القاموس الفلسفي لأندريه كونت سبونفيل

المستقبل لحضارة تنويرية كونية تشمل جميع شعوب الأرض

القاموس الفلسفي لأندريه كونت سبونفيل
TT

القاموس الفلسفي لأندريه كونت سبونفيل

القاموس الفلسفي لأندريه كونت سبونفيل

صدرت أخيراً الطبعة الثالثة المزيدة والمنقحة من القاموس الفلسفي الضخم لأندريه كونت سبونفيل. يحتوي هذا القاموس على 2267 مادة، أي بزيادة 613 مادة قياساً إلى الطبعات السابقة. وتبلغ عدد صفحاته 1440 صفحة. وفيه يتحدث المؤلف عن معظم المفاهيم الفلسفية التي تهمنا كمفهوم الحضارة والبربرية والأصولية والعلمانية والحقيقة... إلخ. يعدّ أندريه كونت سبونفيل أحد كبار فلاسفة فرنسا المعاصرين بالإضافة إلى لوك فيري وريمي براغ وآخرين. وهو يتميز بوضوح الفكر على عكس الفلاسفة الغامضين المعقدين الضبابيين. لقد أوهمونا في الجامعات العربية، وبخاصة جامعة دمشق، أن الفلسفة لكي تكون عظيمة وفلسفية حقاً وحقيقة ينبغي أن تكون غامضة عسيرة على الهضم بل مستحيلة على الفهم، الفهم! كلما كانت معقدة ومبهمة وملغزة كانت أفضل! وهذا مفهوم خاطئ عن الفلسفة وينبغي أن يتغير. فالفلاسفة الكبار كلهم يريدون أن يقولوا لنا شيئاً ما بشرط أن نبذل الجهد الكافي لفهمهم. وإذا لم نستطع فهم ديكارت وكانط وهيغل ونيتشه... إلخ مباشرة فلنستشر هذا القاموس الذي يوضح لنا ما استغلق علينا من مفاهيم عويصة لكبار الفلاسفة. سوف أتوقف هنا عند مفهومين فقط استفاض الفيلسوف الفرنسي المعاصر في شرحهما في قاموسه هذا. الأول هو مفهوم صدام الحضارات، والثاني هو مفهوم العلمانية.

نحن نعلم أن كتاب صموئيل هانتنغتون صدر عام 1996 ولكنه لم يلقَ كل هذه الأصداء الواسعة إلا بعد ضربة 11 سبتمبر (أيلول) الإجرامية الكبرى عام 2001. وعندئذ أخذ الكتاب كل أبعاده، بل تبين كأن الضربة جاءت للتصديق الكامل على أطروحته الاستباقية القائلة إن الصدام الأساسي في العصر المقبل سيكون بين الحضارة الإسلامية والحضارة الغربية. لكن ماذا تعني أطروحة صدام الحضارات بالضبط؟ إنها تعني ما يلي؛ لم يعد تاريخ كوكبنا الأرضي يتمحور حول علاقات القوة الصراعية بين الدول كما كان يحصل سابقاً حتى نهاية الحرب العالمية الأولى. ولم يعد هذا التاريخ يتمثل بالصراع بين الآيديولوجيات، وبخاصة الآيديولوجيا الشيوعية والآيديولوجيا الليبرالية كما حصل بعد الثورة البلشفية عام 1917 حتى انهيار الكتلة الشيوعية عام 1989. وإنما أصبح صراعاً بين الكتل الحضارية والدينية الكبرى، وبخاصة الحضارة الغربية والحضارة العربية الإسلامية.

رأي سبونفيل بصدام الحضارات

يقول لنا في هذا القاموس العتيد ما معناه؛ تبدو الأطروحة ظاهرياً صحيحة ولكنها خاطئة في العمق أو قل إنها تمر على هامش ما هو أساسي. فالشيء الأساسي في نظره ليس الصراع بين الحضارات المختلفة من صينية كونفشيوسية، وروسية سلافية أرثوذكسية، وغربية أوروبية أميركية، وعربية إسلامية... إلخ. وإنما الشيء الأساسي هو الانبثاق البطيء والطويل والصعب، ولكن الحتمي، لما يدعوه بالحضارة الإنسانية التنويرية الكونية. وهي التي ستدخل في صدام مع كل الحضارات الخصوصية المنغلقة على ذاتها. هنا يكمن الصدام الحقيقي بالفعل. إنه بين الحضارة الكونية والأصولية الانغلاقية التكفيرية.

وهو يقصد بالحضارة الكونية حضارة العولمة الاقتصادية والتكنولوجية والمعلوماتية التي ستفرض نفسها على جميع شعوب الأرض عاجلاً أو آجلاً. كما يقصد حضارة حقوق الإنسان والمواطن ونبذ الطائفية والعنصرية. ما هي طبيعة هذه الحضارة على المستوى الثقافي؟ يقول المؤلف ما معناه؛ يصعب علينا تحديدها بدقة، ولكن يمكن أن نأخذ فكرة عنها من خلال الرموز الكبرى التي تجسدها. وهذه الرموز المثالية العليا في نظره هي غاندي، ومارتن لوثر كنغ، ونيلسون مانديلا، وفاكلاف هافيل، وآخرون كثيرون. هذه الشخصيات مثلت القيم العليا للتسامح الواسع الذي يتجاوز العصبيات العرقية والطائفية والمذهبية. وهنا تكمن سمة الحضارة الإنسانية التي ستهيمن علينا في عصر العولمة الكونية. والشيء الهام الذي سيحصل هو التالي؛ الصدام لن يكون بين الحضارات ككتلة واحدة صماء بكماء عمياء، وإنما سيكون داخل كل حضارة على حدة. بهذا المعنى يقول الفيلسوف أندريه كونت سبونفيل إنه يشعر بالقرابة مع المثقفين العرب والمسلمين المستنيرين أكثر مما يشعر بالقرابة مع الفاشيين الأوروبيين أو الغربيين عموماً. بل إنه لا يشعر بأي قرابة مع هؤلاء الأخيرين على الإطلاق. وهنا يكمن النقص الكبير لأطروحة صموئيل هانتنغتون. فهي لم تأخذ بعين الاعتبار ذلك الصراع المندلع داخل كل حضارة بين التيار التقدمي والتيار الرجعي، بين التيار التنويري والتيار الأصولي الظلامي. فمثلاً نلاحظ أن الصراع داخل العالم العربي الإسلامي مندلع بين تيارين أساسيين. هما التيار الإنساني النهضوي والتيار «الإخواني الداعشي» الرجعي. الأول يفهم الإسلام بطريقة تنويرية، والثانية يفهمه بطريقة ظلامية. وقل الأمر ذاته عن بقية الحضارات البشرية. إنها منقسمة على نفسها ومتصارعة مع ذاتها أكثر مما نظن وأكثر مما هي متصارعة مع الكتل الحضارية الأخرى.

ثم يطرح المؤلف التساؤلات المتلاحقة التالية؛ كم هو عدد الأوروبيين المستنيرين الذين يضعون الكتاب المقدس للهنود (الفيدا) على مستوى الكتاب المقدس المسيحي؟ كم هو عدد المثقفين الذين يضعون بوذا على نفس مستوى السيد المسيح؟ كم هو عدد الذين يضعون كونفشيوس عالياً مثل سقراط أو ديوجين؟ كم هو عدد الذين يضعون المسلم العبقري المتسامح ابن عربي عالياً مثل المعلم المسيحي إيكهارت؟ كم هو عدد الذين يضعون الدلاي لاما عالياً مثل البابا بنوا السادس عشر، بل فوقه؟

إذن هناك حضارة بشرية كونية آخذة في التشكل والانبثاق. والدليل على ذلك أن المثقفين المشارقة والأفارقة أصبحوا مهتمين بكبار رموز الفلسفة الغربية من أمثال ديكارت، وكانط، وهيغل... إلخ. صحيح أنه توجد ثقافات متعددة في العالم، وكل واحدة ذات نكهة خاصة ولغة خاصة ومرجعيات تراثية خاصة. وهذا شيء جيد، فالتنوع أفضل من الأحادية النمطية. ولكن نلاحظ أن هذه الثقافات المتنوعة والمختلفة أخذت يتقارب بعضها مع بعض أكثر فأكثر.

وما عدا الأصوليين المتعصبين المنغلقين على أنفسهم وقوقعتهم الدوغمائية المتحجرة، فإن جميع شعوب العالم أصبحت تتقارب وتتعايش وتتفاهم، بعضها مع بعض، من خلال ثقافة العولمة وقيمها الإنسانية الكونية.

أخيراً، يرى المؤلف أن الصدام بين الحضارات إذا ما حصل سيقود البشرية إلى هلاكها وحتفها. وحدها الحضارة العالمية الكونية الواحدة يمكن أن تنقذ البشرية. لكن ما سمات هذه الحضارة؟ في نهاية المطاف يقول لنا الفيلسوف الفرنسي المعاصر ما يلي؛ إنها حضارة تنويرية، علمانية، ديمقراطية، تتقيد بحقوق الإنسان وتحترمها. هذه هي الحضارة العالمية التي ستنقذنا من براثن التعصب الأعمى والانغلاق الأصولي والإرهاب. ينبغي أن يعلم الجميع ما يلي؛ الكرة الأرضية واحدة مشتركة لنا جميعاً. والبشرية واحدة رغم تنوع الأجناس واللغات والأديان والقوميات. والاقتصاد العالمي أصبح واحداً مترابطاً أكثر فأكثر. وبالتالي فلم يبق علينا إلا أن نخترع الحضارة الإنسانية الكونية التي تتماشى مع كل ذلك.

العلمانية حسب القاموس

بالنسبة له فإن جوهر الحضارة الكونية الإنسانية المقبلة يتمثل في العلمانية. لا حضارة ولا حداثة ولا نزعة إنسانية من دون دولة مدنية علمانية. ولكن ماذا تعني العلمانية؟ على عكس ما يشاع وبخاصة في العالم العربي الإسلامي فإن العلمانية لا تعني الإلحاد على الإطلاق. ولا تعني معاداة الأديان على الإطلاق، بل احترامها كلها، لكن مع وضعها على قدم المساواة، وعدم التمييز بين المواطنين على أساس طائفي أو مذهبي. الجميع متساوون أمام مؤسسات الدولة بغض النظر عن أصولهم الطائفية أو المذهبية. هذه هي العلمانية.

من المعلوم أن التيارات «الإخوانية» الأصولية تخوف الناس منها وتحذرهم قائلة؛ هذا كفر، هذا إلحاد، هذا خروج على الدين... إلخ. كل هذا غير صحيح على الإطلاق. العلمانية بحسب رأي المؤلف هي تنظيم معين للمجتمع يتيح التعايش السلمي بين مختلف مكونات هذا المجتمع من دينية ومذهبية وطائفية. من دونها لا تعايش ولا سلام أهلي وإنما صراع وحروب ومجازر طائفية كما كان يحصل في فرنسا قبل انتصار العلمانية التنويرية وكما يحصل حالياً في العالم العربي والإسلامي الذي لم ينتصر فيه التنوير بعد. باختصار شديد الدولة العلمانية تطبق المبدأ الأساسي التالي الذي طالما نص عليه فلاسفة النهضة العربية؛ الدين لله والوطن للجميع.

ولكن مشروع «الإخوان المسلمين» الذي ظهر على يد حسن البنا عام 1928 أجهض مشروع النهضة التنويرية العربية الذي كان صاعداً بشكل رائع منذ بدايات القرن التاسع عشر. ثم فرخ المشروع «الإخواني» البغيض كل حركات الظلام والقتل والإرهاب من «القاعدة» إلى «داعش» إلى «النصرة» إلى «بوكو حرام» إلى «الطالبان»... إلخ. وأصبحت النهضة العربية حلماً بعيد المنال. ولكنها ستعود حتماً، بل إنها عادت بعد سقوط «ربيع الإخوان المسلمين» وتجاوز الموجة الأصولية الظلامية كلها. ما بعد حلكة الظلام المطبقة إلا انبلاج الفجر! أخيراً، فإن العلمانية تعني حرية الضمير والمعتقد، أي حرية أن تتدين أو لا تتدين ومع ذلك تظل مواطناً لك كافة الحقوق وعليك كافة الواجبات. كل متدين مواطن بالضرورة ولكن ليس كل مواطن متديناً بالضرورة. هذه مسألة شخصية بينك وبين ربك. الدولة لا تحاسبك إذا لم تذهب إلى الكنيسة يوم الأحد لحضور القداس والصلاة. هذه مسألة شخصية تخصك وحدك. ولكنها تحاسبك إذا ما قصرت في عملك كمدرس أو طبيب أو مهندس أو وزير أو زبال حتى رئيس جمهورية!


مقالات ذات صلة

«الدحو» فيلم إثارة على الشاشة؟

ثقافة وفنون مشهد من فيلم "متحف البراءة" المستوحى من رواية بالعنوان نفسه لأورهان باموق

«الدحو» فيلم إثارة على الشاشة؟

«الدحو»، هي الرواية الثانية للروائي السعودي عبد الله بن بخيت، الصادرة عن دار «جداول» للنشر والترجمة، 2012.

د. مبارك الخالدي
ثقافة وفنون «عرضحال بغدادي»... رثاء بغداد المعاصرة

«عرضحال بغدادي»... رثاء بغداد المعاصرة

لا تبدو مجموعة «عرضحال بغدادي» لخضير فليح الزيدي، مجموعة قصصية تقليدية تضم نصوصاً مستقلة، بقدر ما تبدو روايةً مفتتة الأجزاء تتعدد فيها الوجوه

بشرى الهلالي
كتب هما كاتوزيان

إيران... السلطة المطلقة تحمل في أحشائها بذور فنائها

في فضاء التفكيك الفلسفي لظاهرة الدولة والمجتمع، تتحرَّك القراءة المُعمَّقة لـ«إيران والثورة 2026»، للمؤرِّخ هما كاتوزيان، حيث يعيد صياغة السردية التاريخية...

ندى حطيط
كتب معركة مصر ضد تجارة الرقيق في القرن التاسع عشر

معركة مصر ضد تجارة الرقيق في القرن التاسع عشر

في عام 1838، أصدر والي مصر والسودان محمد علي باشا أمراً إلى حكمدار السودان يطلب منه الكف عن منح العبيد والجواري إلى الجنود كمرتبات وهدايا

رشا أحمد (القاهرة)
كتب رسائل «من حاتم علي إلى دلع الرحبي»

رسائل «من حاتم علي إلى دلع الرحبي»

من خلف عدسة صنعت كثيراً من ذاكرة الدراما السورية، يطلّ حاتم علي في كتاب «رسائل من حاتم علي إلى دلع الرحبي» بصوت آخر، صوت العاشق الذي يكتب بخط يده، والفنان...

«الشرق الأوسط» (دمشق)

أفق الروائي وأفق القارئ المتلقي

أحمد زين
أحمد زين
TT

أفق الروائي وأفق القارئ المتلقي

أحمد زين
أحمد زين

يضعنا التلقي النقدي لمسار الرواية العربية في تحولاتها أمام تجربة روائية متميزة أبانت عن كفاءة واقتدار على مستوى منجزها السردي الموازي بين الكتابة السردية الروائية والقصصية، وإن انتصرت في المراحل الأخيرة لجنس الرواية من منطلق انفتاحه على أكثر من جنس، إلى تعدد الشخوص واللغات والقضايا التي تنزع إنتاج معنى.

إن الروائي اليمني أحمد زين (1968)، منذ تجربته البكر «تصحيح وضع» (دار الانتشار العربي - 2004)، إلى «رماية ليلية» (دار المتوسط - 2024)، وغيرهما، رسخ تقاليد كتابة روائية تنبني على الجدة، وتنطبع بروح التجريب المناهض للمتداول والمألوف على مستوى الشكل الروائي، إذا ما ألمحت لكونه يتفرد - في تصوري - بخصوص الإنجاز الروائي بوضع مسافة زمنية تمتد من ثلاث سنوات إلى خمس سنوات بين رواية وثانية، الشيء الذي يوضح أن ثمة تفكيراً روائياً قبلياً قبل الإقدام على التحقق والاكتمال. يلاحظ هذا أيضاً على سبيل التمثيل لدى الروائي اللبناني الراحل إلياس خوري، والتونسي الحبيب السالمي، واليمنيين علي المقري ووجدي الأهدل، وأيضاً لدى الروائيات هدى بركات، ونجوى بركات، وأنيسة عبود، ومنصورة عز الدين، ونادية الكوكباني.

بيد أن التفكير الروائي يؤجل التمرين على فعل القص دون أن يلغيه. فبعض الروائيين يؤسسون عالمهم الروائي انطلاقاً من وحدات حكائية صغرى هي في الجوهر قصص قصيرة تحتكم لرابط يجسد حبكة النص الروائي، نحو ما نقف عليه في «وردية الليل» لإبراهيم أصلان، كما في ثلاثية «زهرة الآس» لمحمد عز الدين التازي. على أن مما يستلزم التأكيد ما أحبذ دعوته بـ«الموازاة الأجناسية»، وفق ما عكسته تجربة الروائي الراحل محمد زفزاف، الذي حافظ على إيقاع إصدار مجموعة قصصية في سنة، ورواية في سنة ثانية، إلى حين رحيله. والحالة ذاتها جسدها محمد صوف، في حين نجد من الروائيين من لم يصدر مجموعة قصصية على امتداد تجربته السردية، نحو ما يطالعنا لدى الروائيين جبرا إبراهيم جبرا، ورشيد الضعيف، وعبد الله العروي، وشعيب حليفي.

خصائص إبداعية

يقود المعبر عنه إلى محاولة تشكيل تصور حول منجز أحمد زين الروائي. وهو في الجوهر ما يؤلف مشتركاً بين أكثر من روائي عربي، وإن كانت الخصوصية تفرض ذاتها، وهو المسعى الذي ندرسه هنا، ومنه الاستمرارية الإبداعية التي تتجسد على مستوى جنس الرواية، وتبرز في مواصلة الكتابة والإضافة، وهذا ما سبقت الإشارة إليه بالمسافة الزمنية التي يرسمها الروائي بين رواية وثانية في نوع من التفكير الذي يهجس بأفق التلقي، وما يترتب من تفسير وتأويل. أقول بمعنى آخر، إن الروائي أحمد زين وهو في وضعية الإنجاز يتمثل إبداعه وحالة قارئه. فمن خلال الآثار السابقة تتولد قناعة القيمة والرغبة في الإضافة - كما سلف - وهو ما يحقق التكامل بين أفقين: أفق الروائي المبدع، وأفق القارئ المتلقي. على أن ما تعكسه الاستمرارية الإبداعية يتمثل في المرجعية الروائية التي تتجلى في كون المكتوب صورة دقيقة عن وجود مقروء. فكفاءة الإنجاز الروائي لا يمكن أن تتخلق عبثاً، وإنما انطلاقاً من الانفتاح على تجارب روائية عربية وعالمية بالأخص، تفسح إمكان القول إن أي تميز روائي وليد قراءة. فأحمد زين في تفرده روائياً بمنزلة قارئ تأسيساً من أن لا كتابة دون قراءة، ثم القدرة على التصريف، وهي ترتبط بالسابق؛ إذ الروائي الكفء يجيد تصريف وتذويب مقروئه في تعبيره الروائي، بحيث يصعب الوصول إلى استجلاء الأثر والتأثير. يحدث هذا على مستوى النصوص المقروءة، إلى تداخل الأجناس وفق ما سنقف عليه في العملين الأخيرين: «فاكهة للغربان» و«رماية ليلية».

وبذلك، فإن الاستمرارية الإبداعية قناعة بما للكتابة الروائية من بلاغة التأثير، عكس التوقف الذي يطول بعض التجارب الروائية بمبررات لا يمكن التكهن بخلفياتها. يقول أحمد زين في حوار مع الشاعرة اللبنانية الراحلة عناية جابر: «الروائيون الذين أصدروا روايات في الستينيات والسبعينيات وربما الثمانينيات كفوا عن الكتابة، ولم يعد أحد من أولئك، أقصد الأحياء منهم، يكتب الرواية».

في دور الذاكرة

تظل الذاكرة حاضرة على امتداد الآثار الروائية لأحمد زين. ويمثل حضورها وظيفة غايتها الامتياح من الذاتي في معايشته وقائع سياسية واجتماعية وثقافية عرفها اليمن، وتبقى في أمسّ الحاجة للتوثيق والتأريخ من منظور الرؤية الروائية المغايرة، بما هي بمنزلة إبدال لما يثبته المؤرخ وعالم الاجتماع.

بيد أن ما لا يجب أن يُفهم، كون الروائي أحمد زين يسهم في تدوين سيرته الذاتية، علماً بأن لا كتابة في منجاة من البعد الذاتي، وخاصة أن ميثاق التعاقد الذي يربط الروائي بقارئه يتحدد منذ البداية في دقة التجنيس؛ أي رواية وليست سيرة ذاتية. على أن من النقاد الذين تناولوا التجربة تحديداً من يجنح إلى القول إن شذرات الذات تتوزع بين الروايات المنجزة. هذا التصور يبدو صحيحاً. وهو ما عبر عنه الروائي جبرا إبراهيم جبرا قبل كتابته «البئر الأولى» و«شارع الأميرات»، في حين اختار محمد زفزاف القول إنه يفضل إملاء سيرته الذاتية على طرفٍ ما دون كتابتها. يرد في الحوار نفسه: «أرى أن الذهاب إلى هموم خاصة أو ذاتية، في المعنى الضيق للذاتية، بعيداً عن القضايا المفصلية التي يعانيها المجتمع في لحظته الراهنة، وتمس عصب الحياة، وتربك أحوال الناس؛ سيبدو ليس صعباً فحسب، إنما أيضاً نوع من الترف، في حال حصل».

الفضاء اليمني

يمثل اليمن الفضاء الثابت على امتداد السداسية الروائية من 2004 إلى 2024؛ بمعنى أن زمن المنجز السردي يتأطر في عشرين سنة من دون أن يتوقف أو ينتهي. والأصل أن الامتداد دعوة ليقظة الذاكرة كي تحكي سيرة الفضاء بما يتفاعل فيه من أحداث ترتبط بأمكنة وأزمنة تمتلك هدف إنتاج المعنى السياسي والاجتماعي والثقافي. ومن ثم، فالذاكرة تعد ذاكرة فضاء في دينامياته التي عاشها، وما انطبع بها من إخفاقات وحروب لم تفتأ تنتهي إلا لتوقد من جديد. من هنا، فإن زين يحكي في منجزه واقع اليمن ومأساته سواء كما عيشت في حينها، أو كما تخلقت بعيداً عنه في رحلة الاغتراب وقلق الوجود. يقول زين: «في اليمن، يتقدم العام دوماً، يسحق ما هو خاص أو في هيئته، فلا مجال لمقاربة أحوال الفرد، والتفتيش عن فردية؛ لأن عوامل كثيرة تغيبها».

وتقود الاستمرارية الإبداعية المتحدث عنها إلى التأكيد على قناعة الإضافة الفاعلة والمنتجة... وهو وعي الروائي أحمد زين بقيمة وأهمية جنس الرواية في وعلى ملامسة القضايا، والتعبير عن تنوع الأحداث في رصد ومتابعة تعمل الذاكرة على استصفائها والامتياح منها.

* كاتب من المغرب

يمثل اليمن الفضاء الثابت على امتداد سداسية أحمد زين الروائية من 2004 إلى 2024


«أشباح الأمومة»... العاطفة والجريمة

«أشباح الأمومة»... العاطفة والجريمة
TT

«أشباح الأمومة»... العاطفة والجريمة

«أشباح الأمومة»... العاطفة والجريمة

تنتمي رواية «أشباح الأمومة»، للكاتبة الإسبانية كاشا أجيري، إلى نوعية النصوص غير التقليدية من حيث الموضوع، والجريئة من حيث الأفكار التي تطرحها، حيث تعيد تفكيك مفهوم الأمومة، بعيداً عن التصورات المثالية، وتكشف عن مساحة من القلق والتوتر، أحياناً الغضب والرفض، في علاقة الأم بالعالم وبطفلها الوليد.

تتداخل في العمل، الصادر أخيراً عن «دار العربي» بالقاهرة، ترجمة أحمد عويضة، تجربة الأمومة وفعل الكتابة الإبداعية عندما تكتشف البطلة، وهي روائية في شهرها التاسع من الحمل وعلى وشك الولادة، جريمة مروعة تهز الرأي العام، حيث قامت امرأة تُدعى «أليس» بإغراق طفليها التوأم الرضيعين في حوض الاستحمام.

تزداد الصدمة حين تكتشف البطلة أنها كانت تعرف هذه الأم القاتلة شخصياً في الماضي، رغم انقطاع أخبارها لفترة طويلة، وبدلاً من أن تستغل إجازة الأمومة المرتقبة للعناية بطفلها الرضيع وتتفرغ لتربيته، تقرر استغلال هذه الفترة كغطاء وفرصة للبحث والتقصي والكتابة.

تبدأ البطلة رحلة تتبع وبحث جنائي وأدبي لمعرفة الحقيقة المظلمة والدوافع النفسية والاجتماعية التي تقف وراء إقدام أم على إنهاء حياة طفليها، وهو ما يضعها في مواجهة مباشرة مع أسئلتها الداخلية حول معنى أن تكون أماً وأن تكون مبدعة في آن واحد.

الأمومة والإبداع

تمزج حبكة الرواية بين البناء الكلاسيكي لقصص التشويق والإثارة وأسلوب التحقيق الصحافي والجرائم الواقعية، مع طرح الأفكار الفلسفية والتأملات الفكرية، على خلفية كسر واحد من أكبر المحرمات أو «التابوهات» الاجتماعية والثقافية، وهو الاعتقاد السائد بأن الأمومة تحمل دائماً حباً مطلقاً وغريزة تضحية لا تشوبها شائبة.

وتوازن الكاتبة بين نوعين من «الخلق»: الولادة البيولوجية للطفل، والولادة الفنية للعمل الإبداعي، من خلال استلهام تجارب وسير ذاتية لكاتبات وشاعرات عانين من المعضلة ذاتها، واختبرن أشباح الأمومة واكتئابها وتأثيرها على مسيرتهن، مثل الشاعرة الأميركية سيلفيا بلاث، والروائية البريطانية دوريس ليسينغ.

عالمان متناقضان

جاءت الأجواء العامة للرواية مشحونة بالتوتر والترقب والنقد الذاتي الحاد، حيث تعيش البطلة في منطقة رمادية تفصل بين عالمين متناقضين: عالم الأمومة المليء بالمتطلبات الجسدية والنفسية وعزلة رعاية الرضيع، وعالم الكتابة الذي يتطلب الانفصال والتركيز والبحث.

تضع تلك الأجواء القارئ أمام تساؤلات تكاد تكون غير مسبوقة دون أن تقدم بالضرورة إجابات جاهزة: هل الأمومة يمكن أن تتحول أحياناً إلى سجن أو زنزانة؟ وكيف يتعامل القانون والمجتمع مع حماية الأطفال وفي الوقت نفسه مع الاضطرابات النفسية للأمهات؟ هل يمكن فصل غريزة الأمومة عن الأنوثة؟ أين يقع الحد بين الإبداع والتدمير؟ ولماذا ينظر دائماً إلى الأمومة على أنها قدر بيولوجي، لا خيار إرادي؟ وكاتشا أجيري كاتبة ومخرجة من إقليم الباسك، وواحدة من الأصوات الأدبية الأكثر إثارة للجدل والاهتمام في المشهد الثقافي الإسباني المعاصر. تميزت مسيرتها الأكاديمية والعملية بتنوع إبداعي لافت، حيث جمعت بين البحث المتخصص في السرديات السينمائية والإبداع الأدبي الجريء. بدأت حياتها المهنية كاتبة سيناريو قبل أن تتجه للرواية، مما أضاف بعداً بصرياً متميزاً لأسلوبها السردي.

اشتُهرت أجيري بروايتها هذه التي نُشرت في الأصل تحت عنوان «الأمهات لا يفعلن»، وقد أحدثت ضجة كبيرة بسب جرأتها في نقد الأمومة وربطها بين الإبداع والعنف. تُرجمت أعمالها إلى عدة لغات وحصلت على تكريمات مهمة منها «جائزة أكاديمية اللغة الباسكية»، كما تعد من أهم الأصوات النسوية في أوروبا اليوم، حيث تقدم رؤية فريدة تدمج بين الحساسية الأدبية والتفكيك النقدي للأنماط الاجتماعية.

ومن أجواء الرواية نقرأ:

«الأدب هو الخيمياء، معرفة ما قبل معرفة علمية وبربرية وعقلانية وعاطفية وطوباوية وسياسية وباردة وحارقة ومجنونة وجميلة ورهيبة وإيقاعية ومرهقة وقبيحة ومنعشة.

الأدب لغز لا يحتاج إلى إجابات هنا والآن؛ لأنه لا يطرح عليَّ أسئلة. أكتب وكل شيء يعود إلى مكانه أخيراً، كل حرف، كل نفس، كل همسة.

تقول أمي كل صباح وإيريك مربوط إلى مقعده بالسيارة: «قل وداعاً لماما»، فيقول الصغير: «وداعاً، وداعاً» وهو يلوّح بكفه الصغيرة. بدا سعيداً مع تلك الجدة التي التقاها للتو وبدت والدتي سعيدة أيضاً. ومن المؤكد أن نيكولاس أيضاً سعيد بلوح التزلج الخاص به واستعجاله ركوب الأمواج، تعجل إلى درجة أنه لم يمنحني حتى قُبلة وداع. وفوق كل ذلك فأنا أيضاً سعيدة، سعيدة وأنا وحدي في منزل أمي.

أهرب أنا أيضاً خلف الأبواب المغلقة، كل شيء مثالي: درجة الحرارة والرائحة وصوت المحيط وهذا الإيقاع المحموم والجذاب لأزرار لوحة المفاتيح. سيعود الجميع إلى الداخل خلال ساعتين أو ثلاث. سيعود إيريك نائماً ومجهداً بعد اللعب بين الصخور البركانية وأمي مفتونة كمن ينظر لأول مرة داخل محارة طفل من ذوات الصدفتين، ثم يعود نيكولاس بأنفه متقشر الجلد ورائحته البرية بعدما صار أشقر أكثر من أي وقت مضى.

سينتهي هذا الكمال في غضون ستة أيام، سيعود العالم الحقيقي خلال ستة أيام ستقول لنا أمي: «وداعاً» وهي تشعر بارتياح حقيقي في حين تستعيد وحدتها. ستشعر بالفخر جراء الهدية التي أهدتها إلينا، وسوف تذّكر نفسها بألا تكرر التجربة لفترة طويلة.

سأعود لأراقب حسابي الجاري، وأستعد من جديد لمشقة العمل موظفة، وفوق كل هذا سيتعين عليّ قراءة كل تلك الصفحات التي تركتها خلفي. لقاء عنيف وغير سار هناك ينتظرني، الأموات والأحياء، «أليس» والتوأمان وشبح سيلفيا بلاث وشبح ابنها المنتحر».


«سطوح طهران»... الحب والصداقة في إيران السبعينات

«سطوح طهران»... الحب والصداقة في إيران السبعينات
TT

«سطوح طهران»... الحب والصداقة في إيران السبعينات

«سطوح طهران»... الحب والصداقة في إيران السبعينات

في لغة سلسة تجمع بين البساطة والعذوبة، ترصد رواية «سطوح طهران»، للكاتب مهبد سراجي، حقبة قلقة ومليئة بالتوتر السياسي والاجتماعي من تاريخ إيران في حقبة السبعينات، وتحديداً السنوات القليلة التي سبقت اندلاع الثورة على نظام الشاه، وإعلان ما سُمِّيت لاحقاً «الجمهورية الإسلامية».

ووصف النقاد الرواية الصادرة عن دار «الكرمة» بالقاهرة، بترجمة إيناس التركي، بأنها «من الروايات النادرة التي تبقى في ذاكراتك طويلاً بعد طي صفحتها الأخيرة؛ حيث تذكِّرنا بالخير والشر في الحياة، وبأن للفرح جانباً مؤلماً، وبأن الحب يأتي بأشكال متعددة».

كما اعتبرت مراجعات الصحف العالمية للعمل أننا إزاء نص مبهج، يثير التفكير عن الشجاعة والتضحية والصداقة والحب، كما يظهر دراما فقدان البراءة، ويكشف جانباً مجهولاً عن بلد بات غامضاً، ولا يفهمه إلا القليلون.

في هذه الرواية المؤثرة، يكشف المؤلف عن الجمال، والعنف أيضاً، مؤكداً في الوقت نفسه على المشاعر الإنسانية التي نتشاركها جميعاً.

تدور الأحداث في حي من أحياء الطبقة المتوسطة في طهران؛ حيث يقضي «باشا شاهد» البالغ من العمر سبعة عشر عاماً صيف 1973 على سطح منزله، مع صديقه المقرب «أحمد».

يتمازحان تارة، ويطرحان أسئلة ملحَّة عن الحياة تارة أخرى. يخفي «باشا» حباً سرياً لجارته الجميلة «زاري» المخطوبة منذ ولادتها لرجل آخر. وسرعان ما يتبدد نعيم الوقت المستباح الذي قضاه «باشا» و«زاري» معاً، عندما يساعد الأول من غير قصد شرطة الشاه السرية، فتصبح علاقته بحبيبته في مفترق طرق.

وُلد الكاتب الإيراني مَهبُد سِراجي عام 1956، وانتقل للعيش في الولايات المتحدة عام 1976 وهو في التاسعة عشرة من عمره. استكمل دراسته في جامعة أيوا؛ حيث نال درجة البكالوريوس في الهندسة المدنية، ثم الماجستير في مجال الإذاعة والسينما، وصولاً إلى درجة الدكتوراه في تصميم وتكنولوجيا التعليم.

يتخذ سِراجي حالياً من منطقة خليج سان فرانسيسكو مقراً لإقامته؛ حيث يعمل مستشاراً في مجال الإدارة.

ومن أجواء الرواية نقرأ:

«سمعتُ صوت شخص ينشد، وتدفقت الأبيات المتكررة كالماء على حافة ما أمتلكه من وعي:

لو أن لدي كتاباً، لقرأته.

لو أن لدي نشيداً، لغنيته.

نظرتُ حولي حتى رأيت رجلاً عجوزاً يقف على بعد أمتار قليلة ينشد بنبرة ثابتة جوفاء. لم يبدُ المكان مألوفاً بالنسبة إليَّ، فالرداء الأزرق الذي يغطي جسدي، والكرسي المتحرك الذي أجلس عليه، وأشعة الشمس التي تتسلل بين الظلال وتدفئني، كل هذا بدا غريباً:

لو أنني أعرف رقصة، لرقصتها.

لو أنني أعرف قافية، لرددتها.

لو أن لي حياة، لخاطرتُ.

لو أن بوسعي الحرية، لغامرتُ.

في الفناء بالخارج، يجول رجال من جميع الأشكال والأعمار مرتدين أردية زرقاء. كان هناك شيء غريب في كل واحد منهم؛ حيث بدوا تائهين. فجأة امتلأ صدري بموجة من المشاعر، واندفعت إلى حلقي، هُرعت نحوي ممرضة صغيرة ذات وجه لطيف ممتلئ يشبه التفاحة، ووضعت يديها على كتفي وصرخت قائلة:

ساعدوني هنا، ساعدوني!

هرع رجل يرتدي زياً أبيض وحاول أن يثبِّتني. صاحت ذات الوجه الشبيه بالتفاحة:

ابقَ في مقعدك يا عزيزي، ابقَ في مقعدك!

وهو ما يعني على الأرجح أنني كنت أتحرك، ركزتُ على الجلوس بثبات، ونظرتُ نحو الرجل العجوز في الجانب البعيد من الغرفة. أخذ يحدق إليَّ وهو يكرر ترنيمته على نحو محموم:

لو أن لدي حصاناً، لركبته.

لو أن لدي حصاناً، لركبته.

لو أن لدي حصاناً...

اصطحبوني إلى غرفة بها فراش، وقالت لي صاحبة الوجه الشبيه بالتفاحة:

سأعطيك مهدئاً ليجعلك تشعر بالتحسن يا عزيزي.

شعرتُ بوخز في ذراعي، وفجأة أصبح رأسي وذراعي ثقيلين بشكل لا يطاق، وانغلقت عيناي».