عُمان.. رصيد إيران الثمين في الخليج

بفضل موقعها الجغرافي وسعيها الدائم لاتباع سياسة متميزة

عُمان.. رصيد إيران الثمين في الخليج
TT

عُمان.. رصيد إيران الثمين في الخليج

عُمان.. رصيد إيران الثمين في الخليج

قام قائد البحرية الإيرانية الأدميرال حبيب الله سياري في مطلع الشهر الماضي بزيارة لروسيا على رأس وفد رفيع المستوى ضم قائد الشؤون الفنية في البحرية الإيرانية الأدميرال عباس زماني. ظاهريًا، تأتي زيارة هذا الوفد الإيراني لحضور فعاليات معرض الدفاع البحري الدولي في العاصمة الروسية موسكو. ولكن على الرغم من ذلك، كما ذكرت المصادر الروسية والإيرانية في وقت لاحق، جلب الوفد الإيراني معه «لفتة تسويقية رائعة» من حيث شراء المعدات والبرمجيات البحرية الروسية. وقرّرت الجمهورية الإسلامية، من واقع عزمها على المضي قدما في مزاعم كونها «قوة إقليمية عظمى»، تطوير وحداتها البحرية إلى وحدات كاملة تعمل في المياه الزرقاء.
لقد كانت هناك ثلاثة أحداث هي التي حفّزت برنامج إظهار القوة البحرية الإيرانية:
الحدث الأول رغبة الرئيس الأميركي باراك أوباما المعلنة لتقليص حجم الوجود العسكري الأميركي في منطقة الشرق الأوسط ثم إنهائه. وإذا ما تابع الرئيس الأميركي المقبل الذي سيخلف أوباما في البيت الأبيض سياسات الرئيس الحالي، ستترك الولايات المتحدة الأميركية فجوة عظيمة لا بد من تغطيتها في تلك المنطقة. والواضح أن القيادة الإيرانية تطمح لأن تشغل إيران ذلك الفراغ.
الحدث الثاني كان الاتفاق المُبرم بين دول مجموعة «الخمسة زائد واحد» المزعومة حول المشروع النووي الإيراني، الذي إذا قيض له أن يدخل حيز التنفيذ الفعلي، سينجم عنه الإفراج عن الأصول المالية الإيرانية لدى الغرب، التي تتراوح ما بين 120 و150 مليار دولار وهو ما يؤمن لإيران ما يكفي من الموارد التي تمكنها من رفع مستوى قواتها البحرية بصورة هائلة. بل إن الميزانية الإيرانية الجديدة، في واقع الأمر، عمدت إلى زيادة مستوى الإنفاق الدفاعي لما يقرب من 23 في المائة، وجزء منها مكرّس بكل تأكيد لإظهار القوة البحرية الإيرانية.
وأما الحدث الثالث، فكان التوقيع السريع من جانب سلطنة عُمان، التي تتشارك معها إيران في أطول سواحلها البحرية بطول يبلغ أكثر من 400 كيلومتر، على معاهدة ترسيم حدود المياه الإقليمية ما بين البلدين الجارتين. وهذه المعاهدة التي عملت وزارة الدفاع الإيرانية على إعدادها كانت قد أرسلت خلال فصل الربيع الماضي إلى وزارة الخارجية في طهران مع طلب إجراء المفاوضات بشأنها والاتفاق عليها مع سلطنة عُمان خلال فترة قدّرت بثلاث سنوات. ولقد اتضح فيما بعد، رغم كل شيء، أن الجانب العُماني ما كان في حاجة إلى «ماراثون مفاوضات» مطوّل، إذ صادق على المعاهدة التي وقّع عليها السلطان قابوس بن سعيد بنفسه في الشهر الماضي.
ولكن، وبما أن النصّ الرسمي للمعاهدة المذكورة لم يأخذ طريقه إلى النشر بعد، ليس أمام المحلّلين إلا التكهّن المجرد حول كامل محتوياتها وما إذا كانت تشتمل على بنود سرية أم لا. مع هذا أفادت التقارير الإعلامية الإيرانية أن المعاهدة الجديدة سوف تعمل على تنظيم سلسلة من الترتيبات التي أبرمتها إيران مع سلطنة عُمان في بدايات عقد السبعينات. وفي ذلك الوقت كان شاه إيران الراحل محمد رضا بهلوي قد أرسل قوة تدخل سريع لسحق التمرّد الشيوعي المدعوم من قبل اليمن الجنوبية - يومذاك - في إقليم ظفار بغرب عُمان.
في ذلك الوقت، اشتملت الترتيبات المذكورة على إعادة تزويد القواعد اللوجيستية التابعة للجيش الإيراني في عدد من المواقع العُمانية ومن بينها ميناء صور ورأس الحد، وكذلك ميناء مرباط إلى الشرق من صلالة عاصمة إقليم ظفار. مع هذا، كتب الجنرال علي خورسند، قائد قوة التدخل السريع الإيرانية، رسالة أوصى فيها «بوجود رفيع المستوى للبحرية الإيرانية في سلطنة عُمان يمتد لما وراء الاحتياجات الراهنة لعمليات مكافحة التمرد». واتفقت تلك «التوصية» تمامًا مع خطة الشاه الطموحة حيال «السوق المشتركة لدول المحيط الهندي»، كما جاءت متوافقة مع مبادئ ريتشارد نيكسون، الرئيس الأميركي - في حينه، والتي يصار بموجبها إلى ضمان الأمن الإقليمي من جانب الحلفاء الإقليميين للولايات المتحدة. ومن ثم، جرى ضمان حقوق الرسوّ للبحرية الإيرانية في عدد من الجزر العُمانية ومن بينها جزر الديمانيات وجزر الحلاّنيات (أرخبيل كوريا موريا سابقًا) وجزيرة أم الغنم (أو جزيرة الغنم) التي تحتل موقعًا استراتيجيًا عند مدخل البوابة الجنوبية من مضيق هرمز.
لسنوات طويلة، استخدمت إيران التهديد بإغلاق مضيق هرمز في منازعاتها الهزلية مع خصومها الإقليميين. وللعلم، فالمضيق عبارة عن جسم مائي يبلغ طوله 54 كيلومترا يربط الخليج العربي بخليج عُمان ثم بحر العرب إلى المحيط الهندي. وينقسم المضيق، في واقع الأمر، إلى قناتين على محاذاة جزيرة قشم الإيرانية البالغ طولها 110 كيلومتر. ويعرف الجسم المائي الواقع إلى شمال جزيرة قشم ويتلامس مع الساحل الإيراني باسم مضيق كلارنس وهو مضيق غير مطروق من جانب طرق الشحن الدولية.
وبالتالي، فإن الجزء إلى الجنوب من جزيرة قشم، الذي يتلامس مع القطاع العماني عند رأس مسندم، هو الذي يحمل الأهمية الاستراتيجية نظرا لحركة المرور الدولية الكثيفة بما فيها مرور ناقلات النفط التي تنقل أكثر من 30 في المائة من تجارة النفط العالمية. وهذا الممرّ الجنوبي هو الذي تهدّد إيران بإغلاقه، ما يحوّل المضيق إلى نقطة اختناق بحرية ويغلق الطريق أمام كل من العراق والكويت والبحرين وقطر والإمارات العربية المتحدة إلى البحار المفتوحة. (بطبيعة الحال لن تعاني المملكة العربية السعودية بقدر معاناة تلك الدول لأنها تتمتع بسواحل طويلة على البحر الأحمر).
الهزيمة أمام الولايات المتحدة
لسنوات طويلة، كانت البحرية الإيرانية التي عانت من هزيمة فادحة على أيدي القوات البحرية الأميركية في أبريل (نيسان) عام 1988، قد خططت لـ«حرب عصابات» ضد الجانب الأميركي داخل مياه الخليج. غير أنه نظرًا لافتقار إيران إلى حاملات الطائرات وبوارج ومدمّرات ثقيلة، فقد صمّمت عقيدتها القتالية على أساس ما يُعرف بـ«الاحتشاد» وهي القوة المتكوّنة من مئات من القوارب الصغيرة السريعة المخصصة لمهاجمة القطع البحرية الأميركية التي تتلقى النيران كذلك من 23 جزيرة إيرانية متناثرة فوق مياه الخليج. وفي هذا السياق، يكون إغلاق مضيق هرمز من الأهمية بمكان لحرمان السفن الأميركية المحاصرة في الخليج من الدعم اللوجيستي وإعادة التموين الضرورية.
هناك جزيرتان تتمتعان بأهمية استراتيجية خاصة بقدر أهمية بسط السيطرة على الجزء الجنوبي من المضيق. فإلى شمال الممر المائي تقع جزيرة هنجام، وهي من توابع جزيرة قشم، ولقد حوّلت بالفعل إلى قاعدة عسكرية. وإلى الجنوب منها قرب شبه جزيرة مسندم تقع جزيرة أم الغنم العُمانية. وحسب حامد زمردي، النقيب السابق بالبحرية الإيرانية، فإن «من خلال الوجود الإيراني في هاتين الجزيرتين، تستطيع إيران بسط سيطرتها على عدوَتي بوابة المضيق. وظل للجزيرتين الصغيرتين، بجانب رأس مسندم المجاورة، أهمية قصوى في التخطيط البحري الإيراني منذ أيام نادر شاه في القرن الـ18 عندما قررت إيران، لأول مرة، بناء قواتها البحرية في مياهها الجنوبية».
كان التاريخ الإيراني الطويل ملحمة متواصلة من السطوع والأفول. وبالتالي، فإن مزاج البناء الإمبراطوري الحالي والشائع في طهران ليس بالشيء الجديد. ولكن رغم ذلك، فإن إيران التي تتربع مرتاحة على مرتفعات شامخة تطل على الخليج لم يكن يحدوها نهم المغامرات البحرية، ولذلك فشلت أيمّا فشل في بناء قوة بحرية قادرة.
غير أن الإمبراطورية الفارسية الأولى كانت، في الواقع، تمتلك قواتها البحرية، إلا أنها كانت تُدار بصورة رئيسية من قبل المُرتزقة المجلوبين من اليونان وفينيقيا على الساحل السوري. ومع أنها كانت تحت قيادة ماردونيوس، ابن عم «ملك الملوك»، عجزت تلك القوات البحرية عن تحقيق منجزات عسكرية تستحق الذكر، بل وفقًا لأسطورة ما كان ماردونيوس يجيد السباحة وكان يصيبه دوار البحر فور اعتلائه متن أي قارب.
لقد دفع الفشل الإيراني في بناء وجود بحري قوي وفعّال بالقوى البعيدة - ولا سيما القوى الأوروبية - إلى اختراق الخليج العربي وخليج عُمان، ونشوء «جيوب» للقرصنة التي تضم قراصنة من أماكن بعيدة للغاية مثل آيرلندا والدول الإسكندينافية. وظهرت على سطح الأحداث أيضًا لحملات البرتغالية والإنجليزية والهولندية الخاصة والرسمية بحثا عن التجارة والهيمنة. وفي تلك الأثناء، كان سكان السواحل يتخالطون بصورة شبه متواصلة فيما بينهم مع مختلف الدول العربية وإيران، أو الأعراق المختلفة والقبائل المسيطرة على أجزاء من الأراضي وبناء الموانئ في مختلف الأماكن قبل طردهم من القوى الصاعدة الجديدة. وانخرطت دولة سورَت القائمة على القرصنة على الساحل الهندي من بحر العرب في ذلك عبر مختلف الأوقات.
العودة الإيرانية القوية
عادت إيران إلى المنطقة بصورة كبيرة خلال القرن الـ18، إذ اشترى نادر شاه أربع سفن حربية من القوى الأوروبية وعيّن الكابتن البريطاني كوك مستشارًا له للشؤون البحرية. ثم شن قائد القوات البحرية وقتها، الأميرال لطيف خان، سلسلة من الغارات البحرية التي انتهت بالاستيلاء على البحرين، وسحق تحدي بعض القبائل والقراصنة، مع غزو قصير لمسقط. ولكن رغم ذلك فإن المغامرات البحرية لنادر شاه لم تستمر طويلا. فلقد أدى اغتياله إلى سقوط إيران في هوة الحرب الأهلية والفوضى، وهو ما صرف الأنظار بعيدا عن مياه الخليج أو «المياه الجنوبية». وبعدها، استغرق الأمر من إيران نحو قرنين من الزمن قبل أن تتمكن من العودة إلى المياه الجنوبية تحت حكم رضا شاه بهلوي، الذي عمد إلى إعادة بناء القوة البحرية الإيرانية بمساعدة ألمانيا وإيطاليا في فترة الثلاثينات من القرن الماضي.
ومجددًا، استطاعت البحرية البريطانية تدمير البحرية الإيرانية لما شرعت بريطانيا، برفقة البحرية الروسية، في غزو إيران واحتلالها عام 1941 تحت مُسمى «قوات الحلفاء» التي كانت تحارب «قوات المحور» بقيادة ألمانيا إبان الحرب العالمية الثانية.
وبالانتقال إلى عقد الستينات من القرن الماضي، تمكن الشاه الجديد (والأخير قبل الثورة الخمينية) محمد رضا بهلوي من إعادة بناء البحرية الإيرانية تحسّبًا لسياسة الانسحاب البريطاني من شرق السويس. وبحلول عام 1979، عندما أجبر الشاه عن التخلي عن العرش ونُفي خارج البلاد، كانت البحرية الإيرانية القوة حقًا الإقليمية الوحيدة التي يعتد بها في مياه الخليج.
كانت طموحات الشاه ترمي إلى إنشاء قوة بحرية للمياه الزرقاء، وتعني وجود قوة بحرية قادرة على الإبحار والعمل بعيدا عن القواعد الموجودة على شواطئ أرض الوطن. وفي عام 1975 و1976، رفعت البحرية الإيرانية الجديدة العلم الإيراني خلال زيارات رمزية لبحر العرب وخليج عدن والبحر الأحمر.
وفي ندوة عقدت في طهران عام 1976 برئاسة وزير الخارجية الأسبق نصر الله انتظام، سلّط الضوء على بناء أو توسعة القواعد الجوية - البحرية في شبه جزيرة جاسك وباساباندر، وعلى ساحل مكران وغوادار بالقرب من الحدود الباكستانية. كما جرت مناقشة بناء أسطول من الغواصات التي تبحر في الأجزاء الشمالية من المحيط الهندي. وكان دائمًا يشار إلى سلطنة عُمان في كل المناقشات على أنها عامل رئيس يساعد إيران على تحقيق طموحاتها البحرية.
فسلطنة عُمان أشبه ما تكون بالجزيرة، وباستثناء الوصلة الهامشية المأهولة في ظفار التي تربطها بمناطق جنوب اليمن، فهي تعتبر مغلقة أو معزولة عن المناطق الداخلية من شبه الجزيرة العربية بوجود مرتفعات الباطنة والربع الخالي، كما أنها محاطة بالمياه من الجوانب الثلاثة الأخرى. ومن الناحية الجغرافية السياسية، تعد السلطنة «الجائزة الكبرى» بحق لكل من يسعى لإظهار القوة البحرية في المحيط الهندي.
في الوقت الراهن تحاول إيران تنفيذ بعض خطط الشاه القديمة القاضية ببناء بحرية المياه الزرقاء مع وجود سلطنة عُمان كمرفق مهم لرسوّ السفن عبر الحدود البالغة 400 كيلومتر. ووفقا للأميرال زماني، في عام 2012، شرعت إيران في تصميم وبناء نظم الدفع النووي لغواصاتها بالفعل. وقال زماني حول ذلك: «بما أننا نمتلك التكنولوجيا النووية السلمية، بإمكاننا تنفيذ برامج بناء أنظمة محركات الغواصات النووية. إن لكل دولة الحق في استخدام التكنولوجيا النووية السلمية فيما يخص نظم دفع السفن». والحقيقة أن إيران باشرت بناء الغواصات عام 2011 من أجل منح مؤسستها العسكرية «السلاح الأكثر تطورًا» والمحافظة على الأمن في مضيق هرمز. وعن هذا يقول زماني: «ليست لدينا أهداف عدوانية، ولكن إذا تعرضنا للهجوم فسوف ندافع عن أنفسنا».
تمتلك البحرية الإيرانية حاليًا 26 غواصة، بما في ذلك 3 غواصات روسية من طراز كيلو الهجومية، و12 غواصة صغيرة، وفقا للمصادر الإيرانية. وخلال زيارته إلى موسكو الشهر الماضي، امتدح الأميرال سياري «النجاح الإيراني في إصلاح الغواصات الثقيلة»، قائلا: «إن القدرات الوطنية الفائقة والامتياز في التكنولوجيا المتقدمة المستخدمة في السفن البحرية تعكس فشل العقوبات والضغوط التي يفرضها علينا أعداؤنا». ويزعم سياري أن إيران واحدة من بين عدد قليل من الدول التي يمكنها تنفيذ عمليات الإصلاح الكاملة أو الجزئية للغواصات.
من ناحية أخرى، ليس مفاجئا أن تحتل سلطنة عُمان تلك المكانة البارزة في التخطيط الإيراني الطويل الأجل حيال إظهار القوة البحرية. ويؤمن الجانب العُماني بأن السلطنة مدينة لإيران بجميل مساعدتها في سحق التمرد الشيوعي الذي استهدف السلطنة في ظفار من جنوب اليمن في فترة السبعينات. وفي بادرة للصداقة ناحية سلطنة عُمان، رفضت إيران خلال السبعينات طلبا من شيوخ خصب وديا، في شبه جزيرة مسندم، معقل قبائل الشحوح والكمازرة (سكان قرية كمزار) بالانفصال عن السلطنة وإعلان دويلات صغيرة مستقلة تحت حكمهم.
عُمان.. والسعي لمكانة سياسية متميزة
اللافت في هذا السياق أن السلطان قابوس كان الزعيم العربي الوحيد الذي حضر في احتفالات عام 1971 بتأسيس الإمبراطورية الفارسية، حين أرسلت الدول الأخرى فقد أرسلت ممثلين عنها من مستويات أدنى، احتجاجا على احتلال إيران جزر طنب الكبرى وطنب الصغرى وأبو موسى التابعة لإمارتي رأس الخيمة والشارقة، إبان الحماية البريطانية. كذلك كانت سلطنة عُمان أيضا الدولة العربية الوحيدة التي وقفت بجانب مصر بشأن اتفاقية كامب ديفيد للسلام مع إسرائيل.
وتعد مغازلة سلطنة عُمان اليوم جزءا من سياسة أكبر وأوسع للجمهورية الإسلامية من أجل بسط، لمنطقة الخليج على حساب الدول الأعضاء في مجلس التعاون الخليجي، من خلال إقناع أو تهديد تلك الدول بعدم اتخاذ أي جانب معين حال أي صراع ينشأ بين إيران وخصومها داخل أو خارج المنطقة. وحتى الآن، تمكنت سلطنة عُمان من تدشين وتنفيذ سياسة خارجية خالية من المشكلات. ولكن لأي مدى يمكنها الآن وسلطنة عُمان الصديقة من الأصول الكبيرة بالنسبة لسياسة الأمن القومي الإيرانية، ناهيكم عن طموحاتها التوسعية الإقليمية. أما سلطنة عُمان المعادية، فقد تجبر خبراء الاستراتيجية الإيرانيين على التفكير مليا قبل أن يحاولوا ابتلاع أكثر مما يمكنهم هضمه.



الصين والحرب على إيران: دبلوماسية التوازن... في لحظة الانفجار الإقليمي

من قمة آسيان - مجلس التعاون الخليجي - الصين في العام الفائت (تشاينا دايلي)
من قمة آسيان - مجلس التعاون الخليجي - الصين في العام الفائت (تشاينا دايلي)
TT

الصين والحرب على إيران: دبلوماسية التوازن... في لحظة الانفجار الإقليمي

من قمة آسيان - مجلس التعاون الخليجي - الصين في العام الفائت (تشاينا دايلي)
من قمة آسيان - مجلس التعاون الخليجي - الصين في العام الفائت (تشاينا دايلي)

تضع الحرب الدائرة على إيران الشرق الأوسط مجدداً في قلب التحولات الكبرى في النظام الدولي، لكنها في الوقت نفسه تضع الصين أمام اختبار دقيق لقدرتها على إدارة شبكة معقدة من العلاقات في المنطقة. فبكين، التي تحوّلت خلال العقدين الأخيرين إلى أحد أبرز الفاعلين الاقتصاديين في الشرق الأوسط، تجد نفسها اليوم أمام معادلة شديدة الحساسية: فمن جهة كيف تحافظ على شراكتها الاستراتيجية مع إيران، ومن جهة أخرى، وفي الوقت ذاته، كيف تصون علاقاتها العميقة مع دول الخليج، وتتجنب الإضرار بعلاقاتها الاقتصادية والتكنولوجية مع إسرائيل.

معادلات الشرق الأوسط ليست سهلة. فهذه المنطقة بالنسبة للصين ليست مجرد مساحة جغرافية بعيدة، بل منطقة حيوية تتقاطع فيها ثلاثة عناصر أساسية في الاستراتيجية الصينية: أمن الطاقة، واستقرار طرق التجارة، وتوسّع «مبادرة الحزام والطريق». ولذا؛ فإن أي حرب واسعة في المنطقة لا تشكّل تهديداً سياسياً فحسب، بل تمسّ مباشرة مصالح الصين الاقتصادية والاستراتيجية.

من هذا المنطلق، يمكن فهم الموقف الصيني من الحرب على إيران بوصفه محاولة واعية للحفاظ على سياسة التوازن الدقيق بين أطراف متعارضة، دون الانخراط في الصراع أو التحول إلى طرف فيه.

إيران وموقعها في الاستراتيجية الصينية

تحتل إيران موقعاً مهماً في الرؤية الجيوسياسية الصينية، ليس فقط بسبب مواردها الطاقوية الكبيرة، بل أيضاً بسبب موقعها الجغرافي الذي يربط آسيا الوسطى بالشرق الأوسط وأوروبا. وقد تعزّز هذا الموقع مع توقيع «اتفاقية التعاون الاستراتيجي الشامل» لمدة 25 سنة بين الصين وإيران في عام 2021، وهي الاتفاقية التي فتحت الباب أمام تعاون واسع في مجالات الطاقة والبنية التحتية والنقل والاستثمار.

بالنسبة لبكين، تمثل إيران عقدة مهمة في مشروع «مبادرة الحزام والطريق»؛ ذلك أنها تشكل ممراً جغرافياً رئيساً يربط الصين بالأسواق الغربية عبر آسيا الوسطى والشرق الأوسط. ثم أن إيران، بحكم استقلالية قرارها السياسي عن الغرب، تُعد شريكاً بإمكان الصين التعامل معه خارج منظومة الضغوط والعقوبات الغربية، وهو ما يفسر استمرار التعاون الاقتصادي بين البلدين رغم القيود الدولية.

لكن في الوقت ذاته، لا تنظر الصين إلى علاقتها مع إيران بوصفها تحالفاً عسكرياً أو سياسياً موجّهاً ضد طرف آخر. إذ إن بكين تدرك أن الانحياز الكامل إلى طهران سيعرّض مصالحها الواسعة في المنطقة للخطر. ولذلك؛ تحرص دائماً على إبقاء العلاقة في إطار الشراكة الاقتصادية والاستراتيجية من دون أن تتحول إلى اصطفاف جيوسياسي حاد.

وزير الخارجية السعودي الأميرفيصل بن فرحان مع نظيره الصيني وانغ يي (وزارة الخارجية الصينية)

الخليج: شريان الطاقة للصين

من جانب آخر، إذا كانت إيران شريكاً مهماً للصين، فإن دول مجلس التعاون الخليجي الخليج تمثل بالنسبة للقيادة الصينية الركيزة الأساسية لأمن الطاقة.

فالصين اليوم هي أكبر مستورد للنفط في العالم، ويأتي جزء كبير من وارداتها النفطية من دول الخليج، وعلى رأسها المملكة العربية السعودية، ودولة الإمارات العربية المتحدة، وقطر والكويت.

وهذا الاعتماد الكبير على الطاقة الخليجية جعل بكين تعمل خلال السنوات الماضية على تطوير علاقاتها الاقتصادية والسياسية مع دول المنطقة بشكل غير مسبوق. وبالفعل، شهدت العلاقات الصينية الخليجية توسعاً كبيراً في مجالات الاستثمار والطاقة المتجددة والتكنولوجيا والبنية التحتية.

ثم أن التعاون بين الصين ودول مجلس التعاون الخليجي لم يعد مقتصراً على النفط، بل امتد إلى مشاريع كبرى في مجالات المواني واللوجيستيات والاقتصاد الرقمي والذكاء الاصطناعي؛ وهو ما يعكس تحوّل العلاقة إلى شراكة استراتيجية متعددة الأبعاد.

في هذا السياق، تدرك القيادة في بكين أن أي حرب واسعة النطاق في المنطقة قد تهدّد استقرار أسواق الطاقة العالمية، وتؤدي بالتالي إلى اضطرابات في إمدادات النفط والغاز؛ وهو ما قد ينعكس سلباً على الاقتصاد الصيني. وبناءً عليه؛ ترى بكين اليوم في الاستقرار الإقليمي شرطاً أساسياً لحماية مصالحها الاقتصادية.

ولقد ظهر هذا التوجه بوضوح في الدور الذي لعبته بكين في رعاية الاتفاق التاريخي لاستئناف العلاقات بين السعودية وإيران في عام 2023، وهو اتفاق اعتبره كثيرون مؤشراً على صعود الدور الدبلوماسي الصيني في الشرق الأوسط.

العلاقة «المعقدة» مع إسرائيل

في الوقت عينه، طوّرت الصين خلال العقود الماضية علاقات اقتصادية وتكنولوجية مهمة مع إسرائيل. فقد أصبحت إسرائيل أحد الشركاء البارزين للصين في مجالات الابتكار والتكنولوجيا المتقدّمة، كما شاركت الشركات الصينية في تنفيذ مشاريع بنية تحتية مهمة داخل إسرائيل، بما في ذلك تطوير بعض المواني ومشاريع النقل.

هذه العلاقة تعكس اهتمام الصين بالاستفادة من القدرات التكنولوجية الإسرائيلية، خصوصاً في مجالات التكنولوجيا المتقدمة والذكاء الاصطناعي والأمن السيبراني.

لكن في ظل التصعيد العسكري في المنطقة، حرصت سلطات بكين على التأكيد أن الحل لا يمكن أن يكون عسكرياً. وفي هذا السياق، أجرى وزير الخارجية الصيني وانغ يي اتصالات مع الأطراف المعنية، شدّد خلالها على «ضرورة وقف العمليات العسكرية وتجنب توسيع رقعة الحرب، والعمل على إعادة فتح المسارات الدبلوماسية، بما في ذلك تواصل مع الجانب الإسرائيلي ضمن مساعي التهدئة».

غير أن هذه العلاقة شهدت خلال السنوات الأخيرة بعض التعقيدات، خصوصاً في ظل الضغوط الأميركية على إسرائيل لتقليص تعاونها التكنولوجي مع الصين. كما أن التصعيد العسكري المتكرّر في المنطقة وضع بكين أمام تحدٍ إضافي في إدارة علاقاتها مع إسرائيل دون أن تبدو منحازة في الصراعات الإقليمية.

موقف الصين من الحرب

انطلاقاً من هذه الشبكة المعقدة من العلاقات، جاء الموقف الصيني من الحرب على إيران منسجماً مع نهج بكين التقليدي في السياسة الخارجية، لكنه في ضوء التطورات الأخيرة بات أكثر حذراً وواقعية.

ذلك أن التصعيد الذي شهدته المنطقة خلال الأيام الماضية، من ضربات واسعة واستهدافات مباشرة وردود متبادلة طالت مصالح وقواعد، وضع الصين أمام مشهد يتجاوز الحسابات التقليدية. والقصد هنا أن الحرب لم تعد مجرد احتمال، بل صارت مساراً قائماً يتّسع تدريجياً.

في هذا السياق، كثّفت بكين تحركاتها الدبلوماسية بشكل لافت، فأرسلت مبعوثها الخاص إلى الشرق الأوسط، حيث أجرى لقاءات مع عدد من المسؤولين، أبرزها مع وزير الخارجية السعودي الأمير فيصل بن فرحان، في خطوة تعكس إدراك الصين لأهمية التنسيق مع القوى المحوَرية في استقرار المنطقة. وبالتوازي، أجرى وزير الخارجية الصيني وانغ يي سلسلة اتصالات مع أطراف إقليمية ودولية، شملت أيضاً تواصلاً مع الجانب الإسرائيلي، ركّز خلالها على ضرورة الوقف الفوري لإطلاق النار، ورفض توسيع دائرة الحرب، والدفع نحو إعادة فتح المسارات السياسية.

أيضاً شددت القيادة الصينية على أهمية «احترام سيادة الدول ووحدة أراضيها»، ورفضت أي سياسات تقوم على تغيير الأنظمة بالقوة أو فرض الوقائع العسكرية خارج إطار الشرعية الدولية.

غير أن ما يلفت في الموقف الصيني هو إدراكه أن هذه الحرب، إذا ما استمرت، لن تبقى محصورة في حدود إيران، بل ستصبح مرشحة لإعادة رسم توازنات المنطقة بأكملها، بما في ذلك الخليج وشرق المتوسط. وهذا الأمر، بالذات، يفسّر الحذر الشديد في الخطاب السياسي الصيني إزاء الحرب الراهنة، فهو من جهة يتجنب الانحياز العلني، لكنه من جهة ثانية - وفي الوقت ذاته - يرفض منطق الحسم العسكري.

بكين ترى أن هذه الحرب - إذا استمرت - لن تبقى محصورة في حدود إيران... بل ربما تؤدي لرسم توازنات المنطقة بأكملها

قراءات الصين بين الاستفادة والحذر

وسط هذا المشهد، يُطرح سؤال يتكرر في الأوساط السياسية: هل تُعدّ الصين الرابح من تعثر الولايات المتحدة في إدارة الحرب؟

الواقع أن الإجابة ليست بهذه البساطة.

إذ بكين تراقب، من دون أدنى شك، كيف تواجه واشنطن صعوبات في تحقيق حسم سريع، وما قد يرافق ذلك من «تآكل في صورة» القوة القادرة على فرض نتائجها. وبالطبع، هذا ربما يمنح الصين هامشاً سياسياً أوسع لتعزيز خطابها حول عالم متعدد الأقطاب، وإعادة طرح تساؤلات حول فاعلية السياسات القائمة على القوة العسكرية.

ولكن في المقابل، لا تنظر الصين إلى هذا التعثر بوصفه «نصراً» لها بقدر ما تراه مؤشراً على بيئة دولية أكثر اضطراباً وخطورة. ذلك أن «الحروب المفتوحة» في منطقة الشرق الأوسط لا تخدم المصالح الصينية، بل، بالعكس، تهدد مباشرة أمن الطاقة واستقرار طرق التجارة وسلاسل الإمداد التي يقوم عليها صعودها الاقتصادي.

لذلك؛ يمكن القول إن الصين ليست رابحاً مباشراً في هذه الحرب، بل فاعل حذر يستفيد من أخطاء الآخرين دون أن يتمنى استمرارها... ويدرك أن أي انفلات واسع في المنطقة قد يتجاوز الجميع ويعيد رسم قواعد اللعبة الدولية بشكل لا يمكن التحكم به.

الشرق الأوسط في الرؤية الصينية

خلال السنوات الأخيرة، بدأت الصين تنظر إلى الشرق الأوسط من منظور أوسع يتجاوز البُعد الاقتصادي وحده. فالمنطقة أصبحت ساحة مهمة في التنافس الدولي، لكنها - وفقاً للمسؤولين الصينيين - تمثّل في الوقت نفسه فرصة لبكين لتعزيز دورها كقوة دولية كبيرة تسعى إلى دعم الاستقرار والتنمية.

وفي هذا السياق، طرحت الصين مجموعة من المبادرات الدولية التي تهدف إلى إعادة صياغة آليات التعاون الدولي، من أبرزها: «مبادرة التنمية العالمية»، و«مبادرة الأمن العالمي»، و«مبادرة الحوكمة العالمية» التي تركز على إصلاح منظومة الحوكمة الدولية وتعزيز التعددية واحترام سيادة الدول.

وفق مسؤولين في بكين، تنسجم هذه المبادرات مع رؤية الرئيس الصيني شي جينبينغ، الذي يؤمن بأن العالم يحتاج إلى نظام دولي «أكثر توازناً وعدالة»، يقوم على «التعاون المتكافئ بين الدول واحترام خصوصياتها التنموية والثقافية».

«دبلوماسية التوازن»

في ضوء كل ما سبق، يمكن القول إن السياسة الصينية في الشرق الأوسط تقوم راهناً على ما يمكن تسميته «دبلوماسية التوازن». إذ إن الصين تحاول الحفاظ على علاقات جيدة مع جميع الأطراف الإقليمية، من دون الانحياز إلى محور ضد آخر. وهذه الدبلوماسية تقوم على ثلاث معادلات أساسية:

- الحفاظ على الشراكة مع إيران

- ضمان أمن الطاقة عبر الخليج

- الاستمرار في التعاون مع إسرائيل.

لكن مع اتساع رقعة التصعيد، لم يعُد هذا التوازن مجرّد خيار دبلوماسي مريح، بل تحوّل ضرورة استراتيجية معقدة، تتطلّب إدارة دقيقة لتفادي الانزلاق إلى مواقف قد تضرّ بمصالح الصين أو تقيّد حركتها في المنطقة.

وفي لحظة تتقدّم فيها لغة القوة على ما عداها، تحاول سلطات بكين أن تطرح رؤيتها كصوت مختلف، لا يملك أدوات الحسم العسكري، لكن لديه رؤية تقوم على منع الانهيار الشامل بدل من الاكتفاء بإدارة نتائجه. أخيراً، مع اتساع رقعة المواجهة في المنطقة، سيبقى اختبار بكين الحقيقي ليس فقط قدرتها على الحفاظ على توازن علاقاتها، بل في مدى نجاحها في تحويل هذا التوازن دوراً فاعلاً يمنع الانزلاق نحو حرب أكبر.

وبخاصة، أنه في شرق أوسط يشتعل على أكثر من جبهة، لم يعد التوازن خياراً دبلوماسياً فحسب، بل ضرورة استراتيجية... للصين وللعالم.

 

* رئيس معهد طريق الحرير للدراسات والأبحاث ورئيس الرابطة العربية الصينيةللحوار والتواصل


ماركواين مَلين... «رجل ترمب المقاتل» لوزارة الأمن الداخلي

خلفيته تجعله جذاباً داخل الحزب الجمهوري... وخصوصاً في موجته الشعبوية المناهضة للنخب والمثقفين
خلفيته تجعله جذاباً داخل الحزب الجمهوري... وخصوصاً في موجته الشعبوية المناهضة للنخب والمثقفين
TT

ماركواين مَلين... «رجل ترمب المقاتل» لوزارة الأمن الداخلي

خلفيته تجعله جذاباً داخل الحزب الجمهوري... وخصوصاً في موجته الشعبوية المناهضة للنخب والمثقفين
خلفيته تجعله جذاباً داخل الحزب الجمهوري... وخصوصاً في موجته الشعبوية المناهضة للنخب والمثقفين

حين اختار الرئيس الأميركي دونالد ترمب السيناتور الجمهوري ماركواين مَلين لقيادة وزارة الأمن الداخلي خلفاً لكريستي نويم، لم يكن يبحث فقط عن بديل إداري لوزيرة أُنهكت بالفضائح والاحتجاجات وسوء التواصل مع الكونغرس، بل عن شخصية تعكس، بأسلوبها وطباعها، المرحلة نفسها: صدامية، وهجومية، ومشدودة بالكامل إلى أولوية الهجرة والأمن الحدودي قبل انتخابات التجديد النصفي في نوفمبر (تشرين الثاني) المقبل. فمَلين لا يأتي من مدرسة الأمن القومي التقليدية، ولا من أجهزة إنفاذ القانون أو الاستخبارات، بل من عالم الأعمال العائلية والرياضة القتالية والسياسة الشعبوية. لذا يبدو ترشيحه، في جوهره، رسالة سياسية أكثر منه تعييناً تكنوقراطياً. ترمب يريد وزيراً قادراً على الدفاع عن نهجه، وامتصاص غضب الجمهوريين من فوضى نويم، ومواجهة الديمقراطيين الذين يربطون تمويل الوزارة بإصلاحات تحدّ من أساليب وكالة الهجرة والجمارك (آيس)، وهيئة الجمارك وحماية الحدود (سي بي بي). لكن هذا الاختيار نفسه يفتح أسئلة ثقيلة منها: هل تصلح شخصية قتالية لإدارة جهاز ضخم يضم أكثر من 20 وكالة ومئات آلاف الموظفين؟ وهل يستطيع مَلين أن يكون رجل ضبط مؤسسي، لا مجرد رأس حربة سياسي؟

ماركواين مَلين، المولود في مدينة تولسا، ثاني كبرى مدن ولاية أوكلاهوما، عام 1977، هو أصغر الأبناء السبعة لجيم مارتن مولين وبريندا غايل موريس مَلين، وابن بيئة ريفية محافظة في أوكلاهوما، نشأ في مزرعة العائلة ببلدة وستفيل. وبصفته عضواً في «أمة الشيروكي»، أكبر قبيلة من شعوب أميركا الأصلية (الهنود الحُمر)، يُعد أول سيناتور من السكان الأصليين منذ تقاعد السيناتور بن نايتهورس كامبل عام 2005. كما أنه ثاني مواطن من «الشيروكي» يُنتخب لعضوية مجلس الشيوخ منذ عام 1925.

خلفية ريفية

خلال الفترة من 2013 إلى 2023، شغل مَلين منصب الممثل الأميركي عن الدائرة الانتخابية الثانية لولاية أوكلاهوما. وكان قد تخرج في مدرسة ستيلويل الثانوية بمدينة ستيلويل بأوكلاهوما، والتحق بكلية ميسوري فالي، إلا أنه تركها مؤقتاً في سن العشرين بعدما مرض والده، ليتولّى مع زوجته كريستي إنقاذ شركة العائلة «مَلين لأعمال السباكة»، ثم توسيعها إلى شبكة أعمال شملت مجالات أخرى.

ولاحقاً، تابع دراسته الجامعية في تكنولوجيا البناء بمعهد التكنولوجيا الملحق بجامعة ولاية أوكلاهوما، وبنى صورته السياسية على أنه «رجل من خارج المؤسسة» يعرف الاقتصاد الحقيقي والأعمال الصغيرة أكثر مما يعرف «بيروقراطية» واشنطن.

خلفيته هذه هي التي جعلته جذاباً داخل الحزب الجمهوري، وخصوصاً في موجته الشعبوية المناهضة للنخب والمثقفين؛ فهو رجل ناجح، ريفي، متديّن، قريب من المزاج المحافظ في أوكلاهوما (أكثر ولايات أميركا محافظةً)، ويمكن تسويقه بسهولة بوصفه نموذجاً لـ«الأميركي المنتج» لا السياسي المحترف.

هذه السيرة الشخصية تحمل أيضاً عنصراً رمزياً مهماً: مَلين سيكون، إذا ثُبّت، من أبرز الشخصيات المنتمية إلى «أمة الشيروكي» في أعلى هرم السلطة الفيدرالية الأمنية.

غير أن هذا البُعد الرمزي لا يكفي وحده لرد الانتقادات؛ فخصومه لا ينازعونه في قصة الصعود الاجتماعي، بل في صلتها الفعلية بالمنصب الجديد. ومَن انتقل من السباكة والأعمال إلى مجلس النواب، ثم مجلس الشيوخ، لم يمرّ عبر مسار مهني تقليدي في الأمن الداخلي، أو إدارة الحدود، أو الاستجابة للكوارث... وهذه ملفات تمثل عصب الوزارة التي سيقودها. ولهذا فإن ما يُحسب له انتخابياً بوصفه «قريباً من الناس»، قد يُحسب عليه إدارياً بوصفه نقصاً في الخبرة النوعية.

«المقاتل الخشن»

ما ميّز مَلين في واشنطن ليس فقط خطه المحافظ، بل أسلوبه الشخصي؛ فهو مقاتل فنون قتالية مختلطة سابق، وسيرته الرسمية تذكر سجلّه الاحترافي غير المهزوم، كذلك بُني حضوره العام طويلاً على صورة الرجل القوي، السريع الغضب، المستعد للمواجهة المباشرة.

هذه الصورة بلغت ذروتها في نوفمبر (تشرين الثاني) 2023 حين تحدّى شون أوبراين، رئيس النقابة الدولية لعمال النقل (التيمسترز)، إلى عراك داخل جلسة استماع في مجلس الشيوخ، في مشهد تحوّل إلى اختصار رمزي لشخصيته السياسية: هجومية، واستعراضية، وغير معنية كثيراً بخطوط الوقار المؤسسي التقليدية.

حتى جلسة تثبيته نفسها لم تخلُ من هذا الإرث؛ إذ افتتحها رئيس لجنة الأمن الداخلي والشؤون الحكومية في مجلس الشيوخ السيناتور الجمهوري راند بول، بمواجهة شخصية قاسية، مذكّراً بخلافاتهما السابقة، وباللغة التي استخدمها مَلين بحقه، ما جعل الجلسة منذ بدايتها اختباراً للمزاج والطباع بقدر ما كانت اختباراً للسياسات.

هنا تكمن المعضلة الأساسية؛ فترمب يرى في «الصلابة» ميزة، وكثيرون من الجمهوريين يؤمنون بأن وزارة الأمن الداخلي، بعد شهور من الفوضى والارتباك، تحتاج إلى شخص «يمسكها بقبضة قوية». لكن ما يراه البيت الأبيض حزماً، يراه الديمقراطيون وبعض الجمهوريين اندفاعاً قد يزيد تأزيم وكالة تعمل أصلاً تحت ضغط سياسي ومالي وشعبي غير مسبوق.

«غموض» السيرة الأمنية

لكن أخطر ما يلاحق مَلين راهناً ليس افتقاره إلى الخبرة الإدارية فحسب، بل أيضاً الغموض الذي أحاط به شخصياً حول ما وصفه مراراً بأنه خبرات أو «مهمات خاصة» خارج وزارة الدفاع وفي الخارج؛ إذ تكلّم في مناسبات مختلفة عن وجوده في «بيئات حرب»، وعن «رائحة الحرب». وأشار بعد اقتحام «الكابيتول» يوم 6 يناير (كانون الثاني) 2021 إلى أنه «دافع عن المبنى»؛ لأنه أدرك سريعاً خطورة الموقف؛ لأنه «كان في مثل هذه الظروف في الخارج» من قبل، بيد أنه أحجم مراراً عن تقديم تفاصيل. وعندما سُئل، عاد لمكتبه هذا الأسبوع ليقول إن الأمر يتعلق بأعمال تبشيرية ودعم معنوي للجنود الأميركيين العائدين، إضافة إلى رحلات وفود برلمانية اعتيادية. هذه الفجوة بين الإيحاء الأمني والتفسير المتأخر هي ما جعل منتقديه يتكلمون عن محاولة لصناعة «رصيد بطولة ضمني» لا تدعمه سيرة معلنة أو خدمة عسكرية فعلية.

تتصل بهذه النقطة أيضاً «حكاية أفغانستان» في صيف 2021، حين حاول مَلين - وكان آنذاك نائباً في مجلس النواب - الوصول إلى المنطقة للمساعدة في إجلاء أميركيين وحلفاء بعد الانسحاب الأميركي الفوضوي.

بالنسبة لمؤيديه، كانت تلك الحلقة دليلاً على نزعة فعلية للمبادرة والمخاطرة... ولكن بالنسبة لمنتقديه جسّدت ميلاً إلى الأداء الفردي الملتبس عند تقاطع الأمن والسياسة والاستعراض.

هذا السجال مهمٌّ؛ لأن المنصب المطروح اليوم ليس منصب «رسول أزمة»، بل رئاسة مؤسسة عملاقة تحتاج إلى وضوح في التسلسل القيادي، وتحديد قانوني دقيق للمهام، وانضباط في الخطاب العام.

6 يناير... والولاء لترمب

في السياسة، يُقرأ مَلين أولاً كحليف شديد الوفاء لترمب. صحيح أنه حاول بعد هجوم «الكابيتول» أن يقدّم نفسه كأحد الذين استشعروا الخطر وساعدوا شرطة «الكابيتول». والمشكلة ليست في تلك اللحظة وحدها، ولكن عندما لم يتحوّل بعد 6 يناير إلى جمهوري ناقد لترمب، بل بقي داخل الدائرة المخلصة له سياسياً.

هذا الولاء هو بالضبط ما يطمئن البيت الأبيض اليوم، ويجعل كثيراً من الديمقراطيين مقتنعين بأن تغيير الاسم على باب الوزارة لن يعني تغييراً حقيقياً في سياساتها. فمَلين، في ملفات الهجرة خاصة، كان في حالة تطابق شبه كامل مع خط الإدارة، ودافع عن عناصر «آيس» حتى بعد حوادث القتل التي فاقمت الغضب العام.

وهنا تأتي المفارقة: الرجل يُسوَّق جمهورياً على أنه بديل عن كيرستي نويم، لكنه يُفهم ديمقراطياً على أنه استمرار أكثر انضباطاً لنهجها، لا قطيعة معه، ثم إن الديمقراطيين لا يرون أن مشكلتهم كانت مع شخصية نويم وحدها، بل مع بنية القرار نفسها داخل البيت الأبيض، حيث لا يزال ستيفن ميلر، مستشار ترمب ونائب كبير موظفي البيت الأبيض، صاحب التأثير الأكبر في ملف الأمن الداخلي والهجرة. وإذا كان الأمر كذلك، فإن مَلين قد ينجح في تحسين العلاقة مع الكونغرس، أو في إعادة شيء من الانضباط الإداري، لكنه لن يكون حراً في قلب فلسفة الوزارة، أو تخفيف القبضة على إنفاذ الهجرة.

ما الذي يرثه مَلين بعد نويم؟

خروج كيرستي نويم لم يكن مجرد تبديل روتيني؛ فبحسب «رويترز» ووسائل أميركية عدة، جاء بعد تراكم أزمات: مقتل مواطنين أميركيين في مينيابوليس خلال عمليات مرتبطة بإنفاذ الهجرة، وغضب من الوكالة الفيدرالية لإدارة الطوارئ (فيما)، وتأخر المساعدات، ومأزق إعلان حكومي ضخم بقيمة تفوق 200 مليون دولار ارتبط باسمها، وأثار امتعاض ترمب نفسه حين قال إنه لم يوافق عليه.

كذلك اشتكى جمهوريون من ضعف التواصل بين الوزارة والكونغرس، وهذه نقطة تكرّرت بقوة خلال الأيام التي سبقت جلسة مَلين. وبهذا المعنى، أُخرجت نويم بوصفها «كبش فداء» جزئياً، لكن أيضاً بوصفها عنواناً لفشل سياسي وإداري صار مكلفاً انتخابياً.

بالتالي، ما يرثه مَلين ليس جهازاً متماسكاً، بل وزارة مأزومة: نزاع أدى إلى تعطل تمويل بعض أنشطة الوزارة، وضغط ديمقراطي لفرض قيود على سلوك عناصر الهجرة، وتراجع في الرأي العام تجاه أساليب «آيس»، واستنزاف معنوي داخل أجهزة مثل إدارة أمن النقل (تي إس إيه) و«فيما». ففي استطلاع «رويترز - إبسوس» في يناير الماضي، قال 58 في المائة إن حملة «آيس» قد «ذهبت بعيداً»، في حين هبطت شعبية ترمب بموضوع الهجرة إلى 39 في المائة، رغم بقاء الجمهوريين متقدمين نسبياً على الديمقراطيين في ثقة الناخبين بهذه القضية.

هذه الأرقام تفسر سبب حاجة ترمب إلى شخصية قادرة على الجمع بين أمرين متناقضين ظاهرياً؛ أي مواصلة التشدد، لكن من دون إعادة إنتاج الفوضى البصرية والسياسية التي التصقت بنويم.

انتخابات نوفمبر

على الأرجح، لن يُقاس نجاح مَلين خلال الأشهر القليلة المقبلة بمعيار الإصلاح المؤسسي العميق، بل بثلاثة اختبارات أكثر مباشرة:

الأول، هل يستطيع تهدئة الجبهة الجمهورية الداخلية عبر تحسين إدارة «فيما»، والرد على شكاوى أعضاء الكونغرس من انقطاع التواصل؟

الثاني، هل ينجح في تمرير تمويل الوزارة، أو على الأقل تخفيف تكلفة الاشتباك مع الديمقراطيين حوله؟

والثالث، هل سيستطيع مواصلة حملة ترمب على الهجرة بطريقة أقل فوضى وأقل تكلفة دعائية؟

لكن حدود نجاحه واضحة أيضاً؛ فالديمقراطيون سيواصلون استخدامه منصة لإبراز ما يعتبرونه «قانونية منفلتة» داخل «آيس»، وهيئة الجمارك وحماية الحدود «سي بي بي»، لا سيما بعد حوادث مينيابوليس، ثم إن افتقاره إلى الخبرة المباشرة في ملفات الأمن الداخلي يمنح خصومه مادة جاهزة للتشكيك في قدرته على إدارة وزارة بهذا التعقيد. وإضافة إلى ذلك، فإن أي محاولة منه لتقديم نفسه مصلحاً معتدلاً ستصطدم بولائه السياسي لترمب، وأي انحياز كامل إلى خط البيت الأبيض سيعني تثبيت الانطباع بأنه مجرد منفذ سياسي لسياسات صاغها آخرون.

لذا يُرجَّح أن يكون مَلين «وزير احتواء» أكثر منه «وزير إعادة تأسيس»؛ أي رجل مهمته تنظيم الفوضى لا تغيير الاتجاه، وترميم صورة التشدد لا التخلي عنه.

في المحصلة، يختصر ماركواين مَلين مفارقة «الترمبية» في ولايتها الثانية: شخصيات من خارج الاختصاص تُدفع إلى مواقع سيادية؛ لأنها تتقن لغة الصدام السياسي والولاء الشخصي أكثر مما تتقن البيروقراطية الحكومية... قوته الحقيقية لا تكمن في خبرة أمنية مثبتة، بل في قدرته على تمثيل مزاج ترمب أمام الكونغرس والشاشات والقاعدة الجمهورية.


وزارة الأمن الداخلي... مظلة تنسيق حماية أمن الولايات المتحدة

كيرستي نويم، الوزيرة السابقة للأمن الداخلي (أ ب)
كيرستي نويم، الوزيرة السابقة للأمن الداخلي (أ ب)
TT

وزارة الأمن الداخلي... مظلة تنسيق حماية أمن الولايات المتحدة

كيرستي نويم، الوزيرة السابقة للأمن الداخلي (أ ب)
كيرستي نويم، الوزيرة السابقة للأمن الداخلي (أ ب)

تُعد وزارة الأمن الداخلي الأميركية من أهم وزارات الحكومة الفيدرالية؛ لأنها تُمثل المظلة التي تنسق حماية الولايات المتحدة من طيف واسع من التهديدات؛ من الإرهاب والهجمات العابرة للحدود، إلى الهجرة غير النظامية، والكوارث الطبيعية، والهجمات السيبرانية.

لقد أُنشئت الوزارة بعد هجمات 11 سبتمبر (أيلول) 2001 بهدف توحيد عمل أجهزة أمنية كانت موزّعة على عدة مؤسسات، بحيث تغدو الاستجابة أسرع، ويغدو التنسيق أقوى بين الأمن الحدودي، والاستخبارات، وإدارة الطوارئ، وحماية البنية التحتية. وحقاً تقول الوزارة إن مهمتها الأساسية هي «حماية الشعب الأميركي والوطن والقيم الأميركية»، وهذه مهمة تتجاوز المعنى التقليدي للأمن، لتشمل أيضاً ضمان استمرارية السفر والتجارة الشرعيين وحماية المؤسسات الحيوية.

تكمن أهمية الوزارة أيضاً في أنها لا تتعامل فقط مع الأخطار الخارجية، بل أيضاً مع التهديدات الداخلية التي قد تمسّ الحياة اليومية مباشرة، مثل أمن المطارات، وحماية الحدود البرية والبحرية، والاستجابة للأعاصير والفيضانات، وتأمين الانتخابات والبنية التحتية الرقمية، ومكافحة تهريب البشر والمخدرات، وحماية كبار المسؤولين. ولهذا فهي من أكثر الوزارات تشعّباً وحساسية سياسياً، إذ إنها تضم أكثر من 260 ألف موظف، وتعمل عند تقاطع الأمن، والهجرة، والحريات المدنية، وإدارة الأزمات.

أما أبرز أجهزة الوزارة ومكوّناتها الأمنية والتنفيذية فهي: هيئة الجمارك وحماية الحدود (سي ب بي) وهي المسؤولة عن المعابر والحدود، ووكالة الهجرة والجمارك (آيس) التي تتولى التحقيقات وعمليات الترحيل، وإدارة أمن النقل (تي إس إيه) المكلفة بأمن المطارات ووسائل النقل، وخفر السواحل الأميركي والخدمة السرية والوكالة الفيدرالية لإدارة الطوارئ (فيما) ووكالة الأمن السيبراني وأمن البنية التحتية، بالإضافة إلى خدمات المواطنة والهجرة، ومكتب الاستخبارات والتحليل. وبذلك تُعد الوزارة مركزاً جامعاً للأمن الحدودي، والأمن الداخلي، وإدارة الكوارث، والدفاع عن البنية التحتية الحيوية في آنٍ واحد.