الجفاف المفاجئ يتكرر سريعاً بسبب تغيُّر المناخ

ينتج من انخفاض هطول الأمطار بشكل غير طبيعي ويرتبط أيضاً بالتبخُّر الناتج عن ارتفاع درجات الحرارة

صورة من أبريل الماضي لقرية البوزياد في محافظة الديوانية العراقية التي تعاني الجفاف الذي أصابها مع انحسار كميات الأمطار على مدى 4 سنوات (أ.ف.ب)
صورة من أبريل الماضي لقرية البوزياد في محافظة الديوانية العراقية التي تعاني الجفاف الذي أصابها مع انحسار كميات الأمطار على مدى 4 سنوات (أ.ف.ب)
TT

الجفاف المفاجئ يتكرر سريعاً بسبب تغيُّر المناخ

صورة من أبريل الماضي لقرية البوزياد في محافظة الديوانية العراقية التي تعاني الجفاف الذي أصابها مع انحسار كميات الأمطار على مدى 4 سنوات (أ.ف.ب)
صورة من أبريل الماضي لقرية البوزياد في محافظة الديوانية العراقية التي تعاني الجفاف الذي أصابها مع انحسار كميات الأمطار على مدى 4 سنوات (أ.ف.ب)

اعتاد الناس النظر إلى حالات الجفاف على أنها ظواهر مناخية تتطوّر ببطء لتفرض نفسها في منطقة ما خلال سنوات طويلة. ولكن، كما يحدث في الهطولات المطرية الغزيرة أو موجات الحرّ الشديد، يمكن للجفاف أن يظهر في منطقة ما على نحو مفاجئ. وتخلص دراسة حديثة إلى أن حالات الجفاف المفاجئ تشهد تصاعداً حول العالم، ومن المتوقع أن يزداد تواترها تحت تأثير تغيُّر المناخ المرتبط بالنشاط البشري.

تغيُّر المناخ يعزّز حالات الجفاف المفاجئ

تُعتبر حالات الجفاف بشكل عام من المخاطر المناخية طويلة الأمد، حيث يؤدي النقص المستمر في هطول الأمطار إلى تجفيف التربة والغطاء النباتي، ويليه انخفاض منسوب المياه في الأنهار والبحيرات. وقد يتفاقم الجفاف ويستمر لسنوات في مناطق واسعة، ويترك عواقبه السلبية على الناس والطبيعة. وفي الآونة الأخيرة، تسبب انحباس الأمطار في القرن الأفريقي طيلة 6 مواسم في انعدام الأمن الغذائي والهجرة الجماعية.

ويمكن أن يتطوّر الجفاف على نحو سريع، وفي غضون أسابيع فقط. وتُسمَّى هذه الحالة «الجفاف المفاجئ» (Flash Drought) وهي تشبه الفيضانات المفاجئة (Flash Floods) من حيث إنها تظهر فجأة دون سابق إنذار، وتكون التأثيرات شديدة بسبب ضيق الوقت للاستعداد لمثل هذا الجفاف أو التعامل معه قبل فوات الأوان.

ورغم أن مُصطلح «الجفاف المفاجئ» حديث نسبياً؛ إذ نشأ في الولايات المتحدة في أوائل القرن الحادي والعشرين، فإن حالات الجفاف المفاجئ موجودة في جميع أنحاء العالم بخصائص متفاوتة ومعروفة جيداً للسكان المحليين. وكانت الولايات المتحدة قد شهدت في صيف 2012 جفافاً مفاجئاً أدّى إلى تدهور الحقول والمراعي في معظم أنحاء البلاد خلال شهر واحد، وتسبب في خسائر تزيد على 30 مليار دولار، لا سيما في قطاع الزراعة.

ووفقاً لمعظم حالات الجفاف، ينتج الجفاف المفاجئ عن انخفاض هطول الأمطار بشكل غير طبيعي، رغم أنه يرتبط أيضاً بالتبخُّر المفرط الناتج عن ارتفاع درجات الحرارة. لذلك، من المتوقع أن تصبح حالات الجفاف المفاجئ أكثر تهديداً وشيوعاً مع ارتفاع درجة حرارة كوكب الأرض.

وتشير دراسة، نشرتها دورية «ساينس» قبل أسابيع، إلى أن حالات الجفاف المفاجئ ازدادت خلال السبعين عاماً الماضية. ويعزو معدّو الدراسة هذا الاتجاه إلى تغيُّر المناخ الناتج عن النشاط البشري، مما يرجّح زيادة تواتر حالات الجفاف المفاجئ في المستقبل، وحصولها بشكل أسرع، حتى لو زاد الاحترار العالمي على نحو متواضع نسبياً.

وتؤكد الدراسة أن موجات الجفاف المفاجئ تحدث بشكل أكبر في المناطق الرطبة، حيث تتوفّر كمية كافية من المياه للتبخُّر. وعندما تكون الظروف مناسبة، كانخفاض هطول الأمطار والإشعاع الشمسي المرتفع وسرعة الرياح العالية ووجود خصائص مساعدة في التربة أو الغطاء النباتي، يمكن أن تتبخّر كمية كبيرة من المياه بسرعة.

ويؤدي الجفاف المفاجئ إلى تلاشي رطوبة التربة، مما يؤثر بسرعة على القطاعات التي تعتمد عليها، مثل الزراعة والنظم البيئية. وتتباين آثار الجفاف المفاجئ باختلاف خصائص كل منطقة، إذ إن بعض أنواع التربة تجف أسرع من غيرها، وبعض المناطق لديها موارد مائية وفيرة تضمن رياً تكميلياً، وبعض المحاصيل أكثر مقاومة للإجهاد المائي والحرارة. كما تتفاوت نسبة السكان الذين يعتمدون على الزراعة لكسب عيشهم بين المناطق. ويعتمد ذلك أيضاً على التعافي من الجفاف المفاجئ، فيما إذا كان سيحصل بالسرعة نفسها التي بدأ بها أو يتطوّر إلى جفاف طبيعي طويل.

ويختلف تأثير الجفاف باختلاف الفترات التي يحلّ بها وتداخلها مع مراحل نمو المحاصيل. فعلى سبيل المثال، يمكن أن يؤثر الجفاف المفاجئ الذي يستمر لأيام قليلة بشكل كبير على غلّة المحاصيل، عندما يحدث خلال مراحل الإزهار أو التلقيح، بينما يمكن أن يكون خلال موسم النمو في وقت لاحق مفيداً لنمو النبات ونضج الفاكهة. كما أن الجفاف المفاجئ في نهاية موسم الأمطار يكون أقل ضرراً، حيث تكون الأرض اختزنت كميات كافية من المياه.

وتوجد أغلب المناطق المعرَّضة للجفاف المفاجئ في البلدان المنخفضة والمتوسطة الدخل، التي تضم بشكل عام أعداداً أكبر من السكان المعرّضين للخطر وتمتلك موارد مالية أقل للتكيُّف، لاسيما في المناطق القاحلة وشبه القاحلة. ورغم أن احتمالية حدوث موجات الجفاف المفاجئ في المناطق المدارية الرطبة واردة، فإن مخاطر الجفاف المفاجئ أعلى في المناطق القاحلة منها في المناطق المدارية.الجفاف المفاجئ يزداد عربياًتُظهر الدراسة المنشورة في دورية «ساينس» أن معدّل حالات الجفاف المفاجئ، مقارنةً مع حالات الجفاف المديد، ارتفعت في أكثر من 74 في المائة من المناطق التي حددتها الهيئة الحكومية الدولية المعنية بتغيُّر المناخ كموضع اهتمام، في تقريرها بشأن الظواهر المناخية المتطرفة.

وتشير الدراسة إلى أن مناطق معيّنة، مثل جنوب أستراليا وشمال وشرق آسيا والصحراء الكبرى وأوروبا والساحل الغربي لأميركا الجنوبية، هي الأكثر تضرراً من حالات الجفاف المفاجئ. وفي المنطقة العربية، تُصنّف بلدان شمال أفريقيا وشرق المتوسط، بما فيها الأردن والعراق، ضمن المناطق التي تشهد زيادةً تاريخية في حالات الجفاف المفاجئ.

وتُعتبر منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا ضمن أكثر مناطق العالم تعرّضاً للإجهاد المائي، حيث تضم 6.3 في المائة من سكان العالم، في حين تحظى بنحو 1.4 في المائة من المياه العذبة المتجددة في العالم. وتشير الدلائل من جميع أنحاء المنطقة إلى أن العقود الأخيرة شهدت أكثر الفترات جفافاً في الألفية الماضية، وتُعزى شدّة حالات الجفاف في هذه الفترة جزئياً إلى تغيُّر المناخ الناتج عن النشاط البشري.

كما تشير الدلائل من المنطقة إلى أن حالات الجفاف كانت ضمن أكثر المخاطر الطبيعية تكلفة من الناحية الاقتصادية والاجتماعية، إذ تؤثّر على الميزانيات الوطنية وعائدات التصدير وفواتير الاستيراد، وتُساهم في زيادة التفاوتات الاجتماعية، وتعميق الآثار الصحية السلبية، والهجرة من الريف، والاضطرابات السياسية الواسعة.

ولا تزال حالة الجفاف المفاجئ التي شهدها لبنان عام 2014 حاضرةً في الأذهان. وكان عديد من المزارعين في سهل البقاع الخصب قد حرثوا الأرض ونثروا البذور عندما قُطعت إمدادات مياه الري بسبب انخفاض مستويات السدود. ومع ارتفاع درجات الحرارة وغياب إمدادات المياه، أدّى الجفاف خلال 4 أشهر فقط إلى خسائر كبيرة في قطاعي الزراعة والسياحة لم تشهدها البلاد منذ 60 عاماً.

ويُعدّ انحباس الأمطار في شتاء 2014 الأسوأ في شرق المتوسط منذ سبعينات القرن الماضي، وتسبب في جفاف أصاب نحو ثلثي الأراضي الصالحة للزراعة في سوريا ولبنان والأردن وفلسطين والعراق. وفي الأردن، حيث انخفضت مناسيب المياه في السدود بمقدار النصف، مقارنةً بالعام السابق، تغيّر تصنيف الجفاف خلال أشهر، من الوضع المعتدل إلى الوضعين الشديد والاستثنائي، في أغلب الأراضي المزروعة غربي البلاد.

وتوجد عوامل كثيرة تعزز فرص تطوّر حالات الجفاف المفاجئ في العالم العربي، أهمها مصاعب إدارة الموارد المائية، ومحدودية انتشار أساليب الري الحديث في منطقة تعاني بالفعل قلّة المياه. وكانت وزارة الموارد المائية والري المصرية قد أصدرت بياناً، بعد الجفاف المفاجئ الذي أصاب محيط ترعة السويس في شهر مارس (آذار) الماضي، نسبت فيه هذا الجفاف إلى «التغيُّرات المناخية المتطرفة، وما نتج عنها من قلّة كميات الأمطار خلال فصل الشتاء، ونمو الحشائش الغاطسة في الترعة بمعدلات سريعة، نتيجة ارتفاع الحرارة غير المعتاد، وإقبال المزارعين على سحب المياه بكثافة لري المحاصيل، ووجود أعمال تطوير في منطقة الترعة».

ويتطلّب تخطيط استراتيجيات التكيُّف والتنبؤ والتخفيف، تقدير الحد الأدنى لمدة الجفاف التي تولّد التأثيرات والتوقيتات الحرجة المرتبطة بها، بالإضافة إلى تقدير العواقب الأخرى التي تنشأ عن الجفاف المفاجئ. وحتى الآن، تركزت الأبحاث بشكل كبير ومنطقي على التأثيرات الزراعية، وستكون نقطة البداية مراقبة كيفية تأثر المجتمع بشكل عام بالجفاف.

وتتمثّل الخطوة الأولى، التي تحظى بشعبية متزايدة في إدارة الجفاف في جميع أنحاء العالم، في إنشاء منظومة رصد توضّح حالة الجفاف الحالية في كل منطقة. ويتم إصدار خرائط الجفاف بشكل شهري غالباً، إلا أن موجات الجفاف المفاجئ قد تتراكم وتؤدي إلى نتائج وخيمة في غضون أسابيع فقط.

ولا تعدّ مراقبة هطول الأمطار وحدها كافيةً لتوقُّع الجفاف المفاجئ؛ إذ قد يظهر تدهور صحة الغطاء النباتي في صور الأقمار الصناعية بعد فوات أوان اتخاذ إجراءات مؤثرة لمواجهة الجفاف. وفي الولايات المتحدة، أثبت الرصد اليومي لرطوبة التربة والنتح عن قرب فعاليته في توقع حالات الجفاف المفاجئ قبل أسابيع من ظهور آثارها الصريحة.

إن التكيُّف الاستباقي مع الجفاف، سواء أكان مديداً أو مفاجئاً، أكثر فعاليةً وجدوى في إدارة أزمات نقص المياه من الحلول القائمة على ردود الفعل. والتحذيرات التي يطلقها الباحثون حول الأحداث المناخية المتطرفة نتيجة تغيُّر المناخ يجب أن تؤخذ على محمل الجد، وقد تكون تهديداتها أخطر بكثير مما هو متوقع.


مقالات ذات صلة

شوارع نواكشوط تئن تحت وطأة مياه الأمطار

شمال افريقيا صهاريج المكتب الوطني للصرف الصحي تعمل على شفط المياه من الشوارع الكبرى في نواكشوط (إعلام محلي)

شوارع نواكشوط تئن تحت وطأة مياه الأمطار

بعدما غمرت مياه الأمطار عدداً من شوارع نواكشوط، عاد إلى الواجهة جدل متجدد حول غياب شبكة صرف صحي متكاملة في مدينة يزيد تعداد سكانها على 1.5 مليون نسمة.

الشيخ محمد (نواكشوط)
بيئة شعاب مرجانية في جزيرة كوه ماك بمقاطعة ترات بتايلاند 8 مايو 2024 (رويترز)

دراسة: العالم ليس على المسار الصحيح لتحقيق أهدافه بحماية الطبيعة

أفادت دراسة جديدة نُشرت الأربعاء بأن دول العالم ليست على المسار الصحيح لتحقيق التزاماتها بحماية 30 % من أراضي العالم ومحيطاته بحلول عام 2030

«الشرق الأوسط» (باريس)
بيئة شعاب مرجانية بالقرب من جزيرة في جزر غونا يالا الهولندية على الكاريبي - 24 أغسطس 2026 (أ.ب)

ابيضاض الشعاب المرجانية يتسارع بوتيرة تفوق قدرتها على التعافي

قال علماء، اليوم الاثنين، إن الشعاب المرجانية تتعرّض بشكل مستمر إلى عوامل تؤدي إلى ابيضاض لونها بدرجة لم تعد تتيح لها الوقت الكافي للتعافي.

«الشرق الأوسط» (سيدني)
بيئة جفاف وتشقق التربة على ضفاف نهر ماغدالينا بكولومبيا في مشهد يعكس تداعيات الظروف المناخية المرتبطة بظاهرة «إلنينيو» (رويترز - أرشيفية)

«الأرصاد البريطانية» تتوقع أقوى ظواهر «إلنينيو» في التاريخ الحديث

قالت هيئة الأرصاد الجوية البريطانية، اليوم (الجمعة)، إن ظاهرة «إلنينيو» الجوية التي تتشكل حالياً مرشحة لأن تكون الأقوى في التاريخ الحديث.

«الشرق الأوسط» (لندن)
أوروبا أعلنت بعض المستشفيات في إيطاليا الطوارئ بسبب ارتفاع درجات الحرارة (أ.ب)

إيطاليا في حالة تأهب قصوى والمجر تطفئ الأنوار مع موجة حر تجتاح أوروبا

اتخذت ‌إيطاليا خطوة غير مسبوقة بوضع كل مدنها الكبرى في أعلى مستويات التأهب الصحي، بسبب ارتفاع ​درجات الحرارة اليوم الخميس

«الشرق الأوسط» (روما)

البلاستيك يغزو «المتوسط»... ما خسائر الدول العربية؟

البلاستيك يستخدم بشكل واسع على مستوى العالم (رويترز)
البلاستيك يستخدم بشكل واسع على مستوى العالم (رويترز)
TT

البلاستيك يغزو «المتوسط»... ما خسائر الدول العربية؟

البلاستيك يستخدم بشكل واسع على مستوى العالم (رويترز)
البلاستيك يستخدم بشكل واسع على مستوى العالم (رويترز)

يُسوَّق البلاستيك على أنه مادة رخيصة الثمن، وهو كذلك بالفعل عند البيع؛ غير أن السعر المدوّن على زجاجة المياه أو وعاء الوجبة الجاهزة لا يعكس سوى جزء ضئيل جداً من التكلفة الحقيقية التي تتكبدها الدول بسببه. إذ تظهر الفاتورة الحقيقية لاحقاً، متمثلةً في الأعباء التي تقع على عاتق الميزانية العامة والمناطق الساحلية والمنظومة الصحية. فالبلاستيك يكلّف العالم تريليونات الدولارات سنوياً، ومع تزايد النهم العالمي لاستخدامه، ستتفاقم هذه التكلفة أيضاً.

ويكشف تقرير جديد صادر عن منظمة «غرينبيس الشرق الأوسط وشمال أفريقيا» تحت عنوان «الثمن الخفي للبلاستيك»، أن التلوث البلاستيكي يكلّف مصر والمغرب وتونس مجتمعين ما بين 1.7 و5.5 مليار دولار أميركي سنوياً نتيجة الأضرار التي يلحقها بالنظم البيئية البحرية في البحر الأبيض المتوسط، محذّراً من أن استمرار التقاعس عن مواجهة الأزمة قد يرفع من مقدار هذه الفاتورة لتصل إلى ما بين 30 و98 مليار دولار بحلول عام 2040.

وبيّن التقرير أن التلوث بالبلاستيك في كل من مصر والمغرب وتونس أصبح أحد أبرز الضغوط البيئية والاقتصادية في الوقت الحالي، إذ تتجاوز تداعياته الشواطئ المليئة بالنفايات لتطول ميزانيات الدول، وسبل العيش في المناطق الساحلية، والصحة العامة. وتشترك هذه الدول الثلاث في بحر يستقبل ما يقدر بـ229 ألف طن من البلاستيك سنوياً، ويحتوي بالفعل على أكثر من مليون طن في قاعه. كما أنها تقع في منطقة تولد أكثر من 155 مليون طن من النفايات سنوياً - ثلثاها لا تتم إدارته بشكل سليم - ومن المتوقع أن يتضاعف هذا الحجم تقريباً بحلول عام 2050.

وبما أنّ خفض هذه التكلفة يتطلب تحركاً على المستويين الدولي والوطني، طرح التقرير مجموعة من الإجراءات العملية على المستوى الوطني في كل من الدول الثلاث.

قالت فرح الحطّاب، المسؤولة الأولى عن حملات البلاستيك في «غرينبيس الشرق الأوسط وشمال أفريقيا»: «إن التلوّث البلاستيكي لم يعد مجرد مشكلة مرتبطة بإدارة النفايات، بل أصبحت له تكلفة تمتد إلى الاقتصاد والصحة والبيئة. وتتحمل الحكومات والبلديات والمجتمعات الساحلية والمواطنون جزءاً من هذه التكلفة، فيما تزداد الأعباء كلما استمر إنتاج البلاستيك واستخدامه وتسربه إلى البيئة».

التلوث البيئي يحاصر كثيراً من الدول (رويترز)

وأضافت، في تصريح لـ«الشرق الأوسط»: «تشمل الفاتورة تكلفة جمع النفايات ومعالجتها وتنظيف الشواطئ، إضافة إلى الخسائر التي تتكبدها قطاعات تعتمد على البيئة البحرية، مثل السياحة والصيد».

وتابعت: «لا تقتصر المخاطر على النفايات البلاستيكية نفسها. فبعض المواد الكيميائية المستخدمة في صناعة البلاستيك أو التي قد تتسرب منه ترتبط، وفق دراسات علمية، باضطرابات هرمونية وتأثيرات على الجهاز التناسلي والمناعي والتنفسّي. كما يمكن أن يدخل الميكروبلاستيك إلى الجسم عبر الغذاء والماء والهواء، ولا تزال آثاره الصحية على المدى الطويل قيد الدراسة. وهذا يعني أن التكلفة قد تمتد أيضاً إلى تكاليف الرعاية الصحية».

واستطردت أن البحر والكائنات البحرية يدفع ثمناً كبيراً أيضاً. فقد يؤدي ابتلاع البلاستيك أو التشابك به إلى إصابة الكائنات البحرية أو نفوقها، بينما يمكن للميكروبلاستيك أن يؤثر في التغذية والنمو والتكاثر لدى بعض الكائنات، وأن ينتقل عبر السلاسل الغذائية.

ووفق التقرير، تتفاوت التكلفة بين البلدان: ففي مصر، تتراوح بين 740 مليون دولار و3.1 مليار دولار سنوياً، بينما تُقدّر في المغرب بنحو 1.2 مليار دولار، وفي تونس بنحو 400 مليون دولار. وهذه التقديرات تركز على الأضرار الاقتصادية التي تلحق بالنظم البيئية البحرية، ولا تشمل كامل التكاليف المرتبطة بالتلوّث البلاستيكي.

ويكشف التقرير أيضاً عن تفاوت مهم في واقع البلدان الثلاثة. ففي مصر، يأتي ارتفاع التكلفة في سياق مستويات مرتفعة من التلوّث البلاستيكي في البحر المتوسط، فيما تُظهر حالة المغرب أن السياسات العامة يمكن أن تحدّ من بعض أشكال استخدام البلاستيك، كما حدث مع الأكياس البلاستيكية. أما في تونس، فيشير التقرير إلى أن خفض استخدام البلاستيك يمكن أن يحقق فوائد اقتصادية وبيئية.

وتأتي أهمية التقرير في توقيت حاسم لمسار المعاهدة العالمية للبلاستيك. فقد صدر قبيل اجتماع رؤساء الوفود الذي عُقد في بانكوك بين 27 و30 سبتمبر (أيلول)، بمشاركة ممثلين عن مصر والمغرب وتونس، وقبل الجولة الرسمية المقبلة من المفاوضات في مارس (آذار) 2027. وبالتالي، يقدّم التقرير دليلاً على أن تكلفة أزمة البلاستيك ليست بيئية وصحية فقط، بل اقتصادية أيضاً، وأن استمرار الاتجاه الحالي سيجعل تكلفة عدم التحرّك أعلى.

الشواطئ المصرية مليئة بالألعاب البلاستيكية (EPA)

قال الدكتور محمد عطية، أول باحث مصري ينضم للوكالة الأميركية لحماية البيئة، ويشغل حالياً منصب مستشار الخدمات البيئية والهندسية بشركة أيكوم: «إن البلاستيك رخيص الثمن عند الشراء، لكن تكلفته الحقيقية تظهر في المراحل التالية للشراء، في عمليات جمع وإدارة المخلفات، وعمليات التنظيف المطلوبة للتخلص منه، والتأثير على البيئة والأنشطة الاقتصادية المرتبطة بها»، موضحاً في تصريح لـ«الشرق الأوسط» أن «الأرقام الواردة بالتقرير تمثل تقديراً اقتصادياً لجزء من الضرر، وتحديداً ذلك الجزء المرتبط بتسرب البلاستيك إلى البيئة البحرية، وهو بالطبع لا يمثل التكلفة كاملة».

ووفق تقرير «غرينبيس» لا تشمل هذه الأرقام التكاليف المباشرة التي تتكبدها قطاعات السياحة، ومصايد الأسماك، والشحن البحري، أو التكاليف المتعلقة بصحة الإنسان؛ إذ لا يتضمن الرقم حالات دخول المستشفيات، أو أيام الصيد الضائعة، أو فواتير البلديات غير المسددة، كما أن جميع الافتراضات المستخدمة في إعداده وُضعت بحيث تُبقي التقديرات عند حدّها الأدنى، لا الأعلى. والجدير بالذكر أن القطاعات المستبعدة ليست ضئيلة؛ وتُضاف أي خسائر تلحق بهذه القطاعات بسبب التلوث بالبلاستيك إلى الأرقام المذكورة في التقرير.

وعلّق عطية بأن الحل هو مزيج من تقليل الاستخدامات غير الضرورية، مع زيادة معدلات إعادة الاستخدام، وتصميم منتجات أسهل في التدوير، وتحسين منظومة الجمع والاسترداد. محذراً من أن أي بديل مقترح لا بد أن يجري تقييمه على دورة حياته كاملة، فليس كل بديل «أخضر» يكون بالضرورة أفضل في كل الاستخدامات.

وأوصى عطية بتحليل لدورة حياة البلاستيك بشكل كامل، بما يضمن الاطلاع على كافة التفاصيل، وليس التركيز على المنتج النهائي فقط، مثل أنواع الكيماويات الداخلة في التصنيع ومعرفة حجم التأثير البيئي للمنتج.

ويعلق عطية على النتائج التقرير بقوله إن حجم التسرب هو أكبر نقطة ضغط في مصر، حيث يصل جزء كبير من المنتجات البلاستيكية إلى البحر المتوسط عبر نهر النيل، موصياً بتحسين عمليات جمع المخلفات البلاستيكية.

وأضاف أنه على الرغم من أن لدى المغرب بنية تحتية جيدة وخطط قائمة بالفعل، لكن التقرير يوضح وجود فجوة بين التخطيط والتنفيذ الفعلي على الأرض، مع وجود ضغوط مالية كبيرة على البلديات. وفي تونس هناك قطاع للجمع والتدوير، ولكن جزءاً كبيراً من قدرة التدوير غير مستغل، مع وجود مشكلة واضحة في نموذج التمويل، وليس مجرد نقص التكنولوجيا.

وأوضح أن التقرير يبرز بشكل واضح أن مشكلة مخلفات البلاستيك في هذه الدول الثلاث ليست في الاستخدام فقط، لكنها أيضاً في نظم الإدارة والتمويل.

من جانبها، شدّدت الحطّاب على أن المطلوب اليوم، أكثر من أي وقت مضى، على الصعيد الدولي، هو معاهدة عالمية قوية تغيّر هذه المعادلة، من خلال الحد من البلاستيك غير الضروري من المصدر، وإلزام المنتجين بتحمّل مسؤولية ما يطرحونه في الأسواق، وتوفير آليات مالية قوية، بما يضمن ألّا تُترك دول منطقتنا وحدها في مواجهة تدفق متزايد من النفايات.


دراسة: العالم ليس على المسار الصحيح لتحقيق أهدافه بحماية الطبيعة

شعاب مرجانية في جزيرة كوه ماك بمقاطعة ترات بتايلاند 8 مايو 2024 (رويترز)
شعاب مرجانية في جزيرة كوه ماك بمقاطعة ترات بتايلاند 8 مايو 2024 (رويترز)
TT

دراسة: العالم ليس على المسار الصحيح لتحقيق أهدافه بحماية الطبيعة

شعاب مرجانية في جزيرة كوه ماك بمقاطعة ترات بتايلاند 8 مايو 2024 (رويترز)
شعاب مرجانية في جزيرة كوه ماك بمقاطعة ترات بتايلاند 8 مايو 2024 (رويترز)

أفادت دراسة جديدة نُشرت الأربعاء بأن دول العالم ليست على المسار الصحيح لتحقيق التزاماتها بحماية 30 في المائة من أراضي العالم ومحيطاته بحلول عام 2030.

وتأتي نتائج هذه الدراسة قُبيل عقد قمة في أرمينيا حول التقدم المحرز في أهداف حماية التنوع البيولوجي، لتُضاف إلى تقييم مماثل أجرته الأمم المتحدة، وفق «وكالة الصحافة الفرنسية».

وحددت 200 دولة هدف «30 في 30»، أي حماية 30 في المائة من الأراضي بحلول عام 2030، في اتفاق أُبرم عام 2022، وأطلق بشكل غير رسمي «اتفاق باريس للطبيعة».

لكنّ تقريراً أعدته منظمتا «حملة من أجل الطبيعة» (Campaign for Nature)، و«معاً من أجل المحيط» (Together for the Ocean) أظهر أن الإجراءات لم تكن على قدر الالتزامات.

وقال مدير منظمة «حملة من أجل الطبيعة» براين أودونيل للصحافيين: «أظهرت الحكومات بالفعل أن تحقيق تقدّم سريع أمر ممكن، لكن العالم بعيد عن المسار الذي يضمن بلوغ نسبة 30 في المائة».

وأضاف التقرير أن وفاء الحكومات بجميع تعهداتها يمكن أن يرفع نسبة الأراضي والمياه المصنفة كمناطق محمية إلى 27 في المائة بحلول عام 2030.

غير أن نسبة المساحات البحرية المحمية قد لا تتجاوز 12 في المائة بحلول نهاية العقد.

وكانت اتفاقية التنوع البيولوجي، وهي المعاهدة الأممية المشرفة على الأهداف العالمية الخاصة بالطبيعة، حذرت أيضا الشهر الماضي من أن الدول لا تسير على الطريق الصحيح لتحقيق هذه الأهداف.

منظر جوي لغابات في الغابون (رويترز)

ويُعد نقص التمويل من أكبر العقبات أمام تحقيق الهدف.

وفيما تقدّر الحاجة بما بين 100 مليار دولار و180 ملياراً سنويا حتى عام 2030، لا يتجاوز الإنفاق السنوي حالياً 24 مليار دولار.

وقال التقرير إن «الفجوة تبدو أكثر وضوحاً فيما يتعلق بالمحيطات، إذ تقتضي الحاجة إنفاق نحو 16 مليار دولار سنوياً، بينما لا يتجاوز الإنفاق الفعلي حالياً ملياراً و800 مليون دولار».

ويتعيّن توجيه جزء كبير من هذا التمويل إلى البلدان النامية التي تضم بعضاً من أغنى النظم البيئية في العالم، لكنها تفتقر إلى الوسائل الكافية لحمايتها.

وقال أودونيل إن على الحكومات تخصيص موارد أكبر من موازناتها، كما يمكنها سن تشريعات تُلزم الصناعات الملوثة، مثل شركات الوقود الأحفوري والتعدين، بالمساهمة في تمويل جهود الحفظ.

وأضاف: «هذه الشركات لن تقوم بذلك طوعاً».

ورأى أن هدف «30 في 30»، ما زال ممكن التحقيق، لكن ذلك يتطلب جهوداً كبيرة على قدر «التحديات الكبيرة».

وستكون قمة الأمم المتحدة للتنوع البيولوجي في العاصمة الأرمينية يريفان، التي تنطلق في 19 أكتوبر (تشرين الأول)، أول مناسبة تناقش فيها الدول فجوة التقدم المحرز وسبل إعادة أهداف الاتفاق إلى مسارها الصحيح.


ظاهرة النينيو الخارقة قد تتسبب بوفاة 451 ألف شخص خلال 6 أشهر

بحيرة جافة بعد تأثرها بالجفاف الناتج عن ظاهرة «النينيو» (أ.ف.ب)
بحيرة جافة بعد تأثرها بالجفاف الناتج عن ظاهرة «النينيو» (أ.ف.ب)
TT

ظاهرة النينيو الخارقة قد تتسبب بوفاة 451 ألف شخص خلال 6 أشهر

بحيرة جافة بعد تأثرها بالجفاف الناتج عن ظاهرة «النينيو» (أ.ف.ب)
بحيرة جافة بعد تأثرها بالجفاف الناتج عن ظاهرة «النينيو» (أ.ف.ب)

قال باحثون في مختبر تأثيرات المناخ، التابع لجامعة شيكاغو، اليوم الأربعاء، إن الحرارة المفرطة الناجمة عن ظاهرة النينيو «الخارقة»، هذا العام، قد تؤدي إلى ما يصل إلى 451 ألف حالة وفاة إضافية حول العالم، خلال ستة أشهر حتى فبراير (شباط) 2027.

وذكر المختبر، في تقرير، أنه من المرجح ارتفاع عدد الأيام شديدة الحرارة بنسبة 44 في المائة، مقارنة بالسنوات العادية، وقال إن الدول التي مِن المرجح أن تعاني أكبر عدد من الوفيات الإضافية المرتبطة بالحرارة، في الفترة من سبتمبر (أيلول) 2026 إلى فبراير 2027 هي نيجيريا بواقع 31400 وفاة، تليها إندونيسيا بنحو 19300وفاة، ثم السودان بواقع 17600 وفاة.

تؤدي «النينيو» إلى تغيرات عالمية في الرياح والضغط الجوي وهطول الأمطار (أ.ف.ب)

ومن المرجح أن تتسبب موجة الحر في منطقة الساحل الأفريقي، التي تضم النيجر وتشاد بالإضافة إلى نيجيريا والسودان، في 66800 وفاة إضافية، خلال فترة الأشهر الستة.

ويتوقع الباحثون أن تشهد الفلبين وفيتنام وتايلاند وكمبوديا مجتمعةً 19400 وفاة إضافية.

وقد يرتفع عدد الوفيات الزائدة أكثر من ذلك إذا امتدت ظاهرة «النينيو» إلى عام 2027، حيث ستكون المناطق الرئيسية في نصف الكرة الشمالي، ومِن بينها الهند وباكستان، معرَّضة جداً للخطر خلال شهور الصيف.

ووصف المختبر ظاهرة النينيو، هذا العام، بأنها «رسالة من المستقبل» تُبلّغنا بدرجات الحرارة التي ستصبح طبيعية في غضون بضعة عقود فقط.

وأشار المختبر إلى أن جهود الاستجابة للطوارئ يجب أن تُوجَّه إلى المناطق ذات الأولوية القصوى؛ للحد من الوفيات المرتبطة بالحرارة خلال الشهور المقبلة.

وقال مايكل جرينستون، الخبير الاقتصادي بجامعة شيكاغو والمؤسس المشارك للمختبر: «يتيح هذا التقرير لصانعي القرار تحديد الأماكن التي يمكن اتخاذ إجراءات طارئة، الآن، فيها لإنقاذ عشرات الآلاف من الأرواح في الشهور المقبلة».