القاموس الفلسفي لأندريه كونت سبونفيل

المستقبل لحضارة تنويرية كونية تشمل جميع شعوب الأرض

القاموس الفلسفي لأندريه كونت سبونفيل
TT

القاموس الفلسفي لأندريه كونت سبونفيل

القاموس الفلسفي لأندريه كونت سبونفيل

صدرت أخيراً الطبعة الثالثة المزيدة والمنقحة من القاموس الفلسفي الضخم لأندريه كونت سبونفيل. يحتوي هذا القاموس على 2267 مادة، أي بزيادة 613 مادة قياساً إلى الطبعات السابقة. وتبلغ عدد صفحاته 1440 صفحة. وفيه يتحدث المؤلف عن معظم المفاهيم الفلسفية التي تهمنا كمفهوم الحضارة والبربرية والأصولية والعلمانية والحقيقة... إلخ. يعدّ أندريه كونت سبونفيل أحد كبار فلاسفة فرنسا المعاصرين بالإضافة إلى لوك فيري وريمي براغ وآخرين. وهو يتميز بوضوح الفكر على عكس الفلاسفة الغامضين المعقدين الضبابيين. لقد أوهمونا في الجامعات العربية، وبخاصة جامعة دمشق، أن الفلسفة لكي تكون عظيمة وفلسفية حقاً وحقيقة ينبغي أن تكون غامضة عسيرة على الهضم بل مستحيلة على الفهم، الفهم! كلما كانت معقدة ومبهمة وملغزة كانت أفضل! وهذا مفهوم خاطئ عن الفلسفة وينبغي أن يتغير. فالفلاسفة الكبار كلهم يريدون أن يقولوا لنا شيئاً ما بشرط أن نبذل الجهد الكافي لفهمهم. وإذا لم نستطع فهم ديكارت وكانط وهيغل ونيتشه... إلخ مباشرة فلنستشر هذا القاموس الذي يوضح لنا ما استغلق علينا من مفاهيم عويصة لكبار الفلاسفة. سوف أتوقف هنا عند مفهومين فقط استفاض الفيلسوف الفرنسي المعاصر في شرحهما في قاموسه هذا. الأول هو مفهوم صدام الحضارات، والثاني هو مفهوم العلمانية.

نحن نعلم أن كتاب صموئيل هانتنغتون صدر عام 1996 ولكنه لم يلقَ كل هذه الأصداء الواسعة إلا بعد ضربة 11 سبتمبر (أيلول) الإجرامية الكبرى عام 2001. وعندئذ أخذ الكتاب كل أبعاده، بل تبين كأن الضربة جاءت للتصديق الكامل على أطروحته الاستباقية القائلة إن الصدام الأساسي في العصر المقبل سيكون بين الحضارة الإسلامية والحضارة الغربية. لكن ماذا تعني أطروحة صدام الحضارات بالضبط؟ إنها تعني ما يلي؛ لم يعد تاريخ كوكبنا الأرضي يتمحور حول علاقات القوة الصراعية بين الدول كما كان يحصل سابقاً حتى نهاية الحرب العالمية الأولى. ولم يعد هذا التاريخ يتمثل بالصراع بين الآيديولوجيات، وبخاصة الآيديولوجيا الشيوعية والآيديولوجيا الليبرالية كما حصل بعد الثورة البلشفية عام 1917 حتى انهيار الكتلة الشيوعية عام 1989. وإنما أصبح صراعاً بين الكتل الحضارية والدينية الكبرى، وبخاصة الحضارة الغربية والحضارة العربية الإسلامية.

رأي سبونفيل بصدام الحضارات

يقول لنا في هذا القاموس العتيد ما معناه؛ تبدو الأطروحة ظاهرياً صحيحة ولكنها خاطئة في العمق أو قل إنها تمر على هامش ما هو أساسي. فالشيء الأساسي في نظره ليس الصراع بين الحضارات المختلفة من صينية كونفشيوسية، وروسية سلافية أرثوذكسية، وغربية أوروبية أميركية، وعربية إسلامية... إلخ. وإنما الشيء الأساسي هو الانبثاق البطيء والطويل والصعب، ولكن الحتمي، لما يدعوه بالحضارة الإنسانية التنويرية الكونية. وهي التي ستدخل في صدام مع كل الحضارات الخصوصية المنغلقة على ذاتها. هنا يكمن الصدام الحقيقي بالفعل. إنه بين الحضارة الكونية والأصولية الانغلاقية التكفيرية.

وهو يقصد بالحضارة الكونية حضارة العولمة الاقتصادية والتكنولوجية والمعلوماتية التي ستفرض نفسها على جميع شعوب الأرض عاجلاً أو آجلاً. كما يقصد حضارة حقوق الإنسان والمواطن ونبذ الطائفية والعنصرية. ما هي طبيعة هذه الحضارة على المستوى الثقافي؟ يقول المؤلف ما معناه؛ يصعب علينا تحديدها بدقة، ولكن يمكن أن نأخذ فكرة عنها من خلال الرموز الكبرى التي تجسدها. وهذه الرموز المثالية العليا في نظره هي غاندي، ومارتن لوثر كنغ، ونيلسون مانديلا، وفاكلاف هافيل، وآخرون كثيرون. هذه الشخصيات مثلت القيم العليا للتسامح الواسع الذي يتجاوز العصبيات العرقية والطائفية والمذهبية. وهنا تكمن سمة الحضارة الإنسانية التي ستهيمن علينا في عصر العولمة الكونية. والشيء الهام الذي سيحصل هو التالي؛ الصدام لن يكون بين الحضارات ككتلة واحدة صماء بكماء عمياء، وإنما سيكون داخل كل حضارة على حدة. بهذا المعنى يقول الفيلسوف أندريه كونت سبونفيل إنه يشعر بالقرابة مع المثقفين العرب والمسلمين المستنيرين أكثر مما يشعر بالقرابة مع الفاشيين الأوروبيين أو الغربيين عموماً. بل إنه لا يشعر بأي قرابة مع هؤلاء الأخيرين على الإطلاق. وهنا يكمن النقص الكبير لأطروحة صموئيل هانتنغتون. فهي لم تأخذ بعين الاعتبار ذلك الصراع المندلع داخل كل حضارة بين التيار التقدمي والتيار الرجعي، بين التيار التنويري والتيار الأصولي الظلامي. فمثلاً نلاحظ أن الصراع داخل العالم العربي الإسلامي مندلع بين تيارين أساسيين. هما التيار الإنساني النهضوي والتيار «الإخواني الداعشي» الرجعي. الأول يفهم الإسلام بطريقة تنويرية، والثانية يفهمه بطريقة ظلامية. وقل الأمر ذاته عن بقية الحضارات البشرية. إنها منقسمة على نفسها ومتصارعة مع ذاتها أكثر مما نظن وأكثر مما هي متصارعة مع الكتل الحضارية الأخرى.

ثم يطرح المؤلف التساؤلات المتلاحقة التالية؛ كم هو عدد الأوروبيين المستنيرين الذين يضعون الكتاب المقدس للهنود (الفيدا) على مستوى الكتاب المقدس المسيحي؟ كم هو عدد المثقفين الذين يضعون بوذا على نفس مستوى السيد المسيح؟ كم هو عدد الذين يضعون كونفشيوس عالياً مثل سقراط أو ديوجين؟ كم هو عدد الذين يضعون المسلم العبقري المتسامح ابن عربي عالياً مثل المعلم المسيحي إيكهارت؟ كم هو عدد الذين يضعون الدلاي لاما عالياً مثل البابا بنوا السادس عشر، بل فوقه؟

إذن هناك حضارة بشرية كونية آخذة في التشكل والانبثاق. والدليل على ذلك أن المثقفين المشارقة والأفارقة أصبحوا مهتمين بكبار رموز الفلسفة الغربية من أمثال ديكارت، وكانط، وهيغل... إلخ. صحيح أنه توجد ثقافات متعددة في العالم، وكل واحدة ذات نكهة خاصة ولغة خاصة ومرجعيات تراثية خاصة. وهذا شيء جيد، فالتنوع أفضل من الأحادية النمطية. ولكن نلاحظ أن هذه الثقافات المتنوعة والمختلفة أخذت يتقارب بعضها مع بعض أكثر فأكثر.

وما عدا الأصوليين المتعصبين المنغلقين على أنفسهم وقوقعتهم الدوغمائية المتحجرة، فإن جميع شعوب العالم أصبحت تتقارب وتتعايش وتتفاهم، بعضها مع بعض، من خلال ثقافة العولمة وقيمها الإنسانية الكونية.

أخيراً، يرى المؤلف أن الصدام بين الحضارات إذا ما حصل سيقود البشرية إلى هلاكها وحتفها. وحدها الحضارة العالمية الكونية الواحدة يمكن أن تنقذ البشرية. لكن ما سمات هذه الحضارة؟ في نهاية المطاف يقول لنا الفيلسوف الفرنسي المعاصر ما يلي؛ إنها حضارة تنويرية، علمانية، ديمقراطية، تتقيد بحقوق الإنسان وتحترمها. هذه هي الحضارة العالمية التي ستنقذنا من براثن التعصب الأعمى والانغلاق الأصولي والإرهاب. ينبغي أن يعلم الجميع ما يلي؛ الكرة الأرضية واحدة مشتركة لنا جميعاً. والبشرية واحدة رغم تنوع الأجناس واللغات والأديان والقوميات. والاقتصاد العالمي أصبح واحداً مترابطاً أكثر فأكثر. وبالتالي فلم يبق علينا إلا أن نخترع الحضارة الإنسانية الكونية التي تتماشى مع كل ذلك.

العلمانية حسب القاموس

بالنسبة له فإن جوهر الحضارة الكونية الإنسانية المقبلة يتمثل في العلمانية. لا حضارة ولا حداثة ولا نزعة إنسانية من دون دولة مدنية علمانية. ولكن ماذا تعني العلمانية؟ على عكس ما يشاع وبخاصة في العالم العربي الإسلامي فإن العلمانية لا تعني الإلحاد على الإطلاق. ولا تعني معاداة الأديان على الإطلاق، بل احترامها كلها، لكن مع وضعها على قدم المساواة، وعدم التمييز بين المواطنين على أساس طائفي أو مذهبي. الجميع متساوون أمام مؤسسات الدولة بغض النظر عن أصولهم الطائفية أو المذهبية. هذه هي العلمانية.

من المعلوم أن التيارات «الإخوانية» الأصولية تخوف الناس منها وتحذرهم قائلة؛ هذا كفر، هذا إلحاد، هذا خروج على الدين... إلخ. كل هذا غير صحيح على الإطلاق. العلمانية بحسب رأي المؤلف هي تنظيم معين للمجتمع يتيح التعايش السلمي بين مختلف مكونات هذا المجتمع من دينية ومذهبية وطائفية. من دونها لا تعايش ولا سلام أهلي وإنما صراع وحروب ومجازر طائفية كما كان يحصل في فرنسا قبل انتصار العلمانية التنويرية وكما يحصل حالياً في العالم العربي والإسلامي الذي لم ينتصر فيه التنوير بعد. باختصار شديد الدولة العلمانية تطبق المبدأ الأساسي التالي الذي طالما نص عليه فلاسفة النهضة العربية؛ الدين لله والوطن للجميع.

ولكن مشروع «الإخوان المسلمين» الذي ظهر على يد حسن البنا عام 1928 أجهض مشروع النهضة التنويرية العربية الذي كان صاعداً بشكل رائع منذ بدايات القرن التاسع عشر. ثم فرخ المشروع «الإخواني» البغيض كل حركات الظلام والقتل والإرهاب من «القاعدة» إلى «داعش» إلى «النصرة» إلى «بوكو حرام» إلى «الطالبان»... إلخ. وأصبحت النهضة العربية حلماً بعيد المنال. ولكنها ستعود حتماً، بل إنها عادت بعد سقوط «ربيع الإخوان المسلمين» وتجاوز الموجة الأصولية الظلامية كلها. ما بعد حلكة الظلام المطبقة إلا انبلاج الفجر! أخيراً، فإن العلمانية تعني حرية الضمير والمعتقد، أي حرية أن تتدين أو لا تتدين ومع ذلك تظل مواطناً لك كافة الحقوق وعليك كافة الواجبات. كل متدين مواطن بالضرورة ولكن ليس كل مواطن متديناً بالضرورة. هذه مسألة شخصية بينك وبين ربك. الدولة لا تحاسبك إذا لم تذهب إلى الكنيسة يوم الأحد لحضور القداس والصلاة. هذه مسألة شخصية تخصك وحدك. ولكنها تحاسبك إذا ما قصرت في عملك كمدرس أو طبيب أو مهندس أو وزير أو زبال حتى رئيس جمهورية!


مقالات ذات صلة

اللغة الشعرية... الجلال أم البساطة؟

ثقافة وفنون اللغة الشعرية... الجلال أم البساطة؟

اللغة الشعرية... الجلال أم البساطة؟

الشعر في رأي كثيرين تاج الفنون وأسمى صور التعبير، لأنه في نماذجه العليا، يجمع بين عمق الفكر وحيوية الصور الحسية ودرجات السلم الموسيقي.

د. ماهر شفيق فريد
ثقافة وفنون «عطيل»... تراجيديا الغيرة العابرة للعصور

«عطيل»... تراجيديا الغيرة العابرة للعصور

عن دار «الكرمة» بالقاهرة، صدرت طبعة جديدة من مسرحية شكسيبر الشهيرة «عطيل»، ترجمة الدكتور محمد عناني «1939 - 2023»

رشا أحمد (القاهرة)
ثقافة وفنون سيرة الفيلسوفة المصرية هيباتيا

سيرة الفيلسوفة المصرية هيباتيا

في كتابه «سيرة النور والصمت – مصر والقطيعة الحضارية»، يبدي الكاتب والباحث المصري محسن عبد العزيز اهتماماً خاصاً بتجربة الفيلسوفة المصرية القديمة هيباتيا

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
كتب حين يصبح المهاجر مرآة كاشفة لتناقضات أوروبا

حين يصبح المهاجر مرآة كاشفة لتناقضات أوروبا

تدهور الظروف المعيشية في أوروبا أفرز مجتمعات منغلقة تبحث عن هويتها في انتماءاتها الدينية متجاوزة الهوية الوطنية الجامعة في خضم التحولات الجيوسياسية المتسارعة

ندى حطيط
كتب النياشين لا تغني عن الغفران

النياشين لا تغني عن الغفران

في رواية «الأناشيد للآلهة والنياشين للحمقى» للكاتب المصري محمد البرمي - دار «الشروق» للنشر - لا يبدو البطل، الذي لا يؤمن بعدالة الحياة

منى أبو النصر (القاهرة)

اللغة الشعرية... الجلال أم البساطة؟

محمد الماغوط
محمد الماغوط
TT

اللغة الشعرية... الجلال أم البساطة؟

محمد الماغوط
محمد الماغوط

الشعر في رأي كثيرين تاج الفنون وأسمى صور التعبير، لأنه في نماذجه العليا، يجمع بين عمق الفكر وحيوية الصور الحسية ودرجات السلم الموسيقي. وهو يخاطب العقل والوجدان والحواس صاهراً إياها في سبيكة واحدة محملة بالدلالات والإيحاءات.

لكن الكتاب الذي نتوقف عنده هنا يطرح سؤالاً؛ هل الشعر مقصور على الأفكار العالية والعواطف السامية واللغة الجليلة؟ ويجيب؛ إن فيه مكاناً للثقافة الشعبية والمصطلح العامي ضارباً أمثلة لذلك من الشعر الإنجليزي في مختلف عصوره.

إنه كتاب «مهنة سامية»، أو «رسالة سامية»، أو «من أين تحصل على أفكارك؟» (A High Calling? Or: where do you get your ideas from?) من تأليف جون غريننغ (John Greening) وقد صدرت منه طبعة ورقية الغلاف عن دار النشر «مطبعة رينارد» (Renard Pressing) في 224 صفحة.

نحن هنا نبحر مع المؤلف في عوالم شعرية شتى، قديماً وحديثاً، مع الإشارة إلى الروابط بين فن الشعر وفن الموسيقى. فقد كان المؤلف مولعاً بالموسيقى الكلاسيكية، خاصة أعمال المؤلف الموسيقي الفنلندي جان سيبليوس صاحب القصيد السيمفوني «فنلنديا» (1900). ويقول غريننغ عن سيبليوس: «لقد كان سعيداً بأن ينتج منمنمات شعبية (أعمالاً صغيرة) إلى جانب روائعه المتميزة بالقوة والحدة والكثافة». ويخصص نصف الفصل المعنون «العبقرية» للحديث عن موسيقيين.

ويلخص غريننغ وجهة نظره في قوله: «تستطيع العبقريات الحقة أن تتغنى علواً وسفلاً». ويضرب مثلاً لذلك شكسبير الذي جمع بين الجدّ والهزل، والفكر العميق والتهريج الرخيص: «لقد كانت عظمته تتجلى أكثر ما تتجلى حين بدأ؛ العالي والواطئ يندمجان لديه، كما في شخصية الملك لير ومهرجه».

ففي مأساة «الملك لير» (1605 - 1604) نجد أن الملك العجوز، وقد دبّ إليه الخرف، يرتكب غلطة مأسوية حين يتنازل عن عرشه وكل سلطاته لابنتيه جونريل وريجان، غافلاً عما تنطوي عليه نفساهما من شرّ وقسوة، ويحرم من الميراث ابنته الصغرى كورديليا، وهى البارة بأبيها حقاً، لأنها أبت أن تجامله بمعسول القول كما فعلت أختاها المنافقتان. وتنتهى المسرحية بمصرع كورديليا والبهلول (مضحك الملك أو مهرج البلاط) فينطق لير بهذه الكلمات:

«ومضحكي المسكين قد شنق. ليس، ليس، ليس من حياة؟

لِمَ تكون للكلاب والجواد والفأر حياة

وأنت بلا أنفاس البتة؟ لن تفيق مرة أخرى.

هيهات هيهات هيهات هيهات هيهات

أرجوكم حلّوا هذا الزر. شكراً يا سيدي».

ت. س. إليوت

إن اللغة في هذه الانفجارة الانفعالية لغة بسيطة تخلو من أي صور شعرية بعيدة المنال. فهي تعبير تلقائي، في لحظة صادمة، لا يلجأ إلى التفنن والإغراب. الحيوانات المذكورة هنا (الكلب والجواد والفأر) كلها حيوانات مألوفة وليست كالحيوانات الأسطورية (عنقاء مغرب أو طائر الرخ أو الجواد بجاسوس الذي يطير أو القنطور الذي يجمع بين رأس رجل وبدن جواد). ويتكرر حرف النفي ذو المقطع الواحد (no). كما تتكرر كلمة «هيهات» (never) 5 مرات وهى من أشيع الكلمات في الحديث اليومي.

مثل آخر يضربه المؤلف هو شعر ت. س. إليوت في قصيدته «الأرض الخراب» (1922)، خاصة الحركة الثانية المعنونة «مباراة شطرنج». فمسرح القصيدة هنا مشرب من المشارب الرخيصة (pubs) التي تعج بها مدينة لندن وغيرها من المدن والبلدات والقرى البريطانية. إن المتكلم يتحدث إلى امرأة تدعى ليل، سرّح زوجها من الجيش، وهو الآن بصدد العودة إلى بيته. وينصحها المتكلم بأن تعنى بمظهرها، وأن تركب «طقم أسنان» جديداً حتى تحلو في عيني زوجها الذي قضى 4 أعوام في الخدمة العسكرية، وهو الآن يتطلع إلى قضاء وقت ممتع. ويحذرها المتكلم أنها إن لم توفر لزوجها هذا الوقت فسيبحث عن امرأة غيرها تلبي حاجاته. والمصطلح اللفظي الذي يستخدمه إليوت هنا، بعكس سبحاته الشعرية العالية في مواضع أخرى من القصيدة، مصطلح عامي دارج يعكس بيئة متواضعة وحظاً ضئيلاً من التعليم. ونجد إشارات إلى ظواهر من الحياة المعاصرة كأقراص منع الحمل، وما يمكن أن يكون لها من أثر في صحة المرأة:

«قالت هي تلك الأقراص التي تناولتها لأجهض طفلي

(كانت أماً لخمسة أطفال وقد كادت تموت يوم ولادة جورج الصغير)

وقد زعم الصيدلي أني لن ألبث أن أعود إلى حالتي الطبيعية

ولكنى ما عدت قط كما كنت».

يستطيع الشعر أن يجد سوقاً خاصة عندما يشتمل على قصة وفكرة قويتين، وأحياناً بفضل كلماته الفعلية

مثال ثالث للشعر الذي يدنو من لغة الحياة اليومية هو و. هـ. أودن، الذي يصفه المؤلف بأنه «يذكرنا بالمجال المتاح أمام شاعر ذي عبقرية». ففي قصيدته المسماة «سأحصل على وظيفة» (1932) نقرأ:

«سأحصل على وظيفة في مصنع

سأعيش مع الأولاد العمال

سألاعبهم لعبة لوحة السهام في المشرب العام

سأشاركهم أحزانهم وأفراحهم

ولن أعيش في عالم ولى زمنه».

ويؤكد غريننغ أن الشعر يمكن أن يجد جمهوراً مهما جاء مخالفاً للتصورات التقليدية بما يجب أن يكون عليه من سمو وجلال: «يستطيع الشعر أن يجد سوقاً خاصة عندما يشتمل على قصة إنسانية قوية أو يعبر عن فكرة مستحوذة على الأذهان، وأحياناً بفضل كلماته الفعلية».

ومسيرة الشعر منذ النصف الثاني من القرن العشرين حتى يومنا هذا (عندنا كما عند غيرنا) تشهد بصواب نظرة غريننغ (وهو ذاته شاعر إلى جوار كونه ناقداً). فنحن حين نقرأ قصائد شاعر معاصر كالشاعر اليوناني يانيس رتسوس مثلاً (ترجم رفعت سلام قصائده إلى العربية) نجده يستوحي مفردات الحياة اليومية وينأى عن أي إغراب. وكذلك الشأن مع محمد الماغوط في قصائد نثره، كما أوضح دانيل بيهار في كتابه «الشعراء السوريون وحداثة اللغة المحكية»، أو صلاح عبد الصبور الذي يحدثنا أنه رتق نعله وشرب شاياً في الطريق ولعب دور نرد أو دورين، أو أحمد عبد المعطي حجازي الذي يتحدث بصوت بائع ليمون: «العشرون بقرش - بالقرش الواحد عشرون». ويبلغ هذا الاستخدام للغة الحياة اليومية أبعد نقطة له في شعر العامية المنحدر من ابن عروس إلى فؤاد حداد، وعبد الرحمن الأبنودي، وصلاح جاهين، مروراً ببيرم التونسي. إن البساطة ليست نقيض العمق. وفي الشعر مكان لكل تنوعات الخبرة الإنسانية من أعلاها إلى أدناها.


«عطيل»... تراجيديا الغيرة العابرة للعصور

«عطيل»... تراجيديا الغيرة العابرة للعصور
TT

«عطيل»... تراجيديا الغيرة العابرة للعصور

«عطيل»... تراجيديا الغيرة العابرة للعصور

عن دار «الكرمة» بالقاهرة، صدرت طبعة جديدة من مسرحية شكسيبر الشهيرة «عطيل»، ترجمة الدكتور محمد عناني «1939 - 2023» والملقب بـ«شيخ المترجمين العرب» نظراً لإسهاماته التي تجاوزت 130 كتاباً في هذا السياق.

يشير عناني في مقدمته النقدية التي يستهل بها ترجمته الكاملة، والمزودة بهوامش وشروحات مع ذكر القائمة التفصيلية للمراجع والمصادر، إلى أن العمل ينتمي إلى المسرح الشعري، وطابع الشعر هنا لا يقتصر على ظاهرة النظم، بل يتعداها إلى صلب الرؤية الفنية التي تستمد قوتها من طاقة الاستعارة بأشكالها التي تتراوح ما بين الصور الجمالية بشتى أنواعها والرمزية، إلى جانب ما يتمتع به فن الشعر من تكثيف في الصياغة والضغط في التعبير، وهو ما تؤكده خصوصية البناء المسرحي الفريد في «عطيل».

ويجمع الدراسون على أن شكسبير قد استقى الحبكة من قصة وردت في مجموعة من مائة قصة طويلة مقسمة إلى عشرات تحمل عنوان «القصص المائة»، ومؤلفها هو جوفاني باتستا جيرالدي تشنثيو، وتقع في العشرة الثالثة، وقد نشرها في البندقية باللغة الإيطالية عام 1566، كما نُشرت في باريس باللغة الفرنسية عام 1584 من ترجمة جابريل شائوي. ولم يستطع الباحثون أن يعثروا على ترجمة إنجليزية لها قبل عام 1753، وربما يكون أحد المترجمين قد أصدر لها ترجمة معاصرة لشكسبير فاطلع عليها قبل نفاد نسخها، وربما يكون قد أطلع عليها بالإيطالية بدليل وجود أصداء لفظية مباشرة في النص لتلك اللغة، وهو ما بينه الكثيرون، أو أن يكون قد قرأها بالفرنسية.

تتحدث القصة عن قائد مغربي يتخذ لنفسه زوجة من بنات مدينة البندقية، رغم معارضة والديها واسمها «دزدمونة» ويعيشان معاً زمناً طويلاً في سعادة، ثم يقرر مجلس الحكم في البندقية تغيير نظام حامية قبرص وإرسال المغربي «عطيل» قائداً لها، دون تحديد أسباب لتغيير القديمة. وبعد معارضة طفيفة يقبل المغربي أن تصحبه زوجته؛ فالرحلة يسيرة، والسفينة مأمونة ومتينة البناء.

وبعد الوصول يقدم تشنثيو ثلاث شخصيات أخرى أهمها «ياجو» الشرير الذي يشغل منصب حامل العلم، ويقع في حب «دزدمونة»، ويتمنى الظفر بها، ويحاول بشتى الوسائل إغواءها فلا يجد أذناً مصغية، فهي تحب المغربي حباً جارفاً ولا تتصور خيانته مطلقاً، وهنا يتساءل الشرير عن ذلك ويوحى إليه ذهنه الفاسد بأنها لم تتمنع عليه إلا لأنها تحب ضابطاً آخر هو «كاسيو»، ومن ثم يتحول الحب الذي يكنه لها إلى كراهية مرة.

يُقنع ياجو «عطيل» بأن زوجته خائنة، فيصر الأخير على طلب دليل عيني، ويرد «ياجو» قائلاً إنه كان يمكنه تحقيق مطلبه لولا أن الرجل قد فقد منصبه ولم يعد يأتي إلى منزل «عطيل»، ومع ذلك فهو يعده بتلبية طلبه بأن يأتي بدليل حاسم. ويتذكر «ياجو» أمر المنديل المغربي النادر الذي أهداه «عطيل» إلى زوجته ويسرقه ياجو بنفسه في أثناء زيارته مع زوجته وابنته الصغيرة لـ«دزدمونة»، ويرميه في منزل «كاسيو»؛ تمهيداً لاتهام الزوجة الغافلة البريئة بأنها أهدته ذلك المنديل.

يناقش «عطيل» مع «ياجو» أمر قتل زوجته والرجل الذي يتهمه بالخيانة معها، ويقرر من ثم تكليف الشرير بقتل الرجل وفعلاً يفاجئه «ياجو» ذات ليلة وهو خارج من منزل فتاة ليل، ويعاجله بضربة تكسر ساقه ولكن «كاسيو» يتحامل بشجاعة على نفسه وينهض للدفاع شاهراً سيفه فيفر «ياجو» في ظلام الليل، ويصيح «كاسيو» طالباً للنجدة، ويهتف قائلاً: «لقد قُتلت»، ثم يعود «ياجو» وسط الظلام ويواجه بالشرطة التي هرعت إلى مكان الحادث.

تعلم «دزدمونة» بما حل بـ« كاسيو» فتحزن حزناً عميقاً، ويرى «عطيل» أن ذلك دليل لا يقبل الشك على خيانتها، ويدبر له حامل العلم أمر قتلها، بحيث لا يتهم أحد بارتكاب الجريمة، ويتفقان على أن يضرباها حتى الموت بجورب مملوء بالرمال، وأن يسقطا سقف الغرفة الخشبي المتهالك عليها؛ حتى يبدو الحادث كأنه قضاء وقدر، وينجحان في تحقيق ذلك، ويعتري المغربي حزن شديد على زوجته، وكراهية عميقة لحامل العلم، لكنه لا يجرؤ على قتله فيفصله من منصبه.

هنا يدبر «ياجو» خطة لقتل المغربي فيقنع «كاسيو» بالعودة معه إلى البندقية ويقول له إن «عطيل» هو الذي ضربه بالسيف فكسر ساقه بدافع الغيرة، ثم قتل زوجته، ويتقدم «كاسيو» بالشكوى إلى مجلس الحكم، ويُستدعي «ياجو» شاهداً، ويؤيد كل ما ذهب إليه في دعواه، وتلقي الشرطة القبض على المغربي وتعيده إلى البندقية، حيث يتعرض للتعذيب حتى يعترف، لكنه يصر على الإنكار، فيصدر المجلس الحكم بالنفي المؤبد عليه، ولكن أسرة «دزدمونة» تقتله، ويواصل حامل العلم «ياجو» حياة الشر فيكون له المزيد من الضحايا، لكن يُقبض عليه في نهاية الأمر، ويعذّب حتى الموت.

ويشير الدكتور عناني إلى أن الانهيار السريع الذي يتسبب في النهاية المفجعة لا تبرره على المستوى الواقعي المحض نظرتنا إلى المسرحية بوصفها مأساة زوج يغار أو يشك في زوجته أو حتى مأساة بطل جندي مغوار وشاعر يمثل صورة «العاشق المحارب» التي ورثتها أوروبا من العصور الوسطى.

والفكرة هنا أن «ياجو» يشارك «عطيل» عدم انتمائه طبقياً إلى البندقية بوصفها دولة غنية تعتمد على التجارة وثراء الأعيان من ذوي الحسب والنسب، فضلاً عن امتياز البحارة المقاتلين أو الأفذاذ في صنعة الحرب من القادة والأعلام. و«ياجو» لا يتمتع بالثراء ولا الحسب والنسب، ولا هو من السادة، ولا يأمل حقاً في أن ينافس ابن المجتمع الراقي «كاسيو» الذي تلقى التعليم، ويتمتع بمزايا الأعيان من ذوي الشعر المهدل، ويحظى بإعجاب بنات الطبقة الراقية، ويعرف موقعه في السلم الاجتماعي فهو يغار غيرة حقد وحسد من «كاسيو» أولاً، ومن «عطيل» ثانياً.


سيرة الفيلسوفة المصرية هيباتيا

سيرة الفيلسوفة المصرية هيباتيا
TT

سيرة الفيلسوفة المصرية هيباتيا

سيرة الفيلسوفة المصرية هيباتيا

في كتابه «سيرة النور والصمت – مصر والقطيعة الحضارية»، الصادر عن الهيئة المصرية العامة للكتاب، يبدي الكاتب والباحث المصري محسن عبد العزيز اهتماماً خاصاً بتجربة الفيلسوفة المصرية القديمة هيباتيا بعدّها رمزاً تاريخياً فريداً من نوعه، لكنه لم ينل ما يستحق من الشهرة أو الذيوع رغم عمق المعاني التي يتضمنها.

كانت فاتنة الجمال، راجحة العقل، جامحة الخيال، نهلت من الفكر المصري ونزعته الصوفية وكانت من أكثر المعبرين عنه، كما قال عنها المؤرخ الأميركي الشهير ول ديورانت، إنها بزت جميع فلاسفة زمانها، ولما عُينت أستاذة للفلسفة هرع لسماعها عدد كبير من الناس من شتى الأقطار.

وقد بلغ من حبها للفلسفة أنها كانت تقف في الشوارع تشرح لكل من يسألها عن النقاط الصعبة في كتب أفلاطون وأرسطو ما أكسبها احترام الناس.

ولدت عام 370م وكان أبوها «ثينون» فيلسوفاً عمل بالفلسفة والجبر والهندسة، ثم مديراً لمكتبة الإسكندرية، أخذت عنه حب التفكير والفلك والرياضيات كما دربها على الخطابة والتدريس، وعندما كتب شرحاً لكتاب بطليموس اعترف بالدور الذي قامت به في تأليفه، كما كانت أبحاثها تشمل الفلك والرياضة وصنعت أجهزة لتقطير المياه وقياس منسوبها، كما صنعت «إسطرلاب» وجهازاً لقياس كثافة السوائل.

وفى الثلاثين من عمرها صدر الأمر الإمبراطوري بتعيينها أستاذة بالمكتبة، وغدت فيلسوفة من أتباع أفلاطون وتزعمت مدرسة «الأفلاطونية الجديدة» ذات النزعة الصوفية، وكانت بعثاً للفكر المصري القديم، تميزت به مدرسة الإسكندرية منذ القرن الثالث قبل الميلاد، وازدهر على يد أفلوطين كآخر المدارس اليونانية الفلسفية الكبرى.

كانت تقول إن «من يقدر على خلع بدنه وتكسير حواسه ووساوسه وحركاته، يستطع الرجوع إلى ذاته والصعود إلى العالم العقلي، كما أن الامتناع عن الشهوات وعدم أكل اللحوم عوامل مساعدة لصفاء النفس، وعلى الإنسان أن يمارس العبادات لتطهير النفس والزهد، فقيمة الإنسان ليست في جمال ملامحه ولكن في جمال أخلاقه».

عدّها المتعصبون دينياً واحدة من ألد أعدائهم بسبب جمالها وروعة منطقها وحداثة أفكارها، فهجموا عليها في أثناء عودتها من إلقاء إحدى المحاضرات وأنزلوها من عربتها وجروها إلى منطقة نائية. وهناك جردوها من ملابسها، وأخذوا يرجمونها بقطع القرميد حتى قتلوها، بل أكثر من ذلك قطعوا جسدها إرباً، وحرقوا بعضه، كانوا يفعلون كل ذلك بمرح وحشي شنيع لتذهب أسطورة هيباتيا ضحية للصراع بين الفكر والعلم من ناحية، والتعصب الديني من ناحية أخرى وعمرها 45 سنة.

لم يعاقب الجناة على فعلتهم البشعة واكتفى الإمبراطور بتقييد حرية المتطرفين في الظهور أمام الجماهير، مع حرمان الوثنيين من المناصب العامة، وأغلق المعابد والمدارس لتنطفئ شعلة العلم في الإسكندرية وينطفئ دورها الحضاري، ويرحل أساتذتها إلى أثينا خوفاً من مصير هيباتيا.