الجفاف المفاجئ يتكرر سريعاً بسبب تغيُّر المناخ

ينتج من انخفاض هطول الأمطار بشكل غير طبيعي ويرتبط أيضاً بالتبخُّر الناتج عن ارتفاع درجات الحرارة

صورة من أبريل الماضي لقرية البوزياد في محافظة الديوانية العراقية التي تعاني الجفاف الذي أصابها مع انحسار كميات الأمطار على مدى 4 سنوات (أ.ف.ب)
صورة من أبريل الماضي لقرية البوزياد في محافظة الديوانية العراقية التي تعاني الجفاف الذي أصابها مع انحسار كميات الأمطار على مدى 4 سنوات (أ.ف.ب)
TT

الجفاف المفاجئ يتكرر سريعاً بسبب تغيُّر المناخ

صورة من أبريل الماضي لقرية البوزياد في محافظة الديوانية العراقية التي تعاني الجفاف الذي أصابها مع انحسار كميات الأمطار على مدى 4 سنوات (أ.ف.ب)
صورة من أبريل الماضي لقرية البوزياد في محافظة الديوانية العراقية التي تعاني الجفاف الذي أصابها مع انحسار كميات الأمطار على مدى 4 سنوات (أ.ف.ب)

اعتاد الناس النظر إلى حالات الجفاف على أنها ظواهر مناخية تتطوّر ببطء لتفرض نفسها في منطقة ما خلال سنوات طويلة. ولكن، كما يحدث في الهطولات المطرية الغزيرة أو موجات الحرّ الشديد، يمكن للجفاف أن يظهر في منطقة ما على نحو مفاجئ. وتخلص دراسة حديثة إلى أن حالات الجفاف المفاجئ تشهد تصاعداً حول العالم، ومن المتوقع أن يزداد تواترها تحت تأثير تغيُّر المناخ المرتبط بالنشاط البشري.

تغيُّر المناخ يعزّز حالات الجفاف المفاجئ

تُعتبر حالات الجفاف بشكل عام من المخاطر المناخية طويلة الأمد، حيث يؤدي النقص المستمر في هطول الأمطار إلى تجفيف التربة والغطاء النباتي، ويليه انخفاض منسوب المياه في الأنهار والبحيرات. وقد يتفاقم الجفاف ويستمر لسنوات في مناطق واسعة، ويترك عواقبه السلبية على الناس والطبيعة. وفي الآونة الأخيرة، تسبب انحباس الأمطار في القرن الأفريقي طيلة 6 مواسم في انعدام الأمن الغذائي والهجرة الجماعية.

ويمكن أن يتطوّر الجفاف على نحو سريع، وفي غضون أسابيع فقط. وتُسمَّى هذه الحالة «الجفاف المفاجئ» (Flash Drought) وهي تشبه الفيضانات المفاجئة (Flash Floods) من حيث إنها تظهر فجأة دون سابق إنذار، وتكون التأثيرات شديدة بسبب ضيق الوقت للاستعداد لمثل هذا الجفاف أو التعامل معه قبل فوات الأوان.

ورغم أن مُصطلح «الجفاف المفاجئ» حديث نسبياً؛ إذ نشأ في الولايات المتحدة في أوائل القرن الحادي والعشرين، فإن حالات الجفاف المفاجئ موجودة في جميع أنحاء العالم بخصائص متفاوتة ومعروفة جيداً للسكان المحليين. وكانت الولايات المتحدة قد شهدت في صيف 2012 جفافاً مفاجئاً أدّى إلى تدهور الحقول والمراعي في معظم أنحاء البلاد خلال شهر واحد، وتسبب في خسائر تزيد على 30 مليار دولار، لا سيما في قطاع الزراعة.

ووفقاً لمعظم حالات الجفاف، ينتج الجفاف المفاجئ عن انخفاض هطول الأمطار بشكل غير طبيعي، رغم أنه يرتبط أيضاً بالتبخُّر المفرط الناتج عن ارتفاع درجات الحرارة. لذلك، من المتوقع أن تصبح حالات الجفاف المفاجئ أكثر تهديداً وشيوعاً مع ارتفاع درجة حرارة كوكب الأرض.

وتشير دراسة، نشرتها دورية «ساينس» قبل أسابيع، إلى أن حالات الجفاف المفاجئ ازدادت خلال السبعين عاماً الماضية. ويعزو معدّو الدراسة هذا الاتجاه إلى تغيُّر المناخ الناتج عن النشاط البشري، مما يرجّح زيادة تواتر حالات الجفاف المفاجئ في المستقبل، وحصولها بشكل أسرع، حتى لو زاد الاحترار العالمي على نحو متواضع نسبياً.

وتؤكد الدراسة أن موجات الجفاف المفاجئ تحدث بشكل أكبر في المناطق الرطبة، حيث تتوفّر كمية كافية من المياه للتبخُّر. وعندما تكون الظروف مناسبة، كانخفاض هطول الأمطار والإشعاع الشمسي المرتفع وسرعة الرياح العالية ووجود خصائص مساعدة في التربة أو الغطاء النباتي، يمكن أن تتبخّر كمية كبيرة من المياه بسرعة.

ويؤدي الجفاف المفاجئ إلى تلاشي رطوبة التربة، مما يؤثر بسرعة على القطاعات التي تعتمد عليها، مثل الزراعة والنظم البيئية. وتتباين آثار الجفاف المفاجئ باختلاف خصائص كل منطقة، إذ إن بعض أنواع التربة تجف أسرع من غيرها، وبعض المناطق لديها موارد مائية وفيرة تضمن رياً تكميلياً، وبعض المحاصيل أكثر مقاومة للإجهاد المائي والحرارة. كما تتفاوت نسبة السكان الذين يعتمدون على الزراعة لكسب عيشهم بين المناطق. ويعتمد ذلك أيضاً على التعافي من الجفاف المفاجئ، فيما إذا كان سيحصل بالسرعة نفسها التي بدأ بها أو يتطوّر إلى جفاف طبيعي طويل.

ويختلف تأثير الجفاف باختلاف الفترات التي يحلّ بها وتداخلها مع مراحل نمو المحاصيل. فعلى سبيل المثال، يمكن أن يؤثر الجفاف المفاجئ الذي يستمر لأيام قليلة بشكل كبير على غلّة المحاصيل، عندما يحدث خلال مراحل الإزهار أو التلقيح، بينما يمكن أن يكون خلال موسم النمو في وقت لاحق مفيداً لنمو النبات ونضج الفاكهة. كما أن الجفاف المفاجئ في نهاية موسم الأمطار يكون أقل ضرراً، حيث تكون الأرض اختزنت كميات كافية من المياه.

وتوجد أغلب المناطق المعرَّضة للجفاف المفاجئ في البلدان المنخفضة والمتوسطة الدخل، التي تضم بشكل عام أعداداً أكبر من السكان المعرّضين للخطر وتمتلك موارد مالية أقل للتكيُّف، لاسيما في المناطق القاحلة وشبه القاحلة. ورغم أن احتمالية حدوث موجات الجفاف المفاجئ في المناطق المدارية الرطبة واردة، فإن مخاطر الجفاف المفاجئ أعلى في المناطق القاحلة منها في المناطق المدارية.الجفاف المفاجئ يزداد عربياًتُظهر الدراسة المنشورة في دورية «ساينس» أن معدّل حالات الجفاف المفاجئ، مقارنةً مع حالات الجفاف المديد، ارتفعت في أكثر من 74 في المائة من المناطق التي حددتها الهيئة الحكومية الدولية المعنية بتغيُّر المناخ كموضع اهتمام، في تقريرها بشأن الظواهر المناخية المتطرفة.

وتشير الدراسة إلى أن مناطق معيّنة، مثل جنوب أستراليا وشمال وشرق آسيا والصحراء الكبرى وأوروبا والساحل الغربي لأميركا الجنوبية، هي الأكثر تضرراً من حالات الجفاف المفاجئ. وفي المنطقة العربية، تُصنّف بلدان شمال أفريقيا وشرق المتوسط، بما فيها الأردن والعراق، ضمن المناطق التي تشهد زيادةً تاريخية في حالات الجفاف المفاجئ.

وتُعتبر منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا ضمن أكثر مناطق العالم تعرّضاً للإجهاد المائي، حيث تضم 6.3 في المائة من سكان العالم، في حين تحظى بنحو 1.4 في المائة من المياه العذبة المتجددة في العالم. وتشير الدلائل من جميع أنحاء المنطقة إلى أن العقود الأخيرة شهدت أكثر الفترات جفافاً في الألفية الماضية، وتُعزى شدّة حالات الجفاف في هذه الفترة جزئياً إلى تغيُّر المناخ الناتج عن النشاط البشري.

كما تشير الدلائل من المنطقة إلى أن حالات الجفاف كانت ضمن أكثر المخاطر الطبيعية تكلفة من الناحية الاقتصادية والاجتماعية، إذ تؤثّر على الميزانيات الوطنية وعائدات التصدير وفواتير الاستيراد، وتُساهم في زيادة التفاوتات الاجتماعية، وتعميق الآثار الصحية السلبية، والهجرة من الريف، والاضطرابات السياسية الواسعة.

ولا تزال حالة الجفاف المفاجئ التي شهدها لبنان عام 2014 حاضرةً في الأذهان. وكان عديد من المزارعين في سهل البقاع الخصب قد حرثوا الأرض ونثروا البذور عندما قُطعت إمدادات مياه الري بسبب انخفاض مستويات السدود. ومع ارتفاع درجات الحرارة وغياب إمدادات المياه، أدّى الجفاف خلال 4 أشهر فقط إلى خسائر كبيرة في قطاعي الزراعة والسياحة لم تشهدها البلاد منذ 60 عاماً.

ويُعدّ انحباس الأمطار في شتاء 2014 الأسوأ في شرق المتوسط منذ سبعينات القرن الماضي، وتسبب في جفاف أصاب نحو ثلثي الأراضي الصالحة للزراعة في سوريا ولبنان والأردن وفلسطين والعراق. وفي الأردن، حيث انخفضت مناسيب المياه في السدود بمقدار النصف، مقارنةً بالعام السابق، تغيّر تصنيف الجفاف خلال أشهر، من الوضع المعتدل إلى الوضعين الشديد والاستثنائي، في أغلب الأراضي المزروعة غربي البلاد.

وتوجد عوامل كثيرة تعزز فرص تطوّر حالات الجفاف المفاجئ في العالم العربي، أهمها مصاعب إدارة الموارد المائية، ومحدودية انتشار أساليب الري الحديث في منطقة تعاني بالفعل قلّة المياه. وكانت وزارة الموارد المائية والري المصرية قد أصدرت بياناً، بعد الجفاف المفاجئ الذي أصاب محيط ترعة السويس في شهر مارس (آذار) الماضي، نسبت فيه هذا الجفاف إلى «التغيُّرات المناخية المتطرفة، وما نتج عنها من قلّة كميات الأمطار خلال فصل الشتاء، ونمو الحشائش الغاطسة في الترعة بمعدلات سريعة، نتيجة ارتفاع الحرارة غير المعتاد، وإقبال المزارعين على سحب المياه بكثافة لري المحاصيل، ووجود أعمال تطوير في منطقة الترعة».

ويتطلّب تخطيط استراتيجيات التكيُّف والتنبؤ والتخفيف، تقدير الحد الأدنى لمدة الجفاف التي تولّد التأثيرات والتوقيتات الحرجة المرتبطة بها، بالإضافة إلى تقدير العواقب الأخرى التي تنشأ عن الجفاف المفاجئ. وحتى الآن، تركزت الأبحاث بشكل كبير ومنطقي على التأثيرات الزراعية، وستكون نقطة البداية مراقبة كيفية تأثر المجتمع بشكل عام بالجفاف.

وتتمثّل الخطوة الأولى، التي تحظى بشعبية متزايدة في إدارة الجفاف في جميع أنحاء العالم، في إنشاء منظومة رصد توضّح حالة الجفاف الحالية في كل منطقة. ويتم إصدار خرائط الجفاف بشكل شهري غالباً، إلا أن موجات الجفاف المفاجئ قد تتراكم وتؤدي إلى نتائج وخيمة في غضون أسابيع فقط.

ولا تعدّ مراقبة هطول الأمطار وحدها كافيةً لتوقُّع الجفاف المفاجئ؛ إذ قد يظهر تدهور صحة الغطاء النباتي في صور الأقمار الصناعية بعد فوات أوان اتخاذ إجراءات مؤثرة لمواجهة الجفاف. وفي الولايات المتحدة، أثبت الرصد اليومي لرطوبة التربة والنتح عن قرب فعاليته في توقع حالات الجفاف المفاجئ قبل أسابيع من ظهور آثارها الصريحة.

إن التكيُّف الاستباقي مع الجفاف، سواء أكان مديداً أو مفاجئاً، أكثر فعاليةً وجدوى في إدارة أزمات نقص المياه من الحلول القائمة على ردود الفعل. والتحذيرات التي يطلقها الباحثون حول الأحداث المناخية المتطرفة نتيجة تغيُّر المناخ يجب أن تؤخذ على محمل الجد، وقد تكون تهديداتها أخطر بكثير مما هو متوقع.


مقالات ذات صلة

فرنسا تحت وطأة موجة حر جديدة وتحذيرات مع توسع الحرائق

أوروبا الشمس تشرق بجوار «برج إيفل» بباريس حيث تُعدّ المدينة في حالة تأهب قصوى لارتفاع درجات الحرارة (أ.ف.ب)

فرنسا تحت وطأة موجة حر جديدة وتحذيرات مع توسع الحرائق

أعلنت فرنسا حال تأهب قصوى في ربع أراضيها تقريباً بسبب موجة حر تؤجج أيضاً الحرائق، فيما قرر عدد من المعالم السياحية مثل برج إيفل الإغلاق باكراً.

«الشرق الأوسط» (باريس)
أوروبا سيدة تشرب المياه لتبريد جسمها خلال موجة من ارتفاع درجات الحرارة تضرب أوروبا (رويترز)

أكثر من 1700 وفاة جراء الحر في بلجيكا وموجة متواصلة في فرنسا

تسببت موجة الحر في بلجيكا في أواخر يونيو (حزيران) في 1747 وفاة إضافية، وهي أعلى حصيلة على الإطلاق خلال موجة حر في البلاد منذ بدء تسجيل البيانات عام 2000.

«الشرق الأوسط» (بروكسل)
تكنولوجيا يمكن لمراكز البيانات خفض تكاليف الكهرباء عبر نقل جزء من أحمالها الحاسوبية إلى الساعات الأقل طلباً على الشبكة (غيتي)

دراسة: تغيير توقيت استهلاك مراكز البيانات للطاقة قد يخفض التكاليف

تُظهر دراسة أن تغيير توقيت استهلاك مراكز البيانات قد يخفض تكاليف الكهرباء؛ لكن أثره البيئي يختلف حسب مصادر الطاقة المحلية.

نسيم رمضان (لندن)
بيئة ألفارو لاريو رئيس الصندوق الدولي للتنمية الزراعية (إيفاد)

«إيفاد» لـ«الشرق الأوسط»: السعودية من أكبر المانحين... ويمكننا دعم مبادراتها بالزراعة الذكية

أكد رئيس الصندوق الدولي للتنمية الزراعية (إيفاد)، ألفارو لاريو، أن السعودية ترتبط مع الصندوق بشراكة استراتيجية طويلة الأمد تعود إلى بداية المؤسسة عام 1978،…

غازي الحارثي (الرياض)
الولايات المتحدة​ الشمس تشرق بجوار «برج إيفل» في باريس حيث تعدّ المدينة في حالة تأهب قصوى لارتفاع درجات الحرارة (أ.ف.ب)

غوتيريش: على الحكومات اعتبار مكافحة تغير المناخ أولوية رئيسية

قال الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش اليوم الأربعاء إنه ينبغي للحكومات وضع مكافحة تغير المناخ ضمن أولوياتها ​الرئيسية، مع ازدياد حدة المخاطر المناخية

«الشرق الأوسط» (لندن)

استخدام الذكاء الاصطناعي لتحسين التنبؤات الجوية للظواهر الجوية المتطرفة

استخدام الذكاء الاصطناعي لتحسين التنبؤات الجوية للظواهر الجوية المتطرفة
TT

استخدام الذكاء الاصطناعي لتحسين التنبؤات الجوية للظواهر الجوية المتطرفة

استخدام الذكاء الاصطناعي لتحسين التنبؤات الجوية للظواهر الجوية المتطرفة

تقول آمي ماكغفرن: «أحب أن أقول للناس إنني كنت أعمل في مجال الذكاء الاصطناعي قبل أن يصبح رائجاً... فقد عرفت الحقيقة أنني أريد استخدام الذكاء الاصطناعي لإحداث تغيير في العالم الحقيقي، كما كتبت ساتشي كيتاجيما مولكي».

تحسين التنبؤات الجوية

وتضيف آمي ماكغفرن، الأستاذة في كلية الأرصاد الجوية وكلية علوم الحاسوب بجامعة أوكلاهوما: «في عام 2005، عندما انتقلتُ لأول مرة إلى أوكلاهوما وأصبحتُ أستاذة جامعية، بدأتُ دراسة كيفية استخدام الذكاء الاصطناعي لتحسين التنبؤات الجوية. وتحديداً، كان بحثي يسعى إلى تحسين التنبؤات المتعلقة بالظواهر الجوية المتطرفة، مثل الأعاصير، وموجات الحر، والعواصف الثلجية».

وتضيف أنها مشكلة معقدة للغاية تتجاوز مجرد معرفة ما إذا كنتَ بحاجة إلى معطف أو مظلة اليوم. إنها تتعلق بما إذا كان عليكَ إخلاء منزلكَ من إعصار قادم إلى شارعكَ خلال الدقائق الخمس القادمة أو الخمس عشرة دقيقة القادمة. إنها لحظات حاسمة لاتخاذ القرارات، مليئة بالشكوك.

مسألة مثالية للذكاء الاصطناعي

لكنها مسألة مثالية للذكاء الاصطناعي، نظراً لوفرة بيانات الطقس المتاحة، والبيانات هي ما يبرع فيه الذكاء الاصطناعي حقاً. فهو يكشف أنماطاً لا يستطيع البشر رؤيتها، ويجد روابط مفيدة بين نماذج الطقس المختلفة.

خلال العشرين عاماً الماضية تغيرت إمكانياتنا في استخدام الذكاء الاصطناعي والتنبؤات الجوية بشكل كبير. فاليوم، يُستخدم الذكاء الاصطناعي في التنبؤات التي تُجريها الهيئات الحكومية، وشركات القطاع الخاص، مثل مؤسسات الطقس، وتظهر النتائج على هواتف الجمهور.

تجربة علمية

في عام 2019 حصلتُ أنا وزملائي على منحة قدرها 20 مليون دولار من المؤسسة الوطنية للعلوم لإنشاء معهد للذكاء الاصطناعي مُخصص للتنبؤات الجوية (كنت مديرة له). وقد دعم هذا التمويل 24 عضواً من أعضاء هيئة التدريس، و35 باحثاً، و46 طالب دراسات عليا، و83 طالباً جامعياً. إنه نوع من العمل لا يُمكن إنجازه بمنح أصغر، وأكثر تقليدية.

أصبحنا قادرين على التنبؤ بموعد وصول موجة البرد إلى مياه المحيط قرب جنوب تكساس بوقت كافٍ لفرق إنقاذ الحيوانات لإنقاذ السلاحف البحرية. وقد حسّنّا نظام الإنذار المبكر بالبرد، ما أتاح للناس 60 دقيقة لحماية سياراتهم، ومعداتهم الزراعية، وطائراتهم، بدلاً من الإنذارات التي كانت تُصدر كل 15 دقيقة فقط. كما حسّنّا توقعات الأعاصير، بحيث أصبح بإمكان خبراء الأرصاد الجوية تقدير حدة الإعصار المداري بدقة كل خمس دقائق، بدلاً من مرة أو مرتين فقط في اليوم.

إيقاف الأبحاث بسبب «الهستيريا المناخية»

كان لدينا الكثير لنفعله. ولكن في الصيف الماضي اكتشفنا أن تمويلنا سينتهي بدلاً من تجديده كما كنا نتوقع. إذ أبلغ مكتب الإدارة والميزانية الأميركي الإذاعة الوطنية العامة (NPR) أن برنامجنا يُهدر أموال دافعي الضرائب بسبب «الهستيريا المناخية». صحيح أن الاسم الرسمي لمعهدنا، الذي اختارته المؤسسة الوطنية للعلوم، يتضمن كلمة «المناخ»، إلا أن تركيزنا كان على الظواهر الجوية المتطرفة. فالمناخ والطقس أمران مختلفان.

* خدمة «نيويورك تايمز»


موجة الحر متواصلة في أوروبا وسط تحذيرات من موجة جديدة مقبلة

أشخاص يقفون في «ساحة الأبطال» في العاصمة المجرية بودابست حيث يقوم مدفع مياه تابع للشرطة برشّ رذاذ منعش على المارة خلال موجة حر... 30 يونيو 2026 (أ.ب)
أشخاص يقفون في «ساحة الأبطال» في العاصمة المجرية بودابست حيث يقوم مدفع مياه تابع للشرطة برشّ رذاذ منعش على المارة خلال موجة حر... 30 يونيو 2026 (أ.ب)
TT

موجة الحر متواصلة في أوروبا وسط تحذيرات من موجة جديدة مقبلة

أشخاص يقفون في «ساحة الأبطال» في العاصمة المجرية بودابست حيث يقوم مدفع مياه تابع للشرطة برشّ رذاذ منعش على المارة خلال موجة حر... 30 يونيو 2026 (أ.ب)
أشخاص يقفون في «ساحة الأبطال» في العاصمة المجرية بودابست حيث يقوم مدفع مياه تابع للشرطة برشّ رذاذ منعش على المارة خلال موجة حر... 30 يونيو 2026 (أ.ب)

تواصل موجة الحرّ التأثير على عشرات الملايين في أوروبا، مع تسجيل درجات قياسية في عدد من الدول، فيما توقّع خبراء موجة حرّ جديدة في عدد من المناطق في الأيام المقبلة، وفق ما نقلته «وكالة الصحافة الفرنسية».

ورغم أن موجة الحر الحالية بدأت تتراجع في أوروبا، يواجه أكثر من 95 مليون نسمة، خاصة في شرق القارة وجنوبها، درجات حرارة تتجاوز 35 درجة مئوية، وفقاً لبيانات أعدتها أو جمعتها «وكالة الصحافة الفرنسية».

في سلوفاكيا، بلغت الحرارة مستوى قياسياً إذ وصلت إلى 41.3 درجة، وفقاً لهيئة الأرصاد الجوية، بحسب إيفان غارتشار، المتحدث باسم المعهد السلوفاكي للأرصاد الجوية.

أشخاص يقفون في الظل خلال موجة حر أمام القلعة الملكية في المدينة القديمة في وارسو 27 يونيو 2026 (رويترز)

وفي كرواتيا، سجّلت مدينة سبليت، الثلاثاء، رقماً قياسياً أيضاً مع بلوغ الحرارة 39.5 درجة مئوية، بحسب ما أفادت هيئة الأرصاد الجوية الكرواتية «وكالة الصحافة الفرنسية»، متجاوزة الرقم القياسي السابق البالغ 38.6 درجة المسجل في يوليو (تموز) 1950.

ويقول خبراء إن موجة الحرّ الحالية هي الأشدّ على الإطلاق في أوروبا، وأنها ناجمة عن التغيّر المناخي.

وتلقي موجة الحر ظلالها على الجنوب الأوروبي أيضاً، حيث يواجه 19 مليون شخص في إيطاليا وأكثر من 15 مليون في جنوب غربي إسبانيا درجات مرتفعة.

أما في شرق القارة ووسطها، ولا سيما المجر، فيواجه معظم السكان حرارة تزيد عن 35 درجة.

وفيما بدا أن موجة الحر تنحسر، في بعض المناطق على الأقل، حذّر خبراء من موجة جديدة قد تسود في الأيام المقبلة.

أشخاص يسبحون في البحر الأسود في أوديسا بأوكرانيا في 30 يونيو 2026 وسط موجة حرّ تشهدها أوروبا والغزو الروسي لأوكرانيا (أ.ف.ب)

مستوى قياسي

وقال الخبير في الهيئة الوطنية للأرصاد الجوية الفرنسية، باتريك غالوا، لوكالة الصحافة الفرنسية: «ابتداء من يوم الجمعة، وخلال عطلة نهاية الأسبوع، نتوقع مرتفعاً جوياً... ستكون درجات الحرارة فيه مرتفعة جداً، ومن المرجح أن تتجاوز 35 درجة»، وذلك في وقت بدأت فيه موجة الحرّ الاستثنائية التي شهدتها فرنسا في الآونة الأخيرة بالانحسار.

وما تزال 4 مقاطعات في جنوب شرقي البلاد في حالة الإنذار البرتقالي بسبب موجة الحرّ الحالية، وفقاً لهيئة الأرصاد الجوية الفرنسية.

وفي البرتغال، التي ظلّت بمنأى نسبياً عن موجة الحرّ في الأسبوعين الماضيين، يتوقع أن تحلّ موجة حر اعتباراً من الأربعاء، تؤثر بشكل خاص على السواحل بشدّة، بحسب هيئة الأرصاد الجوية.

وقال خبير الأرصاد، خورخي بونتي، لوكالة الصحافة الفرنسية، إن مناطق عدة في الداخل ستكون تحت الإنذار البرتقالي، على أن يمتد هذا الإنذار لمعظم أنحاء البلاد.

لكن درجات الحرارة المرتفعة المتوقعة ستظل دون الرقم القياسي التاريخي البالغ 47.3 درجة مئوية، المسجل عام 2003.

وقال الخبير: «ما يلفت انتباهنا في هذه التوقعات ليس درجات الحرارة القصوى فقط، بل استمرار هذه المستويات المرتفعة جداً لأيام متتالية».

رجل يستريح على مقعد بالظل في بلغراد 30 يونيو 2026 حيث تعاني صربيا من موجة حر شديدة (أ.ف.ب)

موجة حر بحريّة «تاريخية»

ويشهد شمال غربي البحر المتوسط موجة حرّ بحريّة بلغت مستوى قياسياً من حيث الشدة، مع تسجيل ارتفاع بمعدل 5.2 درجات عن المعدلات الطبيعية، وفقاً لبيانات معهد علوم البحار الإسباني.

وقال خوستينو مارتيينيز، الباحث في معهد علوم البحار لوكالة الصحافة الفرنسية: «إنْ قمنا بحساب متوسط شدّة هذه الظاهرة، نحصل على 5.2 درجة، وعندما نجري الحساب نفسه للسنوات السابقة نلاحظ أن هذا الرقم يمثل مستوى قياسياً».

وأشار إلى أن هذا الرقم القياسي يعود بدرجة كبيرة إلى موجة الحر الشديدة التي اجتاحت أوروبا في الآونة الأخيرة.

وأوضح أن «موجة الحر هذه... هي الأكثر شدّة مقارنة بأيّ متوسط يومي سجلناه سابقاً»، في إشارة إلى المنطقة الممتدة شمال جزر البليار الإسبانية وغرب كورسيكا وسردينيا.

سكان بوخارست يبردون أنفسهم في أحد أكثر أيام شهر يونيو حرارة من خلال المرور عبر جهاز رش المياه المثبت وسط مدينة بوخارست في رومانيا 30 يونيو 2026 (إ.ب.أ)

وقال إن القياس اعتمد على درجات حرارة السطح فقط باستخدام بيانات الأقمار الاصطناعية.

ولفت إلى أن تسجيل الرقم القياسي في شمال غربي المتوسط جاء بعد انتقال ذروة موجة الحر الجوية نحو شرق أوروبا.

وبحسب العلماء، فإن المحيطات امتصّت نحو 90 في المائة من الحرارة الزائدة الناتجة عن النشاط البشري منذ بداية العصر الصناعي، بينما تُعد أوروبا أسرع قارات العالم احتراراً.

مدفع مياه تابع للشرطة المجرية يرش رذاذاً منعشاً على المارة خلال موجة حر في بودابست 30 يونيو 2026 (أ.ب)

كما أن ارتفاع حرارة الغلاف الجوي يزيد من قدرته على الاحتفاظ بالرطوبة، ما يؤدي إلى عواصف أشد، وبالتالي ارتفاع خطر الفيضانات، وهي من الظواهر الجوية المتطرفة التي يُفاقمها تغيّر المناخ الناجم عن الأنشطة البشرية.

وكان ارتفاع حرارة البحر المتوسط ساهم في تغذية عاصفة عنيفة أدّت إلى أسوأ فيضانات تشهدها إسبانيا منذ عقود في أكتوبر (تشرين الأول) 2024، حيث سُجّلت معظم الوفيات، التي تجاوزت 230، في منطقة فالنسيا، شرق البلاد.


حرّ أوروبا يتخطى 35 درجة... ويطول 150 مليون شخص على الأقل

امرأة تحمل مظلة للحماية من أشعة الشمس بالقرب من النصب التذكاري للملكة فيكتوريا خارج قصر باكنغهام وسط موجة حارة في لندن... 26 يونيو 2026 (رويترز)
امرأة تحمل مظلة للحماية من أشعة الشمس بالقرب من النصب التذكاري للملكة فيكتوريا خارج قصر باكنغهام وسط موجة حارة في لندن... 26 يونيو 2026 (رويترز)
TT

حرّ أوروبا يتخطى 35 درجة... ويطول 150 مليون شخص على الأقل

امرأة تحمل مظلة للحماية من أشعة الشمس بالقرب من النصب التذكاري للملكة فيكتوريا خارج قصر باكنغهام وسط موجة حارة في لندن... 26 يونيو 2026 (رويترز)
امرأة تحمل مظلة للحماية من أشعة الشمس بالقرب من النصب التذكاري للملكة فيكتوريا خارج قصر باكنغهام وسط موجة حارة في لندن... 26 يونيو 2026 (رويترز)

من المتوقع أن تتخطى موجة الحر التي تجتاح أوروبا 35 درجة مئوية لفترة، الجمعة، وأن تطول 150 مليون شخص على الأقل، بينهم أكثر من 50 مليوناً في ألمانيا و30 مليوناً في فرنسا، وفق تحليلات «وكالة الصحافة الفرنسية».

وتشير تحليلات «وكالة الصحافة الفرنسية» إلى أنَّ الحرارة ستتخطى 30 درجة مئوية بالنسبة إلى أكثر من 420 مليون شخص في أوروبا (من دون احتساب تركيا)، ما يعني أنها ستطول نحو 7 أشخاص من كلّ 10 بالقارة، حسب أرقام تستند إلى توقعات خدمة الأرصاد الجوية الألمانية ومركز الأبحاث المشتركة، وتتقاطع مع أرقام منظمة «كليماداشبورد» النمساوية غير الحكومية.

وهذه الأرقام تتجاوز التوقعات الصادرة عن المعهد الألماني للأحوال الجوية، والتي حُسبت بالنسبة إلى الخميس في الساعة 3.00 بتوقيت غرينتش. وتوقَّعت أن تتجاوز الحرارة 35 درجة مئوية وأن تطول 101 مليون نسمة.

امرأة تدفع عربة أطفال وسط المدينة خلال موجة حارة في فيينا بالنمسا 26 يونيو 2026 (رويترز)

وعلى عكس الخميس، لم تعد المنطقة الأكثر تضرراً من موجة الحر هي البر الفرنسي بل ألمانيا، حيث من المتوقع أن تصل درجات الحرارة إلى أكثر من 30 درجة مئوية، الجمعة، وأن تطول نحو 82 مليون نسمة، بينهم 52 مليوناً ستطولهم درجات حرارة تصل إلى 35 مئوية.

ولا تزال التوقعات تشير إلى أنّ درجات الحرارة ستتجاوز 35 مئوية لنحو 34 مليون نسمة في فرنسا و17 مليوناً في إيطاليا و15 مليوناً في هولندا. وأصدر «المعهد الهولندي للأرصاد الجوية» أول إنذار له بشأن موجة الحر الشديد، الذي يسري مفعوله الجمعة في معظم أنحاء البلاد.

ومن المتوقع أيضاً أن تؤثر مستويات درجات الحرارة هذه بشكل كبير على كل من المجر وبلجيكا ولوكسمبورغ.

ويُتوقع أن تطول موجة الحرّ التي شهدتها أوروبا الغربية في الأيام الأخيرة منطقة البلقان اعتباراً من السبت، فيما كان كامل ساحل البحر الأدرياتيكي مشمولاً، الجمعة، بتحذيرات من المستوى الأحمر، حسب وكالة «ميتيو ألارم».

ومن المنتظَر أن تصل مستويات الحرارة إلى 39 درجة، اعتباراً من الأحد حتى الاثنين على الأقل، في بعض مناطق صربيا ومقدونيا الشمالية والبوسنة ومونتينيغرو، وفق مختلف الهيئات الوطنية للأرصاد الجوية.

رجل يضع غطاءً على رأسه لتخفيف أثر الحرارة في روتردام بهولندا (إ.ب.أ)

وفي بلغراد، يُفترَض أن تصل الحرارة إلى 36 درجة السبت، و38 الأحد، و39 الاثنين والثلاثاء، متجاوزة الرقم القياسي البالغ 38.7 درجة الذي سُجّل في العاصمة في يونيو (حزيران) 2021.

وفي صربيا التي شهدت في السنوات الثلاث الأخيرة معدلات الحرارة الأشدّ صيفاً منذ بدء القياسات عام 1951، يعمل أكثر من عامل من كل خمسة في الهواء الطلق، حسب موقع «كليما 101» المتخصص، وشوهد عمّال في ورش البناء ظهر الجمعة تحت الشمس الحارقة. ورغم الحرّ، يُتوقَّع أن يشارك آلاف الأشخاص في بلغراد السبت في تجمّع ينظمه الحزب التقدمي الصربي الحاكم، وفقاً لوكالة الصحافة الفرنسية.

ومع تجاوز درجات الحرارة 35 درجة، قصد كثير من السكان، الجمعة، الأماكن المظَلَّلة وتلك التي يتوافر فيها الماء. وقال ألكسندر (60 عاماً) وقد غمر قدميه في نافورة بوسط المدينة، لوكالة الصحافة الفرنسية: «أعاني كثيراً من الحر الشديد، وهذا المكان هو الأنسب لي».

وفي بريشتينا، عاصمة كوسوفو، كان الشارع الرئيسي الذي يكون عادة مزدحماً بالمارة شبه خالٍ ظهر الجمعة، فيما كان القلائل الذين يمرّون فيه يسرعون الخطى كي لا يمكثوا طويلاً في الحرّ.

وقالت الموظفة الحكومية (41 عاماً) مايليندا التي كانت تشتري أدويتها سريعاً قبل عطلة نهاية الأسبوع لوكالة الصحافة الفرنسية: «من المتوقع أن تشتدّ موجة الحر خلال عطلة نهاية الأسبوع، وأريد أن أؤمّن كل ما أحتاج إليه حتى لا أضطر للخروج غداً وبعد غد».

وعلى الساحل الأدرياتيكي، امتد الحرّ إلى مياه البحر أيضاً؛ إذ تجاوزت حرارة المياه في بولا بكرواتيا صباح الجمعة 27 درجة عند الساعة الثامنة.

رجل يضع قطعة قماش مبللة على رقبته للتخفيف من أثر الحرارة في وردريكت بهولندا (إ.ب.أ)

وسبق أن شهد صيف 2025 موجات حرّ عدة في البلقان، وسُجِّل في كوسوفو في يوليو (تموز) 2025 أشد يوم حرّ على الإطلاق مع تسجيل 42.4 درجة مئوية. وتعرضت ألبانيا لحرائق عدة التهمت عشرات آلاف الهكتارات واضطر آلاف السكان إلى إخلاء منازلهم.

التغير المناخي مسؤول

وخلصت شبكة علمية دولية في دراسة نشرت نتائجها الجمعة، إلى أن التغير المناخي مسؤول «في شكل لا لبس فيه» عن موجة الحرّ الشديدة التي تضرب أوروبا الغربية راهناً، والتي كانت ستكون شبه مستحيلة الحدوث قبل نحو 50 عاماً.

وأكّد علماء شبكة «وورلد ويذر أتريبيوشن» (دبليو دبليو إيه) الذين يدرسون مسؤولية الاختلالات المناخية الناجمة عن الأنشطة البشرية في الظواهر المناخية القصوى، أن درجات الحرارة المرتفعة جدّاً خلال النهار والليل أيضاً كانت ستكون «شبه مستحيلة» في هذه الفترة من عام 1976 الذي شهد بدوره قيظاً استثنائياً.

ولو وقعت موجة حرّ من هذا القبيل، لكانت ألطف بـ3.5 درجات مئوية نهاراً و2.4 درجة ليلاً، حسب حسابات العلماء.

وقال تيودور كيبينغ من جامعة «إمبيريال كولدج» في لندن الذي شارك في هذه الأبحاث: «خلصنا إلى أنه خلال السنوات الخمسين الأخيرة التي زادت فيها حرارة الكوكب 1.1 درجة مئوية، تغيّرت أرجحية وقوع موجة قيظ كهذه بدرجة فائقة».

وصرّح خلال عرض الدراسة على وسائل الإعلام بأن «موجة كهذه ما كانت ممكنة في يونيو من دون التغيّر المناخي».

وأشارت فريديريكه أوتو من جامعة «إمبيريال كولدج» في لندن إلى أن «هذه الظاهرة المناخية ليست غير الاعتيادية لكن درجات الحرارة كذلك» بسبب التغيّر المناخي البشري المصدر.

«مزعج وخطير»

يتأتّى هذا التغيّر المناخي البشري المصدر من الاستخدام الكثيف لمصادر الطاقة الأحفورية، من فحم ونفط وغاز أحفوري، فضلاً عن قطع الغابات.

واستند العلماء المقيمون في عدّة بلدان أوروبية في أبحاثهم إلى بيانات أرصاد جوية حالية وتوقّعات الأيام المقبلة؛ إذ إن موجة الحرّ ما زالت متواصلة، وقارنوها بالمعطيات المسجّلة في 2003 و1976.

طفل يحاول التخفيف من أثر الحرارة بالوقوف داخل نافورة ماء في تورين بإيطاليا (إ.ب.أ)

ولم تلق هذه الأبحاث التي أجريت بوتيرة متسارعة مراجعة من باحثين خارجيين، وفق الإجراءات المعمول بها في إطار المنشورات العلمية. غير أن المنهجية المعتمدة سبق أن صادقت عليها الأسرة العلمية، حسبما ذكّر القيّمون على هذه الأبحاث.

وباتت الليالي الحارة أكثر ترجيحاً بمائة مرّة اليوم مما كانت عليه الحال خلال موجة الحرّ القياسي في 2003. وباتت الحرارة القصوى خلال النهار أكثر ترجيحاً بعشر مرّات، حسب الباحثين.

واستبعد العلماء مسؤولية ظاهرة «إل نينيو» الطبيعية التي ترفع الحرارة على سطح الأرض في وسط المحيط الهادئ الاستوائي وشرقه، متسبّبة بموجات جفاف وفيضانات وحرارة قياسية في العالم. ولاحظوا أن هذه الظاهرة لم تؤد «أيّ دور» في موجة الحرّ الحالية.

ويجعل «الإجهاد الحراري» الناجم عن درجات حرارة ومستويات رطوبة عالية هذا القيظ «مزعجاً وخطيراً بشكل خاص»، حسب فريديريكه أوتو.

وكشفت الدراسة أن نحو 45 في المائة من المدن الـ854 المشمولة بالتحليل في 30 دولة أوروبية حطّمت المستويات القياسية للإجهاد الحراري أو أنها على وشك تحطيمها.

وتستند هذه الخلاصات إلى مؤشّر حرارة يعرف بـ«مقياس حرارة ذي بُصيلة مخضّلة» يقوم على الحرارة والرطوبة ونسبة الإشماس والغطاء السحابي. ويستخدم هذا المؤشّر خصوصاً في عالم الرياضة.

و​ذكر مكتب الأرصاد الجوية البريطاني أن ‌درجة ‌الحرارة ​في ‌سوفوك بشرق ​إنجلترا بلغت 36.9 درجة مئوية، اليوم الجمعة، ‌لتحطم الرقم ‌القياسي ​لأشد ‌أيام ‌يونيو حرارة لليوم ‌الثالث على التوالي، وذلك مع اقتراب موجة الحر من نهايتها.