاً عندما تُربط التسمية بأموال وبنى تحتية.

الرئيس دونالد ترمب يرقص خلال مناسبة في أيوا (إ.ب.أ)

أما الحزب الجمهوري، فيقف بين إغراء مسايرة زعيمه، وتكلفة الظهور كمن يضع الاسم فوق الوظيفة العامة؛ لذا لا غرابة أن مشاريع مثل إعادة تسمية مطار العاصمة واشنطن، طُرحت تشريعياً لدى بعض الجمهوريين لكنها لا تبدو سالكة بسهولة.

Your Premium trial has ended