مندوب ليبيا: مجلس الأمن لن يتدخل حتى إذا احتل «داعش» ليبيا

التنظيم المتطرف يصعد جرائمه حرقًا وصلبًا لسكان سرت

جنود من الجيش الليبي يوفرون حماية لمتظاهرين في بنغازي أمس يدعون لتشكيل مجلس عسكري بقيادة الفريق أول خليفة حفتر وتتكون قوات المساندة من شباب بنغازي من قوات الاحتياط ومدنيين كانوا قد التحقوا بالقتال مع الجيش الوطني في حربه على الإرهاب (رويترز)
جنود من الجيش الليبي يوفرون حماية لمتظاهرين في بنغازي أمس يدعون لتشكيل مجلس عسكري بقيادة الفريق أول خليفة حفتر وتتكون قوات المساندة من شباب بنغازي من قوات الاحتياط ومدنيين كانوا قد التحقوا بالقتال مع الجيش الوطني في حربه على الإرهاب (رويترز)
TT

مندوب ليبيا: مجلس الأمن لن يتدخل حتى إذا احتل «داعش» ليبيا

جنود من الجيش الليبي يوفرون حماية لمتظاهرين في بنغازي أمس يدعون لتشكيل مجلس عسكري بقيادة الفريق أول خليفة حفتر وتتكون قوات المساندة من شباب بنغازي من قوات الاحتياط ومدنيين كانوا قد التحقوا بالقتال مع الجيش الوطني في حربه على الإرهاب (رويترز)
جنود من الجيش الليبي يوفرون حماية لمتظاهرين في بنغازي أمس يدعون لتشكيل مجلس عسكري بقيادة الفريق أول خليفة حفتر وتتكون قوات المساندة من شباب بنغازي من قوات الاحتياط ومدنيين كانوا قد التحقوا بالقتال مع الجيش الوطني في حربه على الإرهاب (رويترز)

وسط صمت دولي وعجز محلي عن مواجهة الأعمال الإرهابية التي يرتكبها تنظيم داعش في مدينة سرت الساحلية وسط ليبيا، واصلت عناصر التنظيم ارتكاب المزيد من الجرائم بحق سكان المدينة التي تعد مسقط رأس العقيد الراحل معمر القذافي.
وعلى الرغم من أن الحكومة الانتقالية التي يترأسها عبد الله الثني دعت، من مقرها المؤقت، في مدينة البيضاء شرق ليبيا، مجلس الأمن الدولي إلى التدخل الفوري لمنع ما وصفته بـ«المجازر الوحشية لتنظيم داعش في سرت، إلا أن إبراهيم الدباشي، مندوب ليبيا الدائم لدى الأمم المتحدة، أبدى أمس نظرة تشاؤمية حيال إمكانية تدخل مجلس الأمن لوقف ممارسات (داعش) في سرت التي تبعد نحو 450 كيلومترا شرق العاصمة الليبية طرابلس».
وقال الدباشي من مقره في مدينة نيويورك لـ«الشرق الأوسط» إن «موقف مجلس الأمن واضح، ولن يوافق على أي طلب لتسليح الجيش الليبي قبل تشكيل حكومة وفاق وطني حتى لو احتل (داعش) كل ليبيا وقطع رؤوس كل الليبيين». واعتبر الدباشي في المقابل أن «سرت ليست مشكلة مجلس الأمن بل مشكلة الليبيين والعرب والمسلمين». وأضاف: «مجلس الأمن شجع على مذبحة سرت، ويُعتبر مشاركًا فيها. وكل ليبي يحمل السلاح ولم يهب لحماية أهل سرت ويتصدى للخوارج يعتبر جبانا ومشاركا في الجريمة وعليه أن ينتظر دوره عندما يصل داعش إلى بيته».
من جهتها، أعلنت غرفة عمليات «فجر ليبيا» عن تجهيز الشحنات في ميناء مصراتة، لدعم ومساندة من وصفتهم بـ«الثوار» في ثلاث مدن دفعة واحدة، وهي سرت وبنغازي ودرنة، مشيرة إلى أن كتيبة عسكرية تابعة لجيش الحكومة الموازية في طرابلس تستعد لدخول سرت والقضاء على «داعش» وما تبقى من أنصار القذافي، على حد تعبيرها.
وقال سكان في المدينة إن الأسر تغادر سرت بينما يبحث مقاتلو «داعش» عمن لديهم أسلحة. كما أفادت شبكة «سرت» الإخبارية بأن داعش أعدم 73 شابا بينهم أطفال لا تتجاوز أعمارهم 14 سنة، منهم 70 من قبيلة الفرجان، و3 شباب سلفيين من قبيلة ورفلة، رميًا بالرصاص على شاطئ منطقة يبعد بـ17 كلم غرب مدينة سرت. كما أشارت إلى أن عناصر «داعش» أحرقوا الجثث، ولفتت إلى أنهم قطعوا خدمة الإنترنت في سرت بهدف إخفاء حقيقة ما يجري.
وكان التنظيم المتطرف قد أقدم على صلب 12 شخصا أغلبهم من الجماعة السلفية في سرت، وفصل رؤوسهم عن أجسادهم، فيما تواصلت المعارك بين عناصر التنظيم ومسلحين من المدينة، مما دفع بدار الإفتاء إلى الدعوة لحمل السلاح ومقاتلة المجموعة المتطرفة.
وطلبت دار الإفتاء من السلطات الحاكمة في طرابلس نصرة أهالي سرت، كما طالبت الليبيين القادرين على حمل السلاح بالاستنفار العام.
واندلعت الاشتباكات مع إعلان وزارة الدفاع في الحكومة التي تدير العاصمة طرابلس عن انطلاق «عملية تحرير سرت من التنظيم الإرهابي»، وبعد مقتل شيخ سلفي يدعى خالد الفرجاني على أيدي التنظيم المتطرف.
من جهتها، نددت بعثة الأمم المتحدة بالهجمات التي شنها عناصر «داعش»، ورأت في بيان لها أنه في الوقت الذي اجتمعت فيه الأطراف الليبية الرئيسية في جنيف لعقد جولة حوار بغية إيجاد تسوية للأزمة في البلاد وإرسال رسالة وحدة قوية، قامت الجماعة الإرهابية مرة أخرى بشن هجماتها من أجل فرض حكمها بالترويع والإرهاب.
وقالت البعثة إنها حذرت مرارًا وتكرارًا من خطر «داعش» المتزايد والتهديد الذي تشكله هذه الجماعة على وحدة البلاد وعلى جميع الليبيين بغض النظر عن انتماءاتهم، معتبرة أنه قد أن الأوان قد آن لكي ينبذ الليبيون خلافاتهم ويتضافروا لمواجهة آفة «داعش». كما طالبت البعثة الأطراف الليبية على إتمام الاتفاق السياسي بشكل عاجل وتشكيل حكومة وفاق وطني يكون بإمكانها، بالشراكة مع المجتمع الدولي، التصدي لتهديد «داعش»، ومعالجة غيره من التحديات التي تواجه البلاد. واعتبرت أن الإرهاب أصبح يشكل تهديدًا إقليميًا متخطيًا الحدود الوطنية، ومسببًا الكثير من المآسي للشعوب، كما أعربت عن إدانتها لجميع الأعمال الإرهابية بما فيها عملية خطف وقتل مواطن كرواتي في مصر.
إلى ذلك، قالت وكالة الأنباء الموالية للسلطات الشرعية إن قوات الجيش الليبي والقوة المساندة من جهاز مكافحة الإرهاب تمكنت من هزيمة الجماعات الإرهابية إلى ما بعد «شارع 10» بمحور الصابري في مدينة بنغازي شرق البلاد. ونقلت الوكالة عن الناطق باسم جهاز مكافحة الإرهاب وصول مدرعات للجيش، ودعم عسكري للقوات المرابطة بمحور عمارة بوعشرين، مشيرا إلى تحركات لدعم قوات الجيش الليبي التابعيين لكتيبة «309» بمنطقة الصابري.
وهاجم مسلحو «داعش» القوات الموالية للحكومة الرسمية، فيما قال سكان ومسعفون إنهم قتلوا تسعة جنود ودمروا دبابة وثلاث مركبات عسكرية. كما أُصيب سبعة جنود في الهجوم الذي وقع قرب الميناء التجاري المغلق منذ أكثر من عام بسبب القتال، بينما قصفت طائرة حربية مواقع تابعة لـ«داعش» بعد أن جلبت القوات الحكومية تعزيزات.
واتهم المتحدث باسم عملية «الكرامة» الرائد محمد حجازي مدينة مصراتة بمد العناصر الإرهابية بحي الصابري في بنغازي بتعزيزات عسكرية عن طريق البحر، مشيرا إلى أن الجيش رصد أربعة مراكب صيد بحماية فرقاطة تركية تقوم بدعم الجماعات الإرهابية الموجودة في الصابري بالسلاح والمقاتلين. وأوضح حجازي في مؤتمر صحافي عقده أمس في بنغازي، أن قوات الجيش تتقدم بجميع محاور بنغازي، وأنها تصدت لمحاولة تسلل من الإرهابيين إلى الصابري.
ووصف حجازي ما يحدث في سرت بأنه «انتفاضة شعبية» ضد الجماعات الإرهابية التي قامت بقصف وحرق وتصليب شباب المنطقة، موضحا أن المدينة تعاني من سيطرة الفرع الليبي لتنظيم داعش منذ فترة طويلة.
وتشهد ليبيا منذ سقوط نظام القذافي في 2011 فوضى أمنية ونزاعا على السلطة تسببا بانقسام البلاد الصيف الماضي بين سلطتين، حكومة وبرلمان معترف بهما دوليا في الشرق، وحكومة وبرلمان موازيان يديران العاصمة. ووفرت الفوضى الأمنية الناتجة عن النزاع موطئ قدم لجماعات متشددة في ليبيا بينها الفرع الليبي لتنظيم داعش الذي طرد في شهر يوليو (تموز) الماضي من مدينة درنة الواقعة في أقصى الشرق الليبي إثر معارك خاضها مع جماعات مسلحة محلية مناهضة.



حكومة الزنداني تؤدي اليمين وفي انتظارها ملفات مثقلة بالتحديات

وزراء حكومة الزنداني مع رئيس مجلس القيادة الرئاسي رشاد العليمي بعد أدائهم اليمين (سبأ)
وزراء حكومة الزنداني مع رئيس مجلس القيادة الرئاسي رشاد العليمي بعد أدائهم اليمين (سبأ)
TT

حكومة الزنداني تؤدي اليمين وفي انتظارها ملفات مثقلة بالتحديات

وزراء حكومة الزنداني مع رئيس مجلس القيادة الرئاسي رشاد العليمي بعد أدائهم اليمين (سبأ)
وزراء حكومة الزنداني مع رئيس مجلس القيادة الرئاسي رشاد العليمي بعد أدائهم اليمين (سبأ)

في مراسم بروتوكولية رسمية احتضنها مقر السفارة اليمنية في العاصمة السعودية الرياض، أدت الحكومة اليمنية الجديدة، برئاسة الدكتور شائع محسن الزنداني، الاثنين، اليمين الدستورية أمام رئيس مجلس القيادة الرئاسي رشاد العليمي، إيذاناً ببدء مهامها المثقلة بالتحديات المتشابكة أمنياً واقتصادياً وخدمياً.

وجاءت مراسم أداء اليمين تتويجاً لمسار مشاورات سياسية معقدة استغرقت نحو 3 أسابيع، عقب تكليف العليمي الزندانيَّ تشكيل الحكومة، وسط تجاذبات بين القوى السياسية والمكونات المنضوية في إطار مجلس القيادة الرئاسي.

واعتمد التشكيل الحكومي الجديد على معادلة «التوازنات الدقيقة»، التي فرضتها تعقيدات الواقع اليمني، حيث ضمت الحكومة 35 وزيراً، توزعوا وفق حسابات المحاصصة المناطقية والتمثيل السياسي. وسجلت المحافظات الجنوبية حضوراً لافتاً بـ20 حقيبة وزارية، مقابل 15 حقيبة للمحافظات الشمالية، في توزيع يعكس التحولات السياسية والواقع الميداني القائم.

رئيس الحكومة اليمنية شائع الزنداني يؤدي اليمين الدستورية (سبأ)

وبرزت محافظة حضرموت بوصفها ثقلاً اقتصادياً وجغرافياً مؤثراً في التشكيل، بحصولها على 6 حقائب وزارية؛ مما يعكس الرهان على دورها المحوري في دعم الاستقرار الاقتصادي والمالي خلال المرحلة المقبلة.

وعلى الصعيد السياسي، حافظت الحكومة على إشراك مختلف القوى الممثلة في مجلس القيادة الرئاسي، بمن فيهم محسوبون على المجلس الانتقالي الجنوبي المنحل، في مسعى لتعزيز وحدة القرار وتخفيف حدة الاستقطاب داخل معسكر الشرعية.

وفي حين ضم التشكيل 8 وزراء دولة، فإنه سجل حضوراً نسوياً بتكليف 3 نساء حقائب؛ هي: الشؤون القانونية، والتخطيط والتعاون الدولي، وشؤون المرأة، في خطوة لاقت ترحيباً محلياً ودولياً، بوصفها مؤشراً على التزام الحكومة تعزيز الحكم الشامل.

تحديات الداخل

وضمن مشهد التعقيدات والتوازنات التي واجهت التشكيل الحكومي، احتفظ رئيس الوزراء شائع الزنداني بحقيبة الخارجية وشؤون المغتربين، في محاولة لضمان استمرارية التحرك الدبلوماسي اليمني والحفاظ على زخم التواصل مع المجتمع الدولي والشركاء الإقليميين.

وفي حين غاب عن مراسم أداء اليمين وزير التعليم العالي والبحث العلمي، وهو محسوب على «التنظيم الوحدوي الشعبي الناصري»؛ لأسباب غير معلنة، يرى مراقبون أن التحدي الأول أمام الحكومة يتمثل في ضرورة مباشرة مهامها من الداخل، في ظل مطالب شعبية متصاعدة بعودة مؤسسات الدولة إلى عدن وتفعيل حضورها على الأرض.

الحكومة اليمنية الجديدة ضمت 3 حقائب للنساء بعد سنوات من التهميش (سبأ)

وتواجه حكومة الزنداني تركة ثقيلة من الأزمات المتراكمة، يتصدرها الملف الاقتصادي، في ظل تدهور سعر الصرف، وتوقف تصدير النفط، وتراجع الإيرادات العامة، إضافة إلى أزمات الخدمات الأساسية، وعلى رأسها الكهرباء والمياه، التي باتت تمس الحياة اليومية للمواطنين.

ولا يقل الملف الأمني أهمية؛ إذ تتطلع الأوساط السياسية إلى توحيد الأجهزة العسكرية والأمنية تحت مظلتَيْ وزارتَيْ الدفاع والداخلية، بما يعزز الاستقرار ويحد من مظاهر الانفلات والتعددية الأمنية.

وتُوصف حكومة الزنداني بأنها «حكومة الفرصة الأخيرة» لوقف التدهور المعيشي، في ظل آمال معلقة على انتقالها من سياسة إدارة الأزمات إلى معالجتها جذرياً، وهو ما يتطلب انسجاماً سياسياً داخلياً ودعماً إقليمياً ودولياً مستداماً.

ترحيب دولي

وفي هذا السياق، رحب المبعوث الخاص للأمم المتحدة إلى اليمن، هانس غروندبرغ، بتشكيل الحكومة اليمنية الجديدة برئاسة رئيس الوزراء شائع الزنداني، مشيراً إلى أن هذا التطور يأتي في وقت تشتد فيه الحاجة إلى بذل جهود متجددة للنهوض بعملية سياسية شاملة بقيادة اليمنيين، ولمعالجة التحديات السياسية والاقتصادية والأمنية التي تواجه اليمن، والاستجابة لأولويات الشعب اليمني.

كما رحب المبعوث الخاص غروندبرغ أيضاً بعودة النساء إلى مجلس الوزراء اليمني، بوصفها خطوة مهمة نحو تعزيز الحكم الشامل ودعم عملية صنع القرار.

وقال المبعوث الأممي في بيان: «من المهم أن يُسمح للحكومة المشكّلة حديثاً بأداء عملها في بيئة بنّاءة لتحقيق الاستقرار، وتخفيف معاناة الشعب اليمني، والمساعدة في تهيئة الظروف المواتية لسلام دائم».

وأفاد غروندبرغ بأنه سيواصل انخراطه مع الأطراف اليمنية والإقليمية لدعم الجهود الرامية إلى تعزيز الحوار وخفض التصعيد.

من جهتها، هنأت السفارة الأميركية لدى اليمن بتشكيل الحكومة الجديدة، وقالت في بيان إن «هذا التحول يعدّ فرصةً سانحة لتعزيز الاستقرار وتثبيت دعائم الحوكمة الفاعلة».

وأكد البيان تطلع واشنطن للتعاون مع حكومة ذات كفاءة وشاملة للتنوع الجغرافي، تُشرك النساء والشباب بفاعلية، بوصفهم عنصراً أساسياً في بناء الدولة وتلبية احتياجات المجتمع.

وأضاف: «أصبح الفرق بين نهج الدولة الذي تمثله الحكومة وبين جماعة الحوثي الإرهابية واضحاً تماماً اليوم. نجدد تأكيدنا على الوقوف بجانب الشعب اليمني في سعيه نحو غد أكثر أمناً وازدهاراً».

من جانبه، رحب «الاتحاد الأوروبي» بإعلان تشكيل الحكومة اليمنية الجديدة في خطوة نحو العمل على استقرار الوضع وتحسين تقديم الخدمات والمضي في الإصلاحات المطلوبة، وقال في تغريدة على منصة «إكس»: «يُعدّ (إشمال) المرأة وشخصيات شابة عنصراً أساسياً يظهر الالتزام الواضح بالشمول والتنوع».

في السياق نفسه، أكدت السفيرة البريطانية لدى اليمن، عبدَة شريف، التزام لندن الراسخ العمل مع الحكومة اليمنية لتعزيز الأمن والاستقرار والازدهار للشعب اليمني. كما رحبت بـ«شدة» بتقلد كفاءات نسائية مناصب وزارية رفيعة؛ وقالت إن «الحكومة الشاملة هي الركيزة الأساسية لسلام واستقرار مستدام».

Cannot check text—confirm privacy policy first


الحوثيون حوّلوا رمضان المبارك ضيفاً ثقيلاً على اليمنيين

مشاهد الفقر والكساد تطغى على الأسواق في مناطق سيطرة الحوثيين قبيل حلول رمضان المبارك (إعلام محلي)
مشاهد الفقر والكساد تطغى على الأسواق في مناطق سيطرة الحوثيين قبيل حلول رمضان المبارك (إعلام محلي)
TT

الحوثيون حوّلوا رمضان المبارك ضيفاً ثقيلاً على اليمنيين

مشاهد الفقر والكساد تطغى على الأسواق في مناطق سيطرة الحوثيين قبيل حلول رمضان المبارك (إعلام محلي)
مشاهد الفقر والكساد تطغى على الأسواق في مناطق سيطرة الحوثيين قبيل حلول رمضان المبارك (إعلام محلي)

في واقعٍ مثقل بالفقر والعوز، يستقبل ملايين اليمنيين في مناطق سيطرة الجماعة الحوثية شهر رمضان هذا العام وهم عاجزون عن توفير أبسط متطلبات هذه المناسبة الدينية، التي لطالما تميزت بطقوسها الخاصة ومأكولاتها المتنوعة.

وحوّل الحوثيون رمضانَ ضيفاً ثقيلاً على غالبية الأسر، في ظل انعدام الأمن الغذائي، وتوقف المرتبات، وغياب المساعدات الإنسانية التي كانت تمثل شريان حياة لملايين السكان.

وتفاقمت هذه المعاناة مع مغادرة عدد من منظمات الأمم المتحدة المناطق الخاضعة لسيطرة الحوثيين، وتوقف برامجها الإغاثية، عقب مداهمة الجماعة مكاتبها واعتقال العشرات من العاملين فيها. ووفق تقديرات منظمات إغاثية، فإن نحو 13 مليون شخص في تلك المناطق يعيشون اليوم على حافة الجوع، في واحدة من أسوأ الأزمات الإنسانية التي يشهدها اليمن منذ سنوات.

الحوثيون متهمون برعاية الانفلات الأمني في إب لمنع أي انتفاضة شعبية (إعلام محلي)

عبد الرحمن، وهو موظف في شركة محلية بمحافظة إب (193 كيلومتراً جنوب صنعاء)، يصف لـ«الشرق الأوسط» الأوضاع؛ قبل أيام من دخول شهر رمضان المبارك، بأنها «مأساوية بكل المقاييس». ويؤكد أن الغالبية المطلقة من سكان المحافظة باتت عاجزة عن توفير الاحتياجات الغذائية الأساسية، واضطرت إلى تقليص عدد الوجبات اليومية إلى الحد الأدنى.

ويعزو عبد الرحمن هذا الوضع إلى «قطع الحوثيين مرتبات عشرات آلاف الموظفين منذ 8 أعوام، إضافة إلى توقف الأنشطة الاقتصادية وشلل سوق العمل، إلى جانب انقطاع المساعدات الإنسانية التي كانت تقدمها الأمم المتحدة خلال السنوات الماضية». ويقول إن «البؤس يعلو وجوه المتسوقين في أسواق عاصمة المحافظة، في مشهد يناقض تماماً أجواء الفرح التي اعتادها اليمنيون مع قدوم رمضان».

أسواق خالية

ولا تختلف الحال كثيراً في العاصمة اليمنية المختطفة صنعاء، حيث أعلنت الجماعة الحوثية قبل أيام صرف نصف راتب عن نهاية العام الماضي لبعض الموظفين العموميين، وبواقع نحو 50 دولاراً فقط، بمناسبة حلول الشهر الفضيل. إلا إن هذا المبلغ، وفق شكاوى الموظفين، لا يغطي حتى جزءاً يسيراً من متطلبات المعيشة.

وتبدو أسواق صنعاء خالية من الزحام المعتاد الذي كانت تشهده في مثل هذه الأيام من كل عام؛ إذ انعكست حالة الفقر والعوز على القدرة الشرائية للسكان، ودفع ذلك بهم إلى الاكتفاء بشراء الضرورات القصوى، في ظل ارتفاع الأسعار وتراجع الدخل إلى مستويات غير مسبوقة.

منصور، وهو معلم يقيم في صنعاء، يقول إنه تسلم نصف راتب، لكنه لا يكفي حتى لتسديد إيجار المنزل. ويضيف في حديثه لـ«الشرق الأوسط»: «الحديث عن شراء احتياجات رمضان أصبح نوعاً من الترف لا يعرفه إلا القليل من الميسورين. نحن وغالبية الناس نبحث فقط عما يسد جوعنا وجوع أطفالنا».

ملايين اليمنيين في مناطق سيطرة الحوثيين يعانون انعدام الأمن الغذائي (إعلام محلي)

ويشير منصور إلى أن «المساعدات الغذائية التي كانت تقدمها الأمم المتحدة والمنظمات الدولية خلال الأعوام الماضية، كانت توفر الحد الأدنى من الأمن الغذائي لكثير من الأسر، وتمنحها فرصة شراء بعض متطلبات رمضان، بما فيها الحلويات التقليدية».

ازدياد الفقراء

ومع انقطاع هذه المساعدات الأممية بشكل كامل، انضم آلاف الأسر إلى قوائم الفقراء الباحثين عمّا يسد رمقهم، فيما باتت أسر أخرى تعيش على الخبز والشاي، أو اضطرت إلى التسول في الشوارع وأمام المطاعم ومحال البقالة.

وفي سياق متصل، شكا الصحافي حسن الوريث، الذي كان في السابق من مؤيدي الحوثيين، من تعرضه لمضايقات وضغوط متواصلة بسبب مواقفه المنتقدة للفساد. واتهم جهات نافذة بالسعي إلى إسكاته ومنعه من أداء دوره المهني، مشيراً إلى أن تلك الضغوط تنوعت بين التهديد المباشر، والإقصاء، ومحاربته في مصدر رزقه.

وأكد الوريث عزمه على الاستمرار في الكشف عن الفساد، محذراً من انهيار شامل في حال عدم التصدي لما وصفها بـ«منظومة الفساد ومراكز النفوذ»، داعياً إلى «حماية الصحافيين والإعلاميين في مناطق سيطرة الحوثيين الذين يؤدون واجبهم المهني بصدق، رغم المخاطر».

Cannot check text—confirm privacy policy first


إهمال حوثي يهدد حياة السكان في صنعاء

شارع في صنعاء تغمره مياه المجاري جراء انسداد شبكة التصريف (الشرق الأوسط)
شارع في صنعاء تغمره مياه المجاري جراء انسداد شبكة التصريف (الشرق الأوسط)
TT

إهمال حوثي يهدد حياة السكان في صنعاء

شارع في صنعاء تغمره مياه المجاري جراء انسداد شبكة التصريف (الشرق الأوسط)
شارع في صنعاء تغمره مياه المجاري جراء انسداد شبكة التصريف (الشرق الأوسط)

تعيش العاصمة اليمنية المختطَفة صنعاء، ومدن أخرى خاضعة لسيطرة الجماعة الحوثية، على وقع تدهور خِدمي متسارع يُهدد حياة السكان بشكل مباشر، مع تفاقم أخطار أعمدة الكهرباء المُتهالكة، واستمرار طفح مياه الصرف الصحي في الأحياء السكنية، في مشهد يعكس حجم الإهمال المزمن وتقاعس الجهات المعنية عن القيام بأبسط واجباتها تجاه السلامة العامة، خصوصاً مع اقتراب شهر رمضان.

مصادر محلية مُطلعة كشفت، لـ«الشرق الأوسط»، عن وجود مئات من أعمدة الكهرباء الخشبية المتهالكة في صنعاء وضواحيها، يعود تركيب بعضها إلى عقود مضت، وهي، اليوم، مائلة أو متشققة القواعد، وتتدلى منها أسلاك مكشوفة، ما يُشكل تهديداً مباشراً للمارّة، ولا سيما الأطفال وطلبة المدارس، في ظل غياب أي أعمال صيانة أو استبدال حقيقية.

وأوضحت المصادر أن معظم هذه الأعمدة تُستخدم حالياً في شبكات توزيع الكهرباء التجارية، في ظل الانقطاع شبه الكامل للكهرباء الحكومية منذ سنوات، ما أدى إلى زيادة الأحمال الكهربائية بصورة تفوق قدرتها على التحمل، وسط تمديدات عشوائية وأسلاك مُتشابكة تُنذر بكوارث وشيكة.

عمود كهرباء سقط في حي بصنعاء وسارع السكان إلى إعادة إصلاحه (الشرق الأوسط)

ورغم البلاغات المتكررة التي تقدَّم بها مواطنون للسلطات الحوثية، فإن الجماعة، وفق المصادر، تُواصل تجاهلها المتعمد لهذه الشكاوى، مكتفية بطلب تبرعات من السكان لإجراء إصلاحات محدودة، دون أي تحرك رسمي لمعالجة الخطر أو وضع حلول إسعافية تقلل حجم المخاطر.

يقول أحمد الهمداني، وهو صاحب محل تجاري في حي التحرير، إن سقوط أي عمود كهرباء بات «مسألة وقت لا أكثر»، مؤكداً أن الأعمدة لم تخضع، منذ سنوات، لأي صيانة، وأن انهيار أحدها قد يؤدي إلى كارثة إنسانية، خاصة في الأحياء ذات الكثافة السكانية العالية.

المياه الآسنة

بالتوازي مع هذا الخطر، يعيش سكان صنعاء في ظل أوضاع بيئية وصحية متدهورة، مع تصاعد ظاهرة طفح مياه الصرف الصحي في عدد من المديريات، وتجمعات المياه الآسنة، ما حوّل شوارع وأزقّة كاملة إلى بؤر للتلوث، وسط روائح كريهة وانتشار للحشرات، وتهديد مباشر للصحة العامة.

صورة تُظهر تردي شبكة الصرف الصحي في صنعاء (الشرق الأوسط)

سياسة ممنهجة

ويرى مراقبون أن هذا التدهور يعكس سياسة حوثية ممنهجة لإهمال البنية التحتية، مقابل توجيه الموارد والإيرادات العامة نحو المجهود الحربي والمصالح الخاصة، في ظل غياب الرقابة والمحاسبة، وافتقار المؤسسات الخاضعة لسيطرة الحوثيين لأدنى معايير السلامة والمسؤولية.

ويُحذر مختصون في السلامة العامة من أن استمرار تهالك أعمدة الكهرباء قد يؤدي إلى حوادث صعق أو انهيارات مُميتة، بينما يؤكد أطباء ومختصون صحيون أن طفح مياه الصرف الصحي يُشكل بيئة خصبة لانتشار الأوبئة، مثل الكوليرا والإسهالات المائية الحادة وأمراض الجلد والجهاز التنفسي.

عنصر حوثي أثناء تفقُّده عداداً كهربائياً في صنعاء (إعلام حوثي)

وتشير تقديرات محلية إلى أن أكثر من 68 في المائة من أعمدة الكهرباء في صنعاء، خصوصاً في الأحياء القديمة، باتت متهالكة، في حين سجلت صنعاء وضواحيها، خلال الفترة الأخيرة، أكثر من 23 حادثة سقوط أو انكسار أعمدة، تسببت بوقوع وفيات وإصابات.

ويُجمع خبراء بيئيون وإداريون على أن استمرار هذا الإهمال ينذر بمضاعفة الكلفة الإنسانية والصحية مستقبلاً، مؤكدين أن معالجة هذه الأزمات تتطلب تحركاً عاجلاً ومسؤولاً، يضع سلامة المواطنين وحقهم في بيئة صحية وحياة كريمة في صدارة الأولويات.