موسكو ومينسك تطلقان عملية نشر أسلحة نووية في بيلاروسيا

الأمن الروسي أحبط هجمات على منشآت ذرية... و«فاغنر» تستعد للانسحاب من باخموت

وقع وزيرا الدفاع الروسي والبيلاروسي وثائق تحدد إجراءات مشتركة  لنشر الأسلحة وتنظم آليات وضعها تحت سيطرة القوات الروسية المنتشرة على أراضي بيلاروسيا (أ.ف.ب)
وقع وزيرا الدفاع الروسي والبيلاروسي وثائق تحدد إجراءات مشتركة لنشر الأسلحة وتنظم آليات وضعها تحت سيطرة القوات الروسية المنتشرة على أراضي بيلاروسيا (أ.ف.ب)
TT

موسكو ومينسك تطلقان عملية نشر أسلحة نووية في بيلاروسيا

وقع وزيرا الدفاع الروسي والبيلاروسي وثائق تحدد إجراءات مشتركة  لنشر الأسلحة وتنظم آليات وضعها تحت سيطرة القوات الروسية المنتشرة على أراضي بيلاروسيا (أ.ف.ب)
وقع وزيرا الدفاع الروسي والبيلاروسي وثائق تحدد إجراءات مشتركة لنشر الأسلحة وتنظم آليات وضعها تحت سيطرة القوات الروسية المنتشرة على أراضي بيلاروسيا (أ.ف.ب)

أكملت موسكو ومينسك ترتيبات للشروع بنشر أسلحة نووية روسية على أراضي البلد الجار، ووقع وزيرا الدفاع الروسي والبيلاروسي وثائق تحدد إجراءات مشتركة لنشر الأسلحة وتنظم آليات وضعها تحت سيطرة القوات الروسية المنتشرة على أراضي بيلاروسيا. وكان الرئيس الروسي وقع قبل شهرين مرسوماً خاصاً بنشر قدرات نووية غير استراتيجية في بيلاروسيا، في إطار «مواجهة التحديات المتفاقمة لدولة الاتحاد».

وبدأ الطرفان مباشرة بعد ذلك في وضع ترتيبات، كان بينها الشروع بتدريب طيارين في بيلاروسيا على استخدام السلاح النووي، وإدخال تعديلات على مقاتلات يمتلكها الجيش البيلاروسي لجعلها قادرة على حمل أسلحة نووية تكتيكية.

وسار الطرفان الخميس خطوة نهائية نحو إكمال الترتيبات عبر توقيع الوثائق الجديدة التي حددت تفاصيل التحرك المشترك في هذا الشأن، ووضعت أساساً قانونياً للشروع بنقل أسلحة تكتيكية وتخزينها في مستودعات خاصة تم تحضيرها أخيراً لهذا الغرض.

وأفادت وزارة الدفاع البيلاروسية في بيان بأنه «تم، خلال الاجتماع، التوقيع على وثائق تحدد إجراءات الاحتفاظ بالأسلحة النووية الروسية غير الاستراتيجية في منشأة تخزين خاصة على أراضي جمهورية بيلاروسيا».

وبات معلوماً أن وزير الدفاع الروسي سيرغي شويغو بحث بشكل مفصل مع نظيره الأوكراني فيكتور خرينين، بعد توقيع الوثائق: «الوضع العسكري السياسي وقضايا التعاون العسكري الفني بين وزارتي الدفاع».

وقال الوزير الروسي إن بلاده «لا تنقل الأسلحة النووية التكتيكية المخزنة على أراضي بيلاروسيا إلى سيطرة جيش بيلاروسيا، وإنما التحكم بها وملكيتها وقرار استخدامها يبقى بيد موسكو»، منوهاً بأن الإجراءات التي نفذتها روسيا وبيلاروسيا «تتوافق مع جميع الالتزامات القانونية الدولية القائمة». كما أشار شويغو إلى أنه «في المستقبل، يمكن اتخاذ إجراءات إضافية لضمان أمن دولة الاتحاد والاستجابة للوضع العسكري والسياسي».

وأضاف شويغو: «اليوم نحن معاً نقاوم الغرب الجماعي الذي يشن حرباً غير معلنة بشكل أساسي ضد بلادنا... النشاط العسكري لـ(حلف شمال الأطلسي) قد اتخذ الاتجاه الأكثر عدوانية».

وأوضح أنه «يجري تنفيذ مجموعة من الإجراءات لزيادة الاستعداد القتالي للقوات المسلحة المشتركة للتحالف في أوروبا الشرقية. ويجري نشر وحدات عسكرية إضافية وبنية تحتية عسكرية، كما يتم تفعيل أنشطة التدريب القتالي والاستطلاع بالقرب من حدود دولة الاتحاد».

قوات بيلاروسية (أ.ب)

وكان شويغو وصل إلى مينسك الخميس للمشاركة في اجتماع مجلس وزراء دفاع دول منظمة معاهدة الأمن الجماعي، ويناقش المشاركون التحديات والتهديدات الإقليمية، وقضايا تحسين نظام الاستجابة للأزمات، بالإضافة إلى عدد من القضايا المشتركة.

ويشارك في الاجتماع وزراء دفاع الدول الأعضاء في منظمة معاهدة الأمن الجماعي، والأمين العام ورئيس هيئة الأركان المشتركة للمنظمة.

وتضم منظمة معاهدة الأمن الجماعي، روسيا وأرمينيا وبيلاروسيا وكازاخستان وقرغيزستان وطاجيكستان.

وقال شويغو خلال الاجتماع إن قرار روسيا وبيلاروسيا بشأن الإجراءات المشتركة في المجال العسكري النووي جاء في سياق تصعيد حاد للغاية للتهديدات على الحدود الغربية للبلدين.

وأشار إلى أن الطرفين أنجزا عملية تسليم مينسك نظام الصواريخ العملياتية والتكتيكية من طراز «إسكندر»، الذي يمكنه استخدام الصواريخ التقليدية والنووية على حد سواء، كما تم إدخال تعديلات على مقاتلات من طراز «سوخوي 25» التي اشترتها بيلاروسيا من روسيا لجعلها قادرة على الاستخدام المحتمل للأسلحة النووية.

وقال شويغو إن «الجنود البيلاروسيين تلقوا التدريب اللازم في مراكز التدريب الروسية».

اللافت أن الإعلان الروسي رسمياً عن بدء نشر الأسلحة النووية التكتيكية على أراضي البلد الجار، تزامن مع كشف الأجهزة الأمنية الروسية تفاصيل عن إحباط هجوم تخريبي استهدف منشآت نووية داخل أراضي الاتحاد الروسي أخيراً.

وأعلنت هيئة (وزارة) الأمن الفيدرالي الروسي، اليوم (الخميس)، أن قواتها تمكنت من إحباط عملية تخريبية دبرتها المخابرات الأوكرانية كانت تستهدف محطتين للطاقة النووية، وكان من المخطط تنفيذها يوم 9 مايو (أيار) أثناء انشغال روسيا بالاحتفال بذكرى النصر على النازية.

وقال مكتب الاتصال التابع لجهاز الأمن الفدرالي إنه تم اعتقال عنصرين من المجموعة كانا يستعدان لتنفيذ الهجوم، واثنين من المتعاونين معهما. وأوضح أن «مجموعة إرهابية تخريبية تابعة لجهاز المخابرات الخارجية الأوكراني حاولت تخريب أكثر من 30 خط طاقة عالي التوتر تغذي محطتي لينينغراد وكالينين».

ووفقا لجهاز الأمن الفدرالي الروسي، فإن هذه الخطة كانت تهدف إلى إغلاق المفاعلات النووية وتعطيل التشغيل العادي لمحطة الطاقة النووية، وإلحاق أضرار بالاقتصاد الروسي وسمعة روسيا في هذا المجال.

ميدانياً أسقطت الدفاعات الجوية 6 طائرات مسيّرة ليل الأربعاء الخميس فوق شبه جزيرة القرم التي ضمّتها روسيا عام 2014، وفق ما أعلنت السلطات المحلية المعيّنة من موسكو.

وكتب الحاكم سيرغي أكسيونوف عبر «تلغرام» أنه «خلال الليلة الماضية، تم إسقاط أو شلّ حركة 6 طائرات مسيّرة... في مقاطعات مختلفة من القرم»، مشيراً إلى أن ذلك «لم يؤدِ إلى سقوط ضحايا أو جرحى». ويأتي الهجوم بعد عملية توغل نفّذتها مجموعات تسللت من أوكرانيا إلى داخل الأراضي الروسية عند حدود البلدين.

وقعت عملية التوغل الاثنين في بلدات عدة في منطقة بلغورود... وتبنّتها مجموعات روسية مسلحة تتخذ من أوكرانيا مقراً لها (أ.ف.ب)

ووقعت عملية التوغل، الاثنين، في بلدات عدة بمنطقة بلغورود، وتبنّتها مجموعات روسية مسلحة تتخذ من أوكرانيا مقراً لها، قائلة إنها تريد أن تستهدف «سلطة» الرئيس فلاديمير بوتين. ومنذ ذلك الحين، تعرضت بلغورود لسلسلة هجمات بطائرات مسيّرة، وفق ما أكدت السلطات المحلية. وشهدت الهجمات وأعمال التخريب التي تطال مناطق روسية تزايداً في الآونة الأخيرة، مع تأكيد أوكرانيا أنها تستعد لشنّ هجوم مضاد يهدف إلى استعادة أراضٍ تسيطر عليها القوات الروسية في شرق البلاد وجنوبها.

قوة عسكرية أوكرانية قريباً من باخموت.

وأعلن مؤسس مجموعة «فاغنر»، يفغيني بيرغوجين، أن وحداته القتالية سوف تبدأ الانسحاب من مدينة أرتيوموفسك (باخموت) بعد أن أنجزت مهمة تحريرها. وبعد مرور يوم واحد على ظهور لافت لبريغوجين تحدث فيه عن خسائر كبيرة تكبدتها قواته أثناء معركة باخموت التي استمرت 224 يوماً، وقال إن «فاغنر» فقدت نحو خُمس مقاتليها؛ بما يعادل 20 ألف قتيل، عاد بريغوجين للظهور مجدداً في شريط فيديو تم تسجيله في وقت مبكر من صباح الخميس، وقال إن قواته سوف تبدأ الانسحاب من المدينة إلى الخطوط الخلفية، وسوف تنهي عملية الانسحاب قبل حلول مطلع يونيو (حزيران).

وكان بريغوجين أثار ضجة كبرى أخيراً، عندما اتهم وزارة الدفاع بالتخاذل في دعم قواته بالسلاح، وحمَّل وزير الدفاع ورئيس الأركان مسؤولية شخصية عن مقتل عناصره.

مؤسس مجموعة «فاغنر» يفغيني بيرغوجين مع جنوده... وقال إن وحداته القتالية سوف تبدأ الانسحاب من باخموت بعد أن أنجزت مهمة تحريرها (رويترز)

اللافت أن هذا التطور تزامن مع إعلان سلطات دونيتسك الموالية لموسكو أنها تتوقع أن «تحاول القوات المسلحة الأوكرانية استعادة أرتيموفسك»، وفقاً لما ذكره جان جاجين، رئيس دونيتسك. وأوضح أن القوات الأوكرانية ما زالت تحشد قوات و«لا يزال هناك تراكم خطير للجيش والمعدات الأوكرانية على مقربة من باخموت».

وزاد: «أعتقد أن قرار محاولة استعادة المدينة لم يُتخذ بعد. لكنه يبدو محتملاً جداً. ومدى نجاح كييف في خططها محاط بأسئلة كثيرة، لأنه ليس فقط المدينة بأكملها، ولكن جميع الطرق المؤدية إليها تخضع لسيطرة مدفعيتنا وطائراتنا».


مقالات ذات صلة

شطب زيلينسكي من المعادلة يبدو صعباً... والتسوية المرتقبة ليست قريبة

حصاد الأسبوع من لقاء زيلينسكي وويتكوف في أوسلو بحضور رئيس فنلندا ستب ووزير خارجية النرويج غار ستوره (أ.ف.ب)

شطب زيلينسكي من المعادلة يبدو صعباً... والتسوية المرتقبة ليست قريبة

منذ أن أعلن الرئيس الأميركي دونالد ترمب عن «صفقة الديزل» مع روسيا، بدا أن الحرب الروسية - الأوكرانية دخلت منعطفاً جديداً عنوانه إعادة النظر في أولويات الأطراف

رائد جبر (موسكو)
حصاد الأسبوع بوتين... المستفيد الأكبر (أ.ف.ب)

جولات ويتكوف... و«سيناريوهات» الحوار

قد يكون المشهد الحالي للأزمة الأوكرانية، بالإضافة إلى المواقف الأوروبية المتشددة حيال مسألة الضغط على الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي، بين أسباب مراجعة

أوروبا عناصر الإنقاذ في موقع مبنى متضرر من هجوم روسي على خاركيف بأوكرانيا (أ.ب) p-circle

أوكرانيا وروسيا تعلنان التزام «هدنة ميلانيا ترمب» في أوليشكي

أعلن الجيشان الأوكراني والروسي، الجمعة، الالتزام بهدنة في مدينة أوليشكي الواقعة في منطقة خيرسون، ابتداءً من الثلاثاء، بهدف ضمان تنفيذ عملية إنسانية فيها.

«الشرق الأوسط» (كييف)
شؤون إقليمية جانب من الاجتماع الثماني لمجموعتي «آر 4» و«إي 3» في إسطنبول (الخارجية التركية)

تحرك إقليمي ودولي لاحتواء أزمات المنطقة

بحث 8 وزراء خارجية من الشرق الأوسط وأوروبا وآسيا خلال اجتماع في إسطنبول، الجمعة، محادثات غير مسبوقة حول حرية الملاحة في مضيق هرمز، وملفات إقليمية ودولية.

سعيد عبد الرازق (أنقرة)
أوروبا إيلون ماسك (رويترز) p-circle

ترمب يعيد خدمة ستارلينك لأوكرانيا... ولا يبدد الشكوك في رهانه على بوتين

ترمب يعيد خدمة ستارلينك لأوكرانيا، ولا يبدد الشكوك في رهانه على بوتين، وكييف توقع مع شركتين من فنلندا لتطوير نظام اتصالات بالأقمار الاصطناعية خاص بها.

إيلي يوسف (واشنطن)

فرنسا على حافة الانفجار... ديون تحاصر الدولة ورفاه بات مستحيلاً

شرطة مكافحة الشغب تستخدم خراطيم المياه لتفريق طلاب محتجين في رين بغرب فرنسا (أ.ب)
شرطة مكافحة الشغب تستخدم خراطيم المياه لتفريق طلاب محتجين في رين بغرب فرنسا (أ.ب)
TT

فرنسا على حافة الانفجار... ديون تحاصر الدولة ورفاه بات مستحيلاً

شرطة مكافحة الشغب تستخدم خراطيم المياه لتفريق طلاب محتجين في رين بغرب فرنسا (أ.ب)
شرطة مكافحة الشغب تستخدم خراطيم المياه لتفريق طلاب محتجين في رين بغرب فرنسا (أ.ب)

لم تعد الأزمة الفرنسية موجة احتجاجات اجتماعية عابرة، أو تعثّراً اقتصادياً يمكن احتواؤه بإجراءات عاجلة؛ فالتطورات المتلاحقة تكشف أزمة متعددة الأوجه، يتقاطع فيها ضعف المالية العامة مع تصاعد الغضب الشعبي، وشلل المؤسسات السياسية، وتراجع الثقة بقدرة الدولة على الوفاء بالتزاماتها. وبينما تستعد فرنسا لاستحقاق رئاسي حاسم في ربيع 2027، تتزايد المخاوف من أن تتحول هذه العوامل المتراكمة إلى تهديد خطير لاستقرار الجمهورية الخامسة، ولمكانة البلاد داخل الاتحاد الأوروبي وفي العالم.

زائرون ينتظرون خارج متحف اللوفر في باريس الذي أغلقه محتجون (إ.ب.أ)

في شوارع مدن وبلدات عديدة، تتعدد مظاهر الاحتقان؛ فقد شهدت البلاد احتجاجات صاخبة على تدهور أوضاع المدارس الحكومية ونقص المدرّسين، وانضم موظفون وعاملون في القطاع العام إلى التحركات اعتراضاً على تجميد الأجور. وقبل ذلك، أغلق صيادون موانئ ومحطات للوقود احتجاجاً على ارتفاع أسعار الديزل. ولم تتوقف التطورات عند المظاهرات؛ إذ شهدت مدن فرنسية أعمال شغب ونهب وتخريب، أسفرت عن أضرار مادية كبيرة ومئات الإصابات والتوقيفات، في مشهد يعكس اتساع الهوة بين قطاعات من المجتمع ومؤسسات الدولة.

واكتملت الصورة بعودة «السترات الصفر» إلى الساحة، بعد «استراحة» استمرت سنوات، علماً بأن أحداً لا يعلم أين كان هؤلاء الذين عرقلوا الولاية الأولى لإيمانويل ماكرون، ومن هم قادتهم... والمهم أن «تحالف الشارع» في وجه السلطة صار مكتمل الأركان وعلى أتمّ الاستعداد لمواصلة «المعركة».

محتجون مقنعون قرب دراجات تحترق في ساحة الجمهورية بباريس (رويترز)

ووسط فسيفساء المطالب، تجمع التحركات أزمة أعمق تتعلق بتراجع القدرة الشرائية، وتآكل الثقة بالخدمات العامة، والشعور بأن النموذج الاجتماعي الفرنسي لم يعد قادراً على توفير الوعود التي ارتبطت به لعقود؛ فالدولة التي اعتاد مواطنوها الاستفادة من شبكة واسعة من الحماية الاجتماعية، تواجه اليوم سؤالاً صعباً: كيف يمكن الحفاظ على هذه المكتسبات في ظل ارتفاع تكلفة تمويلها وتزايد أعباء الدين؟

* الدَّين يضيّق هامش المناورة

لا شك في أن المالية العامة تحتل موقعاً مركزياً في الأزمة؛ فقد اقترب الدين العام الفرنسي (4 تريليونات دولار) من 119 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي (3.55 تريليونات دولار)، فيما يتباطأ الاقتصاد إلى مستويات نمو تدور حول 0.4 إلى 0.5 في المائة لعام 2026. وفي الوقت نفسه، يُتوقع أن يتجاوز العجز العام 5 في المائة من الناتج المحلي، الأمر الذي يعقّد مهمة الحكومة في إعادة التوازن إلى الحسابات العامة.

وتزداد المشكلة خطورة مع ارتفاع أسعار الفائدة؛ إذ تصبح خدمة الدين أكثر تكلفة، وتُضطر الدولة إلى تخصيص موارد متزايدة لسداد التزاماتها بدلاً من توجيهها إلى الاستثمار والخدمات. وتشير التقديرات الواردة إلى أن فرنسا ستحتاج إلى إصدار ما قيمته 340 مليار يورو من السندات متوسطة وطويلة الأجل خلال العام المقبل، في وقت يتراجع فيه إقبال المستثمرين على شرائها في ظل المخاطر المالية والسياسية.

مبنى بلدية مدينة ليموج الذي أحرق جزءاً منه مشاغبون (أ.ف.ب)

لكن ذلك لا يعني أن فرنسا تتجه حتماً إلى أزمة شبيهة بما شهدته اليونان (2009 - 2010)، أو إلى انهيار مفاجئ في ثقة الأسواق؛ فحجم الاقتصاد الفرنسي ومكانته داخل الاتحاد الأوروبي يمنحان باريس ثقلاً مختلفاً. لكن هذا الثقل نفسه يجعل الأزمة أكثر أهمية: فأي تدهور حاد في قدرة باريس على إدارة دينها الثقيل، قد ينعكس على الاستقرار المالي الأوروبي برمته.

* أربعون عاماً من التأجيل

الواقع أنه لا يمكن تفسير الوضع الراهن بقرار حكومي واحد، أو تحميل رئيس معيّن المسؤولية الكاملة عنه؛ فقد تراكمت الاختلالات المالية على مدى عقود، وتعاقبت حكومات من اليمين واليسار من دون أن تنجح في وقف الزيادة الهيكلية للدين. ويعود أحد التحولات المهمة إلى عهد الرئيس الاشتراكي فرنسوا ميتران في ثمانينات القرن الماضي، حين توسعت السياسات الاجتماعية والإنفاق العام، وأدّت إصلاحات مثل خفض سن التقاعد إلى الستين وتقليص ساعات العمل وتعزيز دور الدولة في الاقتصاد، إلى زيادة الأعباء على المالية العامة.

غير أن اختزال الأزمة فيما حصل في تلك المرحلة سيكون تبسيطاً مضللاً؛ فالحكومات اللاحقة، من عهد جاك شيراك إلى نيكولا ساركوزي وفرنسوا هولاند وإيمانويل ماكرون، لم تتمكن بدورها من عكس مسار الدين، ويُعزى ذلك في المقام الاول إلى التخوف من رد فعل الجمهور على سلبه قسطاً من الرفاه. كما أسهمت الأزمة المالية العالمية عام 2008، وجائحة «كوفيد-19»، وموجة التضخم التي أعقبتها، في زيادة الضغوط على الموازنات العامة.

الرئيس المأزوم إيمانويل ماكرون (أ.ف.ب)

والحقيقة أن النموذج الاجتماعي الفرنسي «الفضفاض» أصبح موضوع مواجهة سياسية متكررة؛ فكل محاولة لإصلاح التقاعد أو التأمين ضد البطالة أو الإنفاق العام، تصطدم بمقاومة شعبية عنيدة، فيما يؤدي تأجيل الإصلاحات إلى تضييق الخيارات المتاحة مستقبلاً. وهكذا تجد الدولة نفسها بين حاجتها إلى ضبط الإنفاق وخشيتها من تفجير احتجاجات جديدة.

* شلل سياسي وصعود اليمين المتطرف

لم يكن مفاجئاً في خضمّ الورطة الاقتصادية أن تتلبد الغيوم السوداء في سماء السياسة. ومنذ حل الجمعية الوطنية عام 2024، لم يتمكن المشهد البرلماني من إنتاج أكثرية مستقرة، وتوزعت القوى بين 3 كتل كبيرة متعارضة يصعب عليها التوصل إلى تسويات دائمة. وأصبح تمرير مشروع الموازنة اختباراً متكرراً لقدرة الحكومة على الصمود، فيما تتراجع ثقة المواطنين بفاعلية المؤسسات.

وليس مفاجئاً أيضاً أن يستفيد اليمين المتطرف، بقيادة مارين لوبن وحزب «التجمع الوطني»، من هذا المناخ؛ فخطابه يربط بين تدهور الأوضاع الاقتصادية وفقدان السيطرة على الأمن وأعباء الهجرة، ويقدم نفسه بديلاً قادراً على إعادة الانتظام إلى النظام. وفي المقابل، تستقطب حركة «فرنسا الأبية» اليسارية الراديكالية، بقيادة جان لوك ميلانشون، جزءاً من الغاضبين من السياسات الاقتصادية والاجتماعية. وبين الطرفين، يتراجع الوسط السياسي الذي شكّل القاعدة السياسية والشعبية لماكرون، فيما تتزايد المخاوف من أن يؤدي تشتت الأصوات المعتدلة إلى تعزيز فرص المتنافسين الأكثر تطرفاً.

ويجب التنبّه إلى أن استمرار المواجهة بين القوى السياسية قد يعطل الإصلاحات الضرورية، ويطيل حالة عدم اليقين التي تؤثر في الاستثمار والاستهلاك وثقة الأسواق. كما أن ربط الاضطرابات حصراً بالهجرة، والاكتفاء بتشديد الإجراءات الأمنية، لا يعالجان حتماً الأسباب الاقتصادية والاجتماعية الجوهرية التي تؤجج نار الاحتقان.

محتجون بمواجهة الشرطة في باريس (أ.ب)

* الامتحان الانتخابي الصعب

تواجه فرنسا اليوم معادلة شديدة التعقيد: استعادة النظام من دون تجاهل أسباب الغضب، وضبط الدين من دون تقويض الخدمات العامة، وإعادة بناء الثقة السياسية قبل أن تتحول الانتخابات المقبلة إلى مواجهة «انتحارية» بين قوى متعارضة جذرياً.

فمن سينجح في اجتراح خطة واضحة توزع أعباء الإصلاح بصورة عادلة، وتحدد أولويات الإنفاق، وتحمي الفئات الأكثر هشاشة، بالتوازي مع استعادة القدرة على اتخاذ القرار داخل المؤسسات السياسية، لا سيما البرلمان؟

لقد وعد ماكرون، عند وصوله إلى السلطة عام 2017، بتقديم صورة متفائلة عن فرنسا قادرة على التجدد واستعادة موقعها الدولي. لكن تراجع شعبيته واتساع الإحساس بالتراجع يكشفان عمق الهوّة بين هذا الوعد والواقع. ومع ذلك جددت غالبية الفرنسيين الثقة به وأعادت انتخابه عام 2022.

ومع اقتراب انتخابات 2027، لن يكون التحدي محصوراً في تحديد هوية الرئيس المقبل؛ بل في تقرير ما إذا كانت فرنسا قادرة على إصلاح ماليتها العامة وتجديد عقدها الاجتماعي، أم إنها ستترك الأزمات المتراكمة تعيد تحديد هويتها السياسية.

جلسة للجمعية الوطنية الفرنسية (مجلس النواب) تحدث فيها رئيس الوزراء سيباستيان لوكورنو عن الاحتجاجات (إ.ب.أ)

ولنتذكّر أن فرنسا ليست مجرد اقتصاد كبير يواجه مشكلة ديون؛ بل إحدى ركائز المشروع الأوروبي. وأي إخفاق في احتواء أزمتها ستكون له تداعيات تتجاوز حدودها. أما نجاحها فلن يتحقق إلا بكسر حلقة التأجيل والانقسام، قبل أن يصبح ثمن الإصلاح أعلى من قدرة المجتمع والدولة على تحمّله.

فرنسا الأنوار والفكر والتقدّم تشعر بأنها ترهّلت، ويُدرك الفرنسيون أن نظامهم السياسي والاجتماعي لم يعد قابلاً للتطور ومواكبة الحياة العصرية... والأدهى أن الاقتصاد لم يعد قادراً على توليد ثروة كافية لاستعادة ما كان، خصوصاً أن «الوجود» في بلاد الغير انتهى أو يكاد...

الزمن يتغيّر!


فرنسا تستعين بالجيش لمنع «سبت أسود» جديد

السلطات عبأت الآلاف من رجال الشرطة والدرك لاحتواء المظاهرات وقمع مثيري الشغب (أ.ف.ب)
السلطات عبأت الآلاف من رجال الشرطة والدرك لاحتواء المظاهرات وقمع مثيري الشغب (أ.ف.ب)
TT

فرنسا تستعين بالجيش لمنع «سبت أسود» جديد

السلطات عبأت الآلاف من رجال الشرطة والدرك لاحتواء المظاهرات وقمع مثيري الشغب (أ.ف.ب)
السلطات عبأت الآلاف من رجال الشرطة والدرك لاحتواء المظاهرات وقمع مثيري الشغب (أ.ف.ب)

استنفرت السلطات الفرنسية قواها الأمنية، واستعانت بالجيش، واتخذت سلسلة إجراءات قضائية وأمنية لمحاولة تجنب تكرار «السبت الأسود» اليوم، بالتزامن مع دعوات جديدة إلى التظاهر في باريس ومرسيليا وليون وغيرها من المدن الكبرى والصغرى.

وأعلن وزير الداخلية لوران نونيز، أمس، عن خطة أمنية تقضي بنشر ما لا يقل عن 70 ألف رجل من الشرطة والدرك، بمؤازرة فرق وحدات النخبة التي لا تتدخل عادة للحفاظ على الأمن في الشوارع، ولا التصدي للمتظاهرين. كما ستتم الاستعانة بوحدات من الجيش التي سبق أن نُشرت في فترة الهجمات الإرهابية التي عرفتها فرنسا في عامي 2015 و2016.

وبعد ساعات من إعلان الرئيس إيمانويل ماكرون منع «المظاهرات في الأيام المقبلة»، سمحت مديرية الشرطة في باريس بمسيرة واحدة لنقابة «كونفدرالية العمل» القريبة من الحزب الشيوعي.

بينما منعت ترخيص مظاهرة طلبتها مجموعات من «السترات الصفراء» والطلاب. كما طال المنع مدينتي مرسيليا وليون والعديد من المدن الأخرى.


أوكرانيا وروسيا تعلنان التزام «هدنة ميلانيا ترمب» في أوليشكي

عناصر الإنقاذ في موقع مبنى متضرر من هجوم روسي على خاركيف بأوكرانيا (أ.ب)
عناصر الإنقاذ في موقع مبنى متضرر من هجوم روسي على خاركيف بأوكرانيا (أ.ب)
TT

أوكرانيا وروسيا تعلنان التزام «هدنة ميلانيا ترمب» في أوليشكي

عناصر الإنقاذ في موقع مبنى متضرر من هجوم روسي على خاركيف بأوكرانيا (أ.ب)
عناصر الإنقاذ في موقع مبنى متضرر من هجوم روسي على خاركيف بأوكرانيا (أ.ب)

أعلن الجيش الأوكراني، الجمعة، أنه سيلتزم ابتداءً من الثلاثاء، هدنة في مدينة أوليشكي الواقعة في منطقة خيرسون والخاضعة للاحتلال الروسي، بهدف ضمان تنفيذ عملية إنسانية فيها.

يأتي ذلك بعدما أعلن رئيس هيئة الأركان العامة للجيش الروسي أن قواته ستلتزم هدنة محلية في أوكرانيا ابتداءً من الثلاثاء، للسماح بتنفيذ عمليات إنسانية في مدينة أوليشكي.

وكانت السيدة الأميركية الأولى ميلانيا ترمب صرحت في إعلان مفاجئ، الجمعة، بأنها نجحت في تأمين وقف محلي لإطلاق النار بين روسيا وأوكرانيا في مدينة أوليشكي المنكوبة، حيث لا يزال السكان عالقين ويعانون من نقص في الغذاء.

وقالت هيئة الأركان العامة الأوكرانية، في بيان نقلته «وكالة الصحافة الفرنسية»: «بهدف تنفيذ عملية إنسانية في مدينة أوليشكي الواقعة في منطقة خيرسون والخاضعة لاحتلال مؤقت، ترسي أوكرانيا وقفاً لإطلاق النار في منطقة محددة، ابتداء من الساعة الثالثة فجر يوم 27 أكتوبر (تشرين الأول) بتوقيت كييف».

وفي منشور على المنصة الروسية «ماكس»، أكد الجنرال فاليري غيراسيموف رئيس هيئة الأركان العامة أن قواته ستلتزم هذه الهدنة «ابتداءً من الساعة 04:00 (01:00 بتوقيت غرينتش) في 27 أكتوبر 2026»، في إطار «العملية الإنسانية الجارية في محيط» مدينة أوليشكي.

وأشار إلى أن الهدنة ستُطبّق «في محور خيرسون»، من دون التطرق إلى تفاصيل إضافية عن نطاقها الجغرافي أو مدتها.

وأوضح أن قواته ستجري «استطلاعاً تقنياً» على الأرض لضمان إيصال المساعدات الإنسانية وسلامة المدنيين في هذه المنطقة الشديدة الخطورة على الجبهة.

ويواجه سكان أوليشكي نقصاً متزايداً في المواد الغذائية والأدوية. وتقر كل من أوكرانيا وروسيا بوجود أزمة إنسانية في المنطقة، لكنهما تتبادلان الاتهامات حول المسؤولية عن هذا الوضع، بحيث يتهم كل طرف الآخر بعرقلة إيصال الإمدادات الغذائية وتنفيذ عمليات الإجلاء.

وسيطرت القوات الروسية على مدينة أوليشكي الواقعة في منطقة خيرسون بجنوب أوكرانيا، عام 2022 في مستهل الغزو. وتعرضت المدينة لأضرار جسيمة من جراء تدمير سد كاكوفكا عام 2023، ما تسبب في فيضانات مدمرة على طول نهر دنيبر. وتتبادل موسكو وكييف الاتهامات بالمسؤولية عما حصل. وانخفض عدد سكان المدينة من نحو 24 ألف نسمة إلى نحو ألفي نسمة حالياً.