الجميلي: خاتم السم من بغداد إلى لندن يقتل المستهدَف ثم حامله

مدير شعبة أميركا في مخابرات «البعث» العراقي يفتح لـ«الشرق الأوسط» دفاترها

TT

الجميلي: خاتم السم من بغداد إلى لندن يقتل المستهدَف ثم حامله

الرئيس العراقي صدام حسين (غيتي)
الرئيس العراقي صدام حسين (غيتي)

خيّم الذهول في سجن «كروبر» حيث كان سالم الجميلي، مدير شعبة أميركا في المخابرات العراقية، معتقلاً إلى جانب أركان النظام العراقي الذي أطاحه الغزو الأميركي. مال كثيرون إلى عدم التصديق. يعتقدون أن صدام حسين يملك حزاماً ناسفاً أو رصاصة أخيرة في مسدسه ويملك الجرأة لإصدار أمر إلى مرافقه بقتله قبل الوقوع في أيدي الجنود الأميركيين. وحين تأكد الخبر لم يشكك المعتقلون في شجاعة الرجل الذي عاش في عهدة الأخطار. وبينهم من رأى أن صدام ربما أراد أن يستغل وقوفه في المحكمة لمحاكمة الغزو وحلفائه.

أتاحت القوات الأميركية لاحقاً لقياديين من خصوم صدام رؤيته في السجن. خصمان بارزان للرجل امتنعا عن ذلك: مسعود بارزاني زعيم الحزب الديمقراطي الكردستاني، الذي رأى «أن الشماتة ليست من شيم الرجال»، وأقرّ صراحةً بأن القوات الأميركية هي التي أسقطت نظام صدام وليست المعارضة. وإياد علاوي (رئيس الوزراء بعد سقوط النظام) الذي يحمل في جسده آثار فأس صدام الذي انهال عليه في لندن. لم يقبل علاوي أن يشاهد رئيس العراق معتقلاً لدى الأميركيين. كان الحوار مع الجميلي مثيراً وثرياً وهو يتجه إلى جمع ذكرياته في كتاب. وهنا نص الحلقة الخامسة والأخيرة من الحوار.

سألته عن إيران والغزو وتصفية الحسابات وتركته يروي...

وكلاء إيران قتلوا أكثر من 50 ضابطاً من المخابرات... وبلغ الثأر حد نبش القبور

سالم الجميلي

الزعيمان الكرديان مسعود بارزاني وجلال طالباني (غيتي)

شاركت إيران في تسهيل الغزو الأميركي للعراق. أبرمت مع الأميركيين، عبر أحمد الجلبي، تفاهمات تسهّل مهمتهم في مقابل عودة المعارضين العراقيين الذين كانت تحتضنهم. أطلقت طهران عبر الجلبي مجموعة معلومات مضللة لتبرير الغزو، واستولت عن طريقه على جزء من الأرشيف العراقي. بموجب التفاهمات، سمحت إيران للطيران الأميركي باستخدام الشريط الحدودي والمجال الجوي المحاذي للعراق لأغراض عسكرية. لم تستطع المخابرات الأميركية إيصال الأسلحة إلى جلال طالباني في السليمانية لأنها يجب أن تمر عبر أجواء تركيا أو سوريا أو إيران، فتولى الجنرال قاسم سليماني شخصياً إيصال الأسلحة له.

في تلك الفترة لم يكن دور سليماني بارزاً كثيراً. وكانت تدخلات «الحرس الثوري» ضعيفة وتقتصر على جنوب لبنان ولم تكن ظاهرة في سوريا أو اليمن. المد الإيراني بدأ بعد سقوط النظام العراقي. كنا قد توقعنا ذلك وقلناه للأميركيين في اتصالات أجريناها في محاولة لتفادي الحرب. قلنا لهم: إنكم ستفتحون البوابة لإيران وستتغلغل في المنطقة. لم يُظهروا اهتماماً بالموضوع وحصل ما حصل.

الثأر الإيراني

كان ثأر الإيرانيين من جهاز المخابرات رهيباً. طبعاً كان التنفيذ عبر وكلائهم. قتلوا ما لا يقل عن خمسين من ضباط الجهاز بينهم 14 في وجبة واحدة وفي مقرات سكنهم. اغتالوا طيارين. قصفوا أهدافاً في إيران إبان الحرب العراقية - الإيرانية. وصل الأمر إلى حد نبش قبور ضباط استُشهدوا في الحرب.

سهّلت الأجهزة الإيرانية مهمة غزو العراق لكنها تحرّكت أيضاً في اتجاه آخر. قبل الغزو سهّلت هذه الأجهزة مرور أبو مصعب الزرقاوي عبر أراضيها ليوجد في العراق بعد مغادرته أفغانستان. وجود قيادة «القاعدة» في إيران لم يعد يحتاج إلى دليل، فقد اغتالت إسرائيل أحد أفرادها هناك.

سألت الجميلي عن علاقات صدام بالزعماء الأكراد في العراق، وهي كانت شائكة وصعبة تخللتها مواجهات واتفاقات وهدنات، فاستعاد ملامح تلك العلاقات...

كان بين صدام وطالباني قناة اتصال يتولاها ضابط مخابرات عراقي برتبة مدير. حين تسللت عناصر من «القاعدة» إلى العراق آتية من أفغانستان عبر إيران في 2001 قلق طالباني من تعاون هذه العناصر مع تنظيم «أنصار الإسلام» الكردي. هاجم التنظيم مقاتلي «الاتحاد الوطني الكردستاني» وقتل أربعين عنصراً منهم، فطلب طالباني مساعدة عسكرية ومالية من بغداد وتم تأمينها له. ردّ طالباني برسالة إلى صدّام شكره فيها وقال: «أعاهدكم بشرف الرجال والمسؤولية أن هذا السلاح لن يُستخدم ضد أبناء الشعب العراقي وسيكون شوكة ضد أعداء العراق».

«متى تنتهي من هذه العمالة؟»

قبل الغزو الأميركي قامت إيران بتقديم دعم عسكري لطالباني. وجّه إليه صدام رسالة قاسية نعته فيها بـ«الخائن» و«العميل»، وسأله: «متى تنتهي من هذه العمالة؟». ورد طالباني قائلاً: «لو كان بمقدوري إزاحتكم لفعلت لكنني أخشى أن يكون البديل أسوأ منكم». وأكد أنه يعرف من يعمل من حزبه مع المخابرات العراقية، وحدد أسماء قائلاً إنهم «يعملون معكم بعلمي». وقال طالباني لضابط المخابرات: «أبلغ الرئيس صدام ما أقوله لك. عشرون يوماً فقط وبعدها سيكون العميل جلال طالباني رئيساً لجمهورية العراق».

ذات يوم ظهر اقتراح بالاعتراف بإقليم كردستان دولة مستقلة لوضعه في مواجهة مع تركيا وإيران، لكنّ أغلب الحاضرين اعترضوا. ونُقل في 1999 عن صدام قوله في جلسة خاصة مع عدد من أعضاء القيادة: «لا نستطيع إجبار الشعب الكردي على العيش معنا بالقوة. إذا أرادوا الانفصال فلا ضير أن نعطيهم الاستقلال».

وفي موازاة ذلك كانت المواجهة قاسية وطويلة بين صدام ومسعود البارزاني، لكن لم يكن صدام يتهم مسعود بالتبعية لدولة خارجية، ويرى أنه رجل يحترم كلمته إذا تعهد بأنه يأخذ مصلحة العراق في حسابه حين يُطالب بحقوق الأكراد. وربما لهذا السبب لم يتردد صدام في إرسال قواته لرد الهجوم الذي شنته قوات طالباني على أربيل بدعم صريح من إيران.

تطرق الجميلي أيضاً إلى دور سياسي عراقي مثير للجدل. لم يعد الشخص موجوداً ليمتلك القدرة على الرد والتوضيح. سأسميه السيد «فلان» لأسباب قانونية. وهنا الرواية.

تم التحرك باتجاه «فلان» تحت غطاء وزارة المالية كمرحلة أولى، ثم أصبحت العلاقة به مباشرة من خلال مدير عام الخدمة الخارجية كاظم مسلم، الذي التقاه في مركز عمله في عمّان. كذلك أشرف على إدارته المدير فاروق حجازي وكان مرتاحاً لهذه العلاقة.

تم تكليف الشخص بمهام تتعلق بجمع المعلومات الخاصة بالصيرفة والحسابات السرية لبعض الشخصيات العراقية المعارضة والحسابات الشخصية لرؤساء عرب. كانت المهمة الأساسية كشف الحسابات الخاصة بمافيا تجّار السلاح وحركة الأموال لتغطية العقود العسكرية السرية الخاصة بتجهيز إيران بالعتاد والسلاح وقد حصل الجهاز عبره على معلومات هائلة.

بعد غزو الكويت انقلب «فلان» على الجهاز وأسس حزباً معارضاً وتعاون مع الأميركيين والإيرانيين. وبعد الاحتلال أسهم مكتب الرجل نفسه في استدراج مسؤولين سابقين إلى تسليم أنفسهم، وتولى أحد أعضاء مكتبه إرشاد الجنود الأميركيين إلى مسكني للقبض عليّ في أبريل (نيسان) 2003 بعد أن جنّد أحد أبناء الجيران لمراقبتي.

طالباني لضابط المخابرات: قُلْ لصدام إن العميل سيصبح رئيساً لجمهورية العراق

سالم الجميلي

حسين كامل يُفشي السر النووي

حسين كامل (الأول من اليمين في الصف الثاني) في صورة جماعية لعائلة الرئيس العراقي صدام حسين (غيتي)

في عام 1995 أفاق أهل المنطقة على خبر مفاجئ هو انشقاق حسين كامل، صهر الرئيس العراقي، ومغادرته إلى الأردن مع زوجته رغد وشقيقه صدام كامل. وكان الانشقاق أخطر ما تعرّض له النظام من داخل عموده الفقري. يتذكر الجميلي الحادثة ويحكي.

كان حسين كامل من القلة التي تعرف كل أسرار النظام والدولة. شغل مناصب حساسة بينها مدير التصنيع العسكري، ووزير الدفاع والصناعة، وأشرف على جهاز الأمن الخاص، فضلاً عن مهمات أخرى. لم يثق الرئيس بأحد بمقدار ما وثق بحسين كامل. لهذا كان الانشقاق مؤلماً وخطراً، وقد أُصيب صدام بالكآبة بعد ما انتهت إليه قصة صهره.

ألحق انشقاق حسين كامل أضراراً كبيرة بالنظام وصدقيته. بعد وصوله إلى عمّان كشف عن وجود مؤسسة نووية كنا قد سكتنا عنها لأن المفتشين لم يتحدثوا عن وجودها ولو تلميحاً. ضرب الكشف عن منشأة مزرعة الدواجن صدقية النظام وتسبب في إطالة الحصار المفروض على العراق.

كان الرئيس قد أمر في 1994 بوقف العمليات الخاصة، أي عمليات الاغتيال. لكن لم يكن في استطاعة الجهاز السكوت عن بقاء رجل يمتلك كل هذه المعلومات ويلتقي في عمّان أشخاصاً من أجهزة مختلفة. حصل الجهاز على موافقة الرئيس على عملية للتخلص من الرجل. شكّل فريق من جهاز العمليات ضم ثلاثة من الضباط التنفيذيين وامرأتين وتوجّه إلى عمّان. لم يستطع الفريق الاقتراب من حسين كامل لاغتياله بسبب صرامة الإجراءات الأردنية حوله واضطر إلى العودة بعد شهرين إلى العراق بلا نتيجة.

لم ترحب المعارضة العراقية بحسين كامل. ولجان التفتيش حصلت منه على معلومات ثم أهملته. جرت اتصالات تعكس رغبته في العودة، وعاد، وقال الرئيس إنه مستعد لإعفائه من إجراءات الدولة ضده. فور عودته تولّى عديّ صدام حسين فصل شقيقتيه عن زوجيهما. وأبلغ الرئيس علي حسن المجيد بأن الدولة تنازلت عن حقها ويبقى الأمر بيد العشيرة. وهكذا قاد علي حسن المجيد المعركة التي دارت بين أبناء العمومة وأدت إلى مقتل حسين كامل.

وفي الحقيقة أتذكر هنا أن برزان التكريتي كان يقول قبل سنوات إن حسين كامل رجل خطر وطموحاته كبيرة جداً ويريد أن يخلف صدام حسين. لم يتوقف الرئيس عند هذا الكلام وأدرجه في باب الغيرة أو الكراهية الشخصية خصوصاً أن زواج حسين من رغد كان قد تسبب فيما يشبه الشرخ العائلي بعد غضب برزان وآخرين. والحقيقة أننا لم نلمس في الجهاز أي توجه من الرئيس لاعتبار حسين خليفة له في حال غيابه. كانت المؤشرات لدينا تفيد بأن الرئيس يعدّ نجله قصي لمثل هذا الدور خصوصاً بعدما صار قائداً في الحرس الجمهوري ومديراً لجهاز الأمن الخاص، ثم إن اسمه في الشارع ليس موضع جدل كما كان اسم عدي.

حسين كامل وعدي صدام حسين (غيتي)

 

كشف حسين كامل وجود منشأة نووية... وعمله ضرب مصداقية النظام

سالم الجميلي

ارتبط اسم صبري البنا (أبو نضال) مؤسس «حركة فتح – المجلس الثوري» بالإرهاب وكمية مذهلة من الاغتيالات والتفجيرات. وُلدت ظاهرة أبو نضال على أرض العراق وحظي الرجل بدعم مالي ولوجيستي واستخباري من نظامه. وحين أعلن في أغسطس (آب) 2002 عن انتحار أبو نضال في بغداد شكك كثيرون في الرواية ورأوا أن الرجل نُحر ولم ينتحر. ينقل الجميلي روايته عن الرجل الذي شارك مع زميل له في زيارة أبو نضال والتي انتهت بما انتهت إليه.

أبو نضال

«روح الشر»

 

في عام 1974 انشق أبو نضال عن حركة «فتح» التي كان مدير مكتبها في العراق، معلناً معارضته أي تسوية مع إسرائيل. كان موقف العراق معارضاً للتسوية وهكذا حصل أبو نضال على كل أشكال الدعم. وبدعم من المخابرات العراقية، أسس أبو نضال معسكراً للتدريب في بغداد ضم كثيرين من رافضي فكرة التطبيع مع إسرائيل، ثم أخذت عناصره تجوب العالم مستهدفة مئات من الشخصيات الفلسطينية المؤيدة للتطبيع. كما هاجمت جماعة أبو نضال أهدافاً أميركية وأوروبية وعربية وإسرائيلية. بعد اندلاع الحرب مع إيران طلبت المخابرات من أبو نضال وقف عملياته، إلا أنه رفض وغادر إلى سوريا.

في 1991 وقبيل حرب الكويت كان العراق يخطط لتنفيذ عمليات ضد أهداف أميركية، فاستدعت الحاجة إعادة الاتصال مع أبو نضال واستقدامه إلى بغداد، إلا أنه استغل الخلافات العربية وأجرى اتصالات مع الكويت ودول أخرى وحصل على أموال طائلة وتوجه إلى ليبيا.

في بدايات القرن الحالي طلبت منه ليبيا مغادرة أراضيها فتوجه إلى مصر. وحين علمت المخابرات المصرية بوجوده طالبته بمغادرة أراضيها، فتوجه إلى إيران ولم يمكث طويلاً هناك، إذ دخل الأراضي العراقية بجواز سفر يمني مزوَّر. استأجر بيتاً صغيراً في شارع فلسطين وبعد فترة قصيرة وردت معلومات من مخابرات دولة صديقة عن أنه موجود في العراق. تمكّنت المخابرات، بعد عملية بحث، من التقاط صورة له حين اضطر إلى الخروج للتسوق. اقترح الجهاز على الرئيس إبقاء الرجل في العراق لكن فيما يشبه الإقامة الجبرية لمعرفة علاقاته بالدول والأجهزة، ووافق رئيس الجمهورية على ذلك.

مدير المخابرات العراقية الفريق طاهر جليل الحبوش يعرض جواز السفر المزور الذي استخدمه القيادي الفلسطيني أبو نضال الذي "انتحر" في بغداد في 21 أغسطس (آب) 2002 (غيتي)

سرّبت أجهزة غربية أنباء عن وجود أبو نضال في العراق، فكان لا بد من التحرك للسيطرة عليه. قام ضابطان من الجهاز بزيارة مفاجئة له، وطلبا منه أن يرافقهما بعدما حاول تبرير دخوله خلسة. شعر بأن لعبته كُشفت. طلب السماح له بارتداء ملابس غير التي يرتديها، وحين انتقل إلى الغرفة المجاورة أغلق الباب فتخوّف الضابطان من إقدامه على شيء ما. وفجأة دوّت طلقة، فقاما بخلع الباب ووجداه قتيلاً. أستطيع التأكيد أنه انتحر لأن الضابط الذي كان مسؤولاً عن المهمة كان زميلي وصديقي وأخبرني بالرواية وظل متمسكاً بها. وهكذا انتهت قصة الرجل الذي كان يسمّي نفسه «روح الشر» وهو كان كذلك.

 

الاستقالة تعني الموت

جهاز المخابرات ليس حزباً سياسياً يمكن الانتماء إليه ومعرفة أسراره ثم المغادرة بسلام. حين يتخذ الضابط الفار قرار الانشقاق يوقّع عملياً على قرار إعدامه. لن يرحم الجهاز المنشقين وسيتعقبهم. رجال بأسماء مستعارة وأحياناً جوازات سفر دبلوماسية سيطاردون رفيقهم السابق لإعدامه. تركت للجميلي أن يسترجع بعض المحطات.

خلال توليه إدارة المخابرات أنشأ برزان التكريتي مؤسسة للطباعة والنشر في لندن كواجهة للعمل الاستخباري وعيّن عليها شخصاً استُقدم من أجهزة الدولة ويتمتع بقدرات إدارية ومصرفية عالية. طابت لـ(...) الحياة في لندن، ورفض العودة إلى بغداد لدى انتهاء مهمة انتدابه في 1986 وأصر على موقفه. أرسل الجهاز إلى لندن فريقاً من ثلاثة أشخاص، اثنان منهم من معارف الرجل، لهذا لم يتوقع أنهم جاؤوا لتصفيته، وهما (...) و(...). اقترحوا عليه أن يكون اللقاء في أحد مطاعم لندن. كانت المادة السمية المخصصة لقتله موضوعة في خاتم أحد أعضاء الفريق والذي غافل المستهدف ودس السم في مشروبه. عاد الفريق إلى بغداد وتوفي الرجل المستهدف بعد أسبوعين. لم يتنبه ضابط المخابرات إلى أن المادة السميّة التي سكبها لامست يده أيضاً فتوفي بعد فترة قصيرة. الشخص الثاني في الفريق اختفى إبان غزو الكويت، وتوفي الثالث خارج العراق في عام 2020.

بدت على الضابط (...) تصرفات غير مريحة. في 1978 تقرر نقله إلى خارج الجهاز. هرب عبر الحدود إلى سوريا وأخضعته المخابرات هناك لتحقيق مطوَّل. وبعد أن استنفدت عملية الحصول على المعلومات، سهّلت سفره إلى السويد. راح الفارّ يتعاطى مع الصحافة ويتحدث عن أسرار المخابرات فصدر قرار بالتخلص منه بعدما تولت محطتنا في أستوكهولم متابعته ولم يكن حذراً.

 

موعد قاتل في أستوكهولم

كان لدى جهاز المخابرات صائدات للأهداف. سافرت (...) بصحبة الضابط (...) ووُضعت في طريق الرجل المستهدف الذي سارع إلى ابتلاع الطعم. اصطحبته إلى شقة حيث كان زميلها الضابط موجوداً. فوجئ الرجل بوجود ضابط العمليات وهو يعرفه شخصياً فأدرك أنه وقع في الفخ، وقال له: «ها... جاي هنا حتى تصفّيني؟». أعدمه الضابط ورمى أجزاءه فجراً في إحدى الغابات، وغادر أستوكهولم مع رفيقته بسلام.

ضابط آخر أُرسل إلى المحطة في تركيا. حذّره برزان من الوقوع في فخ الجميلات. في عام 1982 اختفى الرجل فجأة ثم تبين أنه غادر إلى ألمانيا بصحبة سيدة تركية. عاد المختفي لاحقاً إلى تركيا. علمنا لاحقاً أنه تم استدراجه إلى مكان خاص وتمت تصفيته بطريقة غامضة. كانت المخابرات تسمح بتسريب هذه الأحداث بين منتسبي الجهاز كإجراء رادع لكل من تسوّل له نفسه القيام بفعل مماثل.

وكشف أن ضباطاً من الجهاز أرسلوا ضد القوات الأميركية سيارات مفخخة يقودها انتحاريون، وأن ضابطاً منهم سُجن 15 عاماً بسبب ذلك، وهو كان قد سُجن مدة أطول في بريطانيا بسبب عملية نفّذها على أراضيها. وأشار إلى أن العراق عرض مبادلة الصحافي فرزاد بازوفت، مراسل «الأوبزرفر»، مقابل الضابط المحتجز لكنّ السلطات البريطانية رفضت. وأعدمت السلطات العراقية بازوفت لاحقاً بعدما أدانته بالتجسس.



الرئيس الشرع يستقبل وفداً كردياً في قصر الشعب بمناسبة عيدي الفطر والنيروز

صورة جماعية لاستقبال الرئيس أحمد الشرع بدمشق وفداً من أبناء المكوّن الكردي بمناسبة عيد الفطر وعيد النوروز (الرئاسة السورية)
صورة جماعية لاستقبال الرئيس أحمد الشرع بدمشق وفداً من أبناء المكوّن الكردي بمناسبة عيد الفطر وعيد النوروز (الرئاسة السورية)
TT

الرئيس الشرع يستقبل وفداً كردياً في قصر الشعب بمناسبة عيدي الفطر والنيروز

صورة جماعية لاستقبال الرئيس أحمد الشرع بدمشق وفداً من أبناء المكوّن الكردي بمناسبة عيد الفطر وعيد النوروز (الرئاسة السورية)
صورة جماعية لاستقبال الرئيس أحمد الشرع بدمشق وفداً من أبناء المكوّن الكردي بمناسبة عيد الفطر وعيد النوروز (الرئاسة السورية)

استقبل الرئيس أحمد الشرع في قصر الشعب بدمشق، السبت، وفداً من أبناء المكوّن الكردي بمناسبة عيد الفطر المبارك وعيد النوروز، بحضور محافظي حلب والرقة والحسكة، والمبعوث الرئاسي لمتابعة تنفيذ اتفاق الـ29 من يناير (كانون الثاني) مع «قسد».

وأكد الرئيس الشرع أن «النوروز» عيد وطني يعكس خصوصية المكوّن الكردي، وأن الشعب السوري واحد، وشدد على أن ضمان حقوق أبناء المكوّن الكردي حق أصيل، وأن التنوع الثقافي في سوريا يمثل مصدر قوة. كما أشار إلى دعم تنمية المنطقة الشرقية.

ونقلت وكالة «سانا» عن اللقاء إشادة الحضور بالمرسوم الرئاسي رقم 13 لعام 2026 لضمان حقوق الكرد في سوريا، مؤكدين أهمية ترسيخ الوحدة الوطنية، وتعزيز التشاركية، وحصر السلاح بيد الدولة.

صورة جانبية لاستقبال الرئيس أحمد الشرع في قصر الشعب بدمشق وفداً من أبناء المكوّن الكردي بمناسبة عيد الفطر وعيد النوروز (سانا)

وهذه هي السنة الأولى التي يقام فيها الاحتفال بـ«النوروز» بوصفه عيداً وطنياً رسمياً في سوريا، بعد أن أصدر الشرع في يناير الماضي، المرسوم 13 الذي نص على منح الجنسية للمواطنين الأكراد المحرومين منها والمقيمين على الأراضي السورية، وعدّ «عيد النوروز»، الذي يحتفل به الأكراد، عطلة رسمية، واللغة الكردية «لغة وطنية».

ووفق الأكاديمي والسياسي الكردي المستقل الدكتور فريد سعدون، لـ«الشرق الأوسط»، أعلن الشرع في الجلسة عن أن الخطة المقبلة للحكومة تتضمن تخصيص مبلغ مليار دولار أميركي من أجل ترميم البنية التحتية في شمال سوريا.

سعدون أوضح لـ«الشرق الأوسط»، أن إدارة الشؤون السياسية في الحسكة نسقت اللقاء الذي استمر نحو 90 دقيقة، وضم الوفد الكردي ما بين 50 و60 شخصية، بينهم هيئة رئاسة «المجلس الوطني الكردي»، وشخصيات كردية مستقلة وأكاديميون ووجهاء ونشطاء من المجتمع المدني.

وأضاف أن تشكيلة الوفد لم تكن من شمال سوريا فقط، بل كان هناك مشاركون من مدينة عين العرب (كوباني) وعفرين من ريف حلب ومن مناطق أخرى مختلفة، بمعنى أن «الوفد تشكل من الوطنيين الاكراد على مستوى سوريا، وكان هناك حضور واضح لأكراد دمشق»، مشيراً إلى أن الدعوة وُجّهت أيضاً إلى «حزب الاتحاد الديمقراطي» الكردي في سوريا، ولكن لم يحضر أحد ليمثله في اللقاء.

مداخلة أحد الحضور من الكرد السوريين في لقاء الرئيس الشرع بقصر الشعب السبت (الرئاسة السورية)

ورأى الأكاديمي الكردي أن «اللقاء حدث تاريخي بحكم أنها المرة لأول في سوريا يستقبل فيها رئيس الجمهورية وفداً كردياً ويتبادل معه التهاني والتبريكات بمناسبة عيدي الفطر والنوروز».

وذكر سعدون أن الرئيس الشرع، «تحدث خلال اللقاء عن المرحلة الجديدة في سوريا، وأن ما سلف قد انتهى، وصفحة الماضي طويت والآن نبدأ مرحلة جديدة، داعياً الجميع إلى التكاتف والتعاون يداً واحدة كسوريين لبناء الوطن وخدمة البلاد والمواطنين».

وشدد الشرع على أن لديه قناعة وإيماناً بحق المواطنين الكرد في العيش الكريم والحرية والمشاركة بصفتهم جزءاً أصيلاً من المجتمع السوري، بعد أن هضم النظام السابق حقهم واستبعدهم، مؤكداً أنهم في هذه المرحلة الجديدة ستكون لهم مشاركة في الدولة وفي مؤسساتها كافة، وفق ما نقل سعدون، الذي لفت إلى أن الرئيس الشرع أوضح أن المرسوم 13 كان البداية وأنه مُصرّ على تنفيذه على أرض الواقع.

الأكاديمي والسياسي الكردي المستقل د. فريد سعدون في قصر الشعب بدمشق (الشرق الأوسط)

تحدث الرئيس الشرع عن أن خطة الحكومة المقبلة تتضمن تخصيص مبلغ مالي قد يبلغ مليار دولار أميركي من أجل إعادة إعمار وترميم البنية التحتية المدمرة في المناطق الشمالية من أجل تقديم الخدمات للأهالي، كما ركز على الاهتمام بالتعليم وإعادة الموظفين المفصولين إلى وظائفهم.

وحول اتفاق الـ29 يناير الموقع بين الحكومة السورية و«قسد»، أشار سعدون إلى أن الرئيس الشرع أوضح أن الدولة مصرة على تنفيذه من أجل أن تكون الدولة مستقرة والبدء بتقديم الخدمات للشعب وأن الأيام المقبلة ستكون افضل. ونقل سعدون عن الرئيس الشرع قوله في هذا الصدد: «نحن نسير بخطى ثابتة نحو الدمج والبدء بتقديم الخدمات للشعب».

مدير إدارة الشؤون السياسية بمحافظة الحسكة عباس حسين متوسطاً مجموعة من أعضاء الوفد الكردي في قصر الشعب بدمشق السبت (حساب فيسبوك)

بدوره، ذكر نائب قائد الأمن الداخلي في الحسكة محمود خليل (سيامند عفرين)، أنه في إطار زيارة رسمية إلى دمشق، تمت تلبية دعوة من الرئيس الشرع رفقة محافظ الحسكة وقائد قوى الأمن الداخلي في الحسكة العميد مروان العلي، للمشاركة في إيقاد شعلة «عيد النوروز»، وتبادل التهاني بمناسبة عيدي الفطر و«النوروز»، وذلك في قصر الشعب، بحضور وفود وممثلين من مختلف فئات المجتمع.

وأشار خليل عبر حسابه على منصة «إكس»، إلى أنه عٌقد اجتماع خاص (لوفد الحسكة) مع الرئيس الشرع، تمت خلاله مناقشة الكثير من القضايا المهمة، وعلى رأسها ملف الأسرى، وملف عودة المهجرين إلى مدينتي عفرين بريف حلب وراس العين (سري كانيه) شمال غربي الحسكة، وباقي المناطق.

وخلال الاجتماع، جرى التأكيد وفق خليل، على «ضرورة تطبيق جميع بنود اتفاق 29 يناير والتي تُعدّ من أولوياتنا في المرحلة الحالية». لافتاً إلى أنه «وبتوجيه من الرئيس الشرع، تم تشكيل لجنة مختصة لمتابعة هذه الملفات؛ بهدف وضع آليات عمل واضحة لمعالجة القضايا المطروحة، وتعزيز مسار الاستقرار في البلاد».


«انتقام» المستوطنين من الصواريخ الإيرانية يظهر في الضفة

طفل فلسطيني يمرّ يوم الأحد بجوار كتابات عبرية مسيئة على جدران منزل متضرر من هجوم المستوطنين في قرية جلود جنوب نابلس بالضفة الغربية (أ.ف.ب)
طفل فلسطيني يمرّ يوم الأحد بجوار كتابات عبرية مسيئة على جدران منزل متضرر من هجوم المستوطنين في قرية جلود جنوب نابلس بالضفة الغربية (أ.ف.ب)
TT

«انتقام» المستوطنين من الصواريخ الإيرانية يظهر في الضفة

طفل فلسطيني يمرّ يوم الأحد بجوار كتابات عبرية مسيئة على جدران منزل متضرر من هجوم المستوطنين في قرية جلود جنوب نابلس بالضفة الغربية (أ.ف.ب)
طفل فلسطيني يمرّ يوم الأحد بجوار كتابات عبرية مسيئة على جدران منزل متضرر من هجوم المستوطنين في قرية جلود جنوب نابلس بالضفة الغربية (أ.ف.ب)

في تحركات رفعوا خلالها شعار «انتقام» وكتبوه، هاجم المستوطنون الإسرائيليون الغاضبون من الصواريخ الإيرانية التي أوقعت عشرات المصابين، ليل الأحد، 20 موقعاً في الضفة الغربية، وأحرقوا مركبات ومنازل وممتلكات الفلسطينيين.

وبعد ليلة وصفتها السلطات الإسرائيلية بـ«الصعبة» جراء الاستهدافات بالصواريخ الإيرانية، هاجم مستوطنون متطرفون على نطاق واسع وبشكل شبه منظم قرى وبلدات في مناطق واسعة وأصابوا فلسطينيين بجروح. وأظهرت لقطات مصورة من قرى جالود، والفندقومية، وسيلة الظهر، وقريوت شمال الضفة، تدفق المستوطنين بالعشرات إلى بعض المواقع، قبل أن يشعلوا النار في مبانٍ وسيارات، فيما سُمع السكان وهم يُهرعون لمحاولة إخلاء من بداخلها.

فلسطينيون يتفقدون منزلاً متضرراً في قرية الفندقومية بالضفة الغربية جنوب جنين يوم الأحد بعد هجوم المستوطنين الإسرائيليين (إ.ب.أ)

وأقرت المؤسسة الأمنية الإسرائيلية بالهجمات الواسعة المروعة، وقال مصدر أمني لصحيفة «يديعوت أحرونوت» إن الأجهزة الأمنية تلقت خلال الليل بلاغات عن أكثر من 20 حادثة من جرائم ذات دوافع قومية، واشتباكات عنيفة بين المستوطنين والفلسطينيين في أنحاء الضفة الغربية، وهو معدل غير معتاد. وقال مصدر أمني آخر لصحيفة «هآرتس» إن 11 فلسطينياً أصيبوا بجروح في هذه الهجمات.

واستخدم المستوطنون، حسب «هآرتس»، العبوات الناسفة والزجاجات الحارقة والحجارة في هذه الهجمات. وأحرق المستوطنون عدداً من المنازل والمركبات في الفندقومية وفي سيلة الظهر في جنين، وأشعلوا النار في مقر المجلس القروي ومركبات في جالود في نابلس، وفي قريوت القريبة من نابلس كذلك، في أعنف هذه الهجمات التي أصيب فيها فلسطينيون بجروح.

وأفادت مصادر في الهلال الأحمر الفلسطيني، بأن طواقمها تعاملت مع عدد من الإصابات بينها 3 بالاعتداء بالضرب في جالود.

وجاءت هجمات المستوطنين بعد دعوات عبر منصات خاصة، قبل أن يطلق الفلسطينيون نداءات وتحذيرات عبر مجموعات خاصة كذلك، من أجل الحذر والتصدي للمستوطنين فيما بدا نوعاً من حرب أخرى دائرة في الضفة في ظلال الحرب الكبيرة.

وهاجم المستوطنون أيضاً قريتي بورين، وبروقين في نابلس، ومسافر يطا في الخليل، وعين الحلوة بالأغوار الشمالية، وتقوع في بيت لحم، كما شنوا سلسلة من الهجمات في الشوارع الرئيسية الواصلة بين المحافظات.

ورصدت وكالة الأنباء الرسمية «وفا» هجمات في شوارع خارج رام الله ونابلس وشمال القدس وسلفيت وبيت لحم والخليل.

وأدانت الرئاسة الفلسطينية بشدة «الهجمات الإرهابية» التي تنفذها «عصابات المستوطنين» في الضفة الغربية، واعتبرتها «تصعيداً خطيراً تتحمل حكومة الاحتلال الإسرائيلي المسؤولية الكاملة عنه».

وقالت الرئاسة إن ما يجري من قتل للمواطنين وحرق للممتلكات وأعمال عنف هو عمل منظم وممنهج يجري تحت حماية قوات الاحتلال وبدعم من حكومة اليمين المتطرفة.

سياق تصعيدي

والهجمات الأخيرة جزء من سياق تصعيدي بدأه المستوطنون في الضفة منذ السابع من أكتوبر 2023، وقد زاد مع الحرب الحالية على إيران.

وقتل المستوطنون في الضفة منذ بداية الحرب 8 فلسطينيين مستغلين انشغال العالم بالمواجهة الكبيرة.

وجاءت هذه الهجمات بعد ساعات فقط من بيان مشترك صدر عن الاتحاد الأوروبي وبعثات أوروبية، بينها البرتغال، وإسبانيا، والمملكة المتحدة، يدين بشدة تصاعد «إرهاب المستوطنين» والعنف الذي تمارسه قوات الاحتلال الإسرائيلي ضد المجتمعات الفلسطينية.

فلسطينيون يعاينون سيارة محترقة الأحد في أعقاب هجومٍ لمستوطنين إسرائيليين على قرية الفندقومية جنوب جنين بالضفة الغربية (أ.ف.ب)

وجاءت كذلك بعد أقل من أربعة أيام من تصريح رئيس الأركان إيال زامير الذي ندد بتزايد حوادث الجرائم القومية خلال الحرب متعهداً بالتصدي لهم.

ولم يتضح كيف تعامل الجيش الإسرائيلي مع الهجمات فوراً. وقالت صحيفة «تايمز أوف إسرائيل» إنه بعد ساعات من ورود تقارير عن أعمال العنف، قال الجيش الإسرائيلي إنه أرسل قوات للتعامل مع الحوادث، مؤكداً أنه «يدين العنف بكل أشكاله وسيواصل العمل لحماية أمن السكان والنظام في المنطقة». ومع ذلك، لم ترد تقارير عن اعتقالات.

وقال متحدث باسم شرطة لواء الضفة الغربية، ظهر الأحد، لصحيفة «تايمز أوف إسرائيل» إن «تحقيقاً فُتح بشأن الحوادث»، دون التعليق على ما إذا تم اعتقال أي مشتبه بهم. وأدان عدد من المسؤولين في إسرائيل عنف المستوطنين، وصمت الجيش.

وقال النائب العربي أيمن عودة إنه «لو أراد الجيش وقف إرهاب المستوطنين، لكان قادراً على ذلك خلال أيام. ما يحدث في الضفة الغربية ليس صدفة، بل هو سياسة إرهاب وتطهير عرقي بدعم الحكومة وبرعاية الجيش».

كما قال يائير غولان، زعيم حزب «الديمقراطيين» اليساري، إنه يتوجب على رئيس الأركان ورئيس الشاباك إظهار القيادة والتعامل «بيد من حديد» مع مثيري الشغب، محذراً من أن استمرار عدم التحرك قد «يجر دولة إسرائيل بأكملها إلى انتفاضة ثالثة».

وكتب غلعاد كريف، من الحزب نفسه، أن «الدمار سبقته دعوات صريحة وتخطيط مسبق لم يلقَ أي رد من الجيش أو الشاباك أو الشرطة».


اعتصام في دمشق احتجاجاً على تقييد بيع المشروبات الكحولية

سوريون ينفذون اعتصاماً صامتاً احتجاجاً على قرار السلطات تقييد بيع المشروبات الكحولية في حي باب توما بدمشق اليوم (أ.ف.ب)
سوريون ينفذون اعتصاماً صامتاً احتجاجاً على قرار السلطات تقييد بيع المشروبات الكحولية في حي باب توما بدمشق اليوم (أ.ف.ب)
TT

اعتصام في دمشق احتجاجاً على تقييد بيع المشروبات الكحولية

سوريون ينفذون اعتصاماً صامتاً احتجاجاً على قرار السلطات تقييد بيع المشروبات الكحولية في حي باب توما بدمشق اليوم (أ.ف.ب)
سوريون ينفذون اعتصاماً صامتاً احتجاجاً على قرار السلطات تقييد بيع المشروبات الكحولية في حي باب توما بدمشق اليوم (أ.ف.ب)

تجمّع مئات السوريين، اليوم الأحد، في دمشق، في اعتصام صامت، احتجاجاً على قرار السلطات تقييد بيع المشروبات الكحولية ومنع تقديمها في المطاعم والملاهي الليلية، حسبما شاهد مراسلو «وكالة الصحافة الفرنسية».

وتوافد المحتجون إلى ساحة حي باب توما ذي الغالبية المسيحية، وسط إجراءات أمنية مشددة، بدعوة من ناشطين في المجتمع المدني، في تحرك يعكس مخاوف متزايدة من المساس بالحريات الشخصية من قبل السلطات الجديدة التي تولت الحكم عقب إطاحة الرئيس بشار الأسد أواخر عام 2024.

ورفع المحتجون العلم السوري ولافتات بالعربية والإنجليزية كُتب على إحداها: «الحرية الشخصية خط أحمر».

وقالت الأستاذة الجامعية حنان عاصي (60 عاماً)، التي حملت لافتة كُتب عليها «بنود الدستور حق وليس مطلب»، للوكالة، لدى السوريين «آلاف القضايا المنسية من الفقر إلى المهجرين والمشردين واللاجئين»، مضيفة: «نحن في مرحلة بناء ولسنا في مرحلة تفريق».

ويأتي الجدل عقب سلسلة قرارات صدرت في الأشهر الماضية وإجراءات أثارت مخاوف على الحريات، من ضوابط «أكثر احتشاماً» للباس على الشواطئ والمسابح، إلى الجدل بشأن منع تبرّج الموظفات في اللاذقية.

وحضر الممثل الكوميدي ملكي ماردانيال (31 عاماً) من فريق «ستيريا» الكوميدي، بعدما تناول القرار بسخرية في شريط فيديو بثه على صفحته على «إنستغرام»، وقال: «الكوميديا بيدنا سلاح خفيف بوجه السلطات، والقرارات التي تصدرها تضحك الناس أكثر من الكوميديا التي نصنعها»، مؤكداً أن «قرارات السلطات هي من تجمع الناس في الساحات».

وأكد الكاتب التلفزيوني رامي كوسا (37 عاماً) أنه «إذا كان الهدف من هذه القرارات هو جسّ النبض لتمرير قرارات مشابهة من أجل التضييق على الحريات العامة لتغيير هوية المدينة، يجب أن تكون وصلت الرسالة»، مشدداً على أن «هذا النوع من القرارات لن يمر».

ويأتي الاعتصام في وقت يتنامى فيه القلق، خصوصاً لدى الأقليات في سوريا، وتفاقمت مخاوف المسيحيين بعد تفجير كنيسة في حي الدويلعة بدمشق في يونيو (حزيران)، إلى السويداء، معقل الدروز، التي شهدت أعمال عنف دامية في يوليو (تموز)، وصولاً إلى الأكراد في شمال شرقي البلاد، حيث يسود التوتر بين الحين والآخر بإشكالات مختلفة مع السلطات.

وأصدرت محافظة دمشق في 17 مارس (آذار) قراراً يحصر بيع المشروبات الروحية المختومة في ثلاث مناطق تقطنها غالبية مسيحية هي القصاع وباب توما وباب شرقي، ومنع تقديمها في المطاعم والملاهي، عازية القرار إلى شكاوى من المجتمع المحلي، فيما تسعى إلى الحد من «الظواهر المخلة بالآداب العامة».

وانتقدت وزيرة الشؤون الاجتماعية هند قبوات، وهي الوزيرة المسيحية الوحيدة في الحكومة، حصر المشروب في مناطق المسيحيين، وقالت إن هذه المناطق «ليست أماكن للمشروبات والكحول، بل هي قلب دمشق وتاريخها المشرق، ومكان للعيش المشترك».

وأوضحت المحافظة في بيان، أمس، أن الإجراءات الجديدة «تتماشى» مع مراسيم صادرة قبل أعوام طويلة، وأن الهدف منها تنظيم «الفوضى الحاصلة في محلات بيع المشروبات الكحولية».

وأشارت إلى أنها «ستعيد النظر في المناطق الثلاث المذكورة في القرار بما لا يسيء لأي مكون من المكونات».