سلاح الجو السوري: يد النظام الطويلة

لا يزال قادرًا على تنفيذ 100 طلعة جوية يوميًا.. ومروحياته ترمي «سكود الفقراء»

سلاح الجو السوري: يد النظام الطويلة
TT

سلاح الجو السوري: يد النظام الطويلة

سلاح الجو السوري: يد النظام الطويلة

قبل عام 2011، كان سلاح الجو السوري واحدًا من أضعف أسلحة النظام الذي يئس من قدرة حلفائه على تطوير هذا القطاع بما يكفي لمواجهة سلاح الجو الإسرائيلي، فاختار أن يواجهه من على الأرض بواسطة أسلحة الدفاع الجوي التقليدية من صواريخ وبطاريات مدفعية ومنظومات رادار. أما اليوم، فقد بات هذا السلاح هو الأهم والأكثر فعالية لدى النظام السوري في مواجهة خصومه في الداخل، حتى بات يعرف بـ«ذراع النظام» الطويلة لقدرته على ضرب الأهداف في أي مكان في سوريا.
ويعتبر سلاح الجو السوري الأكبر بين الدول العربية لاحتوائه على نحو 900 طائرة، لكنه قد يكون الأقدم لاعتماده على طائرات معظمها قديم الصنع، فيما تواجه الطائرات الحديثة القليلة لديه مشكلة الذخيرة غير المتوافرة بكثرة والباهظة الثمن، ما يجبر النظام على استعمال الطائرات القديمة الصنع التي تضطر للهبوط إلى ارتفاعات منخفضة نسبيًا لضرب أهدافها، والهليكوبترات التي تلقي البراميل المتفجرة، وهذه البراميل تسمى بين الخبراء بـ«سكود الفقراء» لرخص ثمنها، مقارنة بالذخيرة الذكية للطائرات الحديثة.

يُعتقد اليوم أن سلاح الجو التابع للنظام السوري يحتوي على نحو 600 طائرة، أربعة أخماسها طائرات مقاتلة وقاذفة، والبقية مروحية (هليكوبترات)، بالإضافة إلى طائرات النقل. وتأتي صفقة طائرات الـ«ميغ 31» الستة التي يقال إن روسيا قد سلمتها إلى سوريا، لتزيد من قدرة النظام نوعيا، من غير أن تقدر على الزيادة الكمية. فسلاح الجو يواجه أعداء ضعفاء، بمعنى انعدام قدرتهم على إسقاط طائراته بما يكفي لردعه عن الطيران فوق مناطقهم. ويرى المراقبون أن هذه الصفقة - إن صحّت - تعد صفقة سياسية أكثر منها عسكرية، إذ إنها تأتي في وقت يتصاعد فيه الحديث عن تضاؤل الدعم الروسي وعدم التمسك الصارم ببقاء رئيس النظام بشار الأسد في السلطة.
يذكر أنه منذ اندلاع الثورة في سوريا تحول سلاح الجو إلى واحد من أعمدة بقاء نظام الأسد، وسببا رئيسا لبقاء هذا النظام ميدانيا، بسبب قدرته الواضحة على تحويل مسار المعارك في كثير من الأحيان، وهو القطاع نفسه الذي شهد خسارة 400 طائرة في مواجهة إسرائيل، منها نحو 80 طائرة في معركة واحدة حدثت فوق البقاع اللبناني مع الطيران إلإسرائيلي في عام 1982، انتهت بسقوط مائة طائرة سورية مقابل عشر طائرات إسرائيلية فقط سقطت جميعها بفضل صواريخ ومدفعية أرضية، لا بسلاح الطائرات الحربية المقابلة.
ولقد أكد تقرير نشرته مجلة «جينز» العسكرية المتخصصة العام الماضي أن قدرة الجيش السوري على ضرب عمق المناطق التي تسيطر عليها المجموعات المسلحة المعارضة، وتقديم الدعم الجوي القريب للقوات البرية لم تتناقص على الرغم من فقدان كثير من الطائرات خلال أكثر من عامين على اندلاع الحرب. ونقلت عن مصادر عسكرية تركية أن سلاح الجو السوري قادر على تنفيذ 100 طلعة جوية مؤثرة في اليوم بما فيها طائرات الهليكوبتر والطائرات الحربية، وفي المتوسط 50 في المائة منها طلعة قتالية. فيما يتم تقسيم الطلعات الأخرى بالتساوي تقريبًا بين طائرات النقل ورحلات التدريب.
ويرى الخبير الاستراتيجي اللبناني العميد المتقاعد هشام جابر «أن طائرات الميغ 31 تعتبر فخر الصناعة الروسية الحالية، وهي ما زالت تعتبر من السلاح الاستراتيجي في القوات الجوية الروسية». ويقول جابر لـ«الشرق الوسط» إنه «تم تصميم المقاتلة ميغ - 31 وخصص استخدامها ضمن نظام الدفاع الجوي بغية اعتراض وتدمير الأهداف، فهي مقاتلة وقاذفة على حد سواء، يستطيع سلاح الجو السوري الاستفادة منها في زيادة فعالية سلاحه الجوي الذي فقد الكثير من فاعليته خلال السنوات الماضية».
ورجح جابر أن تكون قدرات سلاح الجو السوري وصلت إلى ما بين 70 و75 في المائة مما كانت عليه من قبل، بعد أن دمّرت بعض طائراته العسكرية في المطارات والبعض الآخر يحتاج إلى ورشة صيانة، موضحًا أن الجيش السوري النظامي يملك جميع الأجيال السابقة لطراز ميغ 31 وهو يستخدم حاليًا 9 مطارات عسكرية من أصل 18، وهي مجهّزة ومعدّة بشكل جيد ويستخدمها بحسب ترتيبات الوضع الأمني. وشدد على أن جيش النظام «ليس بوارد الاصطدام بالطائرات العسكرية الأميركية، ولا أميركا تنوي في أن تقوم بأي اعتداء على الطائرات السورية إذا ما أقيم حظر جوي في المنطقة الآمنة».
واعتبر جابر أن «ما تكشف عن تسليم موسكو طائرات ميغ 31 المتطورة لدمشق ينبئ باستمرار الدعم الروسي للقيادة السورية، في رسالة واضحة من روسيا لكل المعنيين بالملف السوري حول العالم». وأردف: «هو دعم يأتي بعد تزايد التكهنات مؤخرًا عن حصول تغير في الموقف الروسي، وصولاً إلى حد الحديث عن موافقة موسكو على التخلي عن حليفها الرئيس الأسد لمصالح لها مع أميركا ودول أخرى، كما يروج البعض». وأكد جابر أن« طائرات الميغ 31 مدفوع ثمنها من قبل سوريا، وأن روسيا ليست جمعية خيرية بل لها مصالح في سوريا، ومع أن روسيا ليست متمسكة بشخص بشار الأسد، إلا أنها تجد في النظام السوري ومؤسساته وجيشه حاميًا لمصالحها». وأضاف: «كل هذا يفتح أفق التساؤل والاستنتاج عن أبعاد الرسالة الروسية، وما إذا كانت تتجاوز الميدان السوري إلى الدول المنغمسة بالحرب على سوريا، مع ارتفاع وتيرة الحديث عن المنطقة العازلة، التي تسعى تركيا إلى إقامتها داخل الأراضي السورية».
من ناحية أخرى، يقول جيفري وايت، الباحث في معهد واشنطن لدراسات الشرق الأدنى إنه «بعد أن أُنهك الجيش النظامي في حرب استنزاف، أصبحت القوات الجوية أكثر أهمية. وتشكل هذه القوات عنصرًا جوهريًّا في القوة النارية للنظام، وتمثل قدراتها إحدى أبرز نقاط عدم التكافؤ في الصراع. فالعمليات الجوية تشكل وسيلة رئيسية لاستنزاف قوات الثوار والتسبب بخسائر بين المدنيين في المناطق التي يسيطر عليها الثوار، وليست أي منطقة في سوريا بمنأى من هجماتها». وتابع وايت أنها «قوة ذات مرونة واستجابة ولقد برهنت أنها قادرة على بذل جهد مستمر في العمليات الاستراتيجية وفي دعم العمليات الميدانية، الهجومية والدفاعية على حد سواء. وتحصل الضربات الجوية في ساحات معارك صعبة كالمدن أو الأرياف أو المناطق الجبلية أو الصحراوية. وتكون الأهداف قريبة من مناطق مأهولة أو ضمنها وغالبًا ما تكون قريبة من قوات النظام أو على اتصال بها. وعملت القوات الجوية السورية في كافة هذه البيئات، بكفاءة على الأقل، إن لم يكن بدقة».
وايت رأى أيضا أنه «بعد عامين ونصف العام من العمليات المستمرة في حرب لم يكن سلاح الجو السوري مستعدًا لها، ولكن أظهر هذا السلاح أيضًا مرونة مفاجئة، إذ فقد خمس قواعد من قواعده الجوية الخمسة والعشرين بينما يقع سبع أو ثمانٍ منها تحت الحصار أو هي هدف للهجمات الدورية». وواصل شرحه قائلا: «في بداية الحرب، كانت هذه القوات تملك أكثر من 500 طائرة حربية ثابتة الجناحين أو بجناحين متحركين تضم الأنواع التي تُستخدم بشكل أساسي في الحرب وهي طائرات (إل 39) و(ميغ 21) و(ميغ 23) و(ميغ 29) و(سوخوي سو 22) و(سوخوي سو 24)، بالإضافة إلى الهليكوبترات (مي 7 - 17) و(مي 24) لإلقاء البراميل المتفجرة والقصف. ومع أنه يصعب تعقب خسارات سلاح الجو السوري، لكن تشير تقديرات قائمة على تقارير المعارضة إلى أن أكثر من 200 طائرة مقاتلة قد تكون قد دُمرت، بالإضافة إلى عدد من أفراد الطاقم الجوي الذين قتلوا أو أسروا أو أصيبوا بجراح أو انشقوا عنها. وحتى مع أخذ المبالغة المتوقعة بعين الاعتبار، يبدو أن استنزافها كبير. وبغض النظر عن هذه الخسارات، يبدو أن القوات الجوية تجري نحو 50 طلعة جوية في اليوم استنادًا إلى تقارير محدودة من المعارضة ومصادر أخرى. ومن المرجح أن تكون روسيا وإيران قد قدمتا مساعدات حيوية للحفاظ على القوات الجوية بما في ذلك توفير قطع الغيار وعمليات تجديد وترميم وتحسين المعدات».
ووفقا لمعهد واشنطن، تنفذ القوات الجوية التابعة للنظام السوري مجموعة كبيرة من العمليات القتالية دعمًا لأهدافها عبر هجمات على مناطق مدنية، بما في ذلك المنازل والمرافق الطبية ومرافق المياه والمخابز والمحاصيل والثروة الحيوانية، يلعب فيها إلقاء البراميل المتفجرة من الهليكوبترات دورًا رئيسيًا. ودعم عمليات الحصار التي تهدف إلى تقويض المقاومة في المناطق التي يسيطر عليها الثوار، تلعب فيها الهليكوبترات أيضًا دورًا رئيسيًا. وضربات على أهداف عسكرية بما فيها القيادة والقوات والمعدات والخدمات اللوجيستية والمنشآت التابعة للثوار. واعتراض الحركة التكتيكية والعملياتية بما في ذلك شن هجمات على السيارات المدنية وقوافل الثوار وعمليات دعم جوي تكتيكية عن قرب لمساندة القوات البرية. الهجمات الانتقامية بعد سقوط منطقة في يد الثوار. وتشمل المهام العسكرية الهامة الأخرى لقوات الأسد الجوية إعادة التزويد الجوي للقوات المعزولة وإعادة الانتشار الجوي والتعزيز الجوي وإجلاء القوات (على الأقل الضباط) من المعاقل المهددة.
هذا، ويرى مراقبون أن الضربات الجوية المركزة التي وجهها النظام السوري إلى مقرات تنظيم داعش في الرقة، شمال البلاد، أبرزت متغيرًا عسكريًا مفصليًا في تجربة سلاح الجو النظامي الذي عرف في السابق باستخدام طائرات قديمة الطرازات وهليكوبترات هجومية وطائرات تدريب. فقد استخدم الطيران النظامي، لأول مرة في أغسطس (آب) 2014، طائرات تحلق على ارتفاع شاهق، رمت قنابل أصابت الأهداف بدقة، مما دفع سكان المنطقة في سوريا إلى الترجيح بأن هذه الطائرات «أميركية وليست سورية»، على ضوء الضربات الجوية الأميركية لمواقع التنظيم في العراق. غير أن نفي واشنطن ودمشق على حدّ سواء، وتأكيد «المرصد السوري لحقوق الإنسان» بأن الطائرات أقلعت من مطارات في البادية السورية (شرق حمص في وسط البلاد)، حسم الجدل بشأن هوية الطائرات بأنها سورية.
من جهة أخرى، لطالما استخدم النظام السوري الهليكوبترات أو الطائرات المروحية لرمي براميل متفجرة استهدف بها مناطق سيطرة المعارضة في حلب ودرعا وحماه وريف اللاذقية وداريا في ريف دمشق، كما استخدم طائرات «ميغ 21» القديمة الطراز، إضافة إلى طائرات تدريب من طراز «L36»، التي طورها النظام لتصبح قاذفة ترمي القنابل من علاقات. وحسب ضابط منشق عن الجيش النظامي فإن «النظام يمتلك طرازًا حديثًا من عائلة الميغ بينها (ميغ 29) الروسية الصنع، كما يمتلك طائرات (سوخوي) حديثة لكن تلك الطائرات كانت متوقفة في حظائرها، قبل عامين ونصف العام، بسبب افتقارها لقطع الغيار بحسب ما كانوا يقولون لنا»، من غير أن يستبعد أن تكون روسيا «وفرت قطع الغيار لتلك الطائرات، وزودتها بالقنابل الذكية، بما يتيح استخدامها من جديد».
وأضاف: «طائرات السوخوي معروفة بأنها قاذفات تصيب أهدافها بدقّة، وتحلق على ارتفاع شاهق، لذلك من غير المستبعد أن تكون روسيا أمرت بإعادة تشغيلها من جديد لمواكبة العملية العسكرية في الرقة».
وفي هذا السياق، علّق اللواء الطيار المنشق محمد الفارس لـ«الشرق الأوسط» قائلاً إن عدد الطائرات السورية العاملة تقلص نتيجة سقوط عدد من الطائرات جراء المعارك، مشيرًا إلى أن عدد الطائرات في الخدمة، أساسًا، «يقل عن النصف، نظرًا لأن طائرات كثيرة تحتاج إلى قطع غيار، مما ألزمها البقاء في المطارات العسكرية من غير القدرة على التحليق».
وحسب الفارس، وهو ضابط طيار منشق، إن سلاح الجو السوري، «لا يمتلك القدرة على تحقيق إصابات دقيقة، إذا ما قورن بالطائرات الغربية التي يمتلكها التحالف، لأن ترسانته الجوية، هي من الجيل القديم العائد إلى عقد السبعينات، وهي طائرات قديمة تعمل بأنظمة التوجيه البدائية» كلها طائرات روسية الصنع.
وأردف: «الروس لا يزوّدون النظام بأسلحة تتمتع بدقة عالية في تحقيق الإصابة، فالطائرات الموجودة لا تستطيع إصابة أهدافها عن بعد يتخطى العشرة كيلومترات، بينما طائرات التحالف تستطيع أن تحقق إصابات عن بعد يتخطى الـ40 كيلومترًا»، مشيرًا إلى أن الذخيرة الذكية «موجودة بكميات قليلة، وغير متوفرة لكل الطائرات، وتكلف النظام تكلفة عالية، لذلك لا يستطيع استخدامها».
ولفت الفارس إلى أن النظام «لا يحتاج أساسًا إلى أسلحة ذكية لأن هدفه القتل والتدمير وتهجير السكان وإرغام مقاتلي المعارضة على الاستسلام، لذلك يعتمد على البراميل المتفجرة التي تضرب الأهداف المدنية، وهي سلاح غبي لا يحتاج إلى دقة بالإصابة، نظرًا لأن الغاية منه هي ترهيب السكان وليس قتال قوات المعارضة المتغلغلة بكامل مساحة سوريا».
وفي هذا المجال تستخدم هليكوبترات روسية الصنع في الحرب السورية منذ بدء الاعتماد على سلاح الجو، وهي من طرازات «مي 8» و«مي 14» و«مي 25» القادرة على حمل نحو ثلاثة أطنان من الذخيرة، وتحلق على مسافات مرتفعة ورغم إخراج طائرات عن الخدمة نتيجة سيطرة قوات المعارضة على مطارات عسكرية، وإسقاط عدد من الطائرات الحربية والمروحية، ناهزت بمجملها خلال 4 سنوات، الـ40 طائرة، بحسب مصادر المعارضة، إلا أن القدرة على القصف الجوي، لا تزال فاعلة.
ووفق الفارس فإن احتفاظ سلاح الجو بقدرته على القصف، يعود إلى أنه «لا يلقى مقاومة تذكر، فمن الممكن أن تقلع طائرة من حمص لتضرب أهدافها في حلب، من غير رادع أو معترض، وهو ما مكّن النظام من الاعتماد على سلاح الجو بشكل أساسي»، مشيرًا إلى أن المضادات الأرضية التي تمتلكها المعارضة «بإمكانها أن تبعد طائرة، أو تضعها في دائرة الخطر لحظة انقضاضها لرمي حمولتها، لكنها لا تمنعها من التحليق، ذلك أن المقاتلين لا يمتلكون إلا الأسلحة الخفيفة».
وللعلم، برزت في شهر يونيو (حزيران) الماضي قدرة لدى المعارضة على إصابة الطائرات بصواريخ حرارية في درعا، فجرى تحييد هليكوبترات سلاح الجو الهجومية إلى حد كبير، وألزم الهليكوبترات على التحليق على مسافات شاهقة، قبل رمي حمولتها كما ساهمت تلك الصواريخ التي أسقطت طائرتين منذ مارس (آذار) الماضي في ريف درعا الشرقي، بتقلص عدد الطلعات الجوية نهارًا للطائرات الحربية، واعتماد النظام على القاذفات ليلاً.

* الذئاب المنفردة
يعتمد سلاح الجو النظامي السوري في حربه ضد معارضيه على استراتيجية «الذئاب المنفردة»، أي أن الغارات تنفذ تقريبا من قبل طائرة واحدة في كل مرة تقوم بقصف هدف محدد أو تغير عليه عدة مرات، وذلك بسبب صعوبة التنسيق بين أسراب الطائرات المقاتلة، ولتخفيف الإصابات في صفوفها.
ويقول جيفري وايت إن القوات الجوية السورية لجأت إلى اتباع مجموعة من التكتيكات خلال عملياتها أبرزها الطلعات الفردية المؤلفة من طائرة واحدة تحلق مرة أو أكثر فوق الهدف. والهجمات التسلسلية المؤلفة من ضربات متتالية تقوم بها طائرة واحدة. والهجمات المتكررة ضد منطقة مستهدفة خلال فترة من الزمن بطائرة واحدة أو أكثر. بالإضافة إلى هجمات دقيقة بأسلحة موجهة، ربما بطائرات من طراز «ميغ 29» و«سوخوي سو 24» كما القصف بالبراميل المتفجرة بهليكوبترات نقل وطوافات مقاتلة ضد مناطق مستهدفة.



«اتفاقية التجارة» الأوروبية ــ الهندية تعكس تغيّرات لافتة في الواقع العالمي

في القمة الأوروبية - الهندية بنيودلهي رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي بين «ضيفيه» أورسولا فون دير لاين وأنطونيو كوستا (رويترز - الاتحاد الأوروبي)
في القمة الأوروبية - الهندية بنيودلهي رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي بين «ضيفيه» أورسولا فون دير لاين وأنطونيو كوستا (رويترز - الاتحاد الأوروبي)
TT

«اتفاقية التجارة» الأوروبية ــ الهندية تعكس تغيّرات لافتة في الواقع العالمي

في القمة الأوروبية - الهندية بنيودلهي رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي بين «ضيفيه» أورسولا فون دير لاين وأنطونيو كوستا (رويترز - الاتحاد الأوروبي)
في القمة الأوروبية - الهندية بنيودلهي رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي بين «ضيفيه» أورسولا فون دير لاين وأنطونيو كوستا (رويترز - الاتحاد الأوروبي)

وقّع الاتحاد الأوروبي والهند أخيراً «اتفاقية تجارة حرة» قرأ فيها متابعون أنها لا تعيد تشكيل الجغرافيا السياسية العالمية فحسب، وإنما تتحدّى أيضاً، ولا سيما في توقيتها، هيمنة بعض القوى العالمية الراسخة. لقد أبرم «الاتفاقية» وفد أوروبي زائر رفيع المستوى بقيادة أورسولا فون دير لاين رئيسة المفوضية الأوروبية، وأنطونيو كوستا رئيس «المجلس الأوروبي»، اللذين كانا ضيفي شرف في احتفالات «يوم الجمهورية» الهندي، وأقاما في العاصمة نيودلهي.

تغطي «اتفاقية التجارة الحرة» الأوروبية - الهندية ما يقرب من 25 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي على مستوى العالم، وتربط سوقاً يبلغ تعدادها ملياري نسمة، ولذا يعدها خبراء أكثر بكثير من مجرد معاهدة تجارية تقليدية.

وفي أعقاب ما يقرب من عقدين من المفاوضات المتعثرة، تعكس الاتفاقية تغيّرات لافتة في الواقع العالمي؛ إذ أسفرت اضطرابات سلاسل التوريد، والمنافسة المحتدمة بين القوى العظمى، وتزايد النزعة القومية الاقتصادية، عن اضطرار الاقتصادات الكبرى إلى إعادة النظر في شراكاتها التقليدية.

في ظل هذا المشهد المتغير، يشير هذا التقارب بين «الاتحاد الأوروبي» والهند إلى نشوء محوَر جديد للتعاون الاقتصادي والاستراتيجي.

وهنا، يُبرز البروفسور هارش في بانت، نائب رئيس مؤسسة «أوبزرفر» البحثية (ORF)، الاتفاقية الجديدة بوصفها إشارة استراتيجية مهمة إلى واشنطن، ويشير إلى أن الشركاء المتشابهين في التفكير والتوجّهات يستطيعون تعزيز القدرة على التنبؤ الاقتصادي مع التقليل من التقلّبات بصفة مستقلة عن السياسة الأميركية. ومن ثم يؤكد حقيقة أساسية هي أن هذه الاتفاقية لا تتعلّق فقط بالرسوم الجمركية والوصول إلى الأسواق، بل تتّصل أيضاً بالسلطة والاستقلالية والمكانة الاستراتيجية طويلة الأمد.

ما دور ترمب وراء دفع الاتفاقية؟

يعتقد عدد من المحللين أن السياسات التجارية الأميركية الأخيرة، مع الضغوط الدبلوماسية الملازمة لها، لعبت دوراً حاسماً في تسريع التفاهم بين الاتحاد الأوروبي والهند؛ إذ واجهت الهند رسوماً جمركية باهظة وضغوطاً سياسية مستمرة من جانب واشنطن.

وعلى مدار العام الماضي، انتقد ترمب ومساعدوه نيودلهي مراراً وتكراراً، مستخدمين القيود التجارية والخطاب الدبلوماسي اللاذع لدفع الهند نحو ترتيبات مواتية للمصالح الأميركية. ووُصفت الهند بأنها غير جديرة بالثقة، وغامضة استراتيجياً، ومقرّبة بصورة مفرطة من موسكو. بيد أن نيودلهي فضلت سياسة ضبط النفس بدلاً من المواجهة، وعوضاً عن الانخراط في تصعيد خطابي، اختارت بهدوء تعزيز شراكات بديلة، ووسّعت من خياراتها الدبلوماسية، وهو ما أعاد جريان نهر الحوار بين الجانبين.

الجدير بالذكر هنا أنه ظهر نمط أميركي مماثل في تجربة كندا الأخيرة؛ إذ عندما تحرّكت سلطات أوتاوا نحو إبرام اتفاقية تجارية مع الصين، حذّرت واشنطن - وفق تقارير يعتدّ بها - من إمكانية فرض رسوم جمركية تصل إلى 100 في المائة على الصادرات الكندية الرئيسة إذا ما استمرت المشاركة الاقتصادية الأعمق مع بكين. ويبدو أن هذه التهديدات أثبتت فاعليتها، وأجبرت كندا على التراجع - إلى حد ما - عن المفاوضات المستقلة.

أوروبا أيضاً وجدت نفسها في حالة من القلق المتزايد إزاء العجز الواضح على التنبؤ بسلوك واشنطن. وأدّى تكرار الرئيس الأميركي دونالد ترمب الكلام عن «طموحاته» الإقليمية - بما في ذلك اقتراحه المثير للجدل بشراء غرينلاند من الدنمارك - إلى جانب الصدامات العلنية مع الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون حول تقاسم أعباء حلف شمال الأطلسي «ناتو»، والأعباء التجارية، إلى تعميق الشكوك الأوروبية بشأن موثوقية الولايات المتحدة.

ولم يطل الوقت حتى انضمت ألمانيا، التي كانت تشعر بالفعل بالإحباط إثر العقوبات التي أثّرت سلباً على مشاريعها في مجال الطاقة وصناعة السيارات، إلى فرنسا في التشكيك في استمرارية الالتزامات عبر الأطلسي.

وبدورها، شعرت بلدان جنوب أوروبا، التي تواجه هي الأخرى تهديدات بفرض رسوم جمركية على صادراتها الزراعية، بالقلق.

هذه الضغوط مجتمعة أسفرت عن إبطاء المفاوضات بين «الاتحاد الأوروبي» والولايات المتحدة، وتآكل الثقة الاستراتيجية بشكل مطّرد. وردّت بروكسل بتسريع التزامها تجاه الهند، التي تتمتع باقتصاد كبير في بيئة عالمية تفتقر للاستقرار.

«قطب ثالث» يواجه «شرعة مونرو»

هنا يلاحظ المحلّل الجيوسياسي الهندي سوشانت سارين أن «اتفاقية التجارة الحرة بين الاتحاد الأوروبي والهند» لعام 2026 تمثّل محوّراً جيو - سياسياً حاسماً؛ لأنها تنشئ «قطباً ثالثاً» ذا نفوذ عالمي يتحدّى بشكل مباشر «شرعة مونرو» الأميركية (1823) المُعاد إحياؤها، والتي تمنح واشنطن الحق في منع التدخل الأوروبي في الأميركتين. وبعيداً عن التجارة، تدمج الاتفاقية الأخيرة الهند في القاعدة الصناعية الدفاعية لـ«الاتحاد الأوروبي». وهي تضمن «بيئة مغلقة» للتجارة تعزل كلتا القوتين عن تقلبات العقوبات الثانوية الأميركية والتدّخلات في نصف الكرة الغربي.

الجدير بالذكر، هنا، أنه خلال الأشهر القليلة الماضية، أبرمت الهند اتفاقيات تجارية مع كل من بريطانيا ونيوزيلندا وسلطنة عُمان وعدد من الكتل الإقليمية الأخرى، فيما يشكّل تحوّلاً متعمداً نحو دبلوماسية تجارية استباقية، وتحاشي الاعتماد المفرط على شريك دولي بعينه. وفي هذا السياق، من المنتظر توقيع الهند وكندا في مارس (آذار) المقبل اتفاقية تجارية مماثلة تهدف إلى رفع حجم التجارة الثنائية إلى نحو 50 مليار دولار أميركي بحلول عام 2030.

من جهة ثانية، على الرغم من المخاوف بشأن استمرار تعاون الهند مع روسيا، تجنّبت أوروبا اتخاذ تدابير عقابية، مختارة التعامل بإيجابية.

ذلك أنه بالنسبة لـ«الاتحاد الأوروبي»، توفّر الهند - التي يعدّ اقتصادها الآن رابع أكبر اقتصاد في العالم - للدول الأوروبية إمكانيات نمو ضخمة؛ إذ تمنح «الاتفاقية» نحو 93 في المائة من الصادرات الهندية وصولاً إلى الأسواق الأوروبية معفيّاً من الرسوم الجمركية. وفي المقابل، تحصل أوروبا على تخفيضات في الرسوم الجمركية على السلع الفاخرة، والطائرات، والمواد الكيميائية، وغيرها. كذلك تفتح «الاتفاقية» آفاقاً جديدة بالنسبة للصانعين الهنود، وشركات الأدوية، ومُصدّري تكنولوجيا المعلومات، وشركات الطاقة المتجددة.

مع هذا، يحذّر الخبير الاقتصادي بيسواجيت دهار من ضرورة التزام المصدّرين الهنود بمعايير «الاتحاد الأوروبي» الصارمة في مجال التنظيم والاستدامة. ومن دون تحسينات كبيرة في أنظمة الامتثال، قد يظل الوصول إلى الأسواق غير مستغل بالشكل الأمثل.

وعلى نحو مماثل، ينبّه المحلل السياسي سانجايا بارو، المستشار الإعلامي السابق لرئيس الوزراء الهندي، إلى «ضرورة موازنة الهند بين تعميق علاقاتها مع الاتحاد الأوروبي من دون الإضرار بعلاقاتها مع واشنطن. وذلك لأنه ولو كان التنويع ضرورياً، فإن الانحياز المفرط إلى أي كتلة بعينها ينطوي على مخاطر جمة».

في القمة الأوروبية - الهندية بنيودلهي رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي بين «ضيفيه» أورسولا فون دير لاين وأنطونيو كوستا (رويترز - الاتحاد الأوروبي)

أوروبا: البقاء والسيادة

بالنسبة لأوروبا، فإن الاتفاقية وُلدت من رحم الضرورة؛ إذ أدى انهيار ركائزها الثلاث، أي: الطاقة الروسية الرخيصة، وضمانات الأمن الأميركية، ونمو السوق الصينية، إلى ترك الاتحاد الأوروبي يبحث عن سبل البقاء. ومع توتر العلاقات بين واشنطن و«الاتحاد الأوروبي» جرّاء الرسوم الجمركية الأميركية والحروب التجارية التي تلوح في الأفق، وفّرت الهند الحجم اللازم للحفاظ على النمو الأوروبي. وبالتالي، فإنهاء عقدين من المفاوضات المتعثرة أتاح لأوروبا المجال لتأكيد استقلاليتها الاستراتيجية.

الواقع أن ضعف الاتحاد الأوروبي العسكري واعتماده المستمر على «ناتو» يظهران بوضوح، غير أن «اتفاقية التجارة الحرة» تمثل محاولته لإعادة ابتكار نفسه كقوة تجارية في المقام الأول.

وهنا، في ضوء التدابير الاقتصادية الأميركية الأخيرة، يواجه المصدّرون الأميركيون خطر فقدان أفضليتهم في أوروبا أمام منافسيهم الآسيويين. وهنا نشير إلى أن أوروبا ربطت التجارة بالاستدامة؛ إذ خصّصت 500 مليون يورو لصندوق المناخ في الهند كجزء من دبلوماسيتها الخضراء.

وفي هذا الإطار، يلفت المحلل سوشانت سارين إلى أن «التعجّل الأوروبي في إبرام هذه الاتفاقية يؤكد تراجع نفوذ أوروبا كقوة عالمية، الأمر الذي أضعفه خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي، والنعرات الشعبوية، وأزمات الهجرة». ويضيف: «في مواجهة الضعف الاقتصادي والقيود الاستراتيجية، تتراجع أوروبا عن سياسة القوة الصلبة وتعيد تشكيل دورها عبر التجارة. وفي الوقت نفسه، يشير تركيز واشنطن المتجدد على الهيمنة على نصف الكرة الغربي إلى انكفاء نحو الداخل، ما يُهمش أوروبا من النفوذ العالمي».

يبرز ميناء حيفا الإسرائيلي كنقطة عبور

لما يقرب من خُمْسِ التجارة

بين الهند وأوروبا

الحرب الروسية - الأوكرانية

من جانب آخر، تقع «اتفاقية التجارة الحرة» الجديدة في قلب جدل ساخن حول تمويل الحرب في أوكرانيا. فلقد أثارت «الاتفاقية» غضب واشنطن، التي اتهمت الاتحاد الأوروبي بـ«التمويل غير المباشر لحرب بوتين» عبر توقيع الاتفاقية مع الهند.

مع هذا، اختار «الاتحاد الأوروبي» النهج البراغماتي، ومنح الأولوية لشراكته الطويلة الأمد على الامتثال للعقوبات الثانوية الأميركية. ولذا انتقد البيت الأبيض الاتفاقية علناً. وهاجم سكوت بيسنت، وزير الخزانة الأميركي، بروكسل بشدة إثر إبرام الاتفاقية مع نيودلهي، قائلاً: «لقد فرضنا رسوماً جمركية بنسبة 25 في المائة على الهند لشرائها النفط الروسي. خمّنوا ماذا حدث الأسبوع الماضي؟ وقّع الأوروبيون اتفاقية تجارية مع الهند. إنهم يُمولون الحرب ضد أنفسهم».

شراكة أمنية

بالمناسبة، «الاتفاقية» لم تقتصر على إعادة ترسيم الحدود الاقتصادية فحسب، بل أرست أيضاً «بنية أمنية» جديدة تمتد من بحر الشمال إلى المحيط الهندي. ولقد وقّع طرفاها الأوروبي والهندي اتفاق «شراكة أمنية ودفاعية»، يشمل تنسيقاً غير مسبوق للمسؤوليات البحرية والاستراتيجية. وسيعمل الطرفان الآن معاً على حماية بعض الممرّات البحرية الأكثر أهمية في العالم.

وهنا، لاحظ البروفسور هارش في بانت أن «شراكة الأمن والدفاع تخلق مثلثاً جيو - سياسياً جديداً، بحيث تسعى روسيا إلى إبقاء أوروبا معتمدة على الطاقة، وتضغط الولايات المتحدة على الهند لعزل موسكو، ويبني الاتحاد الأوروبي قطباً ثالثاً للقوة من خلال الهند.

وفي الحقيقة، تُضفي «الاتفاقية» الأوروبية - الهندية طابعاً واقعياً على الحرب في أوكرانيا باعتبارها متغيراً دائماً... ما يخلق نظاماً تجارياً عالمياً مصمّماً للعمل في ظل الصراع بدلاً من انتظار حله.

ولكن مع ذلك، تحذّر الأصوات الناقدة من أن الاختلافات في تصوّرات التهديدات، وموقف الاتحاد الأوروبي الدفاعي المُجزّأ، وعقبات التصديق، قد تُحدّ من إمكانيات التحوّل التي ينطوي عليها الاتفاق ما لم يلتزم الجانبان بالتعاون العملي في مجالات محدّدة وتبادل حقيقي للتكنولوجيا.

الشرق الأوسط والقرن الأفريقي

أما بالنسبة للشرق الأوسط، فإن «الاتفاقية» بين «الاتحاد الأوروبي» والهند قد تسهم في إعادة تشكيل الديناميات الجيوسياسية عبر الشرق الأوسط وأفريقيا. ويشير محللون، بالذات، إلى أن «الاتفاقية» قد تعزّز من مكانة إسرائيل باعتبارها «حارس بوابة البحر الأبيض المتوسط»، حيث يبرز ميناء حيفا كنقطة عبور لما يقرب من خُمْسِ التجارة بين الهند والاتحاد الأوروبي. ومن شأن هذا الاعتماد الاقتصادي المتزايد أن يؤدي إلى تعزيز النفوذ الاستراتيجي لإسرائيل.

وحقاً يلاحظ سانجايا بارو أن «الاتفاقية تُحول التركيز البحري نحو القرن الأفريقي، حيث تتحالف الهند وإسرائيل لمواجهة الوجود المتنامي للصين، والمحور الباكستاني - التركي. ويجري تطوير ميناء بربرة، في إقليم «أرض الصومال»، ليكون بديلاً على البحر الأحمر، ما يُقلل الاعتماد على قاعدة جيبوتي المدعومة من الصين قرب مضيق باب المندب. وأيضاً يُضفي الاتفاق الطابع الرسمي على التعاون البحري من خلال الدوريات المشتركة في إطار عمليتي «أسبيدس» و«أتالانتا»، ومناطق المسؤولية المشتركة، وتوسيع نطاق المهام من خليج غينيا إلى مضيق ملقا».

ويضيف المحلل الهندي: «من خلال دمج الإنتاج الدفاعي المشترك، ودمج المعلومات البحرية، واستراتيجيات الوجود الأمامي، أصبح اتفاق التجارة الحرة فعلياً بمثابة اتفاق أمني بحري بقدر ما هو اتفاق تجاري... بانياً جداراً بحرياً في مواجهة الصين الصين والتحالف التركي – الباكستاني».

استراتيجية أوروبا للحد من المخاطر

على صعيد متصل، تمثّل «الاتفاقية» أوضح إشارة حتى الآن على عزم أوروبا على «الحد من المخاطر» المحتملة من الصين.

فمن خلال تشجيع نقل الإنتاج من المصانع الصينية إلى مراكز النسيج والتكنولوجيا الهندية، يعمل «الاتحاد الأوروبي» بنشاط على وضع الهند كشريك تصنيع مفضّل لديه... ما يعني تحدياً لـ«مبادرة الحزام والطريق» الصينية.

ومن الناحية الاستراتيجية، تتيح «الاتفاقية» لأوروبا تنويع سلاسل التوريد، وتقليل احتمالات التعرّض للتوترات الجيوسياسية، وتأمين القطاعات الحيوية مثل أشباه الموصلات والتكنولوجيا الخضراء.

نظام عالمي ناشئ

ختاماً، تعكس «اتفاقية التجارة الحرة» بين «الاتحاد الأوروبي» والهند تحوّلاً واضحاً في السياسة العالمية. وفي حين تحتفظ الولايات المتحدة بتفوقها العسكري، فإنها تخاطر بإبعاد شركائها من خلال سياساتها الاقتصادية القسرية، ومع أن الصين تظل لاعباً مركزياً فإنها تواجه مقاومة متزايدة لنموذجها الاقتصادي. ونتيجة لكل ذلك، يتّجه النظام العالمي بثبات نحو التعددية القطبية، مع توزّع القوة وتشتّتها عبر المناطق والمؤسسات بصورة متزايدة.


ميته فريدريكسن... الزعيمة الدنماركية التي عزّزت شعبيتها بمواجهتها ترمب

في الأزمة الحالية مع واشنطن حرصت على التشاور بشكل مستمر مع قادة الجزيرة وتنسيق الخطوات والمواقف
في الأزمة الحالية مع واشنطن حرصت على التشاور بشكل مستمر مع قادة الجزيرة وتنسيق الخطوات والمواقف
TT

ميته فريدريكسن... الزعيمة الدنماركية التي عزّزت شعبيتها بمواجهتها ترمب

في الأزمة الحالية مع واشنطن حرصت على التشاور بشكل مستمر مع قادة الجزيرة وتنسيق الخطوات والمواقف
في الأزمة الحالية مع واشنطن حرصت على التشاور بشكل مستمر مع قادة الجزيرة وتنسيق الخطوات والمواقف

قبل أن تتفجّر أزمة غرينلاند بين الدنمارك والولايات المتحدة، اشتهرت رئيسة الحكومة الدنماركية ميته فريدريكسن، على الرغم من «اشتراكيتها»، بسياستها المتشدّدة ضد اللاجئين. إلا أنها باتت تُعرّف أخيراً بالسيدة التي تقف حاجزاً بين الرئيس الأميركي دونالد ترمب وطموحه للاستحواذ على أكبر جزيرة في العالم... غرينلاند. وحقاً، منذ اليوم الأول من ولايته الثانية، يكرّر ترمب بانتظام ومن دون ملل، مساعيه للاستحواذ على غرينلاند، الجزيرة التابعة للدنمارك التي تحظى بإدارة ذاتية. ومع الرئيس الأميركي لم يستبعد استخدام القوة للحصول على غرينلاند إلا قبل أسابيع قليلة في «منتدى دافوس» الاقتصادي العالمي، عندما أعلن أنه لن يأخذها بالقوة، فإنه أتبع ذلك بإعلانه عن التوصل لاتفاق «يرضي الجميع» على وضع الجزيرة مع أمين عام حلف شمال الأطلسي «ناتو».

تفاصيل الاتفاق بين الرئيس الأميركي دونالد ترمب وأمين عام «ناتو» مارك روته حول جزيرة غرينلاند ما زالت غير واضحة. بل أصلاً غير معلوم بعد ما إذا كان الاتفاق بهذا الشأن موجوداً. إذ إن «قمة دافوس» كانت المكان الذي استبعد ترمب فيه للمرة الأولى، وعلناً، استخدام القوة للحصول على غرينلاند.

كثيرون اعتبروا هذه الخطوة انتصاراً لرئيسة وزراء الدنمارك ميته فريدريكسن، التي كرّرت منذ بداية الأزمة، إبان ولاية ترمب الأولى، رفضها القاطع والواضح. في تلك الفترة، عام 2019 كانت فريدريكسن قد تسلمت منصبها للتو بعد فوز حزبها الديمقراطي الاشتراكي (يسار الوسط) في الانتخابات العامة. وبين عهديها الأول والثاني، عاد الرئيس الأميركي وعاد معه صداع غرينلاند؛ وهو صداع وضع أصغر رئيسة وزراء للدنمارك على خريطة العالم، وأجلسها إلى جانب قادة الدول الكبرى مع أنها تقود دولة صغيرة، عدد سكانها أقل من 6 ملايين نسمة.

لا... لتنمّر الكبار!

«إذا رضينا بأن تتنمّر القوى الكبرى على الدول الأخرى، فهذا يعني أن اللعبة انتهت بالنسبة للديمقراطيات!»...

كان هذا رد فريدريكسن خلال مقابلة مع مجلة «فوغ» صيف العام الماضي، عندما سُئلت عن أزمة غرينلاند مع واشنطن التي تعدّ حليفاً أساسياً للدنمارك منذ نهاية الحرب العالمية الثانية. والواقع أن فريدريكسن لم تحاول مرة إرضاء الرئيس الأميركي بتصريحات تتجنّب إغضابه، كما يفعل معظم القادة الأوروبيون. لأن الأمر لا يتعلق فقط بغرينلاند، بل بعلاقة الدول وبالذات الحلفاء، بعضهم ببعض.

ثم إن رئيسة الوزراء الشابة كانت قد أغضبت ترمب إبان ولايتها الأولى عندما وصفت كلامه عن غرينلاند بـ«السخيف» - ما دفعه لإلغاء زيارة كان يخطط لها إلى الدنمارك - ولم تغير فعلياً تعاملها معه في ولايته الثانية. ذلك أنها منذ البداية كانت تقول إنه «جادّ» عندما يتكلم عن غرينلاند وأطماعه، ولذا ظلّت متمسّكة برفض كل مقترحاته حول الجزيرة، ابتداءً من عرضه لشرائها ووصولاً إلى إعلان ثكنات انتشار القوات الأميركية فيها «أراضي أميركية».

وفي المقابل، اختارت فريدريكسن حشد تأييد أوروبي، ليس فقط سياسياً بل عسكرياً أيضاً، داعية فرنسا وبريطانيا وألمانيا إلى إرسال «قوات استطلاع» إلى غرينلاند في رسالة تحدٍّ واضحة للولايات المتحدة.

قد يكون هذا الحشد العسكري المدعوم بالتصريحات الأوروبية المؤيدة لسيادة الدنمارك على غرينلاند، هو ما دفع ترمب في النهاية إلى التراجع عن فكرة استخدام القوة للحصول على الجزيرة. إذ استخلص محلّلون سياسيون أن استراتيجية فريدريكسن هذه بعثت برسالة واضحة للرئيس الأميركي، مضمونها أن أي تحرّك عسكري من جانب واشنطن «سيكون قبيحاً للغاية»، بحسب وصف محلل سياسي دنماركي. وأردف المحلل أن تكتيك رئيسة الوزراء ينطوي على أنه «إذا أرادت الولايات المتحدة أخذ غرينلاند بالقوة، فسيكون عليها أن تقيّد ضباطاً فرنسيين وبريطانيين وألماناً بالأصفاد». وهذا تحديداً، ما حاول أمين «ناتو» روته أيضاً إيصاله لترمب عندما التقى به في دافوس، محاولاً إقناعه بأن كل دول «ناتو» حليفة لواشنطن، ولا يجوز للأخيرة الدخول في مواجهة معها.

سياسية حصيفة... رغم صغر سنها

وقوف فريدريكسن (49 سنة) التي كانت أصغر رئيسة وزراء لبلادها عندما تسلمت منصبها عام 2019 في وجه أقوى دولة في العالم، لم يكسبها فقط شهرة عالمية بل أيضاً زاد من رصيدها محلياً بين الناخبين؛ وربما... بين سكان جزيرة غرينلاند الذين تربطهم علاقة معقدة بالدنمارك. ومن جهة ثانية، فإن الجزيرة الخاضعة لسلطة الدنمارك منذ نحو 300 سنة، عانت لعقود من سياسات عنصرية ما زال العديد منها قائماً حتى اليوم. إلا أن فريدريكسن بذلت جهوداً كبيرة للاعتراف بالكثير من السياسات الخاطئة في الماضي. وبالفعل، اعتذرت، مثلاً، عن ممارسات ماضية لأطباء دنماركيين أجروا عمليات لنساء الجزيرة لتثبيت أدوات لمنع الحمل من دون إبلاغهن، بهدف تقليص عدد السكان الأصليين.

وفي الأزمة الحالية مع واشنطن، حرصت فريدريكسن على التشاور بشكل مستمر مع قادة الجزيرة وتنسيق الخطوات والمواقف. ومع أن نسبة لا بأس بها من سكان غرينلاند تؤيد «الاستقلال الذاتي»، فإن الغالبية من مواطني الجزيرة، وفق آخر الاستطلاعات، ترفض الانضمام إلى الولايات المتحدة على الرغم من علاقتهم الصعبة في كثير من الأحيان مع الدنمارك.

معنى غرينلاند للدنمارك

إن بقاء غرينلاند تحت سلطة الدنمارك أمر بالغ الأهمية للمملكة الاسكندنافية، لأنها - رغم عراقتها التاريخية – ستكون من دونها مجرد دولة صغيرة لا تتعدّى مساحتها 43 ألف كلم مربع. ولكن إذا أُضيفت مساحة غرينلاند البالغة أكثر من مليوني كيلومتر مربع، فهي تصبح في المركز الـ12 من بين أكبر دول العالم، ما يعطيها ميزات كبيرة ودوراً مهماً خاصة في منطقة القطب الشمالي.

فريدريكسن تعي هذا جيداً، وهو ما يجعلها حريصة ليس فقط على التمسك بالجزيرة بل أيضاً على تجنب إغضاب سكانها. وهي أكدت مراراً في الجدل الدائر مع الرئيس الأميركي أن «قرار مستقبل غرينلاند يعود لسكانها وليس لأي طرف آخر».

وفي المقابل، تعي غرينلاند كذلك أهميتها بالنسبة للدنمارك. ونقل عن بيلي بروبيرغ، زعيم أحد أحزاب غرينلاند التي تتبنى مواقف منتقدة للدنمارك، قوله: «إذا لم يعودوا يملكون غرينلاند فسيخسرون 98 في المائة من مساحتهم، لذلك فإن الأمر بسيط جداً، إنهم مهمون طالما أنهم يملكوننا».

بالتالي، هذا يجعل مهمة فريدريكسن أصعب من مجرد تحاشي تخريب العلاقة مع واشنطن، وأيضاً الحفاظ عليها مع «مستعمرتها» التي تقول إن العلاقة معها باتت أشبه بعلاقة متساوية أكثر منها «علاقة استعمارية». وعلى الأقل، في هذه الأزمة مع الرئيس الأميركي، يبدو أن الزعيمة الدنماركية ناجحة في هذه الموازنة حتى الآن.

مَن هي ميته فريدريكسن؟

قد يكون تاريخ هذه السيدة مؤشراً لقدرتها على إتقان اللعبة السياسية في أكثر الأوقات حرجاً ربما لبلادها.

ذلك أنها نشأت في عائلة «مسيّسة»، وتقول إنها لا تتذكّر وقتاً لم تكن تهتم فيه بالسياسة. فوالدها كان عضواً في الحزب الديمقراطي الاشتراكي (الذي تنتمي إليه هي أيضاً). وكان أيضاً قيادياً نقابياً عمل في غرفة إنتاج بإحدى الصحف في وقت كان الإنتاج قد بدأ ينتقل إلى العمل الآلي، ما تسبب بتسريح عدد كبير من الموظفين... الأمر الذي حوّل والدها إلى أحد قادة التحرّك العمالي ضد عمليات التسريح.

اهتمام سياسي مبكّر... وانقلاب محافظ

ومنذ شبابها أبدت ميته فريدريكسن، المولودة في مدينة آلبورغ - رابع كبرى مدن الدنمارك - اهتماماً بالغاً بالسياسة والنضال من أجل العدالة والمساواة. وهي تذكر أن أول مجموعة سياسية انضمت إليها كانت «جناح الشباب» في «المؤتمر الوطني الأفريقي» (الحاكم في جنوب أفريقيا اليوم) وكانت تناضل عبره لإنهاء الفصل العنصري. ودراسياً، درست وتخرّجت بشهادة ماجستير في الدراسات الأفريقية من جامعة كوبنهاغن، وكانت حينذاك قد تزوّجت وأصبحت أماً.

اللافت أن فريدريكسن تروي أنها عندما كانت تلميذة مدرسة كانت تتصدّى للمتنمّرين على الأطفال من ذوي الخلفية المهاجرة، وأن هذا عرّضها للضرب على أيدي المتنمرين.

المفارقة أن تاريخ فريدريكسن في هذا النضال، انقلب لاحقاً، إذ اتخذت مواقفها السياسية اتجاهاً سلبياً معاكساً من الهجرة واللجوء. فهي اعتمدت منذ وصولها إلى السلطة، سياسات لجوء أقرب إلى سياسات اليمين المتطرف. وأعلنت أن الدنمارك دولة تريد «صفر هجرة». وحقاً، تبنّت حكومتها قرارات قاسية شملت طرد عشرات اللاجئين السوريين وإعادتهم إلى بلدهم قبل سقوط حكم بشار الأسد وفي وقت كان القتال ما زال فيه محتدماً.

أيضاً أيّدت فريدريكسن سياسة «فصل العائلات» وإرسال طالبي اللجوء إلى مراكز خارج الدنمارك للبت في طلباتهم. وكل هذه كانت خطوات أثارت ثورة غضب عارمة من المنظمات الإنسانية التي اتهمتها بانتهاك المعاهدات الإنسانية.

كذلك، اعتمد حزبها سياسات رفض استقبال مهاجرين «من دول غير غربية» وأقرّ «الترحيل» عوضاً عن الدمج، وإجبار المهاجرين على العمل 37 ساعة أسبوعياً مقابل الحصول على إعانات.

على الرغم من سياسة الهجرة المتطرفة هذه، تنفي الزعيمة الدنماركية أن تكون قد تبنت سياسات اليمين المتطرف. وردّت على مَن يتهمها بذلك، في مقابلة لها مع مجلة «فوغ»، بالقول: «من الواضح أن ثمن الهجرة الجماعية يدفعه أولئك الذين يعانون أصلاً من أوضاع معيشية صعبة، وليس هناك أي شيء أقوله يجعلني قريبة من اليمين المتطرف. إن حماية حياة الأشخاص العاديين أحد أهدافي الرئيسية». وأردفت أنها «لم تتكلّم مرة بشكل غير لائق» عن اللاجئين، كما أنها تكرر دوماً أن «لا أحد يهرب من دون سبب، ولكن هناك الكثير من النزاعات في العالم والكثير من اللاجئين، وكلهم بحاجة لحماية، وعلينا حمايتهم وتأمين حياة أفضل لهم... إلا أننا لا نستطيع أن نساعدهم كلهم داخل مجتمعنا».

بالنتيجة، ساعدت مواقف فريدريكسن وحزبها السلبية المتطرفة من الهجرة في إبقاء قوى اليمين المتطرف بعيداً عن السلطة في الدنمارك، وهذا عكس عدد كبير من الدول الأوروبية التي تعاني من تنامي اليمين المتطرف، بشكل أساسي، بسبب غضب الناخبين من سياسة الهجرة التي تعتمدها الأحزاب الوسطية الحاكمة.

الأزمة الأوكرانية

وبعيداً عن السياسة الداخلية والصراع حول غرينلاند، تعتبر ميته فريدريكسن من أشد المؤيدين أوروبياً لأوكرانيا. وهي تدعو لإعادة تسليح أوروبا كي تتمكّن من الدفاع عن نفسها، خاصة مع تزايد الشكوك بـ«الحليف الأميركي» الذي لطالما التزم بحماية أوروبا منذ نهاية الحرب العالمية الثانية، لكن هذا الالتزام ضعف كثيراً في عهد ترمب. ومنذ بداية الحرب في أوكرانيا، دفعت فريدريكسن لزيادة الإنفاق العسكري في بلادها، وتعهدت بزيادته بثلاثة أضعاف.

والآن، بينما تتجه لنهاية ولايتها الثانية العام المقبل، تبدو فريدريكسن على خطى وثيقة للفوز بولاية ثالثة. وهنا نشير إلى أن شعبيتها، كانت قد تقلّصت إبان إدارتها أزمة «كوفيد - 19»، خاصة مع «فضيحة إبادة المينك (ثعلب الماء/الفيزون». ففي عام 2020، أمرت الزعيمة الدنماركية بإبادة أكثر من 15 مليون حيوان مينك خوفاً من انتشار سلالة جديدة مقاومة للقاحات بين الحيوانات، ما اعتبر ضربة قاسية للمزارعين في البلاد ولإنتاج الفرو الفاخر الذي يستخرج من المينك.ولقد اضطرت للاعتذار لاحقاً بعدما أظهر تحقيق بأن أوامر ذبح الحيوانات مخالفة للقانون. ولكن تلك الفضيحة باتت الآن من الماضي بالنسبة للناخبين الفخورين بزعيمتهم التي وقفت في وجه رئيس أقوى دولة في العالم.


أهمية غرينلاند تكمن في موقعها الجيوسياسي بين أوروبا وأميركا

منظر من غرينلاند (آ ب/يونهاب)
منظر من غرينلاند (آ ب/يونهاب)
TT

أهمية غرينلاند تكمن في موقعها الجيوسياسي بين أوروبا وأميركا

منظر من غرينلاند (آ ب/يونهاب)
منظر من غرينلاند (آ ب/يونهاب)

تقع غرينلاند في أقصى شمال الكرة الأرضية، وهي أكبر جزيرة في العالم بمساحة تقارب 2.17 مليون كلم مربع، إلا أن عدد سكانها لا يتجاوز 57 ألف نسمة يغلب عليهم السكان الأصليون من شعب الإينويت (الإسكيمو).

تاريخياً، تعاقبت على الجزيرة موجات من الاستيطان. وفي القرن الثامن عشر، قاد التنصيري الدنماركي - النرويجي هانز إغدي بعثة تنصير واستيطان؛ ما مهّد لضم الجزيرة لاحقاً تحت العرش الدنماركي.

بحلول عام 1814، بعد انفصال النرويج عن الدنمارك، أصبحت غرينلاند مستعمرة دنماركية بموجب «معاهدة كيل»، وظلت كذلك حتى منتصف القرن العشرين. وفي عام 1953 جرى تعديل الدستور الدنماركي لتغدو غرينلاند جزءاً لا يتجزأ من مملكة الدنمارك لا مجرد مستعمرة، ولكن دون استفتاء للشعب.

دونالد ترمب (آ ب)

إبان «الحرب الباردة» اكتسبت الجزيرة أهمية استراتيجية هائلة مع إنشاء قاعدة ثول الجوية الأميركية في شمالها، التي أصبحت على الأكثر جزءاً من منظومة الدفاع الاستراتيجي الأميركي ضد الاتحاد السوفياتي.

وخلال العقود التالية، أخذت مطالبات سكان الجزيرة بالحصول على حكم ذاتي تتصاعد. وفي عام 2009، صدر قانون «حكم ذاتي» يمنح حكومة غرينلاند سلطات كبيرة في الشؤون الداخلية مع بقاء الدنمارك مسؤولة عن السياسة الخارجية والدفاع. واشترط القانون أيضاً استفتاءً شعبياً إذا قررت غرينلاند الاستقلال الكامل.

في الواقع، تكمن أهمية غرينلاند في موقعها الجيوسياسي الاستراتيجي بين أوروبا وأميركا الشمالية، على مفترق طرق الممرات البحرية والجوية في القطب الشمالي. وهي نقطة حساسة لمراقبة النشاط العسكري، وبخاصة الروسي. ويأتي اهتمام الولايات المتحدة المتزايد بها، بالتزامن مع تبنّي روسيا قدرات عسكرية في المنطقة القطبية وتعزيزها قواعدها البحرية وقدراتها النووية في القطب الشمالي عموماً.

أيضاً، تسعى الصين إلى تعزيز وجودها في القطب الشمالي عبر استثمارات في مشاريع التعدين والبنى التحتية، وقد دخلت بالفعل شركات صينية في مزايدات ومشاريع للتنقيب والتطوير، رغم مقاومة أميركية ودنماركية في بعض القطاعات.