مذكرة توقيف فرنسية بحق حاكم مصرف لبنان المركزي

سلامة اتهم القضاء الفرنسي بـ«خرق القوانين»

حاكم مصرف لبنان المركزي رياض سلامة (رويترز)
حاكم مصرف لبنان المركزي رياض سلامة (رويترز)
TT

مذكرة توقيف فرنسية بحق حاكم مصرف لبنان المركزي

حاكم مصرف لبنان المركزي رياض سلامة (رويترز)
حاكم مصرف لبنان المركزي رياض سلامة (رويترز)

أصدرت القاضية الفرنسية المكلفة التحقيق في أموال وممتلكات حاكم مصرف لبنان المركزي في أوروبا، القاضية أود بوريزي، مذكرة توقيف دولية بحق حاكم مصرف لبنان المركزي رياض سلامة، يوم الثلاثاء، وفق ما أفادت وكالة الصحافة الفرنسية، وذلك بعد أن تغيب عن جلسة استجوابه، فيما قال محاموه إن تغيّب سلامة يعود إلى عدم تبليغه بوجوب المثول أمام القضاء الفرنسي وفق الأصول.

ويشتبه المحققون الفرنسيون في أن سلامة راكم أصولا عقارية ومصرفية عبر مخطط مالي احتيالي معقّد، وإساءة استخدامه لأموال عامة لبنانية على نطاق واسع. وكان يُرجّح أن يؤدي مثوله أمام القاضية أود بوريزي الثلاثاء إلى توجيه اتّهامات إليه. وقال مصدر قضائي لبنان لـ«الشرق الأوسط» إن لبنان لن يسلم حاكم مصرف لبنان رياض سلامة للقضاء الفرنسي، مضيفاً أن لبنان «لم يتبلغ رسمياً بالمذكرة، ولا يمكن له أن يتعامل مع هذا الواقع الذي فرضته القاضية بوريزي إلا عند تسلمه نسخة من مذكرة التوقيف الغيابية التي ستعمم على الإنتربول عبر النشرة الحمراء».

وقال المصدر: «لبنان عندما يتسلم النسخة عن مذكرة التوقيف، سيطلب من القضاء الفرنسي تسليمه الملف الذي يتضمن الأدلة والمستندات التي ارتكزت عليها القاضية بوريزي لإصدار مذكرة التوقيف»، وأكد المصدر أنه «إذا ثبت أن الجرائم المدعى عليه بموجبها في باريس جدية وقوية، فعندها سيقوم القضاء اللبناني بمحاكمته في لبنان، بوصفه صاحب الصلاحية لمحاكمة أي مواطن حتى لو ارتكب الجرم خارج الأراضي اللبنانية، خصوصاً أن القضاء اللبناني لا يسمح بتسليم مواطن إلى دولة أجنبية، حتى لو كان حائزاً على جنسية هذه الدولة».

جنود يحرسون مقر مصرف لبنان المركزي في مارس الماضي (أ.ف.ب)

مصادر في باريس

بيد أن مصادر معنية بالملف في باريس عبّرت عن «أسفها» لطريقة تعاون القضاء اللبناني في هذه القضية، وهي تعتبر أن عذر عدم تبليغ سلامة باستدعائه للمثول أمام قاضية التحقيق في باريس «لا يستقيم ويشكل نوعاً من التذاكي السخيف، إذ كيف يمكن أن يصدق أحد أن الأمن اللبناني عجز عن تبليغ سلامة، وكيف اكتفى بمحاولة تبليغه في مبنى مصرف لبنان فقط، ولم يحاول ذلك في منزله مثلا». وتضيف هذه المصادر أن «العملية مكشوفة لأن الصحافة اللبنانية أوردت تدارس الفريق القانوني لسلامة لهذه الحجة، حتى لا يستجيب لاستدعاء القاضية الفرنسية».

ويستند القضاء اللبناني إلى سوابق في هذا الملف، بينها طلب باريس تسليم المدير السابق لشركة «رينو» كارلوس غصن بعد هروبه من طوكيو إلى لبنان، ويحمل غصن الجنسيتين اللبنانية والفرنسية، كما استند إلى سابقة عدم تسليم زياد تقي الدين الذي اتهم الرئيس الفرنسي السابق نيكولا ساركوزي بتلقي أموال لحملته الرئاسية لعام 2007 من الزعيم الليبي معمر القذافي، ويحمل أيضاً الجنسيتين اللبنانية والفرنسية.

وقال المصدر القضائي اللبناني: «لبنان رفض في وقت سابق تسليم تقي الدين وغصن، باعتباره صاحب الصلاحية المكانية والمعنوية لمحاكمة مواطنيه على الأراضي اللبنانية». ويجري التحقيق مع سلامة ومساعدته وشقيقه رجا في لبنان وخمس دول أوروبية على الأقل للاشتباه في استيلائهم على أكثر من 300 مليون دولار من البنك المركزي، وينكر الشقيقان ارتكاب أي مخالفة.

قرار مسبق

وأكد أحد وكلاء سلامة لـ«الشرق الأوسط» في بيروت أنه تلقى معلومات عبر الوكيل الفرنسي لسلامة في باريس، بأن الأخير تلقى معلومات مفادها بأن القاضية الفرنسية بوريزي اتخذت قراراً مسبقاً بتوقيف سلامة، وجهّزت العدة بشكل مسبق لإعداد مذكرة التوقيف.

وقال المصدر إن القرار الذي اتخذه القضاء الفرنسي الثلاثاء «يعتبر متسرعاً، خصوصاً أنه جاء في اليوم الذي حددت فيه الجلسة دون أن تستقصي القاضية الفرنسية أسباب عدم تبلُّغ سلامة موعد جلسته في باريس».

وقال مصدر قضائي آخر مواكب لقضية سلامة إنه وفق القانون «من المفترض أن تبلغ القاضية سلامة مرة أخرى قبل إصدار مذكرة التوقيف». وأضاف «لا يمكن اتخاذ القرار دون إعادة تبليغه»، مؤكداً أن «أي إجراء يُتخذ دون تبليغه رسمياً، سيتعارض مع المعايير القضائية والقانونية التي ترعى سلامة التحقيق وحُسن سير العدالة».

وأصدر سلامة بياناً رأى فيه أن قرار بوريزي «يُشّكل خرقاً لأبسط القوانين، كون القاضية لم تراعِ المهل القانونية المنصوص عليها في القانون الفرنسي، بالرغم من تبلغها وتيقنها من ذلك»، مشيراً إلى أنه سيطعن بهذا القرار «الذي يشّكل مخالفة واضحة للقوانين».

وإذ اتهم القاضية بتجاهل القانون، قال إنها «تجاهلت تطبيق اتّفاقية الأمم المتّحدة لعام 2003، والإجراءات المعترف بها دولياً، التي تستند إليها هي بالذات في إطار المساعدة القضائية الدولية». واتهم التحقيق الفرنسي بـ«ضرب مبدأ جوهري يتعلق بسرية التحقيقات، كونه أصبح واضحاً من المقالات الصحافية، أن الوكالات الصحافية تحصل دون قيد على وثائق التحقيق السرية، كما تأخذ علماً مسبقاً بنيات المحققين والقضاة».

وقال في البيان إن «التحقيقات الفرنسية تعاكس مبدأ قرينة البراءة في تعاملها، وفي تطبيقها الانتقائي للنصوص والقوانين». كما اتهم بوريزي بأنها «أخذت قرارها بناءً على أفكار مسبقة دون إعطاء أي قيمة للمستندات الواضحة المبرزة لها، وهذا ما يتضح أيضا بتشنجها الذي وصل أخيراً إلى حد عدم التقيد بالأصول المفروضة في القوانين الفرنسية وفي المعاهدات الدولية».

محتجون أمام بنك لبنان والمهجر للمطالبة بحقوق المودعين 9 مايو (رويترز)

دفوع شكلية

ويفترض أن يمثل سلامة يوم الأربعاء أمام القاضي شربل أبو سمرا، حيث سيكون للإجراء الفرنسي وقعه في الأوساط اللبنانية والقضائية. واستبق وكلاء الدفاع عن سلامة وشقيقه رجا ومساعدته ماريان الحويك هذا الإجراء بتقديم دفوع شكلية أمام النيابة العامة التمييزية أحيلت إلى القاضي أبو سمرا، طلبوا فيها إرجاء المساعدة القضائية الأوروبية؛ لكونها تتعارض مع التحقيقات الجارية في لبنان. ولفتوا إلى أن «التحقيقات الأوروبية المتعلقة بملف مصرف لبنان، لا تراعي مبدأ وأهداف اتفاقية الأمم المتحدة لمكافحة الفساد».

وألمحت الدفوع إلى الضغوط التي مارستها القاضية الفرنسية على رياض سلامة خلال جلسة استماعه في بيروت، وسأل مقدمو الدفوع «هل يحقّ للقاضي الناظر بالملفّ (بوريزي) أن يصدر أحكاماً مسبقة والإفصاح عن الإجراءات التي سيتخذها؟ وهل يعقل أن يهدد القاضي المذكور المستمع إليه (سلامة) بإصدار مذكرة توقيف في الملف العالق أمامه في فرنسا، ليعممها على الإنتربول ويمنعه من دخول فرنسا؟». وقد لاحظوا أن «التهديد إلى قمته عندما صرحت القاضية بأنها ستمنعه (سلامة) من زيارة أولاده في فرنسا».

وطلب مقدمو الدفوع «نقل جميع إجراءات الملاحقة بجميع الجرائم الأصيلة، وتركيزها في لبنان أمام قاضي التحقيق الأول في بيروت شربل أبو سمرا»، كما شددوا على ضرورة أن «يطلب أبو سمرا من القضاة الأوروبيين تعليق تحقيقاتهم المتعلقة بالجرائم الأصلية المزعومة في ملف شركة (فوري) وغيرها بشكل نهائي».

وفي باريس، أشار بيار أوليفييه سور، محامي سلامة إلى حجة قانونية إضافية، وهي أن التبليغ أرسل قبل أقل من عشرة أيام من موعد الاستجواب المقرر «الأمر الذي يعني أن النصوص القانونية لم تُحترم، وبالتالي أصبحت دعوى المثول عديمة». وكان أمام القاضية، وفق النصوص الفرنسية أحد حلين: إما دعوته مجدداً للمثول وإما إصدار مذكرة توقيف، وقد اختارت الحل الثاني.

يذكر أن الدعوى القضائية المقدمة ضد سلامة في فرنسا تعود لشهر يوليو (تموز) عام 2021. ويسعى الأخير لرفع التجميد الذي فرض على أصول يمتلكها في فرنسا وألمانيا ولوكسمبورغ، وتبلغ حوالي 120 مليون يورو، إضافة إلى شقق وممتلكات أخرى. وسبق لسلامة أن استجوبته القاضية الفرنسية في بيروت وأبلغته، وقتها، شفهيا باستدعائه للمثول أمامها في باريس، وأنها ستعمد إلى توجيه اتهامات رسمية له.

يضاف إلى ما سبق أن اتهامات رسمية وجهت لشخصين على علاقة بسلامة: الأولى هي مواطنة أوكرانية اسمها أنا ك.، وله منها ابنة. ويظن القضاء أنها واجهة يحتمي وراءها سلامة. والثاني الوزير اللبناني السابق مروان خير الدين ورئيس بنك الموارد الذي يظن القضاء بشأنه أنه «سهّل» أو «غطى» عمليات الاحتيال المالية لحاكم البنك المركزي.

ومن جانبه، قال المحامي ويليام بوردون وكيل الجمعية المسماة «شيربا» التي هي في أساس الدعوى ضد سلامة إن الأخير «سيتم توقيفه راهناً أو لاحقاً».


مقالات ذات صلة

سلام يختتم زيارته إلى جنوب لبنان: نريد للمنطقة العودة إلى الدولة

المشرق العربي رئيس الحكومة اللبنانية نواف سلام يحاط بأهالي كفرشوبا في جنوب لبنان الذين رشوا الورود والأرز ترحيباً به (الشرق الأوسط)

سلام يختتم زيارته إلى جنوب لبنان: نريد للمنطقة العودة إلى الدولة

تعهّد رئيس الحكومة اللبنانية نواف سلام بالعمل على إعادة تأهيل البنى التحتية في القرى الحدودية مع إسرائيل «خلال أسابيع»

«الشرق الأوسط» (بيروت)
تحليل إخباري رئيس حزب «القوات اللبنانية» سمير جعجع ورئيس «التيار الوطني الحر» النائب جبران باسيل في لقاء سابق منذ سنوات (أرشيفية - وسائل إعلام لبنانية)

تحليل إخباري لبنان: تراشق بين أكبر حزبين مسيحيين قبيل الانتخابات النيابية

بعد أشهر من الهدوء بين حزبي «القوات اللبنانية» و«التيار الوطني الحر»، عاد الصراع واحتدم مع اقتراب موعد الانتخابات.

بولا أسطيح (بيروت)
تحليل إخباري لبنانية ترفع إصبعها بعد اقتراعها بالانتخابات المحلية في بيروت 2025 (أرشيفية - إ.ب.أ)

تحليل إخباري لبنان: الانتخابات النيابية أمام تمسّك عون بالمواعيد الدستورية

يصر رؤساء الجمهورية اللبنانية العماد جوزيف عون والمجلس النيابي نبيه بري والحكومة نواف سلام، على تمرير الاستحقاق النيابي بموعده في مايو المقبل.

محمد شقير (بيروت)
المشرق العربي رئيس الحكومة نواف سلام مترئساً في يوليو الماضي اجتماعاً ضم رئيس بعثة صندوق النقد الدولي ووزيري المالية والاقتصاد والتجارة وحاكم مصرف لبنان (رئاسة الحكومة)

صندوق النقد يتقصَّى ميدانياً تحديثات الإصلاحات المالية في لبنان

تنفّذ بعثة صندوق النقد الدولي المولجة بالملف اللبناني، جولة مناقشات تقنية جديدة في بيروت خلال الأسبوع الحالي.

علي زين الدين (بيروت)
المشرق العربي أهالي بلدة يارين يستقبلون رئيس الحكومة نواف سلام ويلبسونه العباء التقليدية (الشرق الأوسط)

سلام يتفقد المناطق الحدودية: سيادة لبنان مسؤولية تجاه الناس ومشاكلهم

جال رئيس الحكومة اللبنانية نواف سلام في عدد من بلدات الجنوب، في زيارة تمتد يومين وتحمل أبعاداً سياسية وإنمائية.

«الشرق الأوسط» (بيروت)

ميراث الأسد بعد هروبه... عنيد ومغرور ومهووس بالجنس وألعاب الفيديو

مقاتل سوري في معركة «ردع العدوان» يطلق النار على صورة ضخمة للرئيس بشار الأسد عند دخول حماة 7 ديسمبر (أ.ف.ب)
مقاتل سوري في معركة «ردع العدوان» يطلق النار على صورة ضخمة للرئيس بشار الأسد عند دخول حماة 7 ديسمبر (أ.ف.ب)
TT

ميراث الأسد بعد هروبه... عنيد ومغرور ومهووس بالجنس وألعاب الفيديو

مقاتل سوري في معركة «ردع العدوان» يطلق النار على صورة ضخمة للرئيس بشار الأسد عند دخول حماة 7 ديسمبر (أ.ف.ب)
مقاتل سوري في معركة «ردع العدوان» يطلق النار على صورة ضخمة للرئيس بشار الأسد عند دخول حماة 7 ديسمبر (أ.ف.ب)

كشفت صحيفة «ذا أتلانتيك» الأميركية تفاصيل نادرة عن كواليس حكم الرئيس السوري بشار الأسد في الفترة التي سبقت سقوط نظامه.

وقالت في مقدمة التقرير، الذي تحدث فيه كاتبه إلى مصادر من داخل النظام السوري السابق ومسؤولين إسرائيليين ولبنانيين، إن «بعض الطغاة يموتون وهم يقاتلون، بعضهم يُشنقون، وبعضهم يموتون في فراشهم. لكن تصرف الأسد كان اللجوء إلى الخداع بطريقة صدمت حتى المقربين منه، فقد طمأن مساعديه وكبار الضباط بأن «النصر قريب»، وبأن اتصالات إقليمية ستؤدي إلى وقف الهجوم.

كان ذلك مع اقتراب فصائل المعارضة من دمشق في 7 ديسمبر (كانون الأول) 2024، اليوم السابق لسقوط النظام، كانت الفصائل قد وصلت إلى حمص بعد أن دخلت حلب وحماة.

فرّ بشار ليلاً على متن طائرة روسية، دون أن يُخبر أحداً تقريباً. في حين أعلن البيان المراوغ الذي صدر في تلك الليلة أن «الأسد كان في القصر يؤدي واجباته الدستورية».

فرار الأسد فجّر غضباً بين من كانوا يعلنون الولاء له، وشهادات المقربين منه، تظهر أن الغضب انطلق من شعورهم بأنهم تعرضوا للخيانة، فبعضهم كان مستعداً للقتال أو على الأقل للانسحاب المنظم، لو واجههم بالحقيقة، لكن الأسد استخدمهم واجهة سياسية وأمنية لتغطية عملية فراره التي تركت خلفها فوضى واجهها المؤيدون له.

صورة ضخمة لبشار الأسد ملقاة على الأرض بعد هروبه على أرضية القصر الرئاسي في دمشق 8 ديسمبر 2024 (أ.ب)

لم تكن أي جهة تتوقع سقوط الأسد السريع، لا الموساد ولا الاستخبارات الأميركية، لكن التفسيرات التي تلت انهيار نظامه أن داعمي الأسد، روسيا وإيران و«حزب الله»، تورطوا في صراعات أخرى مثل حرب أوكرانيا والمواجهة مع إسرائيل على التوالي، ولم يعودوا قادرين على حمايته. وكشف انشغالهم بملفات أخرى ما كان خفياً لسنوات؛ جيش منهك يحكمه الفساد، كما حدث مع النظام المدعوم من أميركا في أفغانستان، الذي سقط عام 2021، «كانت سلالة الأسد في مواجهة إعادة تشكيلات جيوسياسية أوسع في المنطقة والعالم، وبدا سقوطها حتمياً»، يقول التقرير.

لقطة من فيديو لقناة «سوريا» تظهر طائرات حربية روسية رابضة في قاعدة حميميم باللاذقية خلال عمليات «ردع العدوان»

كان بشار الأسد، في ذروة المعارك وتدهور الوضع الميداني، منفصلاً إلى حد كبير عن الأحداث، ونقل مصدر سابق في «حزب الله»، أنه أمضى أوقات طويلة في ممارسة الألعاب على هاتفه المحمول، أبرزها لعبة «كاندي كراش».

في السابع من ديسمبر 2024، قبل يوم من انهيار النظام، عُقد اجتماع في الدوحة بمشاركة وزراء خارجية من المنطقة وخارجها، في محاولة أخيرة لمنع السقوط الكامل والدفع نحو انتقال سياسي تدريجي، إلا أن الجهود فشلت، بعدما تعذر التواصل مع الأسد، الذي أغلق هاتفه ولم يشارك في أي نقاش.

ونقلت «ذا أتلانتيك» شهادات عشرات من رجال البلاط والضباط في قصر تشرين دمشق، الذين قدّموا رواية مغايرة تعتبر أن سقوط النظام لم يكن حتمياً بفعل الجغرافيا السياسية وحدها، بل كان مرتبطاً بشخصية الأسد نفسه، إذ وصفوه بالمنفصل عن الواقع، والمهووس بالجنس وألعاب الفيديو، وكان قادراً على إنقاذ نظامه قبل سنوات لو لم يكن عنيداً ومغروراً.

الرئيس الروسي فلاديمير بوتين ونظيره السوري بشار الأسد في سوتشي 20 نوفمبر 2017 (أ.ف.ب)

وأضاف تقرير الصحيفة أن عدة دول في المنطقة لم تكن تريد سقوط الأسد وقدمت له سابقاً شرايين إنقاذ، وأن وزراء خارجية اتصلوا به حتى في أيامه الأخيرة عارضين عليه الصفقات، لكنه لم يجب، وبدا أنه يتعامل مع أي طرح بوصفه إهانةً شخصية.

أما الإسرائيليون قد نظروا طويلاً إلى الأسد بوصفه «عدواً يمكن التعايش معه»، فهو شخص يردد الشعارات المعتادة عن العدو الصهيوني، لكنه يحافظ على هدوء الحدود بين البلدين، ونقل عن مسؤول إسرائيلي سابق قوله: «الجميع في المنطقة كان مرتاحاً لبقائه هناك، ضعيفاً، ولا يشكل تهديداً لأحد».

حتى الحلفاء الذين أنقذوه سابقاً من نهاية محتومة لم يسلموا من عنجهيته، بمن فيهم إيران، في حين اقتنعت روسيا بأنه عبء ولا يستحق الدفاع عنه.

ديبرا تايس أمام صورة لابنها أوستن في واشنطن 2023 الذي اختُطف أثناء تغطيته الأحداث بسوريا عام 2012 (رويترز)

وفي مثال على عناد الأسد، أوردت «ذا أتلانتيك» مثالاً لرفض الأسد حبل نجاة مُدَّ إليه من الأميركيين، مرتبط بالصحافي الأميركي أوستن تايس المختفي في سوريا منذ 2012، إذ أوفدت واشنطن في 2020 روجر كارستنز وكاش باتيل إلى لبنان، واصطحبهما اللواء عباس إبراهيم، رئيس الأمن العام اللبناني آنذاك، إلى دمشق للقاء علي مملوك، أحد أعلى مسؤولي الأمن في النظام، وطرح الأميركيون ملف تايس غير أن ردّ مملوك بأن أي بحث يتطلب أولاً رفع العقوبات وسحب القوات الأميركية من سوريا، وأبدت الحكومة الأميركية استعدادها لصفقة مقابل إثبات أن تايس حي. لكن الأسد رفض الاتفاق وقطع الحوار، ونقل عباس إبراهيم للصحيفة أن تبرير مملوك للرفض «لأن ترمب وصف الأسد» بالحيوان قبل سنوات.

ونقلت «ذا أتلانتيك» عن عباس إبراهيم أن الأميركيين كانوا سيغلقون الملف حتى لو كان تايس قد مات ما داموا عرفوا مصيره، وأن عباس إبراهيم قال إنه تلقى اتصالاً من مايك بومبيو أبدى فيه استعداده للسفر إلى سوريا بطائرة خاصة، وأن رفض الأسد يعد جنوناً.

وحاولت إدارة الرئيس جو بايدن عام 2023 تجديد العرض عبر وفد رفيع إلى سلطنة عُمان للقاء مسؤولين سوريين، لكن الأسد تصرف، وفق رواية عباس إبراهيم، بأسلوب شبه مهين حين رفض إرسال مسؤول رفيع وأوفد بدلاً منه سفيراً سابقاً لم يُسمح له حتى بالحديث عن تايس.


مقتل 5 أشخاص بانهيار مبنى في طرابلس شمال لبنان

عمال إنقاذ يبحثون عن ناجين بين أنقاض مبنى انهار في مدينة طرابلس شمال لبنان (أ.ب)
عمال إنقاذ يبحثون عن ناجين بين أنقاض مبنى انهار في مدينة طرابلس شمال لبنان (أ.ب)
TT

مقتل 5 أشخاص بانهيار مبنى في طرابلس شمال لبنان

عمال إنقاذ يبحثون عن ناجين بين أنقاض مبنى انهار في مدينة طرابلس شمال لبنان (أ.ب)
عمال إنقاذ يبحثون عن ناجين بين أنقاض مبنى انهار في مدينة طرابلس شمال لبنان (أ.ب)

قُتل خمسة أشخاص على الأقل، اليوم الأحد، بمدينة طرابلس في شمال لبنان إثر انهيار مبنى، وفق ما أفاد الإعلام الرسمي، بينما تواصل فرق الإنقاذ البحث عن ناجين، في ثاني حادثة من نوعها خلال أسبوعين.

وأفادت الوكالة الوطنية للإعلام الرسمية بـ«سقوط مبنى قديم» في حي باب التبانة، أحد أفقر أحياء طرابلس، مؤكدة «إنقاذ 8 أشخاص» فيما «تم سحب 5 ضحايا، بينهم طفل وامرأة مسنّة».

وعملت السلطات على إخلاء المباني السكنية المجاورة «خوفاً من انهيارها».

وعرضت وسائل الإعلام المحلية صوراً لسكان وعمال إنقاذ يحاولون إزالة الأنقاض بعد الانهيار بمعدات متواضعة، وباستخدام أيديهم لإزاحة الركام.

وجاءت هذه الحادثة بعد انهيار مبنى آخر في طرابلس أواخر الشهر الماضي.

وأمر رئيس الجمهورية جوزيف عون أجهزة الإسعاف بـ«الاستنفار للمساعدة في عمليات الإنقاذ»، وتأمين مأوى لـ«سكان المبنى (المنهار) والمباني المجاورة التي أخليت تحسباً لأي طارئ»، وفق بيان للرئاسة.

وينتشر في لبنان العديد من المباني المأهولة بالسكان رغم أنها متداعية أو آيلة للسقوط.

وقد بُني العديد منها بشكل غير قانوني، لا سيما خلال الحرب الأهلية التي دارت بين عامي 1975 و1990، بينما أضاف بعض المالكين طوابق جديدة إلى مبانٍ سكنية قائمة دون الحصول على التراخيص اللازمة.

وسجلت انهيارات مبانٍ في طرابلس ومناطق أخرى في بلد لا يتم الالتزام فيه، في أحيان كثيرة، بمعايير السلامة الإنشائية للأبنية المأهولة التي شُيِّد قسم منها عشوائياً منذ عقود على أراضٍ مشاع.

ويعاني لبنان من انهيار اقتصادي منذ أكثر من ست سنوات بات معه الكثير من سكانه تحت خط الفقر.

وانعكست تبعات الأزمة الاقتصادية غير المسبوقة على قطاعات مختلفة بما في ذلك البناء، فيما تردى وضع الكثير من البنى التحتية.

وحثّت منظمة العفو الدولية عام 2024 السلطات اللبنانية على إجراء مسح ميداني شامل «على وجه السرعة لتقييم سلامة المباني في جميع أنحاء البلاد»، ونشر نتائجه.

وحذّرت المنظمة حينها خصوصاً من الوضع في طرابلس، كبرى مدن الشمال اللبناني، حيث يقطن «آلاف الأشخاص... في أبنية غير آمنة» عقب وقوع زلزال مدمر في تركيا وسوريا في فبراير (شباط) 2023، ألحق أضراراً بأبنية في لبنان.

وأضافت أنه «حتى قبل وقوع الزلازل، كان السكان في طرابلس قد دقوا ناقوس الخطر بشأن حالة مساكنهم المروّعة والناجمة عن عقود من الإهمال».


«الخارجية» الفلسطينية تدين قرارات إسرائيل وتؤكد عدم شرعيتها على الأراضي المحتلة

جرافات عسكرية إسرائيلية تهدم 3 منازل يملكها فلسطينيون في قرية شقبا غرب مدينة رام الله في الضفة الغربية (أ.ف.ب)
جرافات عسكرية إسرائيلية تهدم 3 منازل يملكها فلسطينيون في قرية شقبا غرب مدينة رام الله في الضفة الغربية (أ.ف.ب)
TT

«الخارجية» الفلسطينية تدين قرارات إسرائيل وتؤكد عدم شرعيتها على الأراضي المحتلة

جرافات عسكرية إسرائيلية تهدم 3 منازل يملكها فلسطينيون في قرية شقبا غرب مدينة رام الله في الضفة الغربية (أ.ف.ب)
جرافات عسكرية إسرائيلية تهدم 3 منازل يملكها فلسطينيون في قرية شقبا غرب مدينة رام الله في الضفة الغربية (أ.ف.ب)

أكدت وزارة الخارجية الفلسطينية، اليوم (الأحد)، أنه «لا سيادة لإسرائيل على أي من مدن أو أراضي دولة فلسطين المحتلة»، مشددة على رفضها وإدانتها لقرارات الحكومة الإسرائيلية.

ونددت الوزارة، في بيان، بما وصفتها بـ«المحاولات الإسرائيلية المستميتة لفرض أمر واقع؛ من خلال الاستيطان الاستعماري وتغيير الواقع القانوني ومكانة الأرض الفلسطينية المحتلة، بما فيها القدس».

وأشارت «الخارجية» الفلسطينية إلى أن هذه القرارات بمثابة ضم فعلي للأراضي الفلسطينية، وهو ما يخالف رؤية الرئيس الأميركي دونالد ترمب، وحثته على التدخل والضغط على إسرائيل للتراجع عن هذه القرارات التي تزعزع الأمن والسلام والاستقرار في المنطقة.

وأفاد موقع «واي نت» الإخباري اليوم، بأن مجلس الوزراء الإسرائيلي أقر تغييرات جوهرية في إجراءات تسجيل الأراضي وحيازتها في الضفة الغربية، ما يسمح بهدم منازل يملكها فلسطينيون.

وأكد الموقع أن القرارات الجديدة ستتيح لإسرائيل هدم مبانٍ مملوكة لفلسطينيين في المنطقة (أ) بالضفة الغربية المحتلة، كما ستُحدث توسعاً كبيراً في عمليات الاستيطان بجميع أنحاء الضفة الغربية.

وأكد الموقع أن القرارات التي اتخذها مجلس الوزراء الإسرائيلي تتناقض مع مبادئ «اتفاق الخليل» الموقع عام 1997، الذي كان الهدف منه أن يكون مرحلة مؤقتة نحو حل الصراع الإسرائيلي - الفلسطيني في الخليل، وهي المدينة الوحيدة التي لم ينسحب منها الجيش الإسرائيلي خلال الموجة الأولى من سحب القوات ضمن اتفاق أوسلو للسلام.