الجميلي: معاقبة القذافي والأسد... وحقائب مالية لشيراك ومحاولة لاغتيال دانيال ميتران

مدير شعبة أميركا في مخابرات البعث العراقي يفتح لـ«الشرق الأوسط» دفاترها

TT

الجميلي: معاقبة القذافي والأسد... وحقائب مالية لشيراك ومحاولة لاغتيال دانيال ميتران

le vice-président du conseil de commandement de la révolution d'Irak, Saddam Hussein (C), visite, le 06 septembre 1975, la centrale nucléaire de Cadarache, en compagnie du Premier ministre Jacques Chirac (3G). (Photo by STF / AFP) (Photo credit should read STF/AFP via Getty Images)
le vice-président du conseil de commandement de la révolution d'Irak, Saddam Hussein (C), visite, le 06 septembre 1975, la centrale nucléaire de Cadarache, en compagnie du Premier ministre Jacques Chirac (3G). (Photo by STF / AFP) (Photo credit should read STF/AFP via Getty Images)

كان الود مفقوداً بين صدام حسين ومعمر القذافي بسبب طبيعة كل من الرجلين، وتوهّم الثاني أن زعامة العالم العربي يجب أن تُعقد له. ضاعف من التوتر وقوف ليبيا إلى جانب إيران في حربها مع العراق. وكان التنافر ظاهراً بين صدام حسين وحافظ الأسد بسبب التنافس المحموم بين البعثين وكذلك بين البلدين والعاصمتين، فضلاً عن وقوف دمشق إلى جانب طهران. وبعد انتهاء الحرب مع إيران سيحاول صدام الانتقام من الرجلين.

في المقابل، ربطت صدام علاقات صداقة مع الرئيس الفرنسي الراحل جاك شيراك وصلت حد تمويل حملات الأخير الانتخابية. حصل الأمر نفسه في العلاقة مع رئيسة وزراء باكستان الراحلة بي نظير بوتو. لكن الدور الذي لعبته دانيال زوجة الرئيس فرنسوا ميتران أثار غضب السلطات العراقية فاستهدفتها إحدى عبوات الجهاز، لكن الصدفة أنقذتها.

يوقظ سالم الجميلي، مدير شعبة أميركا في المخابرات العراقية، العناوين الكثيرة النائمة في ذاكرته ويروي. في سبعينات القرن الماضي، أقام صدام حسين علاقة ودية مع جاك شيراك، رئيس وزراء فرنسا خلال زيارته العراق. كان شيراك شديد الإعجاب بشخصية صدام وبدا متفهماً للمواقف العربية وقادراً على التعاطي الإيجابي مع مشاكل الشرق الأوسط. حصل تعاون في مجالات عدة، بعضها حساس.

صدام حسين (نائب الرئيس آنذاك) ورئيس الوزراء الفرنسي جاك شيراك في مفاعل تموز (أوزبراك) العراقي في 6 سبتمبر 1975 (غيتي)

في ضوء هذه العلاقة، أوعز الرئيس إلى جهاز المخابرات بدعم شيراك في الانتخابات الفرنسية؛ فوفّر له الجهاز دعماً مالياً إبان حملتين انتخابيتين في الثمانينات. طبعاً من المستحيل استخدام المصارف في تحويل الأموال؛ نظراً لحساسية الموضوع. كان على الجهاز أن يوفد المبلغ في حقيبة وأن يكون مكان تسلّمها في مترو باريس لمنع الأجهزة الأمنية من اكتشافها. كان فريق شيراك يرسل إلى محطة المترو رجلاً يعرف كلمة السر فيتم تسليمه الحقيبة.

في المقابل، كانت لدانيال ميتران نشاطات مؤذية للعراق. كانت ناشطة في مجال حقوق الإنسان والحريات المدنية وأوضاع الأقليات العرقية والدينية. ربطتها علاقة قوية مع الزعيم الكردي جلال طالباني فأولت القضية الكردية اهتماماً واسعاً. بعد «انفصال» إقليم كردستان في 1991 تعددت زياراتها إلى السليمانية وأخذت تقوم بنشاطات إعلامية وسياسية مؤذية، منها دعم فرنسا مشروع قرار مجلس الأمن الدولي 688 الخاص بفرض مناطق حظر الطيران. روّجت كثيراً لقضية حلبجة واستخدام العراق أسلحة كيماوية؛ لذلك اتُخذ قرار بوضع حد لسلوكها.

في يوليو (تموز) 1992 كانت في زيارة لمحافظة السليمانية وتوجهت لزيارة نصب شهداء حلبجة فزُرعت في طريقها عبوة ناسفة، لكنها نجت بأعجوبة من الحادث بسبب مرور شاحنة بالصدفة بينها وبين القنبلة حال دون مقتلها، ثم غادرت السليمانية بلا عودة.

بدأت محاولة الاتصال مع بي نظير بوتو عن طرق زميل دراسة لها هو ابن وزير عراقي سابق كان يدرس معها في الجامعة في بريطانيا في السبعينات. بعدها باتت العلاقة مباشرة وقدّم لها الجهاز دعماً مالياً كبيراً مكّنها من الفوز في جولتين انتخابيتين.

استهلت العلاقة مع أسياس أفورقي رئيس إريترياً يوم كان أميناً عاماً لـ«الجبهة الشعبية لتحرير اريتريا» وتم توفير دعم له. بدأت في الحقيقة عبر مناضل جزائري اسمه بركة تفريج واستمرت حتى نالت إريتريا استقلالها وأصبح أفورقي رئيساً لها.

كانت إيران تبحث عن صواريخ قادرة على قصف بغداد. لم ترد السلطات السورية القيام بهذا الدور ونصحت الإيرانيين بالاتصال بالسلطات الليبية. لم يكن معمر القذافي متحمساً للأمر، لكن إلحاح «الرجل الثاني» عبد السلام جلود دفعه إلى الموافقة. وثمة من يعتقد أن القذافي أراد توثيق العلاقة مع إيران لأسباب كثيرة، بينها طي صفحة اتهامه بإخفاء الإمام موسى الصدر. أترك للجميلي أن يروي القصة.

جسر جوي للانتقام من القذافي

في عام 1985 وفي أوج العمليات العسكرية في الحرب العراقية - الإيرانية، فوجئت بغداد بسقوط أول صاروخ إيراني وسط بغداد وقد استهدف مبنى البنك المركزي. لم تكن إيران قادرة منذ بدء الحرب على قصف بغداد بالصواريخ. تفحّص المختصون أجزاء الصاروخ فتبيّن أنه روسي من نوع «سكود» ولم يكن في قائمة سلاح الجيش الإيراني. بعد المتابعة تبيّن أن ليبيا زوّدت إيران بهذا النوع من الصواريخ. والحقيقة أن امتلاك إيران هذا النوع من الصواريخ ساهم في تصعيد ما سُمي آنذاك «حرب المدن».

كان واضحاً أن هذا العمل الطائش تعبير عن كراهية القذافي للرئيس العراقي. أصدر صدام حسين أمراً بالتواجد الاستخباري والعسكري على حدود ليبيا. كانت المعارضة الليبية موجودة على الحدود بين ليبيا وتشاد، وكان العراق يدعم الرئيس حسين حبري ويقيم معه علاقة قوية في حين كانت قوات القذافي تدعم الحركات المسلحة المناوئة له.

تم إنشاء معسكر للمعارضة الليبية على الحدود الليبية - التشادية ونُقلت إليه عناصر المعارضة الليبية الموجودة في بغداد وتشاد لغرض التدريب العسكري. كان الدعم العراقي جدياً. أقيم جسر جوي من قاعدة الرشيد العسكرية في بغداد إلى مطار العاصمة التشادية نجامينا. شملت عمليات النقل أسلحة خفيفة ومتوسطة وهاونات ومضادات الدروع وكانت بإشراف ضباط من المخابرات. في الجانب السياسي كان طارق عزيز المسؤول عن الملف.

حين أكملت المعارضة الليبية تدريباتها شنّت هجوماً مباغتاً على قوات القذافي وكبدتها خسائر فادحة مما دفعها إلى الانسحاب من المعركة. لم تمضِ أيام حتى أوفد العقيد القذافي قريبه أحمد قذاف الدم إلى بغداد وكان في استقباله مدير جهاز المخابرات الدكتور فاضل البراك والفريق حسين كامل، وكنت أنا المشرف على ترتيبات الزيارة. اتفق الطرفان على وقف دعم العراق للمعارضة الليبية مقابل وقف ليبيا دعمها لإيران.

معركة في لبنان

تزامن انتهاء الحرب العراقية - الإيرانية مع الفوضى التي عمّت لبنان بسبب الفراغ الدستوري لمنصب رئيس الجمهورية بعد أن عيّن الرئيس أمين الجميل قائد الجيش ميشال عون رئيساً للوزراء وهو الذي بدأ في مارس (آذار) عام 1989 حرباً ضد الوجود السوري سُميّت «حرب التحرير». رفض عون اتفاق الطائف الذي نص على السماح بالوجود السوري العسكري في لبنان ولم يعترف بالرئيس رينيه معوض الذي قُتل بعد 16 يوماً من انتخابه ولم يعترف بخلفه إلياس الهراوي. كان جهاز المخابرات على علاقة وثيقة بالجنرال عون والأطراف التي وقفت إلى جانبه من فريق سمير جعجع وكريم بقرادوني، وكان يشرف على الملف اللبناني كل من مدير عام الخدمة الخارجية فاروق حجازي ومدير الدولية الأولى جبار الزبيدي.

في تلك الأثناء، وبعد أن انتهى العراق من حربه مع إيران كان لا بد من الانتقام من حافظ الأسد؛ لذلك أصدر الرئيس صدام حسين أمراً إلى جهاز المخابرات للتدخل بكل قوة في لبنان ودعم العماد ميشال عون في حربه ضد الوجود السوري مادياً وعسكرياً. كان لا بد لجهاز المخابرات من وضع الخطط لتنفيذ أمر الرئيس من دون تأخير وكان من بين مصادر الجهاز المهمة من ذوي القدرة الفائقة والخبير بعمليات الشحن البحري وتهريب الأسلحة والمتفجرات الفلسطيني (ر.ح. ر) الذي تم تكليفه مهمة إيصال تلك الأسلحة عن طريق ميناء العقبة ووضعت الخطة بالاتفاق معه. تولى التنسيق مع وزارة النقل والمواصلات ضابط المخابرات المختص (ح.ر.ظ) لاستئجار باخرة مدنية من الوزارة تحمل اسم «الزوراء». توجهت الباخرة إلى اليونان لتغيير جنسيتها إلى الجنسية القبرصية وباسم جديد «اسكربيون».

رئيس الحكومة العسكرية ميشال عون بقصر الرئاسة اللبناني في أكتوبر 1989... صدام قدم دعماً عسكرياً لقوات الجنرال الذي أطلق حرباً لإخراج الجيش السوري من لبنان (غيتي)

تولت وزارة الدفاع العراقية نقل الآليات والأسلحة إلى ميناء العقبة بالتنسيق مع السلطات السياسية والعسكرية الأردنية، وتوجهت أرتال الشاحنات إلى ميناء العقبة وتم تحميلها على متن الباخرة القبرصية «اسكربيون» مع وضع مادة الإسمنت فوق شحنات السلاح للتمويه.

كان لدى الجهاز قلق من اعتراض إسرائيل الشحنة في عرض البحر؛ لذلك وضعت على متن الباخرة عناصر انتحارية من العمليات الخاصة مهمتهم الدفاع عنها أو تفجيرها بمن فيها في حال اعترضتها إسرائيل. في الوقت ذاته، تم نقل شحنات أخرى إلى لبنان عبر ميناء الحديدة اليمني ووافقت الدول التي كان يفترض أن تمر الأسلحة عبر أراضيها أو مياهها. نُقلت كميات الأسلحة إلى لبنان بنجاح تام وسُلّمت إلى عون والفريق الذي تحالف معه، مثل سمير جعجع.

أما بالنسبة للدعم المالي، فقد قدّم العراق لعون معونات مالية نقدية بقيمة 11 مليون دولار. ساهم ذلك الدعم في تقويض الوجود العسكري السوري في لبنان وتكبيده خسائر كبيرة، إلا أن موازين القوى تغيرت على نحو مفاجئ بعد غزو العراق للكويت ومحاصرة العراق سياسياً واقتصادياً وعسكرياً فتوقف الدعم المالي والعسكري وتمكّنت القوات السورية من دحر قوات الجنرال عون ومحاصرته، فلجأ إلى السفارة الفرنسية ثم غادر إلى منفاه في فرنسا. في العام 2002 تم إيفاد ضابط الاتصال الذي كان في سفارتنا في بيروت (أ.س) إلى باريس والتقى الجنرال عون في مقر إقامته ونقل إليه تحيّات القيادة واستعرض مسيرة الدعم العراقي له، وأعرب الجنرال عن امتنانه وشكره للرئيس صدام حسين لمواقفه حيال استقلال لبنان.

العلاقة مع «حزب الله»

منذ تأسيس «حزب الله» اللبناني في العام 1982 بدعم من إيران وسوريا، كان الحزب في حالة عداء مع الوجود العراقي في لبنان، واستمر الوضع على هذا الحال حتى عام 2000 الذي تم فيه جلاء القوات الإسرائيلية من جنوب لبنان بعد أن شنّ الحزب حرب عصابات أنهكت الجيش الإسرائيلي. أُعجِب الرئيس صدام حسين ببسالة مقاتلي الحزب، وكان يقارن بين قدرات مجموعة من الشباب اللبناني الذين حرّروا أرضهم بأسلحة بسيطة وبين جيوش الأنظمة العربية التي لم تتمكن من فعل شيء ضد الاحتلال الإسرائيلي للأراضي العربية.

سالم الجميلي (الشرق الأوسط)

في العام 2000 كانت علاقة العراق قد تحسنت مع طهران ودمشق وأصبح كل شيء من الماضي، فطلب الرئيس صدام حسين من جهاز المخابرات الاتصال بـ«حزب الله» والوقوف على احتياجاتهم، وأوفد أحد كبار ضباط الخدمة الخارجية إلى لبنان مرتين، حيث التقى ممثلاً من «حزب الله» من عائلة الأمين. طلب الحزب دعماً مالياً، ولم تكن للعراق القدرة المالية على تقديم المساعدات المالية غير كوبونات النفط، وعلى الأرجح لم يستفد منها؛ لأن قيمتها هبطت إلى مستويات قياسية. زار العراق ممثل عن الحزب مرتين في العام 2001، ثم في العام 2002، كما أرسل «حزب الله» مجموعة من مقاتليه. لم يكونوا باسم الحزب وإنما كانوا مع المقاتلين السوريين الذين دخلوا العراق قبل الغزو وشاركوا في القتال إلى جانب المجاهدين العرب، حيث اعتقلت القوات الأميركية رئيس المجموعة (الحاج م. العبد الله) الذي سبق له العمل مع عماد مغنية.

صيف وشتاء بين صدام والأسد

كان التوتر هو القاعدة في العلاقات بين البعثين العراقي والسوري. استضاف كل طرف معارضي الطرف الآخر وترك وقوف سوريا إلى جانب إيران إبان حربها مع العراق شكوكاً لم تبددها الهدنات القليلة. طلبت من الجميلي أن يستذكر بعض المحطات فعاد إليها.

في نهاية 1991 أثناء مشاركة سوريا في مفاوضات السلام مع إسرائيل في مدريد حصلت توترات داخل سوريا، وبخاصة من جانب تنظيم «الإخوان المسلمين». قرر «الإخوان» القيام بثورة مسلحة ثانية ضد نظام الأسد، مستغلين السخط الشعبي على مشاركة سوريا في الحرب ضد العراق ومشاركتها في المفاوضات الثنائية مع إسرائيل برعاية أميركا.

حافظ الأسد (غيتي)

كان لدى «الإخوان» نحو 300 مقاتل يتدربون في معسكر قرب مدينة الرمادي. طلبت قيادتهم وعلى رأسها علي صدر الدين البيانوني تجهيزهم بالسلاح والسماح لهم بالتسلل إلى تركيا، ومن ثم الدخول إلى سوريا لإعلان العصيان المسلح. بحثنا معهم المخاطر الناتجة من هذه المغامرة وأعربنا عن تخوفنا من تكرار سيناريو «ثورة الإخوان» عام 1982 التي أدت إلى مقتل ما لا يقل عن 30 ألف سوري، لكن قيادة «الإخوان» شددت على أن الظرف مختلف ولن يتكرر ما حصل في السابق. في ضوء ذلك أبلغنا رئاسة الجمهورية بخطة «الإخوان» واقترحنا الموافقة على طلباتهم، إلا أن رد الرئيس جاء مختلفاً، إذ كتب «لا أوافق... الظرف غير مناسب... النظام السوري دخل في مفاوضات مع إسرائيل وإذا ما شعر بالضعف أمام خطر داخلي يهدد كيانه فإنه سيطلب الحماية من أميركا والغرب وسيقدم تنازلات لصالح إسرائيل لا يريد تقديمها في الوقت الراهن».

إطلاق قتلة طالب السهيل

في 1996 زار وفد عراقي مصغر يضم سفيراً وضابطاً من الجهاز دمشق ونقل إلى الأسد رسالة شفوية من صدام. النقطة الأولى في الرسالة هي أن سوريا والعراق على لائحة الدول المستهدفة من أميركا، وأن من مصلحة الأمن القومي العربي العمل على إعادة العلاقات وفتح الحدود. النقطة الثانية هي الطلب من الأسد التدخل لدى السلطات اللبنانية للإفراج عن ضابطين من المخابرات هما (م.ج) و(ه.ح) المحكومين في جريمة اغتيال الشيخ طالب السهيل. كان الطلب الثاني بمثابة اختبار لمدى جدية الأسد. وافق الأسد وأطلقت السلطات اللبنانية السجينين واستقبلتهما المخابرات السورية بحفاوة.

صدام حسين (غيتي)

حول العلاقات السياسية، قال الأسد «إن أبو عدي عندما يحب يحب وعندما يكره يكره». وشدد على أن عودة العلاقات تتطلب مزيداً من الوقت، وأن سوريا ما زالت تتعرض للضغوط. وأضاف الأسد «حتى لو فتحنا سفارة في البلدين، فإن العراق سيبعث ضباط مخابرات وستفعل سوريا الشيء ذاته، وبالتالي تنتكس العلاقة». وأشار إلى أن الأولوية هي تعزيز الثقة بين قيادتي البلدين. وكان رأينا أن الأسد يريد المحافظة إلى أبعد حد على مكاسبه المالية من دول الخليج.

حين هددت تركيا باجتياح الأراضي السورية إذا لم تطرد دمشق عبد الله أوجلان (زعيم حزب العمال الكردستاني التركي) بعث صدام برسالة شفوية إلى الأسد، يؤكد استعداد العراق لوضع كل وحدات الحرس الجمهوري في تصرفه لمقاتلة القوات التركية إذا غزت سوريا. وحمل محمد منصورة، المسؤول في المخابرات السورية، رداً جاء فيه «الرئيس حافظ الأسد يشكر القيادة العراقية على موقفها، لكن سوريا غير مستعدة لخوض حرب مع تركيا حتى ولو احتلت أجزاء من أراضينا، ولو حصل ذلك فإن سوريا ستتقدم بشكوى إلى الأمم المتحدة».

ولاحقاً طلبت سوريا من أوجلان مغادرة أراضيها فتوجه إلى اليونان وزودت المخابرات السورية المخابرات التركية بمعلومات عن وجهة سفره والجواز الذي يستخدمه.

غادر أوجلان اليونان إلى كينيا بجواز سفر قبرصي، وهناك حصل تعاون استخباري بين المخابرات الأميركية والتركية والكينية أدى إلى القبض عليه وتسليمه للسلطات التركية.

حرصت المخابرات العراقية على بناء علاقات مع عدد من المسؤولين الأمنيين السوريين، ولم تتردد أحياناً في مساعدة أقارب لهم أو مقربين منهم على القيام بأعمال تجارية في العراق. وقد يكون ذلك هو ما دفع سوريا إلى استقبال عدد غير قليل من ضباط الجهاز بعد الغزو الأميركي. في المقابل، سلّمت سوريا إلى الأميركيين عدداً من كبار المطلوبين ابتداءً من فاروق حجازي، مدير عام الخدمة السرية الخارجية في الجهاز (الرجل الذي التقى أسامة بن لادن في الخرطوم)، ووزير التصنيع العسكري عبد التواب الملا حويش، ومدير جهاز المخابرات الأسبق سبعاوي إبراهيم الحسن، ووزير التجارة الدكتور محمد مهدي صالح، والفريق الركن كمال مصطفى ومدير أمن الجهاز خالد نجم، فضلاً عن جمال مصطفى صهر الرئيس صدام حسين.



ما بعد «علي الطاهر»... ضغط سياسي إسرائيلي واحتمالات مفتوحة

تصاعد الدخان من موقع غارات إسرائيلية استهدفت قمة مرتفعات علي الطاهر بجنوب لبنان (أ.ف.ب)
تصاعد الدخان من موقع غارات إسرائيلية استهدفت قمة مرتفعات علي الطاهر بجنوب لبنان (أ.ف.ب)
TT

ما بعد «علي الطاهر»... ضغط سياسي إسرائيلي واحتمالات مفتوحة

تصاعد الدخان من موقع غارات إسرائيلية استهدفت قمة مرتفعات علي الطاهر بجنوب لبنان (أ.ف.ب)
تصاعد الدخان من موقع غارات إسرائيلية استهدفت قمة مرتفعات علي الطاهر بجنوب لبنان (أ.ف.ب)

يفتح إعلان إسرائيل تحقيق ما وصفته بـ«السيطرة العملياتية» على مرتفعات علي الطاهر مرحلة جديدة في جنوب لبنان، تتجاوز مصير الموقع نفسه إلى ما قد يليه عسكرياً، وكيف يمكن توظيف التطور ميدانياً في المفاوضات المقبلة.

وأعلن الجيش الإسرائيلي أن قوات الفرقة 36 حققت «سيطرة عملياتية» على المنطقة فوق الأرض وتحتها، مشيراً إلى مقتل عناصر من «حزب الله» وفرار آخرين، وفق روايته، مع استمرار العمل على تدمير المنشآت الموجودة تحت الأرض.

من جهته، قال رئيس الحكومة الإسرائيلية بنيامين نتنياهو إن المرتفعات لم تعد تشكل «تهديداً لإسرائيل»، في حين أعلن وزير الأمن الإسرائيلي يسرائيل كاتس أن الجيش الإسرائيلي لن ينسحب مما وصفه بـ«المنطقة الأمنية» في جنوب لبنان قبل نزع سلاح «حزب الله»، معلناً أن السيطرة على مرتفعات علي الطاهر «تمثل نهاية مرحلة ترسيخ السيطرة الإسرائيلية على هذه المنطقة».

تشكيك من «حزب الله»

بالمقابل، شكك عضو كتلة «الوفاء للمقاومة» النائب إيهاب حمادة في اكتمال السيطرة الإسرائيلية على «علي الطاهر»، عادَّاً أن استمرار القصف يناقض الحديث عن سيطرة ميدانية كاملة، ومشيراً إلى أن إسرائيل لم تعرض صوراً تثبت دخول المنشأة أو الاستيلاء على الأسلحة التي تحدثت عنها. ورأى أن تضخيم أهمية الموقع يهدف إلى استثماره سياسياً وانتخابياً لمصلحة نتنياهو، مؤكداً أن خسارته لا تعني نهاية المواجهة.

بدوره، قال نائب رئيس المجلس السياسي للحزب محمود قماطي إن إسرائيل حاولت إظهار «علي الطاهر» بوصفها «منشأة عسكرية ضخمة»، في حين هي «مجموعة نقاط دفاعية». وفي موازاة ذلك، نقلت صحيفة «معاريف» عن مصدر عسكري إسرائيلي قوله إنه عُثر على 15 جثة داخل أنفاق في المنطقة.

مقر سفارة الولايات المتحدة في روما حيث عُقدت الجولة الـ7 من المفاوضات اللبنانية - الإسرائيلية (أ.ب)

ورقة ضغط في روما

في السياق، قالت الأكاديمية والباحثة السياسية الدكتورة حياة الحريري لـ«الشرق الأوسط» إن «ما حصل في مرتفعات علي الطاهر ليس تفصيلاً عسكرياً عادياً، كما تحاول بعض الأصوات في (حزب الله) وحلفائه تصويره، ولا يمكن وضعه في سياق المواقع التي شهدت مواجهات سابقة؛ لأن أهمية (علي الطاهر) ترتبط بموقعها الاستراتيجي وتأثيرها في مجمل المشهد الميداني في جنوب لبنان».

وأوضحت الحريري أن «السيطرة على (علي الطاهر) تعني، من الناحية العملياتية، فرض نفوذ على جزء واسع من جنوب لبنان؛ كون المرتفعات تكشف النبطية وسهل مرجعيون وصولاً إلى الجليل الأعلى؛ ما يمنحها أهمية عسكرية واستراتيجية كبيرة. والأخطر أن التقدم إلى ما بعد (علي الطاهر)، في حال حصل، قد يجعل التحرك باتجاه إقليم التفاح وجبل الريحان وقضاء جزين أكثر سهولة».

وأضافت: «إذا واصلت إسرائيل هذا المسار، فإن ذلك يعني، حسب تقديري، أنها تتقدم في اتجاه تكريس منطقة عازلة تمتد من الناقورة وصولاً إلى البقاع الغربي، وتتصل جغرافياً بالمسرح السوري، وهو تصور كانت إسرائيل تتحدث عنه بأشكال مختلفة منذ عام 2023».

وعن التزامن بين التطورات في «علي الطاهر» والإفراج عن أسرى لبنانيين، قالت الحريري إن «هناك قراءات عدة تحدثت عن وجود ترابط أو تزامن سياسي بين الملفين، ولا يمكن تجاهل أن السفير الأميركي في لبنان ميشال عيسى كان قد أشار قبل أيام إلى ضرورة انتظار ما سيحدث في (علي الطاهر)، في وقت كان يقوم فيه أيضاً بدور مباشر في ملف الأسرى».

ورأت أن التطورات الميدانية، وفي مقدمها ما حصل في «علي الطاهر»، «ستتحول أوراقاً تستخدمها إسرائيل لممارسة مزيد من الضغط على لبنان في المفاوضات المرتقبة في روما. وستحاول إسرائيل القول إن الدولة اللبنانية لم تتمكن من دفع (حزب الله) إلى تسليم الموقع للجيش اللبناني، وإن الجيش الإسرائيلي هو الذي قام بالمهمة ميدانياً».

وقالت: «نعلم أن هناك خطوطاً حمراء أميركية أمام إسرائيل في لبنان، لكنها تتعلق، بصورة أساسية بمنع توسع المواجهة إلى بيروت والضاحية الجنوبية، في حين يبقى هامش التحرك الإسرائيلي في الجنوب أوسع. وإذا نجحت إسرائيل في تكريس روايتها بأن الدولة اللبنانية لا تزال غير قادرة على معالجة ملف سلاح (حزب الله) وانتشاره، فقد تحصل على هامش إضافي للتحرك، من دون أن يعني ذلك بالضرورة الذهاب إلى حرب شاملة».

وعدَّت أنّ «ما حصل سيزيد الضغط السياسي على الدولة اللبنانية، وسيشكل ورقة تفاوضية إسرائيلية جديدة في الجولة المقبلة في روما. وحتى تأخير المفاوضات تمكن قراءته في ضوء تطورات (علي الطاهر)؛ لأن إسرائيل تريد، قبل الذهاب إلى طاولة التفاوض، تعزيز أوراقها الميدانية ومحاولة تكريس واقع أمني وسياسي جديد في جنوب لبنان، ثم التفاوض انطلاقاً منه».

تصاعد أعمدة الدخان من جرّاء القصف على حرش علي الطاهر جنوب لبنان (الوكالة الوطنية للإعلام)

حدود التمدد عسكرياً

بدوره، قال القائد السابق لقطاع جنوب الليطاني، العميد الركن المتقاعد الدكتور خليل الجميل، لـ«الشرق الأوسط»، إن «التطور في مرتفعات علي الطاهر يعني سقوط موقع استراتيجي مهم، لكن الحديث عن السيطرة الإسرائيلية عليه يحتاج إلى تدقيق؛ لأن تقديري أن إسرائيل لم تستكمل السيطرة على كامل الموقع حتى الآن، وإن كانت قد بدأت تفرض سيطرتها على سطحه وتتحرك فيه، في حين تواصل استهداف الأنفاق والمنشآت الموجودة تحته بالنار».

وأوضح الجميل أن «ما تسميه إسرائيل السيطرة العملياتية تعني، في هذه المرحلة، أنها باتت تتحرك فوق المرتفعات، وأن جرافاتها تعمل فيها، مع فرض سيطرة نارية على محيطها والبدء بالدخول إلى أجزاء منها، وليس بالضرورة أنها دخلت إلى كل الأنفاق والمنشآت الموجودة تحت الأرض وسيطرت عليها بالكامل».

وأضاف: «(علي الطاهر) موقع مهم جداً بالنسبة إلى منطقة النبطية؛ لأنه يشرف غرباً على النبطية ومحيطها، بما في ذلك شوكين وميفدون وكفرجوز وكفررمان، كما يشرف من الجهة الشرقية على الوادي الممتد في اتجاه إقليم التفاح وجزين، وصولاً إلى منطقة الخردلي. وبالتالي، فإن السيطرة عليه توسع مساحة الرصد والسيطرة النارية الإسرائيلية على هذه الجغرافيا».

لكن الجميل شدد على أن «هناك مرتفعات ومواقع أعلى منها، أبرزها الريحان وسجد وجبل الرفيع، وهي بدورها مواقع حاكمة وكاشفة على (علي الطاهر) وعلى المنطقة المحيطة به». وقال: «ما حصل يمثل إنجازاً عسكرياً إسرائيلياً وخسارة لـ(حزب الله)، لكنها ليست خسارة استراتيجية بالحجم الذي يعني انهيار الجبهة».

وأضاف: «السيناريو الأخطر، في حال اتخذت إسرائيل قراراً بعملية برية أوسع، هو محاولة التقدم من محور بلاط ودبين باتجاه السريرة وكفرحونة، ثم نحو مرتفعات سجد أو جبل الريحان. ومن شأن الوصول إلى هذه المرتفعات أن يفتح مجالاً للإشراف غرباً على إقليم التفاح، وفي اتجاه مرتفعات جزين وتومات نيحا، بما يكشف عن أجزاء من البقاع الغربي وبلداته».

إلا أن الجميل استبعد أن يكون هذا السيناريو وشيكاً، قائلاً: «هذه مناورة كبيرة جداً وليست عملية سهلة؛ لأن المنطقة واسعة ومعقدة، و(حزب الله) موجود فيها، وأي عملية بهذا الحجم تحتاج إلى قرار مختلف وغطاء دولي وأميركي».

ورأى أن «الاحتمال الأقرب، في غياب تطورات جديدة، هو أن تتوقف العملية الإسرائيلية عند (علي الطاهر) في المرحلة الحالية»، مضيفاً: «إذا قررت إسرائيل لاحقاً توسيع عملياتها، فقد يصبح اتجاه النبطية ومحيطها أحد الاحتمالات، ولا سيما بعدما باتت تملك من (علي الطاهر) قدرة أكبر على الإشراف والسيطرة النارية على المنطقة».


ضحايا «حراك تشرين» في العراق يحضّرون لمقاضاة زعيم منظمة «بدر»

بعض المعاقين في العراق هم من ضحايا قمع «حراك تشرين» 2019 (رويترز)
بعض المعاقين في العراق هم من ضحايا قمع «حراك تشرين» 2019 (رويترز)
TT

ضحايا «حراك تشرين» في العراق يحضّرون لمقاضاة زعيم منظمة «بدر»

بعض المعاقين في العراق هم من ضحايا قمع «حراك تشرين» 2019 (رويترز)
بعض المعاقين في العراق هم من ضحايا قمع «حراك تشرين» 2019 (رويترز)

تواصلت ردود الفعل في العراق على تصريحات مثيرة للجدل أدلى بها زعيم منظمة «بدر»، هادي العامري، بخصوص مشاركة الفصائل المسلحة في قمع ما يُعرف بـ «حراك تشرين» عام 2019، وسط معلومات عن تحركات لمقاضاته.

ففي سياق دفاعه عن الفصائل بشأن ما عدّه دورها في الدفاع عن النظام السياسي الحالي، إن كان على مستوى محاربة تنظيم «داعش» أو في سياق محاولة التصدي لكل محاولات زعزعة أركانه، أكد العامري أن الفصائل هي التي تولت إخماد ما سمّاها «فتنة تشرين»، في إشارة إلى التظاهرات الشعبية التي اندلعت في أكتوبر (تشرين الأول) عام 2019.

وبدا أن كلامه هذا كان بمثابة زلة لسان، خصوصاً أنه جاء بعد مرور نحو 7 سنوات على ذلك الحراك الجماهيري الذي راح ضحيته آلاف الضحايا على أيدي ما سُمّي آنذاك «الطرف الثالث» الذي لم تُكشف هويته، رغم أن الشعار الوحيد الذي رفعه المتظاهرون كان «نريد وطناً».

والعامري هو أحد أقطاب قوى الإطار التنسيقي الشيعي وعضو في اللجنة الثلاثية التي تضمه إلى جانب رئيسي الوزراء السابقين نوري المالكي ومحمد شياع السوداني لغرض التوسط بين الحكومة العراقية، من جهة، والفصائل المسلحة الرافضة تسليم سلاحها، من جهة أخرى. وجاءت تصريحاته المثيرة للجدل خلال احتفال جماهيري قبل أيام عندما قال إن «المقاومة هي التي وقفت بشجاعة أمام فتنة تشرين وحفظت الدولة والنظام السياسي».

وأثار كلامه هذا حفيظة عوائل قتلى المظاهرات والمصابين منهم.

زلة لسان

وبدت تصريحات العامري بمثابة محاولة لتبرير عدم التسرّع في تسليم سلاح الفصائل، لا سيما تلك التي أعلنت أن سلاحها عقائدي، وأنها مرتبطة بالصراع الدائر حالياً بين الولايات المتحدة وإيران، خصوصاً بعد زيارة رئيس مجلس الشورى الإيراني محمد باقر قاليباف للعراق الأسبوع الماضي. لكن هذه التصريحات التي وُصفت بأنها «زلة لسان»، فتحت عليه أبواب الانتقادات من قِبل ضحايا «حراك تشرين»، خصوصاً أن هناك مَن ربط بين كلامه عن تصدي الفصائل المسلحة لـ«الفتنة» عام 2019 و«الطرف الثالث» الذي وُجّهت إليه الاتهامات بقتل المتظاهرين.

ولم تعلن الفصائل المسلحة موقفاً في السابق حيال الاتهامات التي كانت توجّه لها بوصفها «الطرف الثالث» المجهول. لكن كلام العامري أوحى بأن هذا الطرف بات معروفاً، بحيث بدأت عائلات الضحايا تحرّك دعاوى قضائية.

هادي العامري (وكالة الأنباء العراقية)

ولم يرد العامري بنفسه على التفسيرات التي قُدّمت لكلامه، لكن سياسياً شيعياً مقرباً من قوى الإطار التنسيقي قال لـ«الشرق الأوسط» إن «تصريحات العامري، مثلما أرادها، كانت دفاعاً عن موقف الفصائل في لحظة مفصلية، خصوصاً أن حراك تشرين كانت تؤيده أطراف إقليمية ودولية وكان بالفعل أخطر حراك ضد الطبقة السياسية آنذاك، رغم أن شعاراته وطنية». وتابع أن «المحاولات التي جرت لشيطنة ما سُمّي وقتها بالطرف الثالث بوصفه معادياً للطرفين، أي للحكومة وللمتظاهرين، بحيث جرى آنذاك توجيه اتهامات للبعثيين وسواهم بمن في ذلك الإسرائيليين، كانت تهدف إلى تحقيق نتيجة واحدة وهي حماية العملية السياسية من مخاطر تهددها، حسب ما تصوّرت الطبقة السياسية (الحاكمة)».

ورأى المصدر أن «العامري ما كان يمكنه أن يجد دليلاً لحماية النظام السياسي أقوى مما قامت به الفصائل، دون أن يدرك ربما تداعيات ذلك، لا سيما أن الطريقة التي حمت بها الفصائل النظام السياسي كانت عبر وسيلة واحدة هي مواجهة المتظاهرين (محاولة قمعهم)، الأمر الذي أوقع مزيداً من الخسائر».

ورداً على سؤال بشأن لماذا لا يوضح العامري طبيعة تصريحه لكي يخفف من الهجمة القوية ضده، والتي سيكون ميدانها القضاء، قال السياسي الشيعي إن «أي تبرير أو تراجع سيضعف موقفه ويزيد من الاتهامات ضد الفصائل في وقت تواجه فيه حالياً موقفاً صعباً على صعيد المطالبات بنزع سلاحها. ولذلك يبدو أنه (العامري) يفضّل المواجهة مع المحتجين (عائلات الضحايا) حتى لو ترتب على ذلك نتائج قانونية ربما لا تكون لصالحه».

الإفلات من العقاب

إلى ذلك، بدأت عشرات من عائلات ضحايا «حراك تشرين» في استكمال الوثائق التي تثبت مقتل أو إصابة أبنائهم في مواجهات مع القوات الأمنية خلال مشاركتهم باحتجاجات عام 2019 لتقديمها ضمن دعاوى رسمية أمام المحاكم العراقية، على خلفية تصريحات زعيم منظمة «بدر». ومع أن عائلات الضحايا التي كلّفت محامين للدفاع عنها في الدعاوى بمواجهة العامري، تعرف بلا شك أن المحاكم قد لا تدينه بشكل مباشر كون تصريحاته سياسية، فإن الهدف الذي تسعى إلى تحقيقه هو على الأرجح رد الاعتبار لأبنائهم من قتلى وجرحى ضد الاتهامات التي وجهتها لهم السلطات آنذاك عبر إطلاق أوصاف قاسية عليهم من قبيل «العملاء» و«أبناء السفارات».

وفي هذا السياق، يقول الخبير القانوني علي التميمي في حديث لـ«الشرق الأوسط» إن «قتل المتظاهرين، طبقاً للقانون العراقي، يُعد إبادة جماعية لا تسقط بالتقادم، وبالتالي فإن الاعتداء الذي طال المتظاهرين في بغداد والناصرية وكربلاء والنجف كان عملاً إرهابياً وفق القانون العراقي وتعريف الإرهاب». وتابع أن «هذه الجرائم لا تسقط بالتقادم أو مضي المدة وفق اتفاقية منع التقادم في جرائم الإبادة، ولذلك يمكن تحريكها في أي وقت زمني قادم».


عبدي: حل «قسد» بداية جديدة ويجب إشراك الأكراد في صياغة الدستور الجديد

أعلن مستشار الرئيس السوي القائد السابق لـ«قوات سوريا الديمقراطية مصطفى عبدي اكتمال حلها واندماجها في الدولة السورية في 25 أغسطس الماضي (أ.ب)
أعلن مستشار الرئيس السوي القائد السابق لـ«قوات سوريا الديمقراطية مصطفى عبدي اكتمال حلها واندماجها في الدولة السورية في 25 أغسطس الماضي (أ.ب)
TT

عبدي: حل «قسد» بداية جديدة ويجب إشراك الأكراد في صياغة الدستور الجديد

أعلن مستشار الرئيس السوي القائد السابق لـ«قوات سوريا الديمقراطية مصطفى عبدي اكتمال حلها واندماجها في الدولة السورية في 25 أغسطس الماضي (أ.ب)
أعلن مستشار الرئيس السوي القائد السابق لـ«قوات سوريا الديمقراطية مصطفى عبدي اكتمال حلها واندماجها في الدولة السورية في 25 أغسطس الماضي (أ.ب)

وصف مستشار الرئيس السوري، مصطفى (مظلوم) عبدي، حل «قوات سوريا الديمقراطية» (قسد) بعد 15 عاماً من العمل المسلح بأنها «نهاية، وبداية في آن واحد». وقال: «اليوم، وللمرة الأولى، تتاح للأكراد فرصة المشاركة في بناء الدولة السورية الجديدة بإرادتهم، بعدما انتهج نظام البعث سياسات تنكر الهوية الكردية».

وأضاف عبدي، في أول مقابلة مع وسيلة إعلام تركية، أن أهداف أكراد سوريا الرئيسية «ليست إنشاء كيان منفصل عن الدولة، بل أن يصبحوا أحد العناصر المؤسسة للدولة الجديدة بهويتهم الخاصة، وأن يُوسّعوا المكاسب التي تحققت بضمانات دستورية».

حل «قسد»

وأشار عبدي، القائد السابق لقوات «قسد» والمدرج على «قائمة الإرهاب» في تركيا، خلال حديث لقناة «إيلكه»، بُث ليل الخميس - الجمعة، إلى أن الأكراد «عاشوا وضعاً خاصاً في المنطقة، عاشوا كدولة، وتطلبت التطورات السياسية ذلك، لكن طرأت بعض التغييرات مؤخراً. لقد تغير النظام السوري، ويجري بناء سوريا جديدة. المجتمع الدولي يُريد للإدارة السورية الحالية النجاح، والعالم بأسره يُؤيد وحدة سوريا».

عناصر من «قسد» خلال دورية في الحسكة بعد اندماجهم في صفوف الجيش السوري (أ.ب)

وفي ردود مكتوبة على أسئلة لصحيفة «يني يشام» التركية، نشرت الجمعة أيضاً، قال عبدي، إنه كان بإمكان الأكراد من خلال الإدارة الذاتية لشمال شرقي سوريا أن يحققوا المزيد على مدى الـ15 عاماً الماضية، لكنهم لم يفعلوا ذلك.

وأضاف أنه «في العملية الجديدة، ستبنى سوريا جديدة، ونحن كأكراد جزء من هذه العملية، وهناك تطور جديد، وعلينا المشاركة فيه، سنبني مستقبلاً جديداً مع الشعب السوري... وهذا لا يعني أن كل شيء خارج عن سيطرتنا، أو أن الأمور ستبقى على حالها».

وتابع أن «قسد انضمت إلى الجيش السوري، بكل مواردها، بموجب اتفاق وخطة، وقررنا أن نأخذ مكاننا في هذا الهيكل، ولها دور ضمن الجيش السوري».

قضية اللغة الكردية

ورداً على سؤال لقناة «إيلكه» حول اعتماد اللغة الأم للأكراد، قال عبدي: «إننا الآن في مرحلة أكثر تقدماً، تم اعتماد اللغة الكردية، للمرة الأولى، في المدارس، وهذا إنجاز عظيم» للشعب الكردي.

عبدي خلال حديثه لقناة «إيلكه تي في» التركية (موقع القناة)

وأوضح أنه بالمقارنة مع نظام التعليم الذي كان متبعاً في «روج آفا» (ما يعرف لدى الأكراد بكردستان الغربية في شمال شرقي سوريا) على مدى الـ15 عاماً الماضية، قد يبدو هذا بمثابة خطوة متأخرة، مضيفاً: «لذا، فهذه مسألة نضال بالنسبة لنا، الخطوات المتخذة إيجابية، وهي الأولى، لكنها غير كافية بالنسبة لنا، ونحن كشعب كردي، بحاجة إلى النضال من أجل هذا... في العديد من اجتماعاتنا في دمشق، كان هذا هو محور اهتمامنا، وكان خطنا الأحمر هو قضية اللغة الكردية».

وأكد عبدي ضرورة تمثيل الأكراد في لجنة صياغة الدستور السوري الجديد، قائلاً إنه لا يوجد جدول زمني محدد حتى الآن لصياغة الدستور، لكن من المتوقع تشكيل لجنة لصياغته خلال شهرين أو 3 أشهر، «ونرغب في إشراك ممثلين للأكراد في هذه اللجنة».

النظام الجديد للدولة

وأقر عبدي بـ«المخاوف بشأن استمرار النظام الاجتماعي العلماني في سوريا»، لكنه ذكر «أن ثقافة وتجربة اجتماعية قد نشأت في المنطقة، وأعتقد أنها ستستمر، كما أن سوريا ترغب في الانفتاح على المجتمع الدولي والامتثال للقانون الدولي، وبالتالي، هناك مجال أوسع لإقامة دولة ديمقراطية وعلمانية في العصر الجديد».

وشدد على «ضرورة حل مشاكل جميع شرائح المجتمع في سوريا»، لافتاً إلى أن «مشكلة الحكم الديمقراطي لا تزال قائمة، وسنسعى جاهدين لحلها من خلال العمل السياسي، وأن المهمة الأساسية التي تواجه الدولة السورية هي ضمان وجود قوي للدروز والعلويين والأكراد وجميع المجموعات الأخرى داخل الدولة، وهناك جهود جارية لتحقيق ذلك».

جانب من لقاء الشرع وعبدي وإلهام أحمد في 25 أغسطس الماضي (أ.ب)

وعن دوره مستشاراً للرئيس السوري، أحمد الشرع، قال عبدي: «بصراحة، السبب الذي دفعنا للموافقة على الوجود في دمشق خلال هذه العملية، هو ضمان نجاحها، وتحقيق الاندماج، وضمان حصول الأكراد على أقوى مكانة ممكنة في الدولة، هذا هو هدفنا الرئيسي، ومع ذلك، فإن مطلبنا هو شمولية أوسع، بمعنى أننا نريد أن نلعب دوراً إيجابياً وبنّاءً في جميع أنحاء سوريا، لا يقتصر على المناطق الكردية فقط، ونقوم بعملنا على هذا الأساس».

وبشأن العملية الجارية في تركيا لحل حزب «العمال الكردستاني» ونزع أسلحته ودمج عناصره في المجتمع، قال عبدي إن العملية بين زعيم الحزب، عبد الله أوجلان وتركيا، «قد تُسهم في حل القضية الكردية في سوريا»، مؤكداً الانفتاح على تطوير العلاقات مع تركيا في المرحلة الجديدة.

وبشأن ما تردد عن احتمالات زيارته لتركيا للقاء أوجلان، لم يقدم عبدي إجابة واضحة، مكتفياً بالقول: «سيكون ذلك جيداً».