الفلسفة بصيغة المؤنث: سيلا بن حبيب نموذجًا

تقترح مواطنة كونية.. مواطنة ما بعد الدولةـ الأمة وتفتح «العلبة السوداء للسيادة الوطنية»

الفلسفة بصيغة المؤنث: سيلا بن حبيب نموذجًا
TT

الفلسفة بصيغة المؤنث: سيلا بن حبيب نموذجًا

الفلسفة بصيغة المؤنث: سيلا بن حبيب نموذجًا

ما يزال الاهتمام في منطقتنا بالفلسفة بصيغة المؤنث ضعيفا جدا، ومن أجل تقريب القارئ إلى بعض الأقلام الفلسفية الصاعدة، سنخصص هذا المقال للفيلسوفة سيلا بن حبيب.
ولدت سيلا بن حبيب في إسطنبول سنة 1950. وهي أستاذة العلوم السيَاسيَّة والفلسفة بجامعة يال الأميركية، وتدير في الجامعة، برنامج الإثيقا والعلوم الاقتصادية والسيَاسيَّة. وهي عُضو الجمعيَّة الفلسفيَّة الأميركية منذ 1996. واشتغلت سابقًا مع هابرماس. وتهتمُ سيلا تحديدًا، بالنظريَّة النقديَّة والنظريَّة النِّسويَّة. كَتبَت أطروحتها في فلسفة هِيغل السيَاسية سنة 1977 (أي في النصف الثاني من عقدها الثاني)، حيثُ قَارَنت فِيهَا بين تصوُّر هيغل لمفهوم الحق والحق الطبيعي. وبعد ذلك نَاقشَت أُطروحتها في فلسفة هوبز.
تَنظُر بن حبيب إلى الفلسفة السيَاسية لا كبحثٍ في تَاريخ الفكر أو الفلسفة السياسيين، بِقدرِ ما هي اتصال والتصاق بالأَحْداث الرَّاهِنَة والمُعَاشَة، من أجل استقصائها وتحري دلالاتها، لأن التحَوُّل الكبِير الذي عَاشَتهُ في سنوات التسعينات، ساهم في تدشينها البَحث في قَضايا التعدُّديَّة الثَّقَافيَّة والمُواطَنة والهجرة داخل الاتحاد الأوروبي. وتهتم بِالرَّوابِطِ بين العقلانيَّة التواصُليَّة والأخلاق والدِيمُقراطيَّة التشَاوريَّة، حيث يلعبُ الفضاء العمومي دورًا محوريًا. ولهذا فهي بحق، مُنظِرَة ومُفكِرة تنتمي إلى الجيل الثالث للنظريَّة النقديَّة، من خلال اشتغالها مع هابرماس وأكسيل هونيث ونانسي فريزر، وجوديث بتلر. لذلك تقول عن صاحب العقلانية التواصلية: «يَعُود الفَضل لهابرماس في نحته لمفهوم العَقلانيَّة التواصُليَّة، وأَنَا بِدورِي أعتبر أن العقلانيَّة التواصُليَّة مُسَلَّمَة، وأَفْتَرِضُ مُسبَقًا، أَن كُلَ عَمَلِي يَتَمَحورُ حول صَلاحيَّة الانتِقال إلى العقلانيَّة التواصليَّة».
كتبت سيلا عن قضايا عالم المعيش، التي تُؤرقُ ملايين الأشخاص في العالم: من قَبِيل مشكلات الهجرة، الاحتلال، مخيمات اللاجئين، المقيمين، الـ«من دون أَوراق»، المُهمشِين والمَقصيين بِسبب العرق أو اللغة أو الدين أو الهُويَّة. وطَرحَت في مؤلفاتها الأخيرة: «حقوق الآخرين: الأجانب، المقيمين، والمواطنين»، و«كَونْيَّة أُخْرَى»، قضايا جوهرَّية حول الشَّرعيَّة الدِّيمُقرَاطيَّة، اللِّيبِرَاليَّة الدُّستُوريَّة، الحَق في الإقَامَة المُؤَقتَة والدَائِمَة، الحكومة العالمية، الفيدرالية العالمية... وتُقَدِم فيها حُجَجًا قويَّة لحماية الجماعات البشريَّة الهشَّة وَالضعيفة (الأجانب، المقيمين، اللاجئين...).
يَصعُبُ الإلمام بمجمل فلسفة سيلا بن حبيب لاعتبارات عدة:
- كَونُ إسهَامَاتِها مُتعدِّدَة المَشَارِب ومُتنوعَة جدًا، تتراوح بين قضايا كثيرة لا ندعي إمكانيَّة الإلمام بها جميعها في هذا المقال.
- ما يَزالُ فكر الفيلسوفة جاريًا، مما يعني أنَ مُحاوَلَة حَصرِه في هذا الاتجاه أو ذاك، إنما هو مُغَامرة كبرى في حقها.
- كَونُ وضعِهَا الخَاص، وتاريخهَا الخاص، يفرضان عليها الانخراط السيَاسي في قَلبِ المعركة، لذلك فإن مَواقِفَهَا السيَاسية تجدُ مَكانهَا كثيرًا في فلسفتهَا.
- اهتمامُهَا بقَضَايا العصر الأكثَر إِلحَاحًا، من قبيل الهجرة، الحدود، السيَادَة، المُواطَنة، وهي القضايا التي تعرف مُستَجَدَّات جَارية لا حصر لها.
إلا أنه رغم ذلك، أمكننا التمييز بين مرحلتين أساسيتين من تطوُّر فكر الفيلسوفة سيلا بن حبيب الفلسفي والسياسي معا:
* مرحلة ما قبل التسعينات (من القرن العشرين)، وقد مثلت الفلسفة السيَاسية الحديثة والمعاصرة مصدرَ فِكرها الفلسفي. وهي مرحلة الشباب إن جاز التعبير الالتوسيري هنا، حيث تشكل فكرها من خلال اشتغالها على عباقرة الفكر السياسي الحديث، من أمثال هيغل (أنجزت أطروحتها الأولى حول هيغل - الذي استلهمت منه الكثير من أفكارها - بعنوان: «هيغل والحق الطبيعي: بحث في الفلسفة السيَاسية الحديثة»)، وتوماس هوبز، وكانط (من خلال فحصها لمشروع السَلام الدَائم الذي أَسَست عليه أطروحاتها الحالية حول المُواطَنة الكَونيَّة، والسيَادَة ما بعد الوطنية)، ومرورا بحنا آرنت Arendt (حيث أنجزت كتابين حول فكرها - أشرنا إليهما أعلاه - موظفة بشكل كبير مفهوم آرنت الذائع الصيت: «الحق في التمتُّع بكافة الحقوق»).
* مرحلة ما بعد التسعينات، حيثُ انكبت أساسًا، على مُعالجة قَضَايا الوَضع البَشَري الأَكثَر إِلحَاحًا: النِّسويَّة، الهِجرَة، التعَدُّد الثَّقَافِي، المُواطَنة العالميَة، الدِيمقراطيَّة، العَدَالَة، السيَادَة.
نظريَّة الديمقراطيَّة
ولا تنفصل نظريَّة الديمقراطيَّة عند سيلا بن حبيب عن مشروعها الفلسفي – السيَاسي العام، فهي نظريَّة في العدالة، وفي الحق، وفي المُواطَنة الكَونيَّة التي تتأسس على منظور كُوسمُوبُولِيتي يحاول إعادة النظر في طريقة تدبير المشاكل العالميَّة المتناميَة، وأساسًا تلك المتعلِّقة بالهجرة والبيئة والمساواة، والنِّسويَّة، والمُواطنة، والتعَدُّد الثَّقَافِي. فالثَّقافات لا تتشكَّل أحاديَّة القُطب، أي بمعزل عن الثَّقافات الأخرى، بل تتشكَّل من خلال حوارها مع الثَّقافات الأخرى. وتفيد الديمقراطيَّة عندها «بناءَ جماعة سيَاسية بقواعِدَ واضِحة، يتم عبرها تحديد العلاقات بين الداخل والخارج». وفي الدِّيمقراطيَّة «يستمدُ الدُّستورُ شَرعيَّتَهُ من الإرادَة الجمعيَّة والمتَّحِدة للشَّعب». فالشَّعبُ الدِّيمقراطي يَقبلُ سُلطة القَانون، لأنَّه في الآن نفسهِ، واضع ومستقبل هذا القانون. «إن مُواطِنَ دِيمقراطيَّة ما ليس بالمواطن العالمي، بل مُواطِنٌ داخل مجموعة سيَاسية محددة، بغض النظر عَمَّا إذا كان ذلك يتعلق بدولة مركزية أو فدراليَّة أو باتحاد للدول».
ولضمان الانسجام بين التعدُديَّة الثَّقَافيَّة والكُوسمُوبُولِيتيَّة في عالم اليوم، تأخذ بعين الاعتبار ثلاثة شروط:
- التعامل بالمساواة: حيث يجب أن يتمتَّع أعضاء الأقليَّات بالحقوق المدنية والسيَاسية والاقتصاديَّة والثقافيَّة نفسها التي تتمتع بها الأغلبيَّة.
- القَبول الطوعي: حينما يولدُ فرد ما، لا يجب أن يعيَّن له دين ما أو ثقافة ما بشكل أوتوماتيكي. ولا يجب أن تترك الدولة للجماعات الحق في تقرير حياة الأفراد. فأعضاء المجتمع لهم الحق في التعبير بأنفسهم عن اختياراتهم.
- الحرية في الخروج من الجماعة والحرية في التجمع: لكل فرد الحريَّة في الخروج عن جماعته. فحينما يتزوج فرد من جماعة أخرى، فلكل منهم الحق في الحفاظ على عضويَّته. ويجب إيجاد تسويَّاتٍ بالنسبة للأزواج بين الجماعات وأطفالهم.
يطرح موضوع الانسجام بين التعدُديَّة الثَّقَافيَّة والمساواة الديمقراطيَّة نقاشات كبرى. فالشَّرط الأول يتعلق بالكثير من الثَّقافات التي تتعرض فيها الأقليَّات لاضطِهَادَاتٍ مُتكَرِّرَة من طرف الأغلبية، وحيثُ لا تَقُومُ الحكومَات بأي جُهدٍ لوقف المجازر التي يتعرَّضُونَ لهَا.
المُسَاواة والتنوع في عَصِر العولَمَة
لم يكن الفكر والفلسفة السياسيان يهتمان بشكل كبير بمسألة التعدُديَّة الثَّقَافيَّة قدر اهتمامهما بها اليوم، بحيث كرست معاهدة ويستفالي المنظور الأحادي للهوية والمواطنة داخل الدولة الوطنية (الدولة – الأمة) فيما يشبه الدولة – المدينة؛ رغم أن أفلاطون كان يصرخ دوما، داخل الدولة المدينة: «أنا لَسْتُ أَثِينيًّا، وَلا يُونَانيًا: أَنَا مُواطِنُ العالم»، وعلى مِنوالِه تغنى الرواقيون والكلبيون بالمواطنة العالمية والكونية. وقليلا ما استثمر هذا الإرث اليوناني في الفلسفة السيَاسية، ويعود هذا المشكل في نظر بن حبيب، إلى الفصل العبثي بين الديموس والإثنوس.
ستتعزز الدراسات حول إشكالات الهُويَّة والتعدُديَّة الثَّقَافيَّة، مع نهاية الحرب العالمية الثانية وما تلاها من بداية جديدة للعلاقات الدولية، والاعتراف بالمؤسسات الدولية والعالمية التي دافعت عن تعزيز حقوق الإنسان، وهي الإشكالات التي عالجتها سيلا في كتابها القيم: «مطالب الثقافة: المتماثل والمختلف في عصر العولمة».
يتناول هذا الكتاب إشكالية هامة طبعت النقاشات المعاصرة لتزيل الوهم الذي يرى أن الثقافات مجرد أجزاء من فسيفساء يمكن الهيمنة عليها بسهولة، ويمكن تلخيصها في السؤال التالي: كيف يمكن تطبيق الديمقراطية الليبرالية في عالم مليء بأشكال جديدة من صراع الهويات والثقافات؟
وقفت في الفصل الأول على استخدام وسوء استخدام الثقافة، لتنتقل إلى الإشكالية القديمة – الجديدة: نحن وهم، لتقترح نموذجا بديلا لتغيير السياسات المعاصرة - في الفصل الثالث - يمكن الاقتداء به في التغيير، سمته من إعادة التوزيع إلى الاعتراف. وهو الشعار نفسه الذي تبنته نانسي فريزر في كتابها: ما العدالة الاجتماعية؟ الاعتراف وإعادة التوزيع. كما وقفت فيه على مسألة التعدُديَّة الثَّقَافيَّة ومواطنة النوع الاجتماعي، وما يرتبط بها من معضلات لتقترح الديمقراطية التداولية كبديل للديمقراطية الليبرالية من خلال وقوفها على مفهوم ما بعد الدولة – الأمة.
في مقاله حول الديمقراطية التشاركية: الحدود والاستقلال الذاتي، يذهب رومان فيلي، إلى أن العولمة قد طرحت رهانات جديدة تتجاوز إطار الدولة الوطنية، بحيث إن قضايا من قبيل الهجرة والكوارث البيئية والإرهاب، تفترض حلولا تتجاوز الإطار الوطني الويستفالي، مما يعزز الحاجة إلى حكامة دولية بدأت تطرح نفسها، رغم أنها تسير عكس إرادة الشعوب. وهناك بالنسبة لسيلا بن حبيب، طريقة أخرى لتصور المواطنة الجديدة، أي مواطنة تتجاوز مفهوم مواطنة الإقامة. وعلى هذا الأساس أعادت النظر في مفهوم الضيافة الذي طرحه كانط في مشروع السلام الدائم، بحيث تستوجب المواطنة الجديدة في نظرها إعادة بناء تصور الفعل السياسي دون المرور بقطيعة قانونية بين العضو الذي ينتمي إلى الجماعة، أو غير العضو القادم إلى تلك الجماعة من جماعة أخرى (قد يكون مهاجرا أو مقيما بشكل مؤقت أو دائم أو لاجئا). هكذا، فالحدود الخاصة بدولة ما يمكن إعادة تحديدها من منظور كُوسمُوبُولِيتي – كوني يتجاوز المنظور الويستفالي. وتستدل سيلا بن حبيب على ذلك بالحركات الاجتماعية الحضرية التي تجسد نموذجا «فعلا سياسيا» خارج التمييز الكلاسيكي بين العضو - وغير العضو. وبناء عليه تقترح سيلا بن حبيب مواطنة كونية أو مواطنة ما بعد الدولة – الأمة، وما يقتضيه ذلك من ضرورة إعادة بناء أسس هذه المواطنة على نحو جذري. إلا أن الأمر لا يتعلق بـ«محو الحدود السيادية للدول وإنما طرق جديدة لتدبيرها»، أي «فتح العلبة السوداء للسيادة الوطنية».



زيغمونت باومان يكشف عن تهافت الحداثة وفقرها الأخلاقي

باومان
باومان
TT

زيغمونت باومان يكشف عن تهافت الحداثة وفقرها الأخلاقي

باومان
باومان

لم تكف الحداثة التي انطلقت قبل قرنين من الزمن عن نقل الحياة على الأرض من طور إلى طور، ورفد المسيرة البشرية بما يلزمها من أسباب الرفاهية المادية والتطور التقني والمعرفي، وصولاً إلى العولمة والوصل المتسارع بين جهات الأرض وأصقاعها المتباعدة. لكن الأعراض المصاحبة للحداثة، على المستويات المتصلة بالأخلاق والعلاقات الإنسانية ونظام القيم، لم تكن جانبية وضئيلة بما يسهّل ابتلاعها على المفكرين والمبدعين وعلماء الاجتماع، بل إن عدداً غير قليل من هؤلاء، قد وجّهوا سهام نقدهم إلى الحداثة الغربية التي حوّلها النظام الرأسمالي إلى ديانة جديدة، قوامها عبادة المال وشهوة الربح والاستهلاك واللذة العابرة.

واللافت في هذا السياق أن النقد الأشد قسوة الذي وُجّه إلى حضارة الغرب قد جاء من جهة الغرب نفسه، ابتداءً من عمل غوته الشهير «فاوست»، الذي يبيع فيه الأخير نفسه للشيطان لكي يربح المعرفة والعلم، مروراً بكتاب شبنغلر «تدهور الحضارة الغربية»، ورواية «المسخ» لكافكا، التي استيقظ بطلها «سامسا» على حين غرة، ليجد نفسه وقد تحول إلى حشرة ضخمة، بما بدا تعبيراً بالغ الدلالة عن سحق الإنسان تحت السنابك الصماء للنظام الرأسمالي، وليس انتهاء بكتاب المفكر الكندي ألان دونو «نظام التفاهة»، الذي بدا أشبه بمضبطة اتهام قاسية ضد تهافت الحياة الغربية وتصحرها وخوائها.

فرويد

أما كتاب الباحث وعالم الاجتماع البولوني زيغمونت باومان «الحب السائل»، ترجمة حجاج أبو جبر، فيقع من جهته في الخانة نفسها التي يقع فيها كتاب دونو، سواء من حيث تركيزه على دور الحداثة الغربية في تفكيك العلاقات الإنسانية وإفراغها من أبعادها العاطفية والروحية، أو من حيث إماطة اللثام عن تهالك البشر المتمادي على الاستهلاك، سواء تعلق الأمر بالسلع والمنتجات وأدوات الترفيه، أو بالمتع الجسدية العابرة.

وحيث إن الالتزام بكل أشكاله، سواء اتخذ شكل الحب أو الزواج أو الدين واليوتوبيا والآيديولوجيا، لم يعد واحداً من اهتمامات إنسان الحداثة، فإن باومان يرى في رواية إيتالو كالفينو «المدن الخفية»، الصورة النموذجية للإنسان الحديث؛ حيث لا يعادل تلذذ البشر باقتناء الأشياء الجديدة سوى «تلذذهم بطرح الأشياء والتخلص من النفايات اليومية، وتطهير أنفسهم من قذارتها».

لقد ولّى في نظر المؤلف الزمن «الصلب» الذي كانت العلاقات العاطفية فيه خارجة من أعماق الروح ومنذورة لشخص بعينه، أو مرتبطة بمواثيق الزواج الديني التي تتوجها عبارة «لا يفرقكما أحد حتى الموت»، ليحل محله زمن الحداثة «السائلة» والمنبتة عن أي سياق زمني. وإذا كان بودلير قد شكّل في أعماله الشعرية والنثرية المنعطف الحاسم باتجاه الحداثة، فهو في الشذرات التي ضمها كتابه «سأم باريس» يجسد أفضل تجسيد الطبيعة المتقطعة للزمن الحديث. وفي الرسالة التي بعث بها الشاعر إلى ناشره، لا يتوانى عن وصف كتابه بأنه عمل بلا بداية ولا نهاية، ليضيف ما حرفيته «أنا لا أمسك بالإرادة العنيدة للأجزاء لأصنع حبكة مفتعلة، فاحذف ما شئت من الشذرات، وستجد أن كل شذرة يمكن أن تكون قائمة بذاتها».

ولعل أي نظرة متفحصة إلى أحوال هذا الزمن، لا بد أن تفضي إلى الاستنتاج بأن العلاقات القصيرة والمتعددة التي يعيشها أهلوه تبدو شبيهة بشذرات بودلير، الموجزة والسريعة من جهة، والقابلة للاتصال والانفصال من جهة أخرى. وهو ما يرى فيه المؤلف النتيجة الحتمية لتراجع اليوتوبيا وتفكيك الأبنية الآيديولوجية والدينية المُحكمة، واستبعاد السرديات الكبرى لتفسير العالم. فالحداثة على الرغم من تجلياتها المعولمة التي وسعت مساحة «الشكل»، هي نفسها التي ضيّقت مساحة «المعنى» وموارده الروحية، وهي نفسها التي رفعت سقف المتعة العابرة، وقلصت سقف السعادة والاغتباط بالوجود.

ولا يعني الانتصار للحب «الصلب» أنه مثالي وخالٍ من الشوائب والأمراض، إذ ثمة في معظم العلاقات العاطفية نزوع إلى تملك الآخر المعشوق وإخضاعه، أو إدماجه الكامل في الأنا العاشقة، وفق ما يرى إريك فروم. ولأن الخوف من الانفصال عن الحبيب هو أفظع ألوان الخوف التي يعانيها المحب، فإن الأخير يعمد، بذريعة درء مخاوفه، إلى جعل الأول صورة عنه أو تابعاً له، وصولاً إلى خنقه ومصادرة هويته.

لكن العاشق في الوجه الآخر من الصورة، لا يكف عن تعظيم المعشوق كجزء من تعظيمه لنفسه، وصولاً إلى تأبيد صورته وإعلائها عن طريق القصيدة واللوحة والأغنية، وسائر ضروب الإبداع. وقد يكون أثمن ما يقدمه الحب للميممين شطره من العشاق، هو أنه ينتزع لهم حياة أخرى من بين كل العالم، ومن ثم يعيد تشكيلها في هيئة شخص محدد تماماً، شخص له فم ننصت إليه ونحادثه، لعل أمراً يحدث في ذلك الفراغ الممتد بين محدودية أعمال البشر ولا نهائية أهدافهم وآثارهم.

إلا أن الفرص غير المسبوقة التي وفرتها التقنيات المعاصرة لهذا النشاط، قد سهّلت الدخول فيه والخروج منه، بما أحال العلاقات الرومنطيقية على التقاعد، وجعلها عدا استثناءات قليلة، محصورة بالروايات والأفلام السينمائية وقصائد الشعراء. كما تم تسهيل الاختبارات المسماة «حبّاً» وتخفيض مدتها ورهاناتها، إلى حد اقتصارها على مغامرة سريعة أو لقاء عابر.

ومع أن الرغبة والحب شقيقان، وفق باومان، فإن الأولى هي اشتهاء للاستهلاك والإشباع، وصولاً إلى هضم الآخر وتجريده من هويته بمجرد انتهاء المهمة، في حين أن الثاني يتطلب من الحبيب أن يوفر حماية تامة للمحبوب، حتى لو كان الهدف منها سجنه والاستيلاء عليه. كما أن للرغبة والحب مقاصد متعارضة «فالحب شبكة تُنسج من أجل الأبدية، والرغبة بالمقابل وسيلة للهروب من أعباء نسج الشباك. وفي حين يسعى الحب بطبيعته إلى إدامة الرغبة، تسعى الرغبة بطبيعتها إلى الافلات من قيود الحب».

إن جزءاً غير قليل من الثقافة قد ولد في ظل لقاء الرجل والمرأة؛ حيث بدأ منذ ذلك اللقاء التعاون الحميم بين الطبيعة والثقافة، في كل ما هو جنسي. وإذا كان فرويد قد اعتبر أن التهذيب والتحكم بالشهوات والغرائز أساس الحضارة؛ حيث ضغوط الجسد الشبقي يتم تحويلها عبر الأنا الأعلى إلى أعمال إبداعية عظيمة، فإن إنسان الألفية الثالثة يذهب إلى المكان النقيض. فالسعي إلى المتعة يتحول إلى نوع من العبادة، وتتحول الرغبة الجنسية إلى مادة قابلة للتسويق. أما السلع والأدوات المادية الأخرى كالطعام والسيارات وأدوات التجميل والمنازل، فتصبح من جهتها موضوعاً للشبق، وتعِد بنشوة استهلاكية معادلة لنشوة الجنس نفسه.

المبادئ والنماذج الإنسانية التي اعتنقتها الأجيال السابقة لم يعد لها مكان يُذكر في هذا الزمن

وإذ تتحول المتعة إلى حدث فيزيولوجي داخل الجسد، وتتحول الشبكة العنكبوتية ووسائل التواصل إلى أدوات شبه وحيدة لإدارة العلاقات بين البشر، فإن الإنسان المعاصر يجد نفسه محاصراً بعلاقات واقعة خارج الدائرة الإنسانية، بحيث إن الآلة وحدها هي التي تصله بالعالم، وتنظم شؤونه الحياتية والمالية، وتدخل معه إلى فراشه في نهاية الأمر. وفي المدن الحديثة التي تزودك بخدمات الإنترنت وعالم العلاقات الافتراضية، ليس عليك أن تتحلى بفضيلة الصبر أو التضحية، أو اجتياز الأرخبيل الإنساني المفضي إلى علاقة عميقة بالآخر، ما دمت قادراً على الشروع في العلاقة أو إنهائها خلال لحظات محدودة. وليس عليك لكي تفعل ذلك سوى الضغط بالإصبع على المفتاح المناسب للاتصال والانفصال.

يتضح بهذا المعنى أن المبادئ والنماذج الإنسانية التي اعتنقتها الأجيال السابقة لم يعد لها مكان يُذكر في هذا الزمن. ذلك لأن ما صدّره الغرب، وما انفك يصدّره إلى بقية العالم، لا يقتصر على منتجات التطور التكنولوجي فحسب، بل هو يتسع ليشمل سيرورات التفكك وانهيار المعتقدات وتقويض الروابط التي جهدت البشرية في تطويرها عبر التاريخ. وفي ظل هذه التغيرات الدراماتيكية، فقدت المجتمعات البشرية لحمتها، لتتحول إلى تجمعات سكانية يلتف كل واحد من أفرادها كالشرنقة على نفسه. وفي ظل التفاقم المرضي لملذات الجسد، تقدمت شاشات الكمبيوتر والهواتف المحمولة إلى واجهة المشهد، لتقوم بوظائفها نيابة عن الحياة الحقيقية، وتتحول إلى حصالات للمتع العابرة والشقاء المقيم.


حلل زخرفية من قصر المَشتى في بادية الأردن

تفاصيل من واجهة قصر المَشتى المحفوظة في متحف الفن الإسلامي ببرلين
تفاصيل من واجهة قصر المَشتى المحفوظة في متحف الفن الإسلامي ببرلين
TT

حلل زخرفية من قصر المَشتى في بادية الأردن

تفاصيل من واجهة قصر المَشتى المحفوظة في متحف الفن الإسلامي ببرلين
تفاصيل من واجهة قصر المَشتى المحفوظة في متحف الفن الإسلامي ببرلين

شيّد خلفاء بني أمية في وسط صحارى بلاد الشام قصوراً هُجرت بعد أفول نجمهم، ودخلت في النسيان، إلى أن بدأ عدد من العلماء الغربيين بالكشف عنها ابتداء من نهاية القرن التاسع عشر. تصدّعت هذه الأبنية في أغلب الأحيان، وبقي منها أسسها، وشكّلت هذه الأطلال انطلاقة لدراسة مخططاتها الهندسية، وتبيّن أنها تتبع طرازاً خاصاً جامعاً. في المقابل، حافظ بعض من هذه الأطلال على حلله الزينية، ومنها قصر يُعتبر أكبر القصور الأموية في بادية الأردن، ويُعرف باسم المَشتى.

يقع هذا القصر في لواء الجيزة، على بعد 32 كيلومتراً جنوب شرقي مدينة عمّان، ويجاوره موقعان أمويّان نُسبا إلى الخليفة الوليد بن يزيد، أوّلهما قصر يُعرف بقصر القسطل، وثانيهما خربة تُعرف باسم زيزيا، وهي على الأرجح منزل «زيزاء» الذي ذكره الطبري في تاريخه، وقال إن الخليفة كان يُطعم فيه الحجّاج «ثلاثة أيام، ويعلف دوابّهم». لم يكن قصر المَشتى مطموراً تحت الرمال عند الكشف عنه، بل كان بناءً ضخماً مهجوراً، يُعرف محلياً بهذا الاسم الذي لا نجد له ذكراً في كتب التراث. رأى العلماء أن هذا القصر سُمّي المشتى، لأن قبائل الصحراء كانت تتخذه محطة لها خلال فصل الشتاء. وهو ما تشير إليه المعاجم العربيّة بقولها: «الشتاءُ معروفٌ، والموضعُ المشتى، بفتحِ الميمِ، مقصورٌ».

كان قصر المشتى أول القصور الأموية التي كشف عنها العلماء في الربع الأخير من القرن التاسع عشر، في زمن شهد فيه علم الآثار في أوروبا اهتماماً متصاعداً بالفنون الإسلامية. خرج المشتى من الظلمة إلى النور في تلك الحقبة، وأنجز عالم الآثار الألماني برونو شولتس رسماً تخطيطيـاً متقناً له نُشر في عام 1903، وذلك بالتزامن مع نقل واجهته إلى برلين. لم يتمّ هذا النقل بشكل سرّي، بل جاء هدية من السلطان عبد الحميد الثاني إلى حليفه غليوم الثاني، قيصر الرايخ الثاني الألماني، وملك بروسيا، إثر رحلة جرت في 1898، قصد خلالها «الأراضي المقدسة» في فلسطين، ومحيطها.

في مطلع ذلك العام، تمّ إنشاء «المؤسسة الألمانية الشرقية»، فعمدت إلى إتمام اتفاق يقضي بأن تحصل ألمانيا على نصف ما تعثر عليه بعثاتها الاستكشافية في العالم العثماني. أُقرّ هذا الاتفاق بشكل ضمني بين القيصر والسلطان، ومهّد لنقل واجهة قصر المشتى هدية من السلطان إلى القيصر، واللافت أن الموقع كان يومها بالنسبة إلى العثمانيين قصراً بيزنطياً شرع الإمبراطور يوستينيانوس في تشييده خلال القرن السادس، ولم يكمل بناءه.

حصل الألمان على إذن بمعاينة قصر المشتى في عام في 1902، وسارعوا إلى إرسال بعثة لدراسة عملية نقل واجهته. تمّ فكّ حجارة هذه الواجهة، وجُمعت في صناديق نُقلت براً عن طريق سكة حديد الحجاز إلى ميناء بيروت، ثمّ بحراً إلى ألمانيا، ووصلت إلى «متحف القيصر فريديريك» في نهاية 1903، قبل افتتاحه بعشرة أشهر، وتمّت إعادة جمعها هناك، فتحوّلت إلى قطعة فنية ضخمة طولها 33 متراً وعرضها 5 أمتار. تمّ نقل هذه التحفة إلى «متحف بيرغامون» في 1932، ودخلت «متحف الفن الإسلامي» الكائن في هذا الصرح.

توالت الدراسات الخاصة بقصر المَشتى بعد دخول واجهته إلى متحف القيصر فريديريك. نشر العالِم اليسوعي هنري لامنس في 1910 مقالة نسبه فيها إلى الخليفة وليد الثاني، مستنداً إلى رواية نقلها في القرن العاشر الأسقف القبطي ساويرس ابن المقفع، تقول إن الوليد بن يزيد تسلّم الخلافة بعد وفاة عمه هشام بن عبد الملك في 743، «فبدأ يبني مدينة على اسمه في البرية». رأى لامنس أن هذه المدينة ما هي إلاّ قصر المَشتى، وأن الوليد الثاني لم يكمل بناءها بسبب رحيله المبكر في 744. ويجمع العلماء اليوم على القول بأن المَشتى بُني في النصف الأول من القرن الثامن، ومثّل نموذجاً مبكراً للقصور الملكية الأموية.

شُيّد هذا المجمع على شكل مربّع يقع مدخله في وسط واجهته الجنوبية التي تتميّز بشبكة من الزخارف تجمع بين النقش والنحت الناتئ والغائر. تحلّ في وسط هذه الشبكة سلسلة من المثلثات المعدولة، تقابلها سلسلة معاكسة من المثلثات المقلوبة. تتوسّط كل مثلث من هذه المثلثات حلقة دائرية تأخذ شكل وردة ذات بتلات مفتوحة. ومن حول هذه الأقراص الوردية تمتدّ شبكات واسعة من الزخارف، تجمع بين عناصر تصويرية متعدّدة. تعتمد هذه الزخرفة في المقام الأوّل على زينة نباتية، قوامها الكرمة التي تمتد بأغصانها في كل اتجاه. وبين أغصان هذه الكرمة تظهر مجموعة من الطيور تقتات بمناقيرها من حبات العنب.

تحضر هذه الطيور في وضعية جانبية، وتتعدّد صورها، فمنها الحمام، ومنها الحجل، ومنها تلك التي يصعب تحديد فصيلتها. في القسم الأسفل يظهر زوجان من الحيوانات حول آنية تحتلّ وسط التأليف. تتعدّد صور هذه الأزواج، فمنها الأسد، ومنها الثور، ومنها العنقاء، ومنها الحيوانات الأسطورية. كما تتعدّد صور الآنية التي تجتمع من حولها هذه الكائنات، وتشكّل سجلاً يضم أشهر النماذج التقليدية المعتمدة في الميراث اليوناني.

تتكرّر صور هذه الأزواج وتتشابه دون أن تتماثل، ويشكّل هذا التنوع خصوصية أشار إليها العلماء باكراً، وأوّلهم القسيس الأنغليكاني هنري بايكر ترسترام الذي قدّم أول عرض توثيقي لهذا القصر في 1872، ضمن كتاب حمل عنوان: «أرض مؤاب، رحلات واستكشافات في الجانب الشرقي من البحر الميت والأردن»، وفيه توقّف أمام هذه الصور التي «تجسّد الحيوانات، والفواكه بتنوع لا متناهٍ»، وأحصى «نحو خمسين حيواناً من جميع الأنواع، وهي تشرب معاً من جهات متقابلة من إناء واحد»، ورأى أن هذه الواجهة تجمع أشكالاً كثيرة «مع وجود مزهريات»، «وقد تمت إحاطة هذه الأشكال جميعاً بنقوش لنماذج تقليدية، وصدوع مليئة بأشكال جميلة للأوراق».

يجمع هذا التأليف بين عناصر تعود إلى العالم المتوسطي اليوناني، والعالم الآسيوي الفارسي، غير أنه يعيد صوغها في قالب جديد مبتكر، يشكّل خصوصية الفن الأموي، ونواة الفنون الزخرفية الإسلامية في العصور الوسيطة. من هنا تبدو واجهة قصر المشتى أشبه بمعرض كبير احتضن مجمل العناصر الزخرفية التي سادت في البقاع التي فتحها الأمويون. يتميّز هذا المعرض بأسلوب فني خاص يبرز في هذه الحلل، كما في العديد من حلل خرجت من قصور أموية أخرى تمّ اكتشافها في العقود التالية.


دراسة عن قصائد جيكور للسياب

دراسة عن قصائد جيكور للسياب
TT

دراسة عن قصائد جيكور للسياب

دراسة عن قصائد جيكور للسياب

صدر حديثاً عن دار «متون المثقف للنشر والتوزيع» كتاب «الاتساق النصي في البنية الشعرية: قصائد جيكور لبدر شاكر السياب نموذجاً»، للباحث مصطفى عطية جمعة، في 250 صفحة، مقدماً قراءة نقدية تجمع بين التنظير والتطبيق، وتتخذ من قصائد «جيكور» في منجز بدر شاكر السياب، ميداناً لاختبار منهجية الاتساق النصي في تحليل الشعر.

يقول الناشر: «يعرض الكتاب منهجية الاتساق النصي، بوصفها مدخلاً يراهن على الموضوعية والعلمية في قراءة النصوص الأدبية، انطلاقاً من بنية النص ونسيجه اللغوي، بعيداً عن الرؤى التعميمية، والأحكام الانطباعية، التي قد تُحمِّل النص ما لا يحتمل، أو تبتعد في تحليله عمَّا تقوله الكلمات، وتومئ به التعبيرات. وفي هذا السياق، يسعى المؤلف إلى استنطاق شيفرات النص، والبحث عن أسباب ترابط بنيته وفق آليات واضحة يمكن تطبيقها والخروج بنتائج تدعم جماليات القصيدة، وتفسر اشتغالها الداخلي».

ويقدم الكتاب، كما يضيف، إضافة منهجية عبر طرح استراتيجية لدراسة البنية الشعرية تستوعب الرؤية والمضمون، وتنظر في البنيتين الرأسية والأفقية، وما تضمّانه من سرديات وأساطير ورموز، بالتوازي مع التحليل النحوي والصرفي ووجوه البلاغة. كما يقدم دراسة تطبيقية حول شعرية السياب بوصفه شاعراً حداثياً في طليعة جيل الحداثة العربية، عبر التركيز على مجموعة قصائد يجمعها رابط مضموني يتمثل في حضور «جيكور» في عناوينها، وتوظيفها داخل العالم الرؤيوي للنص، بما يتيح تتبع تحول «جيكور» من قرية في الذاكرة إلى علامة دلالية تتسع لتحولات الذات والعالم.

تتوزع مواد الكتاب على ثلاثة فصول: يؤطر الفصل الأول مفهوم علم النص وصلته بالخطاب والاتساق، وصولاً إلى البنية الشعرية، مع شرح للمنهجية المعتمدة، فيما يتناول الفصل الثاني «جيكور» بوصفها موطن تكوين الذات الشاعرة، مسلطاً الضوء على سنوات البراءة في حياة السياب، وعلاقته بقضايا الوطن والعالم، مع تحليل نماذج من القصائد وعناوينها بوصفها عتبات دالة. ويخصص الفصل الثالث لدراسة القصائد نفسها دراسةً رأسية وفق منهجيات الاتساق النصي، مع التركيز على الأبنية العليا والجزئية في المتن الشعري.