مصر ترد بقوة على تقرير لـ«سي إن إن» حول الأوضاع الأمنية و{الرهينة الكرواتي}

وزيرة الخارجية الكرواتية تؤكد أن خاطفيه طلبوا «فدية مالية» قبل مهلة «مبادلته بسجينات»

مصر ترد بقوة على تقرير لـ«سي إن إن» حول الأوضاع الأمنية و{الرهينة الكرواتي}
TT

مصر ترد بقوة على تقرير لـ«سي إن إن» حول الأوضاع الأمنية و{الرهينة الكرواتي}

مصر ترد بقوة على تقرير لـ«سي إن إن» حول الأوضاع الأمنية و{الرهينة الكرواتي}

قالت وزارة الخارجية المصرية، أمس، تعليقًا على تقرير نشرته شبكة «سي إن إن» الإخبارية (أول من أمس/ الخميس) حول الأوضاع الأمنية في مصر، في أعقاب ما تردد عن مقتل الرهينة الكرواتي «إنه يفتقر لأدنى درجات الموضوعية والحيادية شاملاً معلومات خاطئة ومغلوطة».
في حين فجرت وزيرة الخارجية الكرواتية فيسنا بوسيتش مفاجأة جديدة في القضية، وقالت إن «فدية طُلبت» في البداية للإفراج عن الكرواتي الذي خُطف في مصر في يوليو (تموز)، وأعلن تنظيم داعش قبل يومين أنه أعدمه بقطع الرأس.
وفي سياق متصل، ما زالت أجهزة الأمن المصرية تحاول الوصول إلى مرتكبي الجريمة، في وقت تزايدت فيه فرصة صحة «الفرضية» التي روجت لها مصادر وخبراء أمنيون من أن عملية ذبح الرهينة الكرواتي قد تمت في ليبيا خارج الحدود المصرية.
إلى ذلك، قام وزير الدفاع المصري يرافقه وزير الداخلية بزيارة إلى سيناء، تفقدا خلالها عناصر القوات المسلحة والشرطة المدنية المتمركزة بشمال سيناء، حيث قاما بالاطمئنان على الأحوال الإدارية والمعنوية لقوات التأمين، وذلك بحسب بيان للقوات المسلحة، أمس (الجمعة).
وأكد أحمد أبو زيد المتحدث الرسمي باسم الخارجية المصرية في بيان أرسلته مصر لـ«سي إن إن»، وحصلت «الشرق الأوسط» على نسخة منه، أن «التقرير ادعى انتشار الفوضى والإرهاب وغياب سلطة الدولة في مصر بصورة تدعو إلى السخرية وتبتعد كل البعد عن الموضوعية والمهنية والصدق».
وجاء تعقيب الخارجية ليفند كل ما تضمنه تقرير الشبكة الإخبارية من أن سيناء منطقة خارجة عن القانون وسلطة الدولة، وأن الحكومة المصرية فشلت في تنفيذ وعودها بالقضاء على الإرهاب، وأن وجود ما يسمى بتنظيم داعش الإرهابي في مصر أصبح الأقوى بعد مثيليه في العراق وسوريا، حيث أكد أبو زيد على أن المناطق التي تشهد عمليات إرهابية في سيناء لا تتجاوز 5 في المائة من مساحة شبه جزيرة سيناء الآمنة تمامًا وينعم السائحون الأجانب بكل أشكال الأمن والسلامة في منتجعاتها السياحية.
وأبدى المتحدث الرسمي باسم الخارجية اندهاشه واستنكاره لمحاولات استغلال حادث اختطاف الرهينة الكرواتي للترويج لغياب سلطة الدولة في مصر، في الوقت الذي لم يتم التعامل به بالمنطق نفسه مع أحداث مماثلة في مجتمعات غربية، مثل حادث «(شارلي إيبدو) في فرنسا، و(تفجيرات بوسطن) بالولايات المتحدة، التي لم يتم الترويج وقتها لغياب سلطة الدولة في فرنسا أو الولايات المتحدة»، مؤكدًا على أن الاهتمام الدولي بمثل تلك الأحداث لا ينبغي أن يفرق بين جنسية الضحايا إذ إن لون «الدم» واحد لدى جميع الأجناس.
واختتمت الخارجية تعقيبها بأنه «من المؤسف أن شبكة (سي إن إن) اختارت أن تسلط الضوء على الضحية بدلا من الجناة في هذا التوقيت شديد الحساسية، الذي تخوض فيه مصر مواجهة شاملة ضد الإرهاب على جميع المستويات الرسمية والشعبية والفكرية والدينية».
إلى ذلك، قالت وزيرة الخارجية الكرواتية في مؤتمر صحافي إن «منظمتين متورطتان في خطف توميسلاف سالوبيك الذي كان يعمل لحساب شركة (ارديسيس) التابعة للشركة العامة للجيوفيزياء (سي جي جي) الفرنسية»، مشيرة إلى أن إحداهما تعتقد أنها «ولاية سيناء الموالية لتنظيم داعش، والثانية عصابة لصوص طلبت فدية من الشركة».
وأكدت أن الكرواتي خُطف في 20 يوليو، وبعد ثمانية أيام طُلب مبلغ مالي للإفراج عنه، لكن الخاطفين لم يتصلوا مجددا حتى الخامس من أغسطس (آب)؛ يوم بث شريط الفيديو، وأضافت الوزيرة أنه لم يتم طلب فدية مجددا بعد بث الفيديو، وأن الشرط الذي فرضه الخاطفون للإفراج عنه «غير محدد»، واختتمت: «لقد تغير الوضع تماما. لم تعد مسألة مال، وتغيرت المطالب».
وأكدت السلطات الكرواتية أن عمليات البحث عن الرهينة لا تزال جارية بالتعاون مع السلطات المصرية، وقالت: «حاليا لا يمكننا تأكيد أن الجثة التي عُرضت تعود لتوميسلاف سالوبيك، وسنواصل البحث عنه ما دام هناك إمكانية لأن يكون حيًا».
وقال متخصصون في شؤون التنظيمات المتطرفة لـ«الشرق الأوسط»: «التحول النوعي للجماعات الإرهابية في مصر باختطاف رهائن وذبحهم، يهدف إلى إحداث صدى دولي قوي، ليظهر هذه التنظيمات بحجم أكبر مما هي عليه».
وأجرى قبل يومين وزير الخارجية المصري سامح شكري اتصالا هاتفيا مع نظيرته الكرواتية فيسنا بوسيتش، وأبلغها أن أجهزة الأمن المصرية لم ترد لها معلومات مؤكدة حتى الآن حول ما تم تداوله بشأن مقتل الرهينة الكرواتي، مضيفا أن إجراءات البحث عن الخاطفين لا تزال جارية، وذلك حسبما جاء في بيان للخارجية المصرية أول من أمس (الخميس).
وكانت إذاعة تابعة لتنظيم داعش على الإنترنت، قد أكدت أول من أمس أن جماعة تنظيم أنصار بيت المقدس الموالية له في مصر قتلت رهينة كرواتيا، وذلك بعد نشر صورة لجثة مقطوعة الرأس قيل إنها للكرواتي المخطوف في مصر.
وأكد خبراء أمنيون لـ«الشرق الأوسط» استحالة تنفيذ الإعدام على أراضٍ مصرية، ورجحوا أن يكون ذلك قد تم داخل الحدود الليبية، وأكدوا أن بعض الأجهزة الأمنية المصرية تقوم بجهد بحثي وتحليلي لمعرفة مزيد من التفاصيل.
وخطف توميسلاف سالوبيك البالغ من العمر 31 عاما، وهو أب لطفلين ويعمل في شركة فرنسية لاستكشاف طبقات الأرض، في 22 يوليو الماضي بمدينة السادس من أكتوبر بمحافظة الجيزة (22 كلم جنوب غربي العاصمة القاهرة)، وانتهت الجمعة الماضي مهلة مدتها 48 ساعة حددها التنظيم المتطرف «ولاية سينا - داعش مصر» لإعدامه، إذا لم يتم إطلاق سراح «نساء مسلمات» معتقلات في مصر.
وتظهر الصورة التي بُثت على الإنترنت الأربعاء الماضي، رأس الكرواتي وقد قطع ووضع فوق جسد وسال منه الدم بغزارة على الرمال حوله، ونصب خلفه راية سوداء لتنظيم داعش، ووضعت إلى جواره السكين التي استخدمت على ما يبدو في ذبحه، وكتب على الصورة «قتل الأسير الكرواتي (المشاركة بلاده في الحرب على داعش) بعد انقضاء المهلة وتخلي الحكومة المصرية وبلاده عنه». وألصقت بها صورتان لخبرين يتحدث أحدهما عن دعم الحكومة الكرواتية لجهود مصر في مكافحة الإرهاب والتطرف، ويتحدث الآخر عن دعم كرواتيا لإقليم كردستان العراق.
وهذه أول مرة يعلن فيها «داعش مصر» خطف رهينة غربي ويعرض شريطا مصورا له، و«ولاية سيناء» أخطر الجماعات الإرهابية في مصر، وقتلت المئات من رجال الجيش والشرطة في سيناء، كما أعلنت مسؤوليتها عن هجمات أخرى خارج نطاق سيناء.
ويثير إقدام تنظيم داعش على قتل الكرواتي مخاوف من تراجع إقبال السياح والمستثمرين الأجانب، غير أنه في المقابل يعزز دور مصر الذي تطرح نفسها فيه، وهو دور التصدي للحركات المتطرفة، فارتكاب هذا العمل الإجرامي البشع يؤدي إلى تعزيز مبررات سياسات بعض الدول الغربية، مثل الولايات المتحدة وفرنسا، بغض الطرف عن تراجع حقوق الإنسان في مصر (وفقا لما تردده بعض الأصوات في هذه الدول)، والاستمرار في بيع الأسلحة للنظام المصري دعما له في حربه الشرسة ضد الإرهاب.
لكن يبدو أن الفرع المصري لتنظيم داعش غير استراتيجيته في حربه ضد نظام الحكم في مصر. فبعد عامين من شن هجمات دامية ضد قوات الأمن في معقله في شمال سيناء، يتبنى التنظيم المتطرف الآن تكتيكات أشبه بتلك التي ينتهجها التنظيم في العراق وسوريا، مثل خطف أجانب وقطع رؤوسهم.
وقال خبراء في التنظيمات المتطرفة لـ«الشرق الأوسط»: «إن الرغبة واضحة لدى العائدين من الخارج والمنضمين للفرع المصري لداعش، على إجهاض النظام المصري واستنزافه بكل الطرق، وهو ما وضح على سبيل المثال في عملية تفجير سيارة مفخخة أمام القنصلية الإيطالية في القاهرة في 11 يوليو 2015، وهو ما سيعطي رسائل سلبية للأجانب في مصر وخارجها».
وبحسب وكالة الصحافة الفرنسية، فإن الهجمات الإرهابية الأخيرة جعلت السفارات والشركات تعزز تدابير الحماية المحيطة بها وأماكن إقامة موظفيها والموظفين العاملين في قطاع النفط على وجه الخصوص، وقال مسؤولون في هذه السفارات إنه منذ إعلان مقتل سالوبيك يتلقون مكالمات هاتفية كثيرة من شركات أجنبية تطلب نصائح، أو تسأل عن أي تعليمات أمنية جديدة.
وتفادت مصر حدوث مذبحة كبيرة في 10 يونيو (حزيران) الماضي في معبد الكرنك الشهير، عندما حاول مسلحون القيام بهجوم على السائحين في المعبد، وقام أحدهم بتفجير الحزام الناسف الذي كان يحمله، فيما قتلت الشرطة مهاجما آخر وأصابت ثالثا بإصابات بالغة. وقد زار عشرة ملايين سائح مصر في عام 2014، أي أقل بكثير من عام 2010، حيث زارها نحو 15 مليون سائح.
وتفقد، أمس، وزير الدفاع المصري الفريق أول صدقي صبحي يرافقه اللواء مجدي عبد الغفار وزير الداخلية، عناصر القوات المسلحة والشرطة المدنية المتمركزة بشمال سيناء، وتفقد الوزيران أعمال التجهيز الهندسي لعدد من الكمائن والنقاط الأمنية على الطرق والمحاور الرئيسية بسيناء. وأشاد الوزير بالدور الوطني لشيوخ و«عوائل» وأهالي سيناء وجهودهم المستمرة لدعم القوات المسلحة ومعاونتها في فرض السيطرة الأمنية وضبط الكثير من العناصر التكفيرية.



تصعيد الحوثيين يُهدد واردات اليمن ويعمق الأزمة الإنسانية

تعطل الملاحة يهدد تدفق الواردات إلى اليمن (إعلام محلي)
تعطل الملاحة يهدد تدفق الواردات إلى اليمن (إعلام محلي)
TT

تصعيد الحوثيين يُهدد واردات اليمن ويعمق الأزمة الإنسانية

تعطل الملاحة يهدد تدفق الواردات إلى اليمن (إعلام محلي)
تعطل الملاحة يهدد تدفق الواردات إلى اليمن (إعلام محلي)

تتزايد المخاوف من تفاقم الأزمة الإنسانية في اليمن مع عودة التصعيد العسكري للحوثيين، بالتزامن مع تداعيات استئناف الحرب على إيران، التي بدأت تلقي بظلالها على حركة التجارة وإمدادات السلع إلى البلاد، في وقت حذّرت فيه الأمم المتحدة من اتساع رقعة الجوع وتراجع قدرة وكالات الإغاثة على الاستجابة بسبب النقص الحاد في التمويل.

وقالت مصادر حكومية وأخرى تجارية لـ«الشرق الأوسط» إن موردي السلع يواجهون صعوبات متزايدة في إيصال الشحنات إلى البلاد، مع استمرار الاضطرابات التي تشهدها حركة الملاحة في المنطقة.

وأوضحت المصادر أن مئات الحاويات لا تزال عالقة في موانئ إقليمية منذ أشهر نتيجة تعطل خطوط الشحن المرتبطة بمضيق هرمز، في حين تتصاعد المخاوف من تأخر وصول شحنات جديدة وارتفاع إضافي في تكاليف النقل.

وينعكس هذا الوضع مباشرة على أسعار السلع، في بلد يعتمد على الاستيراد لتأمين نحو 90 في المائة من احتياجاته الغذائية، في وقت يعاني فيه السكان أصلاً تراجع القدرة الشرائية وانهيار العملة وارتفاع معدلات الفقر.

الحوثيون يصعّدون رغم التحذيرات الدولية من تفاقم الأزمة الإنسانية (إعلام محلي)

ووفق المصادر، ارتفعت أسعار عدد من السلع الأساسية خلال الجولة الأولى من الحرب بأكثر من 20 في المائة، في حين كانت الزيادات أكبر في مناطق سيطرة الحوثيين، بعد فرض الجماعة رسوماً جمركية مرتفعة على شحنات القمح والدقيق الواردة عبر الموانئ الخاضعة للحكومة، تجاوزت 100 في المائة، ما أدى إلى زيادة أسعار الدقيق، وهو الغذاء الرئيسي لمعظم السكان، ولا سيما في المحافظات الجبلية.

تحذيرات أممية

وتأتي هذه التطورات بينما تؤكد الأمم المتحدة أن اليمن لا يزال يواجه واحدة من أسوأ الأزمات الإنسانية في العالم، في ظل استمرار الصراع وتدهور الأوضاع الاقتصادية واتساع انعدام الأمن الغذائي.

ووفق تقرير أممي حديث، فإن استمرار النزاع، وتراجع التمويل، وتدهور البنية التحتية، وارتفاع تكلفة الواردات، عوامل تدفع ملايين اليمنيين نحو مستويات أشد من الفقر والجوع، ما لم تتوفر موارد إضافية تضمن استمرار برامج الإغاثة.

وأشار التقرير إلى أن 18.3 مليون شخص يعانون انعداماً حاداً في الأمن الغذائي، مع توقع انتقال مزيد من المديريات إلى مرحلة الطوارئ الغذائية، ووصول بعض المناطق إلى مستويات كارثية من الجوع.

كما أوضح أن 22.3 مليون شخص -يمثلون أكثر من ثلثي سكان اليمن- سيحتاجون إلى مساعدات إنسانية وخدمات حماية خلال العام الحالي، بينهم 5.2 مليون نازح داخلياً، إضافة إلى المهاجرين واللاجئين وطالبي اللجوء.

تمويل متراجع

وحذّرت الأمم المتحدة من أن الاستجابة الإنسانية في اليمن تواجه أزمة تمويل غير مسبوقة، إذ لم يتجاوز ما جرى توفيره حتى نهاية مايو (أيار) 12.7 في المائة من إجمالي 2.16 مليار دولار تحتاج إليها خطة الاستجابة الإنسانية لعام 2026، الأمر الذي دفع وكالات الإغاثة إلى تقليص برامجها وحصر تدخلاتها بالحالات الأشد احتياجاً.

الأطفال والنساء يظلون الأكثر تضرراً من سوء التغذية في اليمن (الأمم المتحدة)

وأكد التقرير أن الأطفال والنساء يظلون الفئة الأكثر تضرراً في اليمن، مع توقع إصابة 2.2 مليون طفل دون الخامسة بسوء التغذية الحاد، بينهم أكثر من 500 ألف يعانون سوء التغذية الوخيم، إلى جانب 1.3 مليون امرأة حامل ومرضعة معرضات لسوء التغذية.

وأضاف التقرير الأممي أن نحو 40 في المائة من المرافق الصحية في اليمن أصبحت خارج الخدمة كلياً أو جزئياً، في وقت يزيد فيه استمرار تفشي الكوليرا والحصبة والدفتيريا، إلى جانب تدهور خدمات المياه والصرف الصحي، من احتمالات وقوع أزمات صحية واسعة، في حين يحتاج 14.4 مليون شخص إلى خدمات المياه والإصحاح البيئي.


العاصمة المصرية الجديدة... زخم رسمي وإشغال لا يزال محدوداً

«مونوريل» شرق النيل يسير بجوار مبانٍ شاهقة داخل العاصمة المصرية الجديدة (وزارة النقل المصرية)
«مونوريل» شرق النيل يسير بجوار مبانٍ شاهقة داخل العاصمة المصرية الجديدة (وزارة النقل المصرية)
TT

العاصمة المصرية الجديدة... زخم رسمي وإشغال لا يزال محدوداً

«مونوريل» شرق النيل يسير بجوار مبانٍ شاهقة داخل العاصمة المصرية الجديدة (وزارة النقل المصرية)
«مونوريل» شرق النيل يسير بجوار مبانٍ شاهقة داخل العاصمة المصرية الجديدة (وزارة النقل المصرية)

يوماً بعد يوم، تكتسب العاصمة المصرية الجديدة زخماً سياسياً من خلال فعاليات تعزز مكانتها رسمياً وشعبياً، وإن ظل الإشغال السكني محدوداً.

وحسب تصريحات رسمية لرئيس شركة «العاصمة الإدارية الجديدة»، خالد عباس، فإن «عدد السكان المقيمين في المدينة حالياً تجاوز 30 ألف مواطن، مع زيادة يومية في أعداد المنتقلين إلى العاصمة».

وتوقع عباس، في تصريحات تلفزيونية الشهر الماضي، وصول عدد السكان المقيمين بنهاية العام الحالي إلى ما بين 50 و60 ألف شخص، استناداً إلى طلبات تركيب عدادات الخدمات التي تلقتها شركة «العاصمة».

ويعود تاريخ مشروع العاصمة الجديدة إلى مارس (آذار) 2015، حين بدأ بوصفه محاولة لتخفيف الضغط عن القاهرة عبر إنشاء مدينة جديدة على مساحة نحو 700 كيلومتر مربع، أي ما يقارب 170 ألف فدان، تُنفذ على 3 مراحل. وتبلغ مساحة المرحلة الأولى نحو 168 كيلومتراً مربعاً (40 ألف فدان)، بما يعادل تقريباً نصف مساحة القاهرة، التي تبلغ نحو 90 ألف فدان.

من افتتاح مقر «القيادة الاستراتيجية» بالعاصمة الجديدة (الرئاسة المصرية)

وكان من المقرر بدء تشغيلها فعلياً عام 2020، لكن جائحة «كوفيد-19» وما تبعتها من توترات جيوسياسية في المنطقة والعالم، أدّتا إلى تأجيل التشغيل الرسمي للمدينة إلى عام 2024، حين بدأ نقل الوزارات إلى الحي الحكومي تدريجياً، تلا ذلك انتقال البرلمان ومؤسسات الدولة الرسمية.

ورغم تنفيذ الدولة مشروعات للطرق وخطوط المواصلات، لا يزال حجم الإشغال السكني محدوداً مقارنة بحجم الإشغال الحكومي الرسمي، لا سيما في ظل كثرة الفعاليات الرسمية الهادفة إلى تعزيز مكانة العاصمة، وكان آخرها افتتاح الرئيس عبد الفتاح السيسي، قبل أيام، مقر «القيادة الاستراتيجية للدولة»، الذي يحاكي، بحسب بيانات رسمية، أحدث مراكز السيطرة عالمياً.

لكن الخبير العقاري أحمد عبد الفتاح، رئيس قسم تنمية أعمال الشركاء في «بولد روتس - مصر»، قال لـ«الشرق الأوسط» إن «نسبة الإشغال طبيعية رغم محدوديتها»، موضحاً أن «المدن الجديدة عادة ما يكون الإشغال السكني فيها تدريجياً مع زيادة الخدمات والأحداث».

وأضاف: «قبل سنوات، كان الناس يعدّون مدناً مثل القاهرة الجديدة وأكتوبر بعيدة، لكن اليوم يجري التسويق للعقارات بمستوى قربها من الجامعة الأميركية بالتجمع الخامس بوصفها وسط البلد الحالية».

وفي تصريحاته، دافع رئيس شركة «العاصمة» عن نسب الإشغال، مؤكداً أنها «ليست قليلة»، وقال إن «مساحة المرحلة الأولى تعادل 4 أضعاف مساحة مدينة الشيخ زايد أو مدينة الشروق». وأضاف: «العاصمة ليست مجرد مبانٍ محدودة وسط الصحراء، كما يتصور البعض»، مشيراً إلى اكتمال أعمال البنية التحتية للمرحلة الأولى بالكامل، وبيع نحو 70 في المائة من أراضي العاصمة لمطورين عقاريين.

وتعول مصر على العاصمة الجديدة بوصفها «خطوة محورية تُعيد تنظيم مؤسسات الدولة داخل بيئة عمرانية متطورة تعتمد على أحدث البنى التحتية والتكنولوجيا»، حسب التصريحات الرسمية.

وتستضيف العاصمة الجديدة حالياً الاجتماعات الرسمية للحكومة والمؤتمرات الصحافية لمختلف الجهات الرسمية، إضافة إلى المقابلات الرسمية للمسؤولين. وأخيراً خصصت منطقة مجهزة لمتابعة مباريات كأس العالم، سُميت «الفان زون»، إضافة إلى استضافتها مؤتمرات رسمية عدة.

وفي إطار تسهيل الوصول إلى العاصمة، بدأت مصر أخيراً تشغيل خط «مونوريل» شرق النيل، ليربط القاهرة بالعاصمة الجديدة.

وقال عبد الفتاح إن «نسب الطلب على حجز الوحدات السكنية في العاصمة لا تزال أقل من الطلب على وحدات مماثلة في القاهرة الجديدة، وإن كان الطلب عليها في تزايد»، موضحاً أن «مشروعات العاصمة لا تزال في مرحلتي التخطيط والإنشاء، وأن كثيرين يسعون إلى حجز وحدات بتسهيلات لتكون مقراً سكنياً لهم في المستقبل».

مقر «القيادة الاستراتيجية» بالعاصمة الجديدة (الرئاسة المصرية)

وأضاف: «يبلغ متوسط سعر المتر السكني للشقق في العاصمة نحو 50 ألف جنيه (الدولار يساوي نحو 50 جنيهاً)، ويرتفع إلى 85 ألفاً في الفيلات»، مشيراً إلى أن «الأسعار في العاصمة أقل مقارنة بالقاهرة الجديدة، بسبب اختلاف مستوى الخدمات واكتمال تنفيذ المشروعات». وأكد عبد الفتاح أن «العاصمة تُمثل مستقبل السكن في السوق العقارية»، متوقعاً «زيادة الإقبال عليها خلال الفترات المقبلة».

وتستهدف العاصمة الجديدة نحو نصف مليون نسمة في مرحلتها الأولى. لكن عضو مجلس الشيوخ المصري السابق الخبير الاستراتيجي، الدكتور عبد المنعم سعيد، يتوقع أن يصل تعداد السكان في العاصمة إلى مليون نسمة بحلول 2030، ويقول لـ«الشرق الأوسط» إن «الزخم الرسمي الذي اكتسبته العاصمة الجديدة بالافتتاحات الأخيرة ونقل الوزارات والمؤسسات الرسمية، عزز من وجودها»، لافتاً إلى أحداث ومؤتمرات زادت من شعبيتها.

وأضاف: «حجم الإشغال طبيعي، لا سيما مع كونها جديدة»، متوقعاً زيادة تدريجية في السكان وفي الدور الرسمي والسياسي مع مرور الوقت، أسوة بتجارب دول أخرى بما عواصم جديدة.


كيف تعاملت الحكومة اليمنية مع تصعيد إيران بشأن مطار صنعاء؟

القوات المسلحة اليمنية تبنت استهداف مدرج مطار صنعاء لمنع هبوط الطائرة الإيرانية (إ.ب.أ)
القوات المسلحة اليمنية تبنت استهداف مدرج مطار صنعاء لمنع هبوط الطائرة الإيرانية (إ.ب.أ)
TT

كيف تعاملت الحكومة اليمنية مع تصعيد إيران بشأن مطار صنعاء؟

القوات المسلحة اليمنية تبنت استهداف مدرج مطار صنعاء لمنع هبوط الطائرة الإيرانية (إ.ب.أ)
القوات المسلحة اليمنية تبنت استهداف مدرج مطار صنعاء لمنع هبوط الطائرة الإيرانية (إ.ب.أ)

لم تتعامل القيادة اليمنية مع أزمة الطائرة الإيرانية التي حاولت الهبوط في مطار صنعاء، الاثنين الماضي، على أنها حادثة طيران يمكن التغاضي عنها منعاً لمزيد من التصعيد، بل نظرت إليها بوصفها اختباراً مباشراً لسيادة الدولة، ومحاولة لفرض واقع سياسي وعسكري جديد خارج مؤسساتها الشرعية، في توقيت إقليمي يشهد توتراً غير مسبوق.

وعلى خلاف أزمات سابقة اتسمت بردود فعل أقل ثباتاً، جاءت إدارة الأزمة هذه المرة عبر منظومة متكاملة جمعت بين القرار العسكري المحسوب، والتحرك السياسي المنظم، والجهد القانوني والدبلوماسي، مع الحرص على عدم الانجرار إلى مواجهة أوسع كانت الحكومة ترى أن طهران تسعى إليها لتحويل اليمن مجدداً ساحةَ صراع إقليمي.

وبرزت خلال الأزمة رسالة مركزية حرصت القيادة اليمنية على تثبيتها منذ الساعات الأولى، هي أن الدفاع عن السيادة لا يتعارض مع التمسك بخيار السلام، وأن الدولة قادرة على فرض القانون دون التخلي عن مسؤوليتها في حماية المدنيين أو المحافظة على فرص التسوية السياسية.

العليمي خلال اجتماع لمجلس الدفاع الوطني اليمني (إعلام حكومي)

ولذلك؛ لم يكن استهداف مدرج مطار صنعاء- لمنع هبوط الطائرة الإيرانية- سوى الحلقة الأخيرة في سلسلة طويلة من الإجراءات السياسية والقانونية التي سبقت استخدام القوة، بعد أن قالت الحكومة إنها استنفدت جميع المبادرات لتشغيل المطار عبر القنوات الرسمية، وأتاحت بدائل تضمن استمرار الرحلات المدنية بواسطة «الخطوط الجوية اليمنية» بوصفها الناقل الوطني المخول قانوناً.

ولعل ما ميّز أداء الحكومة اليمنية خلال الأزمة أنها لم تكتف بالرد على الحدث، بل سعت إلى إدارة الرواية السياسية المصاحبة له، فمنذ اللحظة الأولى ركزت البيانات الرسمية على أن الخلاف ليس مع تشغيل مطار صنعاء أو سفر المواطنين، وإنما مع محاولة انتزاع إحدى أهم صلاحيات الدولة السيادية، وهي التحكم في المجال الجوي والمنافذ الدولية.

ولهذا كررت القيادة اليمنية في كل بياناتها أن المشكلة لا تكمن في الطائرة بحد ذاتها، وإنما في تشغيل رحلات دولية دون موافقة السلطات الشرعية، في مخالفة لـ«اتفاقية شيكاغو للطيران المدني» ولقرارات مجلس الأمن الدولي المتعلقة باليمن.

جانب من قصف مدرج مطار صنعاء لمنع وصول الطائرة الإيرانية (أ.ف.ب)

كما أظهرت الحكومة أنها قدمت حلولاً عملية قبل التصعيد، بينها نقل الوفد الحوثي من طهران عبر طائرة تستأجرها «الخطوط الجوية اليمنية»، وهو عرض قالت إن الجماعة رفضته، بما عزز روايتها أمام المجتمع الدولي بأنها لم تلجأ إلى القوة إلا بعد استنفاد الخيارات الأخرى.

وفي الوقت نفسه، حرص رئيس مجلس القيادة الرئاسي، رشاد العليمي، على تأكيد أن الأولوية كانت حماية أرواح المدنيين والممتلكات العامة، وعدم توسيع دائرة المواجهة لتحقيق الهدف الذي تسعى إليه إيران بزج اليمن في صراعات إقليمية، وهي رسالة استهدفت طمأنة الداخل، وإظهار أن القرار العسكري ظل خاضعاً لحسابات سياسية دقيقة، وليس لردود فعل انفعالية.

كما عكست حالة الانعقاد الدائم للحكومة، وتشكيل فريق وطني لإدارة الأزمة، انتقال مؤسسات الدولة إلى نمط إدارة موحد يجمع بين الجوانب العسكرية والسياسية والدبلوماسية والإعلامية، مما منح الأداء الرسمي قدراً أكبر من الانسجام مقارنة بأزمات سابقة.

التأييد الداخلي والدولي

في ظل الأزمة، يرى مراقبون أن الحكومة اليمنية نجحت أيضاً في تحويلها من مواجهة ثنائية بينها وبين الحوثيين إلى قضية تتعلق باحترام سيادة دولة عضو في الأمم المتحدة.

فعلى المستوى الداخلي، سارع مجلسا النواب والشورى وهيئة التشاور والمصالحة، والتكتل الوطني للأحزاب والمكونات السياسية، إلى إعلان تأييدهم الكامل الإجراءات التي اتخذها مجلس القيادة الرئاسي، وعَدّ ما جرى انتهاكاً للسيادة اليمنية وليس مجرد خلاف سياسي.

وأهمية هذا الاصطفاف أنه جاء من المؤسسات الرسمية والحزبية التابعة للشرعية، بما منح القيادة غطاءً سياسياً في مواجهة أي محاولات لتصوير أن الشرعية تفتقد التوافق بين مكوناتها في مواجهة الأزمة.

نائبة المندوب الأميركي خلال جلسة مجلس الأمن التي ناقشت انتهاك إيران سيادة اليمن (الأمم المتحدة)

أما خارجياً، فقد بدا واضحاً أن التحرك الدبلوماسي اليمني سبق انعقاد جلسة مجلس الأمن، بعدما تمكنت الحكومة من دفع عدد من الدول الكبرى إلى تبني خطاب قريب من الرواية الرسمية.

فقد وصفت الولايات المتحدة الهبوط الإيراني بأنه انتهاك لسيادة اليمن، وربطته باحتمال نقل خبراء ومعدات عسكرية إلى الحوثيين، عادّةً أن ذلك يمثل خرقاً لقرارات مجلس الأمن، في حين أكدت بريطانيا أن أي رحلات تجري دون موافقة الحكومة الشرعية تُعدّ انتهاكاً للقانون الدولي، وطالبت بالتحقيق عبر آليات الأمم المتحدة.

كما ذهبت فرنسا إلى أبعد من ذلك عندما ربطت الحادثة بالسلوك الإيراني المزعزع للاستقرار في المنطقة، وجددت مطالبتها بوقف نقل المعدات العسكرية إلى الحوثيين، مع تأكيدها التمسك بوحدة اليمن وسيادته.

ورغم أن الأمم المتحدة حافظت على خطابها التقليدي الداعي إلى خفض التصعيد، فإنها شددت أيضاً على احترام وحدة اليمن وسيادته وسلامة أراضيه، مما منح الحكومة سنداً سياسياً إضافياً في الدفاع عن موقفها.

رسائل متعددة

يمكن قراءة إدارة أزمة الطائرة الإيرانية من قبل الشرعية اليمنية بوصفها محاولة لإيصال 3 رسائل متوازية؛ الرسالة الأولى إلى إيران، ومفادها بأن اليمن لم يعد ساحة مفتوحة لفرض الوقائع عبر الرحلات الجوية أو المنافذ السيادية، وأن أي محاولة لتجاوز مؤسسات الدولة ستواجه بإجراءات عملية، حتى مع استمرار التمسك بخيار السلام.

أما الرسالة الثانية فكانت موجهة إلى الحوثيين، ومضمونها أن استخدام معاناة المدنيين أو مطار صنعاء ورقةً سياسيةً لن يؤدي إلى انتزاع اعتراف بسلطات موازية للدولة، وأن الحكومة لن تسمح بتكريس أي صلاحيات سيادية خارج مؤسساتها.

صورة للطائرة الإيرانية التي هبطت في مطار الحديدة بعد منع وصولها إلى صنعاء (إ.ب.أ)

توازياً، حملت الرسالة الثالثة بعداً دولياً؛ إذ دعت الحكومة مجلس الأمن إلى الانتقال من مرحلة الإدانة إلى مرحلة الردع، عبر التطبيق الصارم للعقوبات وقرارات المجلس، خصوصاً القرارين «2140» و«2216»، عادّةً أن استمرار التغاضي عن الانتهاكات يشجع على تكرارها.

لكن على الرغم من المكاسب السياسية والدبلوماسية التي حققتها الشرعية اليمنية، فإن الأزمة لم تنته عملياً، إذ ما زالت مرتبطة بقدرة المجتمع الدولي على ترجمة مواقف الإدانة إلى إجراءات عملية تمنع تكرار مثل هذه الحوادث، وتفرض احترام سيادة الدولة اليمنية على جميع المنافذ البرية والبحرية والجوية.

كما أن استمرار تحركات المبعوث الأممي، هانس غروندبرغ، بالتوازي مع المواقف الدولية الداعمة خفض التصعيد، يعكس إدراكاً متنامياً بأن الحفاظ على الهدنة الهشة يتطلب معالجة جذور الأزمة، وفي مقدمها إنهاء الانقلاب الحوثي، ومنع استخدام الملفات الإنسانية والمنافذ السيادية أدواتٍ للصراع.

وبالنسبة إلى الحكومة اليمنية- يرى مراقبون- أن الأزمة مثلت اختباراً سياسياً أكبر منه عسكرياً، وقد سعت من خلاله إلى ترسيخ معادلة جديدة عنوانها أن الدفاع عن السيادة لا يتناقض مع السعي إلى السلام، وأن الدولة قادرة على الجمع بين ضبط النفس والحزم، وبين احترام القانون الدولي وفرض هيبتها.